قصة آدم عليه السلام (تابع)


الحلقة 12

ترتيب نزول الآيات كان يتّسق ويتفق مع زمانه أما ترتيب الكتاب فهو الذي يقابل ما نحن فيه مع زماننا. الشاهد على هذا الكلام أن سورة البقرة ترتيبها 87 في النزول والثانية بعد الفاتحة على رأس الكتاب. عندما نستعرض السور السبع التي وردت فيها قصة آدم u: البقرة، الأعراف، الحجر، الإسراء، الكهف، طه ، ص. نجد أن سورة الأعراف هي الثانية من حيث النزول والثالثة من حيث ترتيبها في الكتاب، سورة ص هي ترتيبها الأول من حيث نزول قصة آدم فيها وترتيبها السابعة في الكتاب. بلا شك هناك ما أراده الله سبحانه وتعالى بهذا الجمع. القضية أنه ساعة نعرض للقصة يتابع الناس معنا كما تقرأ بترتيب الكتاب ونحن قررنا أن نسير على ترتيب الكتاب وليس على ترتيب النزول حتى يسير الناس معنا وهم يقرأون القرآن بترتيب الكتاب. وسبحان الله تعالى فإن الآيات كلها إذا جمعتها من كل السور التي وردت فيها تجد أنها جاءت بأكثر من ملمح في كل قصة ففي سورة البقرة مثلاً كثير من الآيات التي لم تأت في القصة في سورة أخرى. ففي سورة البقرة ورد نص (إني جاعل في الأرض خليفة) هذا النص لم يرد في أية سورة أخرى ولم يتكرر جاء في سور أخرى (إني خالق بشراً من طين) وهذا ما تنفرد به القصة في سورة البقرة وهي على رأس الكتاب. وهنا يجب أن نوضح أنه لما نتكلم في هذا البرنامج عن القرآن نقصد به النزول وعندما نتكلم عن الكتاب نقصد به المصحف بترتيبه الذي بين أيدينا اليوم.

في سورة البقرة قال تعالى (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة) وأتمنى أن أمحو من أذهان الناس آثار الإسرائيليات وأذكر أن أحدهم سألني مرة: هل الملائكة تتكلم؟ ووجدت من أسئلته ما يحتاج لوقفات. يجب أن نقول أننا نحن نأخذ القصص في القرآن حتى نأخذ العبرة والعظة منها. حتى من موقف إبليس ساعة حسد آدم ويجب أن نفهم ماذا حصل؟ لماذا لم يسجد إبليس لآدم كما أمره الله تعالى؟ لأن هذا واقع حال ويتكرر عندنا الآن. كثير من الناس يتكلم عن السحر ولكن لم يقف أحد عند الحسد وأصل قصة آدم كلها أنها مبنية على الحسد لأن إبليس لم يعجبه تكريم المولى لآدم فحسده ولما حسده وحتى يوقع الحسد فيه رأى زاوية الضعف في آدم. كما جاء في حديث رسول الله r أنه ساعة خلق الله آدم وتركه ما شاء الله أن يتركه (في الإسرائيليلت يقولون أربعين سنة) أخذ إبليس يستعرض هذه الجثة قبل نفخ الروح فعلِم أنه خلْق لا يتمالك أي عنده شهوة تُسهّل مهمة إبليس معه لأنه أجوف. لا يتمالك لغة تعني لا يملك نفسه عند الغضب، عند الشهوة وهذه حالات سيطرة إبليس علينا وهو يدخل من هذه المداخل: الغضب والشهوة. عرف إبليس نقطة ضعفنا ولذا فسيطرته سهلة وعلينا نحن أن نسد الثغرات لننجح في المعركة القائمة إلى يوم الدين بيننا وبين إبليس. ساعة فراق الدنيا هي الساعة التي يعرف الإنسان منا هل نجح في الإختبار مع إبليس وهذه هي اللحظة التي يبكي عليها العارفون ساعة فراق الدنيا إلى الدار الأبدية لذا نستعرض هذه القصة لنأخذ منها العِبر.

سؤال ما هي الملائكة؟ ذكر الله تعالى في القرآن خلق آدم والإنسان وخلق الجن لكن لم يذكر خلق الملائكة فجاء الحديث الشريف ليخبرنا عن خلقهم لحصول التكامل بين الكتاب والسُنة. قال رسول الله r:" خُلِقت الملائكة من نور وخُلِق الجن من نار وخُلق الإنسان مما وُصِف لكم" (مما وصف لكم) لأن مراحل خلق آدم تحدث عنها القرآن الكريم .وهذه حجة على الذي يرفض السُنة ونقول له من أين عرفت عدد ركعات كل صلاة إذن؟

سورة البقرة تعطينا جانباً من جوانب قصة آدم u وكل سورة وردت فيها القصة فيها لمحة جديدة ولا يوجد تكرار في القصة. قصة آدم جاءت في سبع سور وكل سورة فيها ملمح لم يأت في سورة أخرى. أحد رواة الإسرائيليات قال أن الله تعالى يستشير الملائكة لكن هذا غير صحيح لأن الله تعالى قال (إني جاعل) ولم يقل سأفعل أو يا ملائكتي أأخلِق؟ أو غيره وهذه الكلمة (إني جاعل) هذا قرار ولا تدل على إستشارة أو غيرها (إسم الفاعل جاعل يقع وقوع الثبوت) والله تعالى أمره (إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كُن فيكون) هو سبحانه وتعالى لا يستشير. الشيء لم يكن موجوداً عندنا لكنه موجود عند الله تعالى بمجرد إرادته لهذا الشيء يوجد وكلمة (يقول له) تتعني كأن الشيء أمامه وإلا ما إستعمل الضمير (له) وقوله تعالى (كُن فيكون) تعني إظهر للخلق فهو موجود أصلاً (وليس من الكينونة) ولو لم يكن موجوداً لما اقل (له) فإذن كُن يعني إظهر للبشر أو لخلقي.

(إني جاعل في الأرض خليفة): سورة البقرة تكلمت عن واقعة لم تتكرر في باقي السور وهو ردّ الملائكة. تخيّل لو لم يأت ردّ الملائكة تكون الآية على النحو: وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين. جاء في البقرة ملمحاً جديداً أن الملائكة ردّت وفكّرت وتوقعت لكن لو لم تكن تكلمت لكانت القصة في سورة البقرة تكراراً لما ورد في غيرها من السور. كلام الملائكة يبيّن أن الآيات في هذه السورة ستتحدث عن ملمح لن يتكرر في سورة أخرى. فسورة البقرة هي الوحيدة التي جاء فيها ردّ الملائكة (قالوا).

(وإذ قال ربك للملائكة) : أي أُذكر يا محمد. الواو في (وإذ) متعلقة بذكر الواقعة كأنها إستئنافية ليذكر لنا الرسول r عبر الوحي هذه القصة. كأن الرسول r عندما تنزل الآيات سيقول بالنص (وإذ).

سؤال ما موقع هذه الآيات بالنسبة لما سبقها؟

عرض خلق الكون وكيف إستعدّ الكون لهذا لإستقبال هذا الجعل فكأنه يضيف إلى المؤمنين من تؤنبه نفسه (فكيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم.. ترجعون) نحن لم نعش لحظة الخلق ولكننا عشنا لحظة الموت ورأينا من يموت ودفنّاه فنأخذ من هذه شاهداً لتلك. يجب أن نعمل حساباً لقوله تعالى (ثم إليه ترجعون). (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً) قبل خلق آدم. (وإذ) اذكر أنه بعد أن خلق الكون وأعدّه خلق آدم ولم يستشر. هناك ربط بين هذه الآية وما قبلها بالواو في (واذكر). اذكر يا محمد ساعة قال ربك للملائكة تبين أن الرسول r يستمد من هذه القصص صدق نبوته وصدقه في الوحي فهو لم يحضر هذه القصص ولم ير نوحاً وإبراهيم وموسى وعيس. قصص هؤلاء جاءت في التوراة والإنجيل وكان حري بهم أن يقولوا له صدقت. فالله تعالى يؤيد الرسول r بصدق القرآن الكريم.

(وإذ) أي اذكر وقل لهم حتى يصدقوك. (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) بالرصيد الموجود عند الشخص لمن يُتكلم عنه إما تصدقه أو تكذبه. فهل يعقل أن يغامر الرسول r بحكاية يكذّبوه فيها؟ هل سمعتم أن يهود المدينة قالوا للرسول r لم يحصل ما تقول؟  وهذا سيبقى حتى بعد وفاة الرسول r فالقرآن باقٍ بقوله (وإذ).

عندما سُئل أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه: يا أبا بكر هل عرفت ربك؟ قال نعم، قالوا  بِمَ؟ قال عرفت ربي بربي ولولا ربي ما عرفت ربي، فقالوا: كيف عرفته؟ قال: العجز عن الإدراك إدراك والبحث في ذات الله إشراك. هذه الجملة يجب أن تدعل كل بشر يسلم بها فعندما تعجز عن إثبات وجوده فقد أثبته. طالما أن اليهود لم يكذبوا الرسول r في واقعة من وقائع القصص فهذه غاية القصص. القصة التي يحكيها الرسول r لها واقع في التوراة والإنجيل وهو لا يعلم فهو صادق لذا قال تعالى (نحن نقص عليك أحسن القصص) لم يكن الرسول r قبل البعثة يقص قصصاً. هو r قًصّ عليه القصص ولم يكن هو الذي يتتبع القصص. (بما أوحينا إليك) القصص ضمن الوحي كقصة نوح وموسى وعيسى وغيرهم. عقاب المشركين يوم القيامة أنهم عندهم القصص في كتبهم ولكنهم كذبوا محمداً r عندما أخبرهم بها لذا فليس عبثاً أن جاء في الاتحة قوله تعالى (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) ثم تأتي سورة البقرة تتحدث عنهم. الرجل العاقل لا يضحك على نفسه فهم لديهم القصص في كتبهم لكنهم لم يصدقوا الرسول r.

سؤال ما دلالة إستعمال كلمة(ربك) بدل الله مثلاً؟

لأنه عندما قال إقرأ قال (إقرأ بسم ربك الذي خلق) وبسم الله جاءت على رأس كل السور تطبيقاً للقول. جاءت (ربك) لأجل موضوع العبودية.

سؤال (وإذ قال ربك للملائكة) هل الأمر صدر لجميع الملائكة؟

هناك رأيان في هذا بعض المفسرين قدامى ومحدثين قال أنه لبعض الملائكة المسخرين والمتصلين بخدمة الإنسان مثل المدبرات أمراً والحفظة وجبريل وإستدلوا على رأيهم بقوله تعالى في آية أخرى (أستكبرت أم كنت من العالين) قالوا: العالين هم الذين لم يشملهم الأمر وهم حملة العرش. والرأي الآخر الذي آخذ به أن قوله تعالى (وإذ قال ربك للملائكة) يعني كل الملائكة لأنه لم يقل بعض أو قليل أو كثير فلا يوجد تبعيض وإنما قال للملائكة فلذا نميل إلى أن جميع الملائكة شملهم الأمر. أما كلمة العالين في الآية (أستكبرت أم كنت من العالين) فهي تعني العالين جمع عال أي المستكبرين بدليل قوله تعالى عن فرعون (إن فرعون لعالٍ في الأرض). وهذا الإختلاف بين العلماء شهدناه مع الشيخ الشعراوي رحمه الله تعالى ومع أستاذه الشيخ عبد الجليل تواب الذي قال: كل الملائكة والشيخ الشعراوي قال بعض الملائكة والشيخان لم يختلفا إلا في بعض الأمور القليلة جداً. نحن نختلف لكن تبقى اللغة هي الفاضل (وكذلك أنزلناه قرآناً عربياً) اللغة لها وقع في الإستخدام قبل القرآن. نحن نرجح رأياً لكن لا نتعصّب لرأي ضد رأي. والمناقشة يجب أن  تكون للإستفادة حتى لو إختلفنا. يجب علينا أن نقرأ القرآن ونطبقه ونستفيد منه.

(في الأرض) هذه الكلمة تحقق معنى كلمة الجنة التي قلنا أنها على الأرض وليست جنة الخلد لأن أول إستخدام لكلمة الجنة في القرآن (أصحاب الجنة) (جنتان). الأرض التي خلق آدم لها وخلق البشر لها وهي خُلٌِقت وأُعدّت لآدم. قال تعالى (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً) فنحن لم نأت للسماء ولكن للأرض.

سؤال خليفة: لماذا لم يقل مخلوقاً أو آدم أو غيرها حتى لا تثير كلمة خليفة الجدل؟ خليفة لله أو خليفة يخلف بعضهم بعضاً

أن يكون لله تعالى خليفة فهذا كلام فارغ. عندما تسمع كلمة الله يجب أن تضعه على مدار ما جاء في القرآن (ليس كمثله شيء). خليفة سبق وذكرنا أنه  لغةً هو الذي يخلف غيره ويقوم مقامه بعد موته أو سفره أو غيابه أو إنتقاله . وفي كل المعجم اللغوية كلمة خليفة على أنها عجز المخلوف إحتياجه إلى خليفة. فلان حاكم بلد فيها أطراف مترامية فيستخلف على بعض أجزائها خليفة لأن البشر ليسوا مهيمنين أما الله تعالى فهو المهيمن. الدكتور محمد المسيّر قال أن القول أنه خليفة لله هذا مستحيل.

كلمة خليفة، لنفترض أنهم قالوا خليفة عن الله فلمن تكون الفائدة؟ لله أو للخليفة؟ فائدة لله! فهل يعقل هذا الكلام ؟ وهل الله تعالى يحتاج لخليفة؟ كل البشر يحتاجون لخليفة فالموظف في عمله مثلاً يحتاج لخليفة يخلفه في عمله عندما يكون مسافراً أو بعيداً عن عمله. من يحتاج من؟ الخليفة يحتاج للمخلوف أو  العكس؟ بالواقع الذي يقولونه من إعتبارهم أن خليفة تعني خليفة عن الله كأنهم يقولون أن الله تعالى حاشاه يحتاج لخليفة.

ردّ الملائكة: أتجعل فيها من يفسد فيها أي يخلف بعضهم بعضاً فيحدث فساد. الملائكة هم أقدر الخلق على معرفة كُنه الإله الحق ولم أنهم فهموا أن المقصود خليفة عن الله فهل كانوا ليقولوا: أتجعل فيها من يفسد فيها؟ لا يمكن. الخلق هم الجنّ والملائكة والبشر والملائكة أعرفهم بكُنه الإله الحق وهناك من البشر من عرف قدر الإله الحق لكن الملائكة أقدر الخلق على فهم كُنه الإله الحق بدليل أنهم لا يعصون. خليفة الله كلمة مستحيلة. إنما خليفة تعني على رأي ذرية يخلف بعضهم بعضاً. ساعة مات آدم كان عنده خليفة وحتى الذي ليس لم يخلّف فهناك كثيرون غيره عندهم خليفة.

سؤال  لماذا قال خليفة؟ هذه على مراد الله تعالى حتى نفتح هذا الحوار فيزداد معرفتنا بكُنه الإله الحق. خليفة لم تأت إلا في سورة البقرة حتتى تتميز هذه السورة وقد ورد في سور أخرى (بشراً من طين) وغيرها. هذه الكلمة (خليفة) لها مراد عند الله تعالى وليس من العبث ولا من قبيل الصدفة أن تأتي في سورة البقرة في أول القصص فهذه أول قصة. إذن يستحيل أن يكون لله تعالى خليفة.

(قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) هذا ليس إعتراضاً ولا مناقشة ولا إستنكاراً. هم قالوا في الحقيقة سمعاً وطاعة لكن غيرتهم على طاعة الله تعالى على أن يأتي خلق يُفسد أو يسفك الدماء. من أين علموا هذا؟ رد الله تعالى عليهم يبيّن من أين عرفوا؟ قال تعالى (إني أعلم ما لا تعلمون) تدل على أنهم يعلمون شيئاً. جاء إحتمالهم تعلمون أي عندهم علم إحتمالي وهم بنوا كلامهم على أحد أمرين: إما على خلق سبقنا في الأرض ونحن نخلفه، أو على أن طبيعة الأرض لهكذا أي الفساد وسفك الدماء. والإثنان إحتمالان تعجل فيهما الملائكة. وربما لأن الإنسان لا يتمالك كما أخبرنا الرسول r. إبليس فعل هذا الأمر في التوقع (ولا تجد أكثرهم شاكرين) من أين جاء بهذا؟ هذا ظنُ منه يحاول أن يفكر وأن يتوقع. القرآن يعبّر نفس التعبير ( وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين). فما قاله إبليس ظنُ منه وقع وليس علم يقين.

(أتجعل فيها من يفسد فيها) قول الملائكة هذا إستيضاح وتحقق من توقع لديهم. ولذلك لما يعرض القرآن الكريم أن الملائكة لا يعصون الله تدل على أنهم لم يُغضِبوا الله تعالى لكنه سبحانه عمل لهم تجربة عملية في قوله (إني أعلم ما لا تعلمون).

سؤال لماذا ذكرت الآية سفك الدماء بعد ذكر الفساد؟ سفك الدماء نوع من أنواع الفساد فلِمَ خصّه؟ السفك من أنواع الفساد لكن الفساد يتعدد. وأبرز واقعة وأول واقعة فساد حصلت على الأرض هي قتل قابيل لأخيه هابيل  ولهذا صدق حدس الملائكة. نحن علينا عندما نتلو قوله تعالى (واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق) نقول سبحان الله هذا ما قرأناه في سورة البقرة (يسفك الدماء) وهكذا نستنبط ونحقق ونربط القرآن بعضه ببعض بطريقة موسوعية فالمولى تعالى لم يأمرنا بقراءة القرآن وإنما أمرنا بالتدبر (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) فالذي لا يتدبر كأن على قلبه قفل ولن يستفيد من القرآن.

لم يذكر في الآية الزنا أو السرقة لأن هذه كلها من الفساد. سفك الدماء هو أول واقعة على الأرض. يقول r في الحديث الشريف: "لا تقتل نفس ظلما، إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها، لأنه أول من سن القتل" (صحيح البخاري، كتاب الأنبياء) وقال تعالى (من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً) لأن قابيل علّم القتل. وعلينا أن نتفكر في قصة قابيل وهابيل ونرى الفرق بينهما فقابيل قال لأخيه لأقتلنّك أما هابيل فكان ردّه (لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يد إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين) وهكذا هم الناس قسم يفعل وقسم لا يفعل وهذا هو التغاير في البشر. والمسلم هو الذي سلّم لهذا الكتاب فلا يفسد ولا يسفك الدماء والرسول r يقول: "المسلم من سلِم المسلمون من لسانه ويده".

(ويسفك): إستعمل فعل يسفك بدل يقتل أو غيره ليدل على بشاعة الفعل. يسفك الدماء لتشمئز من اللفظ. يقال: الآدميّ بُنيان الربّ ملعونٌ من هدمه. فإذا كنت أنت قد بنيت جداراً وهدمه أحدهم تغضب فما بالك بخلق الله تعالى؟

أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء): تكرر حرف الجر (فيها) مرتين مرة مع الأرض ومرة مع يفسد لكن لم يرد مع يسفك الدماء لأن سفك الدماء من الإفساد.

سؤال الآية (ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك) كأن الملائكة يقارنون بينهم وبين آدم؟ هذا الظاهر لكن في الحقيقة هم يغيرون على محارم الله تعالى فكأنهم يقولون: يا رب هل يكون في الأرض خلقٌ كخلق الملائكة؟ خلقٌ لا يعصي مثلنا؟. قيل في الإسرائيليات ـن الملائكة إعترضت. لكن في الحقيقة أن الملائكة طبيعتها الطاعة وليس عندهم حسد وإنما الحسد في إبليس. الجنّ مكلّف والبشر مكلّف والملائكة طائعون. (ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك) كأنهم يقولون نحن نسبح بحمدك فهلاّ يا رب العزة جئت إلى الأرض بمن يسبح ، وهذا إعتقاداً منهم أن الخلق الذي سيُخلق لن يسبح. خصائص المؤمن تنفي ما قاله الملائكة لأن المؤمن يقول (سبحانك) لله تعالى وحده. فحتى الكافر الذي سجد للقرآبين والأصنام لا يقولون لها (سبحانك) وإنما يقولوا هذا الكلمة لله تعالى وحجه ولهذا قال تعالى للملائكة (إني أعلم ما لا تعلمون).

أخصّ كلمة علّمنا إياها رسول الله r: "سُبوح قدّوس رب الملائكة والروح"، سبحان ربي الأعلى نقولها عند السجود، سبحان ربي العظيم نقولها في الركوع ولم نقل سبحان لغير الله تعالى. فلما قال تعالى (إني أعلم ما لا تعلمون) الملائكة تقول سبحانك ولا تعرف أن تقول غيرها لكن البشر يقولونها لله تعالى محده مع أنهم يمكن أن يقولوها لغيره سبحانه ولهذا فهم أفضل من الملائكة ولذلك قال تعالى للملائكة (إني أعلم ما لا تعلمون).

سؤال ذكرت الآية في قول الملائكة خصلتان فيهم (نسبح بحمدك ونقدس لك) مقابل خصلتان من البشر (يفسد فيها ويسفك الدماء). الملائكة يستعرضون الذي سيحصل في الخلق إزاء مثليتهم. هم أوعى الخلق بكُنه الإله الحق فكانوا يتمنون من وجهة نظرهم أن الذي سيكون على الأرض لا يعصي الله تعالى وهذا من غيرتهم على الإله الحق وأنه يجب أن لا يُعصى.

(ونحن نسبح لك ونقدس لك) ما هو التسبيح والتقديس؟ نحن عندما نسجد نقول: سبحان ربي الأعلة فالتسبيح هو التنزيه. والتقديس من القَدَس وهي لغة غريبة في الغة وتعني الدلو الذي تتم به الطهارة. نقدّس لك يعني نطهّر لا نُخطيء. لا يمكن أن نعصي الله تعالى ونحن نعلم صفة الرقيب. هذا الكلام عن الملائكة أما البشر فالذي يعيشها فيهم (صفة الرقيب) يخاف والذي لا يعيشها ينجح معه الشيطان بأن لا يستحضر هذه الصفة عند المعصية فيقع في المعصية. نغفل عن ذكر الله تعالى ونغفل عن موضوع التسبيح والتقديس فنقع في المعصية.

ساعة الحوار مع الملائكة لم يكن آدم قد خُلٌِ بعد بدليل قوله تعالى (إني جاعل).

سؤال المنطق أن يكون الرد من الله تعالى على قول الملائكة (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) أن يكون : لن يفسد لكن الله تعالى قال: إني أعلم ما لا تعلمون فما دلالة هذا الرد؟ وكيف نربط بين السؤال والرد؟

رد الله تعالى على الملائكة يبين أنه تعالى لن ينزل عند رغبة الملائكة لأن المخلوق الذي سأخلقه سيكون على مراد الله تعالى وليس على مراد الملائكة. فالخِلأقة تمت على مراد الله سبحانه. حتى بعد المناقشة لأن الله تعالى إذا قضى أمراً لا يتبدل ولا يتغير. التغير من صفات البشر أما ما قضاه الله تعالى لا يناقش ومع ذلك المناقشة مفتوحة لأن الملائكة تدخلت في الكلام. والكلام (إني جاعل في الأرض خليفة) كان حتى تسجد الملائكة وليس للإستشارة لأنه (إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون) وقضاء الله تعالى لا يُرد والملائكة تدخلت بالسؤال فقال تعالى (إني أعلم ما لا تعلمون) تبيّن أن إراداته لن تتغير.

سؤال الملائكة مأمورون والجنّ مكلّفون وهما مخلوقين قبل الإنسان فلماذا خلق آدم؟ لأنه يختلف عن الجنّ المكلّف والملائكة المأمورين. فالبشر مكلّف لكنه يمكن أن يأخذ صفات الملائكة في مواطن (الطاعة العمياء) ويأخذ صفات الجن في مواطن أخرى (المعصية العمياء). أما الجنّ فصحيح أنهم مكلفون لكن الجن إما أن يكونوا عصاة وإما أن يكونوا طائعين ولا يمكن لأحدهم أن يكون هذا وهذا في وقت واحد كما عند البشر بدليل قوله تعالى (وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك). أما البشر فيمكن أن يكون طائعاً في مواطن وعاصياً في مواطن. لأن البشر أغيار والواحد منهم فيه متناقضات كثيرة. فأحياناً ترى شخصاً في الكعبة يبكي ثم بعد أن ينتهي يكذب أو غيره. لذلك البشر أفضل من الملائكة ومن الجن. والإجابة (إني أعلم ما لا تعلمون) إجابة عالية جداً لو فكرنا فيها. كأني بالله تعالى يقول: إني أخلق خلقاً ليس في بالكم وما أقضي به لا يصل إليه أحد في التفكير.

سؤال تحدث القرآن عن خلق آدم لكن لم يتحدث في خلق الملائكة أو الجن وكأن خلق آدم سيكون له قضية فلماذا؟

علينا أن نرى أولاً كيف جاء تكليف كل من الملائكة والجن والبشر بالقرآن؟ الملائكة والجن لم يُكلّفوا بالإيمان بهذا القرآن كما كُلِّف البشر. قال تعالى (الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان) لم يقل في الآية لِمَنْ علّم الله تعالى القرآن؟

بُثّت الحلقة بتاريخ 24/4/2006م


الحلقة 13

مسألة خلق حواء التي دار حولها كلام كثير من الإسرائيليات:

مسألة خلق حواء فيها كلام أرجو أن نقف فيه على عين الصواب. القرآن الكريم له أسلوبه المتميز. بعض حروف الجر في القرآن يأخذها الناس على معناها الظاهري، هذا المعنى الظاهري لا يوجه الإنسان الوجهة الصحيح لأن لغة القرآن تختلف عن لغة غير القرآن. إذا سمعنا جملة من القرآن لا يصح أن نفهمها على ظاهرها. وكذلك كلام رسول الله r. لأن محمد r ساعة قال له الملك: إقرأ بإسم ربك الذي خلق أصبح العلم الذي عنده ليس من ذاتيته r وإنما من عند الله تعالى (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5))  سورة النجم وضحت نقاطاً لو وضعنا يدنا عليها لفهمنا. فكلام رسول الله r ولغته وعلمه  ليس كلام بشر عادي ولكنه وحي من الله تعالى.

في بعض الكتب قالوا سنأخذ خلق حواء من فم رسول الله r من الحديث: " حدثنا إسحاق بن نصر: حدثنا حسين الجعفي، عن زائدة، عن ميسرة، عن أبي حازم، عن أبي هريرة: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره واستوصوا بالنساء خيرا، فإنهن خلقن من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وأن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيرا) (البخاري، كتاب باب الوصاة بالنساء). " والبعض يريدون أن يأخذوا الأمر من قوله تعالى (يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1) النساء) أخذوا (منها) على أنها من آدم u. فقالوا حواء خُلٌِت من ضلع آدم. لكن إذا أعملنا عقولنا وتلقينا الأمور على حقيقتها لا على ظاهرها. لما نسمع حديث الرسول r نسأل: هل تكلم الرسول r في خلق حواء أو في طبيعتها؟ الرسول r لم يوجه الحديث عن خلق حواء لكنه r يقول أن النساء طبيعتها كذا وكذا. وما دام r يتكلم عن طبيعتها لنتعلم. أولاً لغة العرب قبل نزول القرآن الكريم. العرب ماذا تعني كلمة ضلع عند العرب؟ ضلع يعني أعوج وإذا أُطلِقت على الأرض تكون ما انحنى منها أعوج. فهناك فرق بين الخلق والطبيعة. أعوج شيء في الضلع أعلاه لأنه يزداد عوجه في أعلاه في نهايته لأنه لو لم يكن كذلك لسقط القلب في الأحشاء. وسمي الضلع ضلعاً لإنحنائه. فحديث الرسول r الذي ذكرناه استوصوا بالنساء خيراً فإنهن خُلِقٌِن من (ضلع) أي من طبيعة تختلف عن طبيعة الرجل. (فإن المرأة خلقت من ضلع أعوج) وفي حديث (إنما المرأة كالضلع ان تقمها تكسرها وان تستمع بها تستمع وفيها عوج) فلا نفهم من كلمة أعوج أنه سُبّة. تخيل بيتاً فيه رجلان وبينهما أطفال لا يستقيم البيت، أما المرأة فهي تقيم البيت. ضلع أعوج: غاية إستقامته أنه أعوج. كل مخلوق له مهمة. غاية إستقامة الضلع أن يكون أعوجاً ليؤدي مهمته وكل شيء في الكون له مهمة. غاي إستقامته أن يكون أعوجاً (أعوج: على وزن أفعل التفضيل). وللأسف نسمع على المنابر المرأة مخلوقة من ضلع معوج، الرسول r لم يقل معوج وإنما قال أعوج (على وزن أفعل التفضيل) وهذا له وقع في اللغة. وهذه ليست سُبّّة. حديث الرسول r معناه: إحمدوا الله لأن الزوجة حنونة. لو نظرنا إلى الحياة الزوجية فلو شدّ الرجل تحنّ المرأة فيستقيم البيت.

من ضلع: (من) هنا ليست منّيّة الخلق وإنما هذا كلام مجازي يعني من طبيعة.

هناك فريقان من أهل التفسير أو الفقهاء أو العلماء منهم من قال (من ضلع) إستناداً إلى الآية (وخلق منها زوجها) والفريق الثاني كما نقول نحن يقولون ليست من ضلع آدم. الرازي رحمه الله  قال ما قيمة أن تكون من ضلع آدم؟ القيمة أنها تكون من نفس طبيعة آدم. (منها) مجاز. نسأل سؤالاً منطقياً: هل عدد أضلع الرجل تختلف من أضلاع المرأة؟ كلا، كل منهما عنده 24 ضلعاً، هذه نقطة. والنقطة الثانية العلماء مصرين على أن الدليل هو هذه الآية: (وخلق منها زوجها). لننظر في قوله تعالى: (خُلِق الإنسان من عجل) فهل هناك مادة إسمها عجل خلق الإنسان منها؟ أو هل هذا مجاز؟ هذا مجاز. والمجاز ركن في اللغة العربية ومن أسرار جمالها. نقول: فلان كالشمس أو كالقمر هذا أسلوب مجازي، سولء بالإستعارة وغيرها. للأسف كثير يقف عند ظاهر اللفظ ويقولون قرأنا في سفر التكوين كذا. ولا يجب أن نأخذ من القرآن ثم نحققه من التوراة هذا لا يجوز والرسول r غضب من عمر بن الخطاب لما ذكر له أنه في التوراة كذا (لو كان موسى بين ظهرانينا ما وسعه إلا أن يتّبعني)..

إذن (خُلِق الإنسان من عجل) هذا مجاز. العجل المقصود في الآية من العجلة يعني إستعجال الشيء قبل أوانه ولما يكون الشيء قبل أوانه لا يكون منضبطاً. عليكم أن تكبحوا جماح العجلة والإستعجال عندكم واصبروا. المقصود هو المكنون الدلالي للكلمة. قال تعالى (ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى) (رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا) العمى هنا عمى البصيرة (فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور)، فكان رد الله تعالى (كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تُنسى) هذا قمة التذكر أنك تحاسبه لكن المقصود في الآية أنك تُنسى من رحمته سبحانه وتعالى. نسيان رحمة التي هي أصل لله تبارك وتعالى في التعامل . يوم القيامة هذا الفريق يقول (لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير) هم إعترفوا أنهم كانوا يسمعوا ويعقلوا في الدنيا فإعترفوا بذنوبهم فسحقاً لأصحاب السعير. لذا المجاز مهم في القرآن الكريم ولا ينفع إنكاره وإلا كيف نفسّر قوله تعالى (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (82) يوسف) كلها مجازات لأنه لايقصد سؤال القرية والعير إنما أهل القرية.

(الله الذي خلقكم من ضعف) هل هناك مادة إسمها ضعف خُلِقنا  منها؟ إذن قوله تعالى (خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها) ليست من نفس الزوج ولكن من جنسه، من طبيعته وليست من كوكب آخر. قوله تعالى (هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم) المنّيّة هنا تحتاج لوقفة لأنه ليس المقصود منهم أي من نفس الأميين.

إذن حواء خُلِقٌت مثل آدم u. قال تعالى (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59) آل عمران ) كأني بالله تعالى يريد أن يخبرنا أنه يا من توقفتم في خلق عيسى كان الأحرى بكم أن تتوقفوا في خلق آدم الذي هو أصعب لأن عيسى وجد أماً تحمله أما آدم فخُلِق من دون أبوين فخلقه أصعب. فالذي سكت عن خلق آدم لماذا يعترض على خلق عيسى؟. والله تعالى يخبرنا أنه خلقه كآدم من تراب ثم قال له كن فيكون.  كيف خلق الله تعالى عيسى بهذا الشكل؟ هذه من قدرة الله تعالى فقل الحمد له القادر، وكذلك حواء. ولو لم يخلق عيسى بهذا الشكل لقال المشككون لم يعرف المولى حاشاه أن يخلق بهذا الشكل. على المسلم الواعي أن يُسلّم لمنطق الله تعالى في قرآنه ويأخذ المعجزة ولا يحاسب الإله الحق على قدرته لأن هذا لا يصح.

يقولون أن حواء خلقت من ضلع والضلع شيء محسوس من يعتقد أنها خلقت من هذا الضلع الحسي والآية تخطّئهم إذن حواء خُلِِقت من نفس القيمة المعنوية وليست قيمة حسّية. لو سلّمنا بمنطق من يقولون أن حواء خلقت من الضلع نفسه نسأل هل خلقت من كل الضلع أو من جزء منه؟ بالنسبة لآدم جزء. لو آدم عُمِل من تراب فالتراب أعطى عظماً ولحماً وعروقاً ودماً ولما تُعمل حواء من ضلع فقط تكون ناقصة فكأنه عجز إلهي والعياذ بالله. وهذا خطأ لأنه تعالى قادر فالذي خلق آدم بهذه الطريقة ألا يخلق مئة آدم بهذه اطريقة؟ بالطبع نعم إذن فخلق حواء بهذه الطريقة. سكت القرآن الكريم عن الحديث عن خلق حواء لأنه أمر منطقي (ومن كل شيء خلقنا زوجين) عندما نقول آدم يعني آدم وحواء: ذكر وأنثى. ولهذا يجب أن نسكت عما سكت عنه القرآن. في قصة نوح لما نهى تعالى الحياة وأراد أن يبدأ الحياة من جديد على الأرض قال تعالى (قلنا احمل فيها من كل زوجين إثنين) ليكون هناك حياة (ذكر وأنثى من كل شيء، نبات، حيوان، بشر) ساعة قضى الله تبارك وتعالى خلق آدم لم يكن آدم وحده بدليل أن حواء ظهرت فجأة في قصة آدم في سورة البقرة لأنها كانت موجودة. (إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كُن فيكون) ما سكت عنه القرآن نسكت عنه. (وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة) ساعة قضى الله تعالى أن يكون هناك بشر يجب أن يكون هناك زوجين.

والأمر للملائكة بالسجود كان آدم بوصفه ممثل للجنس البشري مثلما قال (يا أيها النبي إتق الله) ليس لشخصه r ولكن بوصفه زعيم للأمة. كذلك في قوله تعالى (إذا طلقتم النساء) يخاطب القرآن الرسول r على أنه زعيم الأمة. طالمنا أسلمنا جب أن نأخذ التوجيهات له على أساس أنه زعيم الأمة. قوله تعالى للرسول r (وأما اليتيم فلا تقهر) لا تعني أن الخطاب فقط للرسول وباقي الأمة تقهر اليتيم كلا، وإنما نأخذ التوجيهات لنا نحن أيضاً والخطاب في القرآن ليس لمحمد r فقط وإنما للبشر جميعاً.

إذا لاحظنا الخطاب في القرآن الكريم مرة (يا أيها الناس) ومرة (يا بني آدم) وغيرها ولكل نداء معناه. عندما يكون الخطاب لبني آدم فالمقصود به يا بني آدم الذي أخطأ وزيّن له الشيطان إنتبهوا، كأنه يريد جزئية من الحديث. نداء يا أيها الناس (يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ) نداء للكل بالإيمان وأول درجات الإيمان  التقوى. لما قال يا أيها الناس جاء معها بلفظ الرب (ربكم) ولم يذكر الإله أو الله. فالربّ هو المربي وليس الإله الذي يُعبد ويعاقِب. كل كلمة لها وقعها في القرآن ودلالتها. (إتقوا الله)  بعد أخذ تكاليف العبادة.

(من سلالة من طين): هنا منّية الخلق وهناك منية المجاز. الحرف واحد لكن هنا المعنى معنى الخلق. حروف الجر لها معاني مختلفة (معنى الحرف) وتحتاج إلى دراسات . في قوله تعالى (إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة) حرف الجر (من) هنا تعطي معنى (من) ومعنى (في) لأن المسلم يعمل حساب الصلاة من قبل وقتها ولا يفاجأ في وقتها يوم الجمعة. فإذا واعده أحد ساعة الصلاة يوم الجمعة يكون مستعداً لها ويجعل الموعد إما قبل الصلاة أو بعدها لأن موعد الصلاة موعد مسبق. فهذا من معنى (من يوم الجمعة).

(خلق منها زوجها): أي من نفسها، من جنسها من مثلية الجنس. ولذلك قال تعالى (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها) الحكمة (لتسكنوا إليها) أي من طبيعتكم حتى يمكنكم أن تسكنوا إليها.

(قلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة): دليل على أن آدم عرف حواء ورآها ورأته وما يقال في الإسرائيليات أن آدم جلس وحيداً فترة فشعر بالملل فخلق الله تعالى له حواء لتؤنسه وتسلّيه هذا كلام خطأ وهو غير منطقي ومن الإسرائيليات. الناس الآن تقول أن المرأة مُهانة وغيره. أكبر تكريم للمرأة حديث الرسول r (استوصوا بالنساء) وذكرنا أن قوله (خلقت من ضلع أعوج) أي هذه طبيعتها وليس خلقتها. طبيعتها متقلبة كما وصف الرسول r في حديث آخر : يُكثرن اللعن ويكفرن العشير. هي طبيعتها كذلك. قبل أن نقرأ القرآن إفتحوا المعجم وانظروا معنى كلمة الضلع: قلنا أن كلمة ضلع في العربية كلمة عادية جداً وكان العرب يسمون ما انحنى من الأرض ضلعاً، هذا لغة. والرسول r لما ذكر الحديث جاء بالكلمة إصطلاحاً. (إن استمتعت بها إستمتعن بهذا بهذا العِوج) جمال خلقتها بأفعل التفضيل (أعوج) . وقد وصفه الرسول r النساء بالقوارير في حديث رفقاً بالقوارير. وهذا مدح للمرأة والذي يفهم كلام الرسول r من الرجال يعيش مرتاحاً سعيداً لأن الرسول r لا يعطينا أشياء مبالغة ولا ناقصة أو زائدة أو غير منضبطة أو خطأ. الرسول r كان يتكلم عن طبيعة المرأة ليعرف الرجال ذلك. خلقت حواء من نفس، من تراب، ماء، طين، فخار، صلصال بدليل أنه لا توجد إمرأة مختلفة في خلقها عن خلق الرجل في شيء لا في اللحم ولا في العظم ولا في غيره. ولذا لا يجب أن نقول الجنس الآخر لأن المرأة والرجل مخلوقين من نفس الجنس هي الآخر من الجنس. (الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها) أي من طبيعتها ومن ذات ما خلقت منه النفس الأولى التي هي نفس آدم u.

سؤال: لماذا صمت القرآن في الحديث عن خلق حواء مع أنه تكلم في خلق عيسى u حتى لا يثير مشكلة ويتكلم الناس فيه؟

المفروض أننا نمشي على مراد الله تعالى وليس العكس. ما هو معنى المراد؟ ساعة يقضي الله تعالى خلق شيء أو بداية شيء في خلق أي شيء يجب أن يكون زوجين. فعندما يكلمنا عن واحد يكون الثاني موجوداً. (إنما أمره إذا أراد شيئاً) (الشيء : ذكر وأنثى) أنثى النبات كذكر النبات وأنثى الحيوان كذكر الحيوان وأنثى البشر كذكر البشر. تخيل لو قال القرآن الكريم خلق آدم من تراب، حمأ، صلصال، ثم قال خلق حواء من تراب، حمأ، صلصال، لكان هناك تكراراً. خلق آدم إذن هو ممثل للجنس البشري ،خلق جنس.

من أين جئنا بإسم حواء؟

حواء سماها الرسول r في الحديث حواء " لولا بنو إسرائيل لم يخنز اللحم، ولولا حواء لم تخن أنثى زوجها ". أول مرة ينطق r بإسم حواء ولم يرد ذكر هذا الإسم في القرآن أبداً. ما معنى حواء؟ إسم حواء قسم يقولون لأنه خلقت من شيء حيّ لكن هذا الكلام ليس له أصل، وإنما إسم حواء هو إسم أطلقه الله تعالى عليها. إسم آدم فيه أكثر من رأي أيضاً  لكن ساعة سمي الله تبارك وتعالى تكون الحكمة عنده سبحانه. ولسنا مطالبين بمعرفة الحكمة وإلا  نسأل ما معنى إبراهيم، نوح، لوط، هود؟ تميّز محمد r بإشتقاقات إسمه إسمه وله دلالات وإسمه إشتق منه إسم يناسب زمن المتكلم في عهد عيسى (أحمد) وإسم عندما ولد r (محمد) ويناسب بعد بعثته ويم القيامة.

نحن نميل إلى القول أن حواء إسم وخلقتها كخلقة آدم من تراب ولا يليق بذات الله تعالى أن تكون من ضلع وهو سبحانه قادر وقلنا أن الله تعالى إذا أراد شيئاً يكون زوجين وساعة كان آدم كانت حواء.

قد يكون أن حواء شهدت مشهد أمر الملائكة بالسجود مع آدم وقد لا يكون وليس عندنا دليل لا في القرآن ولا في السنة ولا يهمنا ذلك. حواء براء مما ينسبونه إليها في الإسرائيليات أنها هي التي زينت لآدم أن يأكل من الشجرة. وسبق أن قلنا أنه ما ورد في القرآن الكريم أن الشيكان وسوس لها أبداً وإنما الآيات وردت (فوسوس إليه) أو (لهما) ولم يقل وسوس لها أبداً. الإسرائيليات مليئة بهذا الموضوع وأنه إنفرد بها وهي التي أقنعت آدم وهذا كلام لا أساس له من الصحة. ويجب علينا أن لا نقرأ هذا الكلام ولا الكتب المليئة بهذا الكلام وإنما نقرأ التفسير الذي أجمع عليه علماء الأمة على أنه خالٍ من الإسرائيليات. وعلينا أن نعمل على وضع كتاب خالٍ من هذه الإسرائيليات.

تحدث القرآن الكريم والرسول r عن مراحل خلق وآدم ووصف آدم وذكر في الأحاديث أنه كان ستون ذراعاً وغيره ولم يرد وصف لحواء ربما لأنها كانت مثله وأكيد أنها كانت كذلك أو قد تقل عنه قليلاً ولا يهمنا أن نعرف هذه التفاصيل.

(وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها): الأمر جاء في الآية بالمثنى لكن في بداية الآية بالإفراد لآدم فلماذا لم يأت النداء بالمثنى إسكنا؟

الذي يعنينا من حواء أنها زوج، والزواج سنة الحياة أكدها الله تعالى في الإسلام وجعلها آية من آياته (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها) (واسكن أنت وزوجك). أول كلمة ظهرت مع حواء: الزوج والسكن، أنها زوج وسكن. قبل عقد الزواج تقول محمد وخديجة أما بعد العقد فتقول محمد زوج خديجة أو خديجة زوج محمد. والإثنان زوجان. الواحد منهم أصبح زوجاً مع أنه  فرد لأنه بعد العقد يعبّر عن الآخر ويمثله وهذه التعبيرات في اللغة تجعلك تفكر في نقطة مهمة أن الذي يذهب مع زوجته إلى حفلة ينضبط لكن عليه أن ينتبه أنه زوج لو ذهب لوحده. أنت لوحدك أصبحت زوجاً بعد العقد ولست فرداً ولذا قال رسول الله r "إذا غاب عنها حفظته". ويقول تعالى (اسكن أنت وزوجك) لأنهما إرتبطا ببعض ومهما بعُدا فهما زوجان وهذا ينطبق علينا إلى يوم القيامة.

بعض الإسرائيليات تبيّن مدى خطأ آدم بالأكل من الشجرة وكأنه خطأ آدم لوحده وأنه سمع كلام حواء وهم مرادهم في هذا أن يهدموا العلاقة الزوجية لذا البعض يقول لغيره إياك أن تسمع كلام إمرأتك أُنظر ماذا حصل بآدم. لكن هذه العلاقة الزوجية بُنيت على الإثنين. بيت العازب يقال له بيت أما بيت المتزوج فيقال له سكن. الإسرائيليات تحاول أن تهدم ما بناه القرآن.

بدأت الإسرائيليات بمحاولة تحرف القرآن أولاً لكنه إستحال عليهم أولاً لأن الله تبارك تعالى حفظه (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) وثانياً لأنه حفظه في صدور المسلمين ونحن نرى في المسجد إذا أخطأ الإمام في قراءته تجد المصلين وراءه كأنما يريدون أن ينقضوا عليه. فلم تسكت محاولات الإسرائيليات فتكلموا في التفسير ونسبوا كلاماً للرسول r لم يحصل مثل الأحاديث الموضوعة. الإسرائيليات خطورتها أنها تحاول أن تفك عُرى الفهم الصحيح للقرآن الكريم وهذا أمر مقصود لذاته.

أين علماء الأمة من هذه الإسرئايليات؟

الشيخ الغزالي والشيخ الشعراوي والدكتور عبد الجليل عيسى رحمهم الله أشاروا إلى هذه الإسرائيليات في ا تفسير الطبري وما فيه من إسرائيليات ونحن نقول أنه كان على الشيخ الطبري وهو عالم أن يُنقّي وقد كتب في مقدمة كتابه في التفسير : قد يجد القارئ في هذا الكتاب ما تستشنعه النفس ولا يرتاح إليه الفؤاد، ونحن نسأل لماذا كتب هذا إذن؟ كان عليه أن ينقي. وقوله ايضاً في المقدمة " أديناه على نحو ما أُديّ إلينا" لا تبرّئه لأن الجملة الأولى في منتهى الخطورة. كان عليه أن ينقي خاصة أنه قريب العهد بالعهد الإسلامي الأول. كذلك تفسير ابن كثير فيه كثير من الإسرائيليات. لذا علينا أن نعمل على تنقية التراث من حيث التفسير والحديث الضعيف والموضوع من هذا الخبل الموجود في الأمة والذي ضيّعها. وهذا الأمر يحتاج إلى شجاعة وجرأة ونحتاج إلى مركز تحقيق التراث الإسلامي. الشيخ الألباني فعل ما عليه والناس للأسف يتحدثون عنه ويتمسكون بالأحاديث التي ضعّفها الألباني مثل حديث: العلماء ورثة الأنبياء، اطلبوا العلم ولو في الصين، أو الجنة تحت أقدام الأمهات وغيرها من الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة. هذه أحاديث ما قالها رسول الله r. والعبرة عندنا هل قالها رسول اللهr أو لم يقلها؟

كذلك في قصة حواء يقولون لك الرسول r قال إنها من ضلع أعوج ولم يفهموا معنى الحديث وأنه كان يتكلم عن طبيعة المرأة. وفي الحديث الآخر" إذا كنت آمراً أحداً أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها" هذا للطاعة. والحديث "تنكح المرأة لأربع" هذه لإنجاح العلاقة الزوجية وليس لخلقتها، " إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه" "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج" الأحاديث منصبة على إنجاح العلاقة الزوجية بداية من خطبة المرأة والرسول r لا يعنيه إلا ما قاله القرآن الكريم (اسكن أنت وزوجك) والرسول r قال إسمها حواء.

(من) إذن منّيّة مجازية كما ذكرنا في الأمثلة السابقة (خلقكم من ضعف) أي على ضعف يولد المولود لا حول له ولا قوة، (خلق الإنسان من عجل). كل حروف القرآن الكريم تعني معنيين.

يجب أن يكون مدار فهمنا وعلمنا أن ما سكت عنه القرآن نسكت عنه ولا نحاول الذهاب للكتب الضعيفة لأجد مادة أتكلم فيها..

مجموعة الأوامر والنواهي في القرآن الكريم صدرت لآدم (إحذر، أسكن): قال تعالى(فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى) فالأمر موجه للذي سيتعب ويشقى في الحياة فوجّه الله تعالى الكلام له ثم يوجهه هو لمن معه. وهذا تكريم للمرأة التي هي ليست مطالبة بالسعي هي تأكل وتشرب رغداً ولا تشقى وهذا كلام يجب أن نوجهه لمن يهاجم الإسلام على أنه أهان المرأة. القوامة تعني أن الرجل خادم لها وهذه حقيقة معنى القوامة وهذه ليست سُبّة للرجل وإنما هي من الرجولة. لما قال تعالى (فتشقى) فكأنما كلّفه الله تعالى لأنه هو الذي سيتعب فاسمع كلام الله تعالى: (من يتق الله يجعل له مخرجا) في أحلك الظروف والمواقف ويرزقه من حيث لا يحتسب.

الأمر صدر بالأكل للإثنين ثم لما هبط آدم من الجنة قال (فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه) ولم يقل حواء ولكن نعود للإية (قالا ربنا ظلمنا أنفسنا) دليل على أن آدم أخذ الكلام الذي أوحى الله تعالى له به وقاله لحواء هيا نتوب. ويجب أن نفهم تكليف الرجل وليس كما قال البعض أن فيه تضييع لحقوق المرأة وتغييبها عن السياق أو الجزاء وسنناقش لاحقاً قول الرسول r: أكثر أهل النار النساء. ألم تستشعر أنه حتى الهمّ في الخطيئة حمله آدم وحواء معه، لكن هو الذي حمل الهمّ وصدق تعالى (فتشقى) يجب أن يكون لهذه الكلمة وقع. فقال تعالى (فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه) لما قال فتاب عليه لا تعني على آدم لوحده وإنما عليه وعلى حواء من باب تغليب الذكر على الأنثى كما في قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا) تشمل المؤمنين والمؤمنات لكن غلّب الذكور فاستعمل جمع المذكر السالم لتغليب نوع الرجل المسؤول للتكليف أنه هو يأخذ الأمر ويقول لها أكرمنا الله تعالى وسنتوب.

يجب علينا أن نراجع أنفسنا إذا كانت بيوتنا سليمة يكن خيراً وإلا فيجب علينا أن نناقش لموضوع ونعود إلى الله تعالى وإلا سيكون الوبال في الآخرة.

بُثّت الحلقة بتاريخ 1/5/2006م


الحلقة 14

(وَقُلْنَا يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36) فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38))

إلقاء نظة عامة على الحوار الذي دار بين الله تعالى وآدم بعد مسألة السجود والأمر لآدم بالسكن في الجنة مع زوجه:

يجب إلقاء هذه النظرة لأسباب كثيرة جداً. كل كلمة في القرآن لآدم من بداية الخلق والحياة على الأرض لها وقع: نحن من سلّمنا على الأرض إن لم يكن للناس جميعاً. ساعة قال تعالى (وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة) ها توجيه من الله تعالى يجب أن أعرف مناط التوجيه والغرض منه. يجب أن أفهم أن ما وقع لآدم وحواء في الجنة مكتوب من الله تعالى لكن لم يعفيهم من المسؤولية، يجب أن نضع ضوابط. (بل إن الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره) لا ينفع يوم القيامة أقول لم أكن أعرف أو أن الظروف لم تسمح لأن الفيصل يوم القيامة (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا)، والسؤال من الملائكة (ألم يأتكم نذير قالوا بلى) إذن (إقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا) وليس لك مبررات لأن الشيطان ينجح مع البعض بأن يقول لهم إن الله غفور رحيم وهذا شيء مكتوب والناس كلها تقع في المعاصي فيقع الإنسان عندئذ في المعاصي نتيجة الظروف والإمكانيات. لذا أجرى الله تعالى هذه الآيات في قرآنه لتكون شاهداً علينا. آدم نفسه لم يقل: حصل ما حصل غصباً عني. صدر الأمر الإلهي (إهبط) خرج آدم وهبط نتيجة فِعل. صحيح هو مكتوب. وهنا يظهر السؤال الذي يطرحه الناس هل أنا مسير أو مخير؟ فنقول: أن الإنسان مسيّر فيما لا دخل له فيه، في القضاء الذي قضى الله تعالى به مثل مجيئك إلى الدنيا من غير رغبتك. لكنك مخيّر في إختيار الإسلام برغبتك. فلا تحاسب الله تعالى على سابق علمه لكني سأحاسب على عملي لذلك التوجيه الإلهي دائماً فيه جزئية بعدك عن القضية أو عن الخطأ أو عن مكمن الخطأ.

يقولون آدم كان مسيراً ويوجدون مبرراً لفعل الشيطان لكن هذا من غير واقع. الله تعالى خلق الشيطان على خلقته وطبيعته لمراد وحكمة. ساعة يوسوس الشيطان لعشرة هل كلهم يستجيبون له؟ كلا. حتى لو رفض منهم واحد فقط لزمت الحجة باقي الأشخاص. لو واحد يهودي أسلم أصبحت الحجة على كل اليهود.

المشكلة أن لا أحد يعجيه حاله ولا أحد يقول الحمد لله على عطاء الله. يجب أن نترك الأمور على طبيعتها ولله في خلقه شؤون.

أول الخلق آدم:

كان يجب أن يحصل لآدم ما حصل حتى نتعلّم منه وتبدأ الحياة. أول إخبار عن آدم (إني جاعل في الأرض خليفة) قال في الأرض ولم يقل في الجنة فلذا وجود آدم في الجنة (جنة التدريب) أفهمها على أنها مرحلة. ساعة إنتقل آدم إلى الأرض بدأ يشقى وبدأت الحياة. ننظر في الآية (اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغداً حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة) لم يقل ولا تأكل من هذه الشجرة وإنما قال ولا تقربا وهذه صيانة إحتمال المولى تعالى لنا: لا تقرب فتقع في المحظور لأنه : من حام حول الحمى أوشك أن يقع فيها".

علينا أن نأخذ كل تكليف من الله تعالى لنا ونطبقه بحذافيره لأنك لما تسمع كلام الله تعالى تسد المنافذ على الشيطان. البعض سيقول أنا أعرف ماذا أفعل لكنه لا يدري أن الشيطان يوقع أحياناً بعض الناس الصالحين ويدخل لهم من باب أنكم يجب أن تطلعوا على ما يحصل حتى تتمكنوا من نصح الناس بالإبتعاد عنه فيدخل الصالح مثلاً الخمارة ثم يوسوس له بأن عليه أن يذوق الخمورة ليعرف كيف يكون شعور شاربيها فيشرب فيكون قد وقع في المعصية وهو يظن أنه محصّن ويعرف ماذا يفعل. ساعة حرّم الله تعالى الزنا قال (ولا تقربوا الزنا) ولم يقل لا تزنوا، وساعة حرّم الخمر قال (إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه) لا تذهبوا ناحيته لأنكم لو ذهبتم ستقعون في المعصية وسترتكبون الإثم. الناس مشكلتها أنها تفهم الأمور على مرادها هي وليس على مراد الله تعالى. والبعض يقول أن الخمرة هي السائل المسكر فقط وهذا خطأ فالخمر هو كل ما يخامر العقل كالحشيش والأفيون وغيرها لأن نتيجتها واحدة لذلك نهى الرسول r عن كل مسكر ومُفتّر. نحن نجيد المناقشة في الدنيا ونبرر لكن علينا أن نفكر كيف سنجادل الله تعالى يوم القيامة (يوم تأت كل نفس تجادل عن نفسها).

(ولا تقربا هذه الشجرة) لكن آدم إقترب. كُل ما تشاء ولا تقرب. (وكُلا منها رغداً حيث شئتما) البداية كانت بالأمر بالأكل من حيث يشاءا ثم قال ولا تقربا هذه الشجرة. وسبق أن قلنا في مرة سابقة أنه قد يُعذر آدم لو كان الأمر الإلهي صدر بعدم الأكل من كل الشجر إلا واحدة وقد يكون له مبرر. لكن هذه الواقعة كان لا بد أن تتم على مراد الله تعالى.

آدم نسي في تلك الحظة (فنسي ولم نجد له عزما): لم يقل آدم عندما أمره الله تعالى بالسكن والأكل إلا من شجرة واحدة لم يقل له : لِمَ لا آكل من هذه الشجرة؟ لا يوجد في القرآن تعقيب من آدم على أمر الله تعالى لأن آدم كان مسلّماً تماماً لله تعالى لكنه نسي وهذا تحذير لنا جميعاً لأن الإنسان قد يكون مؤمناً جداً ولكنه ينسى. لذلك كلمة (فأزلهما) تناسب كلمة (فنسي) لأنها ليست معصية بتخطيط.

المعاصي نوعان: معصية مفاجئة لم يخطط لها من قبل وإنما حصلت فجأة كأن يُغرر بأحد بمعصية. وهناك معصية بتخطيط وهذه تكون مع سبق الإصرار والتصميم. والإثنان في النار لأن أقلّ النار نار. والخطأ خطورته أن يكوت الإنسان عليه وهذه أمنية الشيطان أن يكوت الإنسان على معصية ولو حصل هذا يكون العاضي في النار والعياذ بالله.

(كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (16) فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (17)) المخطط والمدبر والذي وقع في المعصية حتى لو كان في أول النار فهو في النار وكذلك في الجنة فلا يستقل أحدٌ عملاً لأن أقلّ الجنة جنة. الشيطان قد يوسوس للإنسان ويمنعه من الصدقة بحجة أنها قليلة ولن تنفع فلا يتصدق الإنسان لأنه يستقلها لكن نقول: لا تحقرن من المعروف شيئاً وخف من المعصية مهما صغُرت. والروسل r يوصينا في الحديث الشريف: "إتقوا النار ولو بشق تمرة" معنى الحديث أنه لو كانت لديك تمرة واحدة فكل نصفها وتصدق بنصفها ولا تدري فقد تكون هذه الصدقة القليلة هي التي تحتاجها يوم القيامة لتدخل الجنة.

الشيطان يتمنى أن يُخطئ الإنسان ويموت على المعصية ولهذا على كل إنسان أن يفكر عندما يوسوس له الشيطان لأنه قد ينوي الإنسان فعل طاعة أو صدقة فيأتي الشيطان ويؤخره عن الطاعة ويمنّيه بطاعة أخرى كأن يقول له إذا أراد التصدق بصدقة قليلة إنتظر حتى يكون لديك مالالأص أكثر فتتصدق به فتتراكم الطاعات دون أن تفعلها ثم تستثقلها فيما بعد كالصلوات قد يوسوس الشيطان لأحد من النسا بأن ينتظر أن يعود لبيته ليصلي في مكان طاهر نظيف ثم عندما يصل البيت يوسوس له بأن يرتاح قليلاً ثم يصلي في المسجد جماعة وهكذا حتى تفوق أوقات الصلوات وتتراكم عليه فلا يصليها. وهكذا يبدأ الإنسان بترك الطاعات لأنها تراكمت وأصبح يستثقلها.

(وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله) النزغ هو الوسوسة التي قلنا سابقاً أنها صوت الحلي المحبب للنفس والشيطان يوسوس دائماً لك بما تحبه.

ما دلالة اللفظ: (فأزلهما)؟

(فمن زحزح عن النار وأُدخل الجنة فقد فاز) زُحزح مبني للمجهول وأُدخل مبني للمجهول. الشيطان أزلّ أي زحزح في التعبير اللغوي العادي. عندما تزل أحداً تزحزحه. هذا معنى أزلّ: زحزح في القرآن. (فمن زحزح عن النار) يعني أنه كان سيذهب بعمله إلى النار. لكن الزحزحة عن النار تُدخله الجنة والزحزحة عن الحنة تدخله النار. إذا سمعت كلام الشيطان ستزلّ إلى النار وإذا سمعت كلام الله تعالى تزحزح عن النار.

(فأخرجهما مما كانا فيه): التوجيه الإلهي أنهما كانا في الجنة، في الراحة، في السعادة، فلما نسي آدم: الوقوع في المعصية نتيجة عدم الإصرار على الطاعة لأنك لست قوياً ولو كنت قوياً لا يمكن للشيطان أن يوقعك في معصية والشيطان نفسه إستثنى (إلا عبادك منهم المخلَصين) هؤلاء بشر يعني ليس مستحيلاً على بشر أن لا يطيع الشيطان والله تعالى أيّد هذا بقوله (وأن هذا صراط علي مستقيم إن عبادي ليس لك عليهم سلطان) هذا الكلام يقال للسحرة والدجالين لأن هناك أناس لن يقدر عليهم الشيطان.

(عبادي) قلنا هذه كلمة عظيمة وهذ ركبٌ علينا جميعاً أن نلحقه لأنها لا تقال إلا في توقيع وفي لحظة يبكي عليها العارفون (يا أيتها النفس المطمئنة إرجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي).

(مما كانا فيه) أي الذي كانا فيه خير.

(فأخرجهما): تدل على السرعة ولم تتحديث الآيات عن الوقت الذي قضاه آدم وزوجه في الجنة. فمهما كانت المدة لا يهم لأن المهم النتيجة أنه خرج منها. لم يكن بإمكان آدم أن يبقى فيها لأن هذا الأمر على مراد الله تعالى. أما نحن فيمكننا أن نبقى في طاعة الله تعالى دائماً.آدم كان مثالاً حيّاً أمام أعيننا نتعلم منه. الآن السملم واليهودي والنصراني والمجوسي يموتون ويُدفنون ولا نرى حالهم لكن لنا في آدم مثال حيّ أمام أعيننا.

(فأخرجهما) لم يقل فأخرجهما الله أو غيره. لأن الله تعالى لا يُخرِج من النعيم وإنما سبحانه يُخرجك من النار. آدم وزوجه لم يخرجا بإرادتهما وإنما أخرجهما بالمعصية. (فأخرجهما) مترتبة على (فأزلهما). الشيطان هو الذي أزلهما وهو الذي أخرجهما وهذه تظهر في سورة طه (فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى) هو الذي أخرجهما لأنهما سمعا كلامه. التوقيع لنا نحن : إياك أن تسمع كلام الشيطان.

الشيطان قال (ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملَكين أو تكونا من الخالدين) جاء بمغريات حتى يأكلا. لو آدم فكّر وقال لإبليس: لمَ لا تأكل منها أنت وتكون من الخالدين؟ هذا هو الدرس لنا نحن.

لما طرد إبليس من رحمة الله تعالى لعب لعبة فقال (فأنظرني إلى يوم يبعثون) يريد أن يفرّ ن الموت لأن ساعة تقوم الساعة لا يوجد موت. هو يريد أن يهرب من الموت لكن الرد جاء من الله تعالى (فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم) سيكون لك يوم تموت فيه. ساعة خلق الله تعالى الكون خلق الموت قبل الحياة (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم) الموت متربص بكل حيّ. فلما قال الشيطان (إلى يوم يبعثون) جاء الرد (إلى يوم الوقت المعلوم) وليس إلى يوم يبعثون حيث لا موت. إبليس أغرى آدم بالملك والخلود وهما آفة البشرية إلى الآن.

إبليس قال (أن تكونا ملَكين) ولم يقل ملِكين: ملَكين يعني يكون عندك معطيات الملائكة. آدم نسي ولم يتذكر. وهناك أناس تخطئ أحياناً أخطاء ما كان يجب أن يقعول فيها فأين المنطق؟ المنطق مع الإيمان، مع التقوى، مع الإحسان. لكن آدم نسي وهي آفتنا نحن أيضاً. عندما يوسوس الشيطان يدخل إلى كل واحد فينا من مداخل مختلفة عن الآخر فيعطيك لذة الشهوة ويُنسيك العقوبة لأن تذكر العقوبة تجعلك ترتدع. لو أنك فكرت أنك قد تموت على معصية لا تذهب إليها. وكم من البشر فُضِح أمره على رؤوس الأشهاد لأنه مات على معصية في الدنيا. يجب أن نوجد حواراً مع الشيطان لأنه يريد أن ينسيك المعصية لكن عليك أن تذكرها دائماً لأنك قد تموت عليها وهذا وحده كفيل بأن يردعك عن القيام بالمعصية.

(إلا أن تكونا ملَكين) وفي آية أخرى (هل أدلك على شجرة الخلد ومُلك لا يبلى): هو يوسوس بشكل أو بآخر بالمغريات.: ستكون ملكاً وسيكون لديك سلطان ومال وجاه. أنت عليك إذا وسوس لك الشيطان بهذا أن تقول: الحمد لله على ما أنا فيه. فلا تنظر لمن هو فوقك وإنما انظر إلى من هو دونك واحمد الله على ما أنت فيه. كل إنسان له مداخل مختلفة. الشيطان لا يملّ والإنسان يستجيب. في كل غلطة عندما تدرسها سيكولوجياً: يأتي شخص ويقول لك أريد أن أعصي فتقول له: إذا أردت أن تفعل معصية إفعلها مع زوجتك فيقول لك لا يمكن أن أفعلها مع زوجتي فأنا أستحي من فعل هذا معها. فتقول: سبحان الله تستحي مع زوجتك ولا تستحي مع الله تعالى؟ هذا أمر غريب فعلاً. يجب أن يكون الإنسان واعياً دائماً.

ماذا ينبغي من بني آدم أن يفعلوا عندما يوسوس الشيطان لهم؟

يجب أن تجعل وسوسته لك إلى حوار. قل في نفسك كيف أعصي الإله؟ لو قال لك الله غفور رحيم قل له أكمِل الآية: وأن عذابي هو العذاب الأليم. فإن قال لك: إن الله لا يغفر أن يُشرك به ويغفر ما دون ذلك، قُل له : لمن يشاء. فعل تضمن أن يغفر الله لك؟

(فأزلهما، فأخرجهما، فتلقى) هذا فضل من رب العالمين على آدم وعلينا جميعاً وهي مشروعية التوبة إلى الله تعالى . قلنا أن التوبة تعني الرجوع، يعني آدم ساعة ما أزله الشيطان بعُد ثم تاب إلى الله أي عاد. لما فسرنا الإنابة قلنا هي العودة والرجوع بالتوبة فالإنابة أعمّ والرجوع بالتوبة لو لم يُعطي الله تعالى آدم الكلمات فهل كنا سنعرف كيف نتوب؟ ساعة عصى آدم الله تعالى لم يعرف أن يتوب حتى تلقّى من ربه كلمات فتاب عليه والله تواب رحيم لأنه تواب حتى من قبل خلق آدم.

الرسول r يقول: " يا أيها الناس إستغفروا ربكم وتوبوا إليه فإني أستغفره وأتوب إليه في اليوم مئة مرة" مم يتوب؟ هو قد غفر له لكنه يعلمك التوبة وأفضل التوبة توبة عن توبة.

سؤال: الله تعالى رزع في آدم وفي ذريته شهوة ما وهذا ما نعاني منه الآن. قد يتساءل سائل أليس هذا قسرٌ من الله تعالى أن يزيّن لنا هذه الأشياء ويمنعنا عنها؟

هذا الكلام يكون منضبطاً لو كنا جميعاً حالاً واحدة لكن ليس كل الناس تستجيب للتزيين. هذا الكلام قالته الملائكة (أتجعل فيها من يفسد فيه) لكن الرد من الله تعالى (إني أعلم ما لا تعلمون) سيكون منهم الصالحون والطائعون. من المسلمين من أمسك نفسه عن شهوة ما طاعة لله تعالى وقال: إني أُمسِك عن الشهوة طاعة لك يا رب. والمولى ضرب لنا أمثلة في القرآن (قل هل يستوي الأعمى والبصير) النقيضان لا يجتمعان. طوبى لمن عرض له الشيطانه وسوسة عن شهوة فأمسك نفسه عنها.

لماذا يوسوس الشيطان بهذه الأشياء تحديداً؟ هل لآدم منعة من أشياء كثيرة لديه زوجة وطعام وشراب؟

من الزناة أزواج عندهم زوجات لكن مع هذا يفعلون المعصية. لو المولى تعالى قال لآدم اترك كل الشجر ولا تأكل إلا من هذه الشجرة الواحدة لكانت القصة مبررة. نحن نتكلم كثيراً عن الزنا والسرقة لأنها سمة العصر. فالزنا سمة العصر وقد ضيّع الشباب وفسدت الأمة. والزنا والسرقة من حدود الله. فربما ونقول ربما نجد عذراً لمن يزني وليس له زوجة مع أنه لا عذر له لكن أن يزني من له زوجة فما هو مبرره؟ كذلك السارق قد لا يعاقب السارق الفقير الذي سرق ليأكل لكن هذا المليونير الذي يسرق ولديه كل هذه الأموال لماذا يسرق؟ إذن هؤلاء لا حد لشهواتهم. لما كلّم الشيطان آدم دخل له من مداخل لا تتوقف. في المقابل من الشباب من أحصنوا أنفسهم مرضاة لله تعالى ومن الفقراء من يرى المال الحرام أمامه مستباحاً ولا يمد يده إليه مرضاة لله تعالى. فضل الله تعالى أنه ساعة تُعرض المعصية على الإنسان عليه أن يفكر بروية أنه لو مات على هذه المعصية فماذا سيفعل؟ سيُبعث على نفس المعصية ويكون في النار ولهذا على من تعرض عليه المعصية أن يفكر ويناقش نفسه وليقل الحمد لله عندها يكن أغنى الناس.

الشيطان يغلب لأنه لا أحد يناقشه. ساعة ما تناقش المعصية فهذه بشرى خير. من ناقش الأمر مع نفسه قد يرجع لكن الذي لا يناقش يقع في المعصية.

(فأزلهما، فأخرجهما) تدل على أنه لم يكن هناك وقت للتفكير. الإسلام عمل لنا صلاة الإستخارة وما خاب من إستشار، لكن المشكلة أنك تستشير وأنت مكوّن رأي مسبق. البعض يصلي الإستخارة ولكن الناس تقول إستخرت ولم أر شيئاً لكن صلاة الإستخارة ليس لها علاقة برؤية. الإستخارة معناها أن تستخير المولى أن يوفقك للموضوع أو عكسه. منهم من يصلي الإستخارة وهو مكون رأي وهذا لا يليق بالهه تعالى. فهذا يكون كالذي يستشير صاحبه في أمر ويطلب رأيه فيقول له أنا قررت كذا. إذن لماذا تستشيره؟ عندما تصلي الإستخارة يجب أن تكون غير مكون رأي وقد دخل الشيطان في هذا فأفسده علينا. الشيطان يدخل أيضاً في إستشارة الشباب للكبير فيقول من هذا لأستشيره؟ وهذا من الكِبر وهو أخو النار بلا محالة والرسول r يقول: " لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كِبر".

عندما يوسوس الشيطان يذكر الإنسان بآيات الرحمة والمغفرة فكيف يُخرِج الإنسان نفسه من الزخم الإبليسي في المعصية؟ بالإستماع للرسول r : البِرُّ حسن الخُلُق والإثم ما حاك في صدرك وخشيت أن يطّلع عليه الناس" عليك أن تفكر لو أنك عملت هذا العمل أمام الناس فهو حلال أما إذا عملته في السر فهو حرام. المؤمن لا يقبل الديّة في دينه. الضرورة شيء والمصلحة شيء آخر وصحيح أن الضرورات تبيح المحظورات ولكن في حدود. إذا كنت تضمن أن تعيش لتتوب من المعاصي فافعل ما تشاء. إضمن وافعل لكنك لت تضمن ولو ضمنت فقد أثمت وإياك أن تتكبر في ذلك فقد يأخذك الله تعالى قبل أن تتوب.

(إهبطوا) واو الجماعة تدل على آدم وذريته والشيطان وذريته. (منها) أي من الجنة والوسوسة لا تقتضي ولا تستلزم أن يكون الشيطان في الجنة ليوسوس.

الإسرائيليات تقول أن إبليس دخل الجنة مختبئاً داخل حيّة حتى لا يراه الله تعالى. فهل يعقل أن لا يراه الله تعالى داخل الحية؟! هذا كلام غريب يقولون لم يدخل الجنة حتى لا يراه الله لكنه اختبأ في بطن الحبة فهل لقدرة الله حدود بحيث لا يراه في بطن الحية؟ وهل وجوده في بطن الحية يعني أنه استتر من الله تعالى؟ هذا كلام لا يقبله عقل.

لما أمر الله تعالى آدم بدخول الجنة وأمره أن لا يأكل من الشجرة ونصحه أن لا يسمع كلام الشيطان فتجد في سورة البقرة (فأزلهما، فأخرجهما) والحمد لله على كلمة (فتلقى) لأنها هذه مشروعية التبوة.

سؤال: لما هبطوا إلى الأرض آدم وإبليس أعداء فهل حصل صراع بينهما على الأرض؟ هل ثبت أنه حصل صراع بين آدم وحواء من جهة وبين الشيطان من جهه؟ أم آدم توجّه إلى الله تعالى وعلّمه كيف يتوب؟ وإذا كان ربنا تعالى علّم آدم التوبة فلم ترك الشيطان؟

الشيطان كفر بالله تعالى ورد الأمر على الآمر أما آدم فقد عزمه ولم يكن قوياً (فنسي ولم نجد له عزما).

الكافر ليس له توبة إلا إذا عاد عن كفره. ساعة كفر الشيطان بالله خرج من رحمة الله تعالى أما البشر يعصون ويرجعون وهذا الرجوع الله تعالى يفرح بتوبة العبد وعندما قال تعالى (إني أعلم ما لا تعلمون) أراد أن يباهي الملائكة بهؤلاء البشر ساعة يتوبون. توبة الواحد منا يحقق قوله تعالى (إني أعلم ما لا تعلمون).

إبليس كفر وليس له توبة. إيمان الكافر الآن إذا دخل في الإسلام شخص هذه في حد ذاتها توبة بمعنى رجوع إلى الله تعالى، إيمتن. هذه التوبة تجبّ ما قبلها فالتوبة عند المؤمن الحق تجبّ ما قبلها والإسلام يجُبّ ما قبله. ساعة يقول الإنسان أشهد أن لا إله إلا الله محمد رسول الله يكون من أهل الإيمان ولو كان في السبعين من عمره.

(فتلقى آدم من ربه كلمات) ما هي هذه الكلمات؟ وما المقصود بها؟

ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. الكلمات لها وقع تبيّن عظمة العلاقة بين الرجل والمرأة. آدم هو الذي تلقى والإثنان قالا فيكون آدم قد أخبر زوجه. آدم قد يكون تلقى هذه الكلمات إما عن طريق الوحي أو بالإلهام.

(فتاب عليه) بوصفه ممثلاً للجنس البشري لأنها كانت مشروعية التوبة. الفاء غير مؤجلة أول ما تتوب تكتب مع التائبين (فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات) تمحى السيئات فوراً بفضل (الفاء). ساعة تاب الله تعالى على آدم هذا مثال لقبول التوبة ومشروعيتها إذا كان آدم تاب الله تعالى عليه فما بالك بأي شخص عادي بشرط أن يتوب (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين).

بُثّت الحلقة بتاريخ 8/5/2006م


الحلقة 15:

(وَقُلْنَا يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36) فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38))

في البداية نؤكد للمشاهدين الذين قد يتساءلون أن قصة آدم u قد طالت أن قصة آدم u وردت في القرآن الكريم في سبع سور. والمناهج في القصص القرآني إختلفت بين عالم وآخر من حيث هل يُعرض للقصة بترتيب الأحداث أو بترتيب نزول القرآن أو بترتيب الكتاب كما هو منهجنا نحن. نحن قلنا نعرض السور لوحدها ثم نأخذ في حلقة أو حلقتين نأخذ الموضوع بالترتيب نعرضه ثم نأخذ جزءاً من القصة في البقرة وجزءاً من الأعراف وجزءاً من طه وجزءاً من الحجر وهكذا حتى تكون الصورة الكاملة. لكن هذا يكون بعد الأخذ بترتيب الكتاب الذي له وقع لأن ترتيب النزول اختلف عن ترتيب الكتاب. بالطبع ستطول القصة لكن عندما يرتكب أحد معصية يتذكر العِبرة من قصة آدم u. وآدم هو أبو البشر وعليه قامت البشرية وكفى بواقعة آدم u أن فيها مشروعية التوبة وأنه تعالى تفضّل على العالمين بمشروعية التوبة. ونسأل لماذا شرع الله التوبة؟ البعض يقول ليتوب العاصي هذا صحيح ولكن بالإضافة إلى توبة العاصي ينجو المجتمع منه وهذا موضوع كبير ويكفي كما قلنا أن تكون العبرة من قصة آدم u مشروعية التوبة. بالإضافة إلى مشروعية التوبة نحن نأخذ العبرة في تعامل الرجل مع المرأة وفي سماع كلام الله تعالى واتباعه وفي نسيان آدم وفي لم نجد له عزما وغيرها من المواقف التي وردت في القصة وكل وقفة في القصة لها معنى.

(فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ): أزلهما عكس زحزح. هو حاول إخراجهما من الخير بدليل استعمال الضمير (عنها) عنها: تعني عن الجنة بمدلول الجنة. الجنة ليست غاية هنا وإنما الغاية في الحقيقة مدلول الجنة. كان يجب أن يحصل لآدم ما حصل على عكسنا نحن. لو لاحظنا التعبير القرآني في سورة البقرة وفي سورة طه آيتان فيهما بعض الإختلاف هما (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) البقرة) و (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) طه) الفرق في قوله (فمن تبع هداي) و(من اتبع هداي). ومرة يقول أن الذي يسمع الكلام لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، ومرة لا يضل ولا يشقى، (لا يضل) هذه جملة كبيرة جداً: من الذي يقول أن أيّ إنسان لا يخطيء؟ قالها تعالى بشرط أن يتّبع الهوى. نحن جُبِلنا على الخطأ وولدنا على الخطأ ثم التوبة " كل ابن آدم خطّاء وخير الخطّائين التوابون" التوبة عملت ليرجع المخطئ. لكن لا أحد يمكن أن يقول هذه الكلمة غير الله تعالى قالها الحق تبارك وتعالى حتى يبين لك أنك لست مجبولاً على المعصية وإنما باختيارك أنت لأنه سبحانه وتعالى رسم الطريق. آدم u رُسِم له طريق واحد : لا تأكل من هذه الشجرة حتى يخرج من الجنة، أما نحن فولدنا على المنهج بدليل قوله تعالى (الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4)) القرآن قبل خلق الإنسان. الإنسان خُلٌِق على منهج.

إذا كان الله تعالى خلق آدم وأودعه وزوجه الجنة فلم يحرّم عليه؟ لأن هذا هو المنهج وهذه سنة الله تعالى أن تمشي على منهج. بنو آدم غير جنس الملائكة المجبولين على الطاعة وغير الجنّ المكلّفين ونحن وسط بينهما نأخذ من سمات هؤلاء ومن سمات هؤلاء. ولو سمع البشر كلام الله تعالى سيكون كأنه ملك ولو عصي سيكون كأنه جِنّ. المنهج وُضِع ولهذا قال تعالى (وإن عليكم لحافظين كراماً كاتبين) لا يزيدون ولا يُنقِصون لأنه ليس من حقهم وإذا جادل أحد يوم القيامة عما كتبه الملائكة يقال له (اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14) الإسراء) (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24) النور) (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (56) النساء) في ذلك الموقع الجلود (حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (20) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (22) فصلت) تتكلم وتقول (أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء).

الحكمة من خلق آدم (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) ولله تعالى في خلقه شؤون. وحتى نكون أوادم بحق لا نقول لماذا فعل الله هذا؟ لا ترد الأمر على الآمر لأن هذا أخرج إبليس من رحمة الله تعالى فهو رد الأمر على الآمر. أما آدم فقال في البداية حاضر ولم يجادل ثم نسي وهذه هي الفطرة التي فطر عليها أما إبليس فردّ الأمر على الآمر لذلك لم يكن له توبة ولا مغفرة. آدم لم يناقش عند التكليف أما إبليس فناقش وردّ الأمر وهذا جواب على بعض المستشرقين الذين يقولون أن آدم أخطأ وإبليس أخطأ فكيف يتوب الله تعالى على آدم ويطرد إبليس. أما الملائكة فهم لم يناقشوا ولم يردوا الأمر على الآمر بسؤالهم (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) وقد سبق أن شرحنا معنى سؤالهم في حلقات سابقة.

ساعة قال إبليس هذا الكلام لم يكن قبله أبالسة وقالها بوازع كُنهه (إلا إبليس كان من الجن ففسق) لو فهمنا هذه الآية لعرفنا لماذا فعل هذا؟ هو جبلّته الإستكبار ونحن علينا أن نفرّق بين معصية السهو والنسيان والمعصية المفاجئة ومعصية ردّ الأمر على الآمر والاستكبار. غلطة إبليس هي رد الأمر على الآمر فهي معصية إستكبار وليس لها توبة ولا رجوع. نأخذ مثالاً: شخص لا يصلي فلما تسأله لم لا يصلي يشعر بالندم ويقول لك أريد أن أصلي ولكن خذ بيدي فهذا بمجرد أن يقول تبت إلى الله يقبل تعالى توبته. وآخر يقول ما الصلاة؟ ما هذه الحركات التي تقومون بها؟ وينكر الصلاة فهذا معصيته معصية إستكبار وهذا ليس له توبة وإنما عليه أن يؤمن أولاً ويخرج من حظيرة الإستكبار إلى حظيرة الإيمان بكل مناطه: التقوى والإحسان والإسلام والذي يكون في حظيرة الإستكبار يكون مع إبليس.

لو انتبهنا إلى آيتين في القرآن الكريم التي سبق وذكرناها في البقرة وطه نجد في الأولى (لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) والثانية (فلا يضل ولا يشقى) وإذا راجعنا القرآن الكريم نجد أن أولياء الله هم الذين وُصِفوا بأنهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. حتى لو أخطأت لا تقلق وإنما تُب إلى الله تعالى ولا تجعل المعصية تحصرك. أولياء الله هم الذين إستمعوا إلى كلام الله تعالى بحذافيره وإن ونسوا وإن أخطأوا. (إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (69) المائدة) (فَمَنْ آَمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (48) الأنعام) (فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (35) الأعراف) (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) يونس) (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (13) الأحقاف) هذا توقيع بديع أن الذي يسمع الكلام بالإيمان ومناطه أو التقوى ومناطها لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. مقابل أولياء الله أولياء الشيطان المستكبرين. لا مانع من أن يأتي واحد من حظيرة الإستكبار إلى حظيرة الإيمان بنطق الشهادتين ويندم على فترة الكفر لأن رد الأمر على الآمر قمة الكفر، ويتوب إلى الله. إبليس بعدم سجوده لآدم لا يتّبع آدمي. والناس إما أن تكون من أولياء الله أو من أولياء الشيطان. ونقول لمن لا يؤدي العبادات على الأقل لا تعيب المناسك وإنما قُل ربي يهديني ولا ترد الأمر على الآمر.

هل الجن عليهم حافظين كراماً كاتبين؟ لا ليس عندنا دليل.

هل كان إبليس طائعاً؟ أو طاووس الملائكة كما يقولون؟

هذا كلام لا أساس له من الصحة وهو من الإسرائيليات المحضة. إبليس ليس له حافظين كراماً كاتبين أن معصيته في القمة فماذا سيكتب له الملك؟ هو في النار أصلاً لأنه استكبر وليس بعد الكفر كفر. هو يعترف بالألوهية والربوبية فيقول (فبعزتك) ويعترف أن الله تعالى خلقه وخلق آدم (خلقتني من نار وخلقته من طين) وكان عليه أن ينتبه لما يقول أن الله تعالى هو الذي خلق الخلق فكيف يرد الأمر عليه؟ آدم وحواء لم يسمعا كلام إبليس إلا بعد أن قاسمهما لأنهما لم يتوقعا أن يحلف أحد بالله تعالى كذباً.

صدر الأمر الإلهي عندما نسي آدم. إبليس عصى  وطُرِد، وآدم نسي (ولقد عهدنا إلى آدم فنسي ولم نجد له عزما) فهل معصية آدم تستحق الطرد من الجنة وهي مجرد نسيان؟

لهذا السؤال إجابتين: الإجابة الأولى: لا نأخذ اللفظ القرآني على ظاهره. ليس كل نسيان نسيان يعني هناك نسيان بالمعنى العام الشائع وهناك نسيان له مدلول آخر. والكلمة في القرآن عاشقة لمكانها بمعنى وبمدلول قد يختلف عن المعنى الشائع. كيف؟ من عظمة هذا الكتاب أنه في نفس السورة  حل مسكلة النسيان حتى نعرف الرد على هذا السؤال: قال تعالى (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (115) طه) عن آدم وقال (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126) طه) النسيان هنا ليس النسيان الشائع وإنما بمعنى أهملتها وتركتها وكذلك اليوم تُهمل. فالنسيان إهمال وترك هنا. المعنى الشائع موضوع والمعنى القرآني موضوع آخر. المقصود بنسيان آدم تركه الأمر وإهماله مع أن إبليس حذّره فقال (ما نهاكما ربكما عن تلكما الشجرة) لكن لأن هناك نسيان إهمال لم ينتبه آدم حتى للفظ إبليس ولو إنتبه لكلامه لتذكر أن الله تعالى نهاه عن الشجرة. والإجابة الثانية : كان النسيان قبل محمد r له عقوبة ثم رُفِع الحرج عن أمة محمد r كرامة لرسول الله r كما في الحديث :" رُفِع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" لو نسيت نعطيك فرصة أخرى.

(اهبطوا): لم يقل تعالى إلى أين؟ لم يقل اهبطوا إلى كذا فهو ليس هبوط مكان وإنما هبوط مكانة وهبوط معنوي كما نقول فلان سقط من عيني هو لم يسقط فعلاً وإنما تعبير عن عدم كونه كمت توقعته. هذا تعبير مجازي كما يقول أحدهم وهو في الإسكندرية يقول أنا نازل مصر هو لن يهبط إلى مصر وإنما استبعاده للمسافة بين البلدين يقول أنه سينزل. هو على نفس الأرض لكنه استعمل ينزل بمعنى سينتقل إلى مكان بعيد. عندنا نزول مكان ونزول مكانة وهبوك مطان وهبوط مكانة.

اهبطوا وسنشرع لكم التوبة. في قوله تعالى (اهبطوا مصر) هل نفهم أنهم كانوا في الجنة؟ أو في مكان عالٍ؟ كلا وإنما هو هبوط مكانة. غهبطوا أي سنعطيكم ما تريدون لكن سنتقصون درجة لأنكم تناقشون كثيراً وتطلبون أشياء كثيرة. مناط الهبوط  هو (أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير) ليدل على أن الهبوط معنوي بمعنى ستحصل على ما تريد لكن لو انتظرت لكنت حصلت على ما تريد لكن سؤالك الكثير واعتراضك سيجعلك تهبط مكانة.

قال اهبطوا ولم يقل اهبطا مع أنها وردت في آية أخرى؟ جاءت اهبطا في آية أخرى لما جاءت مثنى جاءت كفريقين: آدم وحواء فريق وإبليس والذرية فريق. هناك إختلاف في التركيب اللفظي في القرآن فتأتي اهبطوا واهبطا واهبطوا منها جميعا وهذا مرتبط بمقاصد الآيات وهذا سمت من سمات القصة القرآنية.

(بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين) على من يعود الضمير في (بعضكم)؟

يجب أن تؤخذ الآية على مدارين في الفهم: إما بعض ذرية آدم وبعض ذرية إبليس ويكون التبعيض من الجنس، بعض هذا الجنس وبعض هذا الجنس. وإما أن تكون بني آدم نفسهم أعداء لبعض: من أسلم ومن كفر أعداء بطريقة واضحة لأن فريق منهم دعوي وفريق كافر وأمة محمد r أمة دعوية (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر) والفريق الثاني يريد أن يقنع الفريق الأول أنه مخطيء. الكاذب يريد أن يكون كل الناس كذابين والسارق يريد أن يكون كل الناس سارقين ومن هنا العداوة. أعظم المخترعات جاءت بعد الحروب ن في الحرب كل فريق يريد أن ينتصر على الفريق الآخر فالصروخ الذي صعدوا فيه للقمر أصله كان معدّاً للحرب ثم استعملوه في الأقمار الصناعية والفضائيات واستفدنا منه. العداوة تولد خيراً ولو أنا مؤمن بالله تعالى لا آخذ العداوة كواقعة لكن آخذها كأصل وأحضر من هم في الفريق الثاني بدعوتي الحسنة (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة).

هل نفهم من الآية أن الله تعالى قرر العداوة بين البشر والجن أو بين البشر والبشر؟

العداوة أصل سواء بين البشر والبشر أو البشر والجن بدليل (قلنا اهبطوا منها جميعا) هناك عداوة مسبقة بين الجن والبشر من ساعة أُمِر إبليس بالسجود آدم. وعداوة بين البشر والبشر بالإيمان والكفر. فالبعضية إما أن أكون مع أولياء الله أو أولياء الطاغوت والعياذ بالله.

(قلنا) وجاء في آية أخرى (قال). هنا يحكي الله تعالى عن واقعة وهناك يوقّع لك واقعة. (قال) جاءت بعد (قلنا). (وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة) يتكلم عن واقعة أزلهما الشيطان فالله تعالى يحكي عن نفسه. (قال) في واقعة. هنا يقررواقعة فقال (قلنا) كما قال (قلنا اسكن) في بداية السورة (وإذ قال ربك للملائكة) هنا أيضاً يحكي عن ذاته. لما يقول (قلنا) يقرر واقعة ولما يقول (قال) يكون يحكي حكاية. (قلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة) تقرير واقعة آدم في الجنة.

(ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين): أي الموت. هناك حين أصغر وحين أكبر. موتي حينٌ أصغر أو قيامة صغرى ويوم القيامة حينٌ أكبر وقيامة كبرى.

تقرير العداوة أنشأها إبليس برفضه السجود والثانية عداوة ضمنية جاءت بإيمان وكفر لكن الفريق المؤمن لا يكره الكافر لأنه يريد أن يسحبه إلى حظيرة الإيمان لأن الدعوة ليست شخصية وإنما هي دعوة للإيمان بالله تعالى لذا لا يجب أن يكون هناك عداوة بين المؤمن والكافر. ولهذا على خطباء المساجد أن لا يرفعون أصواتهم ويغضبون ويهاجمون الناس الذين أتوا للمسجد في خطبهم لأن هؤلاء أتوا وهم أمامهم فإذا كان لا يجوز لهم أن يعنّفوا  الكفار فما بالك بمن أتى إلى المسجد ليستمع وينصت ويصلي؟ علينا أن نلكم الناس بأسلوب طيّب. الرسول r لم يغضب لنفسه أبداً ما غضب r إلا لله تعالى لأنه نبيٌّ ورسول يفهم ونحن يجب أن نأخذ الفهم منه r. إبليس فهم أنه سيذهب إلى النار لأنه يكفر بعزّة هو يُقرِّها.

ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن: هل شاء الله تعالى المعصية في الأرض؟ وكيف نبرر (وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي)؟

نعم. المشئية شيء والأمر شيء آخر. لا يوجد شيء يحصل بعيداً عن مشيئة الله تعالى. الله تعالى شاء بمعصية إبليس لكن أعطاه الإختيار. نضرب مثلاً: عندك ولين وأنت خبير بهم تقول أريد أن أدّخر مالاً ليدخل أحد الولدين كلية الطب لأنك تعرف اجتهاده أما الثاني فتقول هو سيكون مهنياً وتمر الأيام ويدخل الأول كلية الطب والثاني مهني فأنت لم تجبر الأول على الدخول في كلية الطب أو الثاني على كونه مهنياً ولكنك من خبرتك بأولادك علمت حالهم. فكيف بالإله الحق الذي من أسمائه الخبير؟!

قال تعالى عن القرآن (إن هو إلا ذكر للعالمين لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين) بالإختيار الذي خلقنا عليه لذا في الجنة يقول المؤمنون (الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله) مشيئة الرب مقدمة وسابقة ومهيمنة على مشيئة العبد. (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء). هناك فرق بين هداية الدلالة وهداية المعونة. هداية الدلالة أن تدل شخصاً على الطريق وهداية المعونة أن تأخذه معك وتوصله إلى المكان الذي يريد. الله تعالى أثبت الهداية المطلقة لنفسه (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء) وأثبتها للرسول r (وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم) هداية محمد r هداية دلالة وهداية المعونة من الله تعالى.

إبليس ومن تبعه يستحق العذاب الذي أعدّه الله تعالى له لأنه (من اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى) ومن لم يتبعه يكون عكس ذلك.

(بعضكم لبعض عدو): العداوة كلمة غير محببة لكنها في هذه الآية محببة.عكس العداوة لا تفرح. أن أكون عدو إبليس يكون خير ولو لم أكن عدوه لكنت في النار لذا قال تعالى (بعضكم لبعض عدو) ما قال كلكم لكلكم. فالذي لن يكون من بعض أولياء الله سيكون من بعض أولياء الشيطان فجاءت الآية (بعضكم لبعض عدو) صيانة إحتمال اللفظ القرآني أكبر من فكر فاسد لهذا لم يقل (كلكم لكلكم).

(لكم) الذي سيسمع الكلام أو الذي لا يسمع لن يُخلّد أحد الكل سيُكتب عليه الموت.

(ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين): مستقر إقامة تعيش في قصر، في بيت، في خيمة، في الشارع هذا مستقر. (ولكم في الأرض مستقر) مربوطة بـ (إني جاعل في الأرض خليفة) أي أننا خلقنا لهذه الأرض والجنة إنما كانت مرحلة إنتقالية للتدريب على المعصية وعلى الطاعة بالتوبة.

(إلى حين): القيامة الصغرى والكبرى.

(فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه): هل تلقى آدم الكلمات بمجرد نزوله إلى الأرض؟

كلا، هو تلقاها قبل أن ينزل إلى الأرض. بعد (فتلقى) سيقول تعالى (قلنا اهبطوا منها جميعا) آدم تبا قبل أن ينزل إلى الأرض. (اهبطوا) الأولى هبوط مكانة والثانية (اهبطوا منها جميعا) هبوط مكان ولكن آدم خرج بتوبة.اهبطوا الأولى وردت حتى يبين لنا أنه لم يسمع الكلام فنزل درجة.

(فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه): جاءت بعد معصية. الرجوع إلى الله تعالى لأن الأصل أنه كان في معية الله فالتوبة تعيده إلى هذه المعية. (آدم) المفروض أن يقال آدم وحواء والمنطق أن يقال فتاب آدملكنه في الحقيقة تلقى من ربه كلمات فتاب لأنه لم يعرف أن يتوب من تلقاء نفسه. هو كان في جنة التدريب وآدم وقف محتاراً لا يعرف ماذا يفعل بعد المعصية؟ هو أفاق بعد أن عرف معصيته أما نحن فقد عُلّمنا التوبة. من المؤكد أن الله تعالى علّمه من ضمن (وعلم آدم الأسماء كلها) علّمه كلمة التوبة لكنه لم يوقّعها لذا لا يجب أن يستكبر أحدنا إذا كان أستاذاً أو عالماً أن يسأل شخصاً عن أمر ما ويقول أنا فلان أستاذ أسأل فلاناً؟. كلمة (أنا) هي كلمة إبليس لذا قال الرسول r بثقة : " لن يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كِبر" البعض يقول أعوذ بالله من كلمة أنا ويكررها على أساس أنها من باب الخشوع فنقول له هذه لا محل لها. لا مانع أن تقول أنا لكن لا تكن واقع استكبار عندك. قول (أنا) ليس حراماً كما يقول البعض إلا إذا أُطلِقت من باب الإستكبار والعُجب. لازم معناها حرام أما الكلمة (أنا) فليست حراماً. والبعض لا يقولها لكنه يقول معناها فيقول لك: هل تعلم مع من تتكلم؟ هذه أسوأ من (أنا) لأن فيها معصية واستكبار. وقد يقول آخر أنا فلان وليس فيها أي استكبار.

توسط آدم بين التلقي وربه، هل آدم فاعل أو مفعول؟

آدم مفعول لأنه أخذ. فجاء تعالى بفعل تلقى وأخذ أعطى الله لآدم كذا. آدم وقع عليه الفعل لكن من عظمة الإله الحق أن جعله هو الفاعل لأنه قد يكون أحدهم تلقى ولم يفعل. كلنا تلقى التوبة لكن كم واحد منا تاب؟ فالله تعالى أرجع الفضل للذي تاب.

إبليس لم يكن منوطاً بمسألة التوبة لذا قال تعالى (فتلقى آدم) الله تعالى هدى آدم ولم يهد إبليس لماذا؟

حينما نستكبر لا نتوب وإنما نؤمن ونخرج من ظائلة الكفر إلى الإيمان. لا توبة للكافر وإنما ‘لان إلسلام وإيمان ل. التوبة درجة جيدة لا يأخذها الكافر. الله تعالى علّم آدم الأسماء ولم يعلّمه التوقيع. وعلّمه التوبة لأنه يستحق التعليم لأنه لم يرد الأمر على الآمر. الذي يقول الحج وثنية كافر عليه أن يؤمن لأنه خرج من المِلّة ومن ولاية الله تبارك وتعالى إلى ولاية الشيطان لأنه يقلّده وقد رد الأمر على الآمر فعليه إن أراد أن يعود أن يغتسل ويشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فيفتح صفحة جديدة والإسلام يجبّ ما قبله فهل هناك أعظم من هذا؟ لكن عليه أن يسير من تلك اللحظة على المنهج (إن هو إلا ذكر للعالمين لمن شاء منكم أن يستقيم) إفعل ولا تفعل وعفا الله عما سلف وعند جميع الفقعاء ليس عليه صلاة ولا صوم للفترة التي كان فيها كافراً مهما حصل حتى لو كان رأس الكفر. فرعون آمن ولم يُسلم لكن بعد فوات الأوان وعلينا أن نعود اليوم ونخاف. فرعون قال لموسى أغثني يا موسى سبعين مرة (والعدد سبعون يستعمله العرب للتهويل) فلم يستجب له فقال تعالى: يا موسى استغاث بك فرعون سبعين مرة فلم تُغثه وعزتي وجلالي لو استغاث بي مرة واحدة لوجدني سميعاً قريباً. أول صفة لله تعالى الرحمن الرحيم. فرعون لم يكن عنده ثقة بالله تعالى وقال (آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل) فجاء الرد من الله تعالى (آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين) لذلك نقول من جاءك اليوم مسلماً فقل به صفحة بيضاء سيكون عليك تكليف الصلاة والصوم والحج من هذه اللحظة.

آدم غُفِر له (فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه) وعندنا (ولا تزر وازرة وزر أخرى) آدم لا يحاسب بمعصيتنا نحن ولا نحن نحاسب بمعصيته هو. وهل أعظم من قوله تعالى (فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه). أما إبليس فله كِفل من آثام البشرية لأنه تنحرف بوسوسته فيأخذ كفلاً من معاصي الناس. أما آدم u فلا يأخذ كفلاً لأنه تاب والتوبة مشروعة لنا لكن المشكلة أن نبقى في المعصية. ووقت التوبة من قريب وليس كما يقول البعض أن وقتها مفتوح بدليل قوله تعالى (إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب) وهذه تكون عكس (آلآن) علينا أن لا نؤجل التوبة حتى لا نموت قبل أن نتوب.

قابيل يأخذ كفل قتل الناس لأنه (من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا) عكسها حلاوة التوبة (ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا) الذي يتوب تكون المصلحة للمجتمع كله وليس لنفسه فقط لأنه عندما تشرع التوبة ينجو العاصي وينجو مجتمعه، ولو لم تشرع التوبة لاستمر العاصي بالفساد. إستمرار العاصي على المعصية تتعب المؤمن لأن المؤمن أُمِر بأن يعفُ ويصفح حتى عمن ظلمك (ولا يأتل أولو الفضل والسعة)  فلو عصى الرجل ولم يتب سيستمر على المعصية وسيظلم المؤمن ويعفو المؤمن عنه.

(إنه هو التواب الرحيم): بعض صفات الله أخذت تفعيلاً واحداً وبعضها فيه مفاعلة.

بُثّت الحلقة بتاريخ 15/5/2006م

الحلقة 16:

مشروعية التوبة، أركانها وشروطها

(إنه هو التواب الرحيم):

إضافة الرحيم إلى التواب بهذه الطريقة تحتاج إلى تدبر. الله تعلى ساعة خلق آدم u وقبل أن يخلق آدم هو سبحانه التواب الرحيم. كل صفات الله تعالى أزلية فهو تواب قبل خلق آدم. نضرب مثلاً في صفة من صفات الله تعالى (غفار) هناك في القرآن غافر وغفور وغفار أما تواب فلا يوجد في القرآن تائب (لا يوجد صيغة فاعل) وإنما صيغة توّاب صفة مبالغة من الصفة نفسها. البديع في الأمر أن تواب تؤخذ على إحتمالين: تقول فلان أكول مثلاً له احتمالين إما أنه يأكل ثلاث وجبات لكن يأكل كميات كثيرة وإنما يأكل عشر مرات أو أكثر في اليوم، والاثنين يقال عليهما أكول. الله تعالى تواب لأن الواحد منا يخطيء ويتوب ويخطيء ويتوب أو تواب لأننا نحن كثيرون. المعين لذلك أنه رحيم. لأني لو كنت أخطيء وأتوب وأخطيء وأتوب فلو كان لديك شخص يعمل عندك وأخطأ مرة ثم تاب ثم أخطأ ثانية وتاب تقول له هذه آخر مرة ثم إذا أخطأ ثالثة تقول له انتهى الأمر أما الله تعالى فالعبد يخطيء ويتوب بما لا نهاية لذا فهو تواب رحيم لأنه رحيم تواب أخذت حقه الديمومة والاستمرار لأنه رحيم لا يرد توبة التائب.رحيم تعطي إطمئناناً أكثر للتائب. وباب التوبة مفتوح لم يُغلَق 24 ساعة ومن عظمة التوقيع يعلّمك رسول الله r في الحديث القدسي أن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده النهار ليتوب مسيء الليل. فلو سألت أحد الخطائين : إذا أخطأت في الليل فهل تنتظر إلى النهار لتتوب؟ كلا لأن الحديث يدل على أن الله تعالى يداه مبسوطتان ليل نهار ليتوب مسيئي الليل والنهار متى أخطأوا. وعندما يسأل الناس هل للتوبة وقت فيقول البعض أنه لا وقت للتوبة وهذا القول يجب أن يُفهم على أنه لا وقت للتوبة تعني سارع بها لا أنه لا وقت لها لأن التوبة كما جاءت في القرآن لها وقت كما في قوله تعالى (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (17) النساء) (إنما) تدل على الحصر و(على الله) تدل على الإلزام وإن كان سبحانه وتعالى لا يُلزمه شيء. والحديث يدل على أن الله تعالى يده مبسوطة في الليل والنهار. ما الذي يضمن للعبد أن يحيا حتى يتوب ويغفر الله تعالى له والله تعالى قال في كتابه العزيز (ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ) فموعد التوبة هو المبادرة بها بعد وقوع المعصية فوراً لأنك لا تضمن عمرك. من قريب بمعنى بسرعة يبادر العاصي بعد المعصية فوراً لأنه لا يضمن عمره. وهناك حديث ضعيف في سنده لكن متنه سليم "هلك المسوفون" الذين يقولون سوف أصوم في رمضان القادم أو سأصلي بعد كذا لكن من يضمن عمره؟ لذا سمى الله تعالى نفسه التواب الرحيم لأن التواب فيها مفاعلة وهي صيغة مبالغة وعدد التوابين كبير من عهد آدم إلى أن تقوم الساعة فكم شخص أذنب وتاب وكم مرة تاب هذا الشخص. وعلى كل خطاء أن لا يخاف أن يرجع إلى الله تعالى ويتوب مهما أذنب لأنه سبحانه تواب رحيم.

سؤال: هل يضيّق الله تعالى رزق العبد المخطيء؟

الرزق ضمنه الله تعالى لمن آمن ولمن كفر لكنه قد يضيّق على الإنسان بمعصيته. والتضييق ليس في كمّ الرزق الذي قُرّر لأن ما أقرّه الله تعالى أزلاً لن يقلّ لكن تُنزع البركة من الرزق. ذهب رجل الى الحسن البصري في مجلس علم فقال أجدبت السماء ولم تمطر فدلني ما أفعل فقال له الحسن البصري استغفر الله وأتاه آخر فسأله مسألة أخرى فقال استغفر الله وأتته امرأة فقالت أنا امرأة لا أُنجب فقال لها استغفري الله فتعجب أحدهم وسأله سألك كل واحد مسألة وقلت لهم جميعاً استغفروا الله فقال الحسن البصري أما سمعت قوله تعالى (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12) نوح) فالاستغفار إذا فطنا إلى ما قاله r وحاولنا تطبيقه فقد كان r يستغفر بعد الصلاة وفي بداية ونهاية كل شيء. فالاستغفار والتوبة يسبب الرزق ولا يكون العبد في ضيق فما من دابة إلا على الله رزقها والكافر يعمل في الأرض فيأخذ حقه والله تعالى لا يضيع حق أحد من خلقه.

(وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) الطلاق) نحن قلبنا العقد الإيماني في هذه الآية. نحن للأسف في يومنا هذا نريد أن يكون لنا المخرج أولاً ثم نتقي الله تعالى. وهذا خطأ لأن الناس لم تعد تصبر. وهم حتى يريدون تعديل مفهوم الصبر. الصبر ليس له حدّ وإذا ضجر الصابر يضيع أجره لأن الصبر تحتاجه أول ما تشعر بالضجر. إذا كان شخص يقوم بما يرضي الله تعالى ثم يأتيه ابتلاء يصبر وينتظر حتى يأتيه المخرد لأن المخرج يأتي مع الصبر على مراد الله تعالى وليس على مراد الناس. الدين والمنهج وضع لنمشي وراءه لكن الناس الآن للأسف يريدون أن يتبعهم المنهج لا أن يتبعوه هم. كلام الله تعالى وقضاؤه لا يتبدّل ولا يتغيّر (ما يبدّل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد) الله تعالى لا يظلم أحداً ولكن نحن ظلمنا أنفسنا بعدم الصبر.

سؤال: آدم نسي فعصى فنزل وابليس عصى فطُرِد. التوبة تمثلت لآدم فلماذا لم يتمثل جانب الخير لإبليس؟

ابليس لن يعود لأنه كفر وسبق أن قلنا أن هناك فرق بين معصية آدم ومعصية إبليس لأن معصية آدم معصية زلّة قدم ونسيان أما معصية إبليس فهي استكبار. يقول العلماء: رُبّ معصية خلّفت ذلاً وانكساراً خير من طاعة خلّفت استكباراً. مؤمن طائع إغترّ بإيمانه قد يقع في معصية كبرى لكن الذي عصى يخاف ويعيش مترقباً دائماً كي لا يقع في معصية أخرى فيجب علينا أن لا نأمن أنفسنا ولا نغتر بإيماننا.

آدم u لم يكن يعرف التوبة لكن الله تعالى علّمه التوبة. فما هي الطقوس التي أخذها آدم ليتوب إلى الله تعالى؟

لأنه أول معصية ولأنه بها شُرِ‘ت التوبة. آدم تلقى كلمات  لما نسمع (فتلقى آدم من ربه كلمات) أفهم أن آدم لم يكن يعرف أن يتوب ينفسه. فلما تسمع (قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23) البقرة) آدم وزوجه يقولون كلاماً واحداً وهذا يدل على أن الكلام الذي تلقاه آدم وزوجه من مصدر واحد، آدم تلقى كلمات من ربه ثم علّمها حواء فقالاها معاً ولم يقل أحدهما كلمات غير الآخر. هما لم يعرفا أن يتوبا من أنفسهما فتلقى آدم من ربه كلمات وآدم الذي تلقّى لأنه هو الذي عليه التكاليف وهو الذي سيشقى (فتشقى) وتلقّى بوصفه زعيم البشرية.

(اهبطوا): بعدما تلقى آدم من ربه كلمات (فتاب عليه) تبين أن التوبة لا تُردّ فلا يقول أحد تبت إلى الله والتوبة لم تُقبل. الآية التي بعدها (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) البقرة) تشير إلى إمارات قبول التوبة لأن فيها تكليف آخر ومنهج توبة ومنهج بقاء في معيّة الله تعالى. هذا التكليف الذي نزل به آدم هو بداية نبوّته u. وأغلب العلماء يقولون أنه أخذ النبوة بعد التوبة لأن المنهج نبوة. قال تعالى (فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) وفي آية أخرى (فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى) ومقابلها (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126) طه) يبيّن أن هذا منهج.

(جميعاً): إذا كان البوط الأول على بعض الآراء هو لآدم وحواء فالهبوط هنا للكل آدم وحواء وإبليس. الهبوط الأول كان هبوط مكانة والثاني هبوط مكان. كل من عصى حتى من عصى وتاب يهبط منها لأن التقرير في البداية (إني جاعل في الأرض خليفة). قال تعالى: (جميعاً) هم ليسوا ثلاثة فقط  لأن آدم ساعة ما خُلٌِ خلق من صلبه بنو آدم إلى يوم القيامة بدليل الآية (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) الأعراف)  فآدم u لا يمثّل نفسه فقط وإنما يمثل نفسه وجنسه. وإبليس يمثل نفسه وجنسه. (اهبطا) في الآية الأولى تدل على مثنى الجمع وتعني فريقين آدم وذريته فريق وإبليس وذريته فريق. آدم هو أبو البشر على رأس الجنس وإبليس على رأس جنس الجنّ. آدم إسمه آدم وجنسه البشر وإبليس إسمه إبليس وصفته شيطان وجنسه الجنّ فهو على رأس الجنس.

سؤال: (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) البقرة): كيف يأتي الهدى بالتوبة؟

قرر المولى تعالى أنه سيكون في المنهج هدى. قرر التوبة قبل أن يقرر نزول الهدى لأن آية التوبة جاءت قبل آية الهدى والمنهج. هذا الترتيب جاء لأن الحياة من رحمة الله تعالى أنها بدأت بالمعصية ليشرع التوبة التي هي مناط كل فعل بشري. إذا أخطأ أحدهم وليس هناك توبة ماذا يفعل؟ لذا لم يقفل الباب حتى أمام من كفر. قال تعالى في آية (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) البقرة) وفي آية أخرى (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) طه) الذي يتبع الهدى لا يتعب وإن كان في شقاء هذا في معيّة الله والذي يُعرِض عن ذكر الله لو أراد أن يرجع يُقبل لذا التوبة جاءت أولاً.

سؤال: ما هي شروط التوبة وأركانها؟

أولاً هي مسألة تتسق بعملية ليس بكلام لا ينفع أن أقول تبت إلى الله وأنا جالس. يجب أن أرى ماذا فعلت أولاً ثم أستعظم الذنب واستكبره لأنه فعلت بهذا الفعل كارثة أنني استترت من الناس ولم أستتر من الله تعالى. لذا يجب أن نتفادى أن نسمع يوم القيامة قوله تعالى : عبدي لم جعلتني أهون الناظرين إليك إستحييت من الناس ولم تستحي مني. فالعاصي يخطط ويعمل حساب كل الناس ويخاف أن يروه لكنه لا يستتر من ربا العالمين الرقيب. هذه صقة نسيناها ونجح الشيطان في أن يجعلنا ننساها. الرقيب أنه عندما تقفل الأبواب وتستتر من الناس فهو يراك سبحانه. واقعة يوسف u مع إمرأة العزيز فيها درس وعبرة، هي غلّقت الأبواب وليس باباً واحداً وغلّقت العديد من الأقفال وليس واحداً ظنّاً منها بأنها بذلك تستتر عن الناس لكن يوسف u فقال (معاذ الله إنه ربي) وهذا هو الوعي. فيجب على الذي يريد التوبة أن يستعظم الذنب ويندم عليه ندماً شديداً لأنه عندما سيفعل هذا لو عرضت عليه معصية أخرى يرفض لأنه تعب حتى تاب. يجب أن تستحضر العظمة الإلهية أن المولى تعالى يراك على المعصية فتستعظم الذنب.

بعض جُهّال هذا الزمان يقولون لمن أذنب كثيراً: مم تتوب؟ أنت عملت ذنوباً كثيرة فيحاولون أن ييئسوه من التوبة ومن رحمة الله تعالى ومغفرته. والبعض يقولون إن عملت السوء بجهل فليس عليك توبة وإذا عملت ذنباً بعلم عندها تحتاج للتوبة وهذا خطأ كبير فالآية تقول (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (17) النساء) والجهل غير الجهالة. الجهل هو عدم العلم بالعقوبة أما الجهالة فهي العلم بالعقوبة لكن تفعلها سفهاً وحماقة. المنهج موجود لا يستطيع أحد أن يقول لم أقرأ القرآن ولم أعرف العقوبة لأن هذه بحد ذاتها مصيبة وعندها ستعاقب على كفرك لأن كفرك بالكتاب هو عدم قراءته. الجهالة يعلمون العقوبة ومع ذلك عملوا المعصية ومع ذلك لهم توبة. هم يقولون الذي يجهل يتوب الله عليه بدون أن يتوب هو أما الذي يعلم فلا توبة له وهذا خطأ كبير.

قد يخطيء الإنسان مرات ويتوب مرات ولا حدود لتوبته لأنه طالما تاب يتوب الله تعالى عليه مهما كرر المعصية وكرر التوبة لكن يجب أن ينتبه العاصي إلى أمر مهم وهو هل لديه وقت للتوبة؟ لا أحد يضمن متى ستكون نهايته فقد لا يكون لدى العاصي وقت ليتوب فيموت على المعصية وهذه أعلى أمنيات الشيطان فإياكم أن يمنعكم الشيطان أو أي من الناس عن التوبة وإياكم أن تستعظموا الذنب وفلا تتوبوا وتقولوا كيف يغفر الله تعالى لي ويتوب عليّ وقد فعلت هذا الذنب العظيم؟.

ومن شروط التوبة الإقرار بالمعصية والندم عليها والعودة إلى الله تعالى والتوبة باللسان والقلب والجوارح وليست التوبة كلمة تقال باللسان فقط لكن يجب أن يكون القلب مقرّاً لها وحزيناً عليها. هذا إذا كان الذنب في حق الله تعالى. أما إذا كان الذنب في حق أحد من الناس فيجب إضافة إلى شروط التوبة رد الحقوق إلى أصحابها إن أمكن كالحقوق المادية. أما في الأمور التي لا يمكن رد الحقوق فيها كحالات الزنا وغيرها فيلجأ العبد إلى الدعاء فيقول: اللهم إنك لك حقوقاً علي كثيرة ولعبادك علي حقوقاً كثيرة، فما كان بيني وبينك يا رب فاغفره لي وما كان بيني وبين عبادك فتحمّله عني" لكن بعد أن تتوب إذا استطعت أن ترد الحقوق لأصحابها فافعل. وعلينا أن لا ننسى حديث المفلس " حدثنا قتيبة بن سعيد وعلي بن حجر. قالا: حدثنا إسماعيل (وهو ابن جعفر) عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "أتدرون ما المفلس؟" قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال "إن المفلس من أمتي، يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا. فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته. فإن فنيت حسناته، قبل أن يقضى ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه. ثم طرح في النار (صحيح مسلم) ". لا توبة للعاصي إلا برجوع المظالم إذا كان قادراً على ردها لأصحابها. أما في الزنا كما قلنا فيسأل العاصي ربه أن يتحمله عنه لأنه إذا أخبر أصحاب الحقوق يكون فيه خراب بيوت فنقول له تب ومصيرك إلى الله تعالى. مهما كانت المسألة صعبة أو معقدة نقول للعاصي تب أولاً وافعل ما يمكنك لتصحيح الخطأ دون الإضرار بحقوق الناس. هناك آراء تقول أنه يجب على العاصي أن يعلن عن معصيته ولكن نحن نقول كل مشكلة تُحلّ بحسب حالتها لأنه في الفقه تُدرس كل حالة لوحدها لكن نقول أنه لا شيء يمنع العاصي من التوبة. تُب أولاً وإذا كنت تستطيع إرجاع الحقوق أرجِعها وإذا لم تفعل فالله تعالى يتحملها عنك ويحاسبك.

وسبق أن تحدثنا عن توبة العاجز وقلنا لو أن هناك سارقاً شُلّت يده لسبب ما فامتنع عن السرقة فقال تبت إلى الله فيقول له بعضهم أنت تتوب لأنك عجزت وهذا خطأ لأن توبته تُحسب لأنه يتوب إلى الله العلاّم العليم المقتدر فيحاسبه بما سبق في علمه كُنه هذا الرجل ومن إحاطته بالعلم أنه سبحانه وتعالى علم ما كان وما يكون وما سوف يكون وما لم يكن لو كان كيف كان يكون؟ فعلم سبحانه أن هذا العبد لو كان بعد هذا العجز قادراً هل سيسرق أم لا؟ فيحاسبه تعالى على ما سيكون منه لو صار قادراً لأن علمه تعالى محيط. فمثلاً الأخت التي تتحجب لأنها مصابة بمرض ما ثم بعد أن تشفى تخلع الحجاب فهذه لم تتب في المرة الأولى. أسأل الله تعالى أن تكون توبتنا توبة نصوحاً. والنصوح يقال نصُح العسل إذا لم يُغشّ من النحلة إلى يدك يدون أي غشّ فيه. وكذلك التوبة لا يكون فيها شائبة غش أو انفلات قلب ، توبة بصدق القلب والجوارح متحركة مع اللسان بالتوبة. عندما تقول تبت إلى الله باللسان جوارحك وقلبك يشارك اللسان التوبة.

سؤال: هل التوبة يمحو الله تعالى بها الخطيئة؟

هذا سؤال حيّر أهل التفسير. أخبرني الدكتور رمضان عبد التواب رحمه الله تعالى أن مستشرقاً قال لأهل اللغة غفر أي محى والله تعالى حاشاه يضحك عليكم ففتحوا المعجم ووجدوا أن غفر بمعنى ستر يعني الذنوب موجودة. فقلّبت القرآن فوجدت أنه من مصلحتنا أن غفر يعني ستر وليس محى. فقلت: أستغفر الله ستر إلى غاية ما أقول تبت إلى الله عندما تتبدل السيئة حسنة. فلو لم تكن مستورة لما بدلت حسنات. فمن مصلحتنا أن تكون مستورة.

قال تعالى (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70) الفرقان) هذه عملية التوبة ليست توبة باللسان والقلب. النتيجة (فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) أفهم هذه الآية على مناطين: إما يبدّل سيئاتي التي فاتت حسنات لذا كان عمر رضي الله عنه يقول لأبي بكر حسناتي أكثر من حسناتك لأن سيئلتي كانت أكثر من سيئاتك والسيئات تبدل حسنات. أو يبدل سيئاتهم حسنات في المستقبل التي كانت ستكون سيئات ما داموا تابوا وصاروا في معية الله تعالى ستكون حسنات أو يكون المناطين مع بعضهما: السيئات القديمة تتبدل حسنات أو السيئات في المستقبل يكون حسنات. الرسول r يقول في الحديث الشريف " وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللّهِ، أَيَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: "أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي