قصة آدم عليه السلام (تابع)


الحلقة 17 (مباشر)

في بداية الحلقة قرأ الأخ محمد خالد فاكساً ورد من أحد المشاهدين للبرنامج ونصه الحرفي هو التالي:

لماذا ترفض الإسرائيليات؟ ألم يقول الرسول (ص) حدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج؟

فردّ الدكتور هداية:  ذكرنا في بداية حلقات هذا البرنامج على مدى حلقتين أو ثلاث لماذا نرفض الإسرائيليات؟ أولاً المشاهد كتي (ألم يقول) والصحيح أن يقول (ألم يقل) وليس نقول ونحن لا نكتب أما إسم الرسول r (ص) وإنما نكتب صلى الله عليه وسلك أو عليه الصلاة والسلام. وجزى الله المشاهد الكريم كل خير لأنه سيجعلنا نجدد ما قلنا: لماذا نرفض الإسرائيليات وعلينا أن نجدد ما هي الإسرئيليات؟ الإسرئيليات كلمة إسلامية أراد بها علماء الإسلام أن يرفضوا كل ما عدا الإسلام سواء كان من كلام اليهود أو النصارى أو الرومان وهي تطلق على غير الإسرائيليين أي هي كلمة شاملة لكل من يتكلم من غير المسلمين. سبق وقلنا أن اليهود حاولوا تحريف القرآن كما حرّفوا التوراة وألّفوا الإنجيل فالفشل واضح لأن النصوص واضحة والله تبارك وتعالى تصدّى بحفظ هذا الكتاب وأوقع فيه شيئاً غير مسبوق أن هذا الكتاب يُحفظ في الصدور فما يُحرّف سيُردّ. فلا يشترط أن يكون مكتوباً لتردّه لكن بمجرد أن تكون حافظاً له ستردّ أي تحريف وسبق أن ذكرنا أن الإمام في الصلاة إذا أخطأ في القرآن يوشك المصلون خلفه أن ينقضوا عليه لأنه أخطأ في القرآة من غير قصد وليس لأنه حرّف لأن هذا قرآن. فلما عرفوا أنهم فشلوا في هذا ذهبوا إلى النفسير والحديثولم يتجهوا للقرآن لأنهم لم يقدروا عليه. فيأتوا للقصة القرآنية يحكون حكايا ما أنزل الله بها من سلطان. والسؤال يعجبني لماذا ترفض الإسرائيليات؟ أنت هل تأخذ من أعداء الدين تفسير الدين؟! تأخذ ممن حرفوا كتابهم تفسيراً لكتاب الله تبارك وتعالى؟ اليهود الذين يحزن المشاهد عليهم حرّفوا التوراة وألّفوا الإنجيل وحاولوا تحريف القرآن ففشلوا فذهبوا للتفسير والحديث ونحن عندنا بعض التفاسير ننصح الناس أن لا يقتربوا منها لأن غير المختصّ سيتعب معها لأننا نسمع في الفصة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر! كلاماً لا أعلم من أين أتوا به؟

القرآن حينما أنزله الله تعالى على رسول الله r لم ينزل معه تفسير لكن الرسول r كان يشرح بعض الآيات وباختصار شديد عندما يُسأل. والمفسرون بعد الرسول r اجتهدوا لكن بعض التفاسير أخذت من الإسرائيليات. أذكر آية في القرآن (يا أيها الذين آمنوا) الكلام موجه للمؤمنين (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) فاسق لم يقل كافر ولا يهودي. فاسق قيل فيها كلام كثير لكن بتحقيق معناها هو مجهول العدالة وفسق مأخوذة من فسق التمرة عن قشرتها، فسقه أي إنسلاخه عن العدالة أي خرج عن مألوف العادة. (إن جاءكم فاسق ننبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) فاسق يعني رجل دخل عليك أخبرك خيراً كبيراً (النبأ هو الخبر الكبير) وأنت لا تعرفه هل هو عادل أو غير عادل، هل هو صادق أو غير صادق؟  فما بالك برجل تعلم أنه يهودي كفر بكتابك وكفر برسولك وأطلق على رسولك أوصافاً عكس التي عندهم في التوراة وشوهوا الرسول r وتكلموا عنه بما لا يليق وحاولوا إفساد الدين آناء الليل وأطراف النهار فلماذا نأخذ منهم؟! (فتبينوا أن تصيبوا قوماً فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) إذا أخذت من غير الصادق ومن غير الصحيح ستندم لأنك يجب أن تتحرى الصدق فيمن يروي لك الخبر. الإسرائيليات كلها تأليف لا أساس لها من الصحة, ونسأل السائل كيف نفسّر كتاب الله؟ هل من الذين حرّفوا كتاب الله تعالى؟! لماذا تصدّى الله تعالى بحفظ هذا القرآن (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)؟ تصدى لهذا الكتاب بعدما ترك لهم التوراة والإنجيل وجرّبهم ماذا يفعل البشر إذا ترك لهم الكتاب. نحن لا نأخذ من الإسرائيليات ولن نعتمد في قصص القرآن ولا في التفسير إلا على الكتاب والسنّة الصحيحة لأنهم مثلما حاولوا أن يُدخلوا الإسرائيليات في التفسير فعلوه في الأحاديث الموضوعة والضعيفة. ورحِم الله الدكتور الذهبي على كتابه الإسرائيليات في الكتاب والحديث لأنه وضّح الأمر وهو يشرح كان منصفاً إلى حد بعيد فقال لا ينسحب رفضنا للإسرائيليات كُرهاً أو هجوماً على الصحابة الذين وردت على لسانهم هذه الأحاديث. الحديث الذي استشهد به الأخ صحيح "خذوا عن بني إسرائيل" لكنه لم يذكر الحديث كاملاُ وأخذ بنظام لا تقربوا الصلاة!  لأن الحديث كاملاً يشهد لنا ويشهد عليه. والحديث في صحيح البخاري وهو صحيح متناً وسنداً. الحديث هو: قال: حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد: أخبرنا الأوزاعي: حدثنا حسان بن عطية، عن أبي كبشة، عن عبد الله بن عمرو: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ". الرسول r قال حدّثوا ولم يقل أُرووا. حدّثوا أي تكلموا عما فعلوه أي افضحوهم واعرضوا للناس أكاذيبهم وليس حدّثوهم بمعنى الرواية. حدّثوا اي بيّنوا عيوبهم وافضحوهم وحدّثوا بمعنى تكلموا وليس بمعنى إرووا عن بني إسرائيل. كلمة لا حرج في الحديث تفيد هذا المعنى أن يحدّثوا ويفضحوهم. فكيف نأخذ تفسير الدين ممن أراد تدمير الدين؟!

وقول السائل (ألم يقول) أظن أنها مقصودة ليُوحي لنا أنه لا يعرف العربية وأنه غير متخصص ولكن نقول أن الناس تعرفها سماعاً أنها ألم يقل لأنه إذا سمع (ألم يقول) تتأذى أذنه لأنها غير صحيحة. ثم نحن لا نكتب بعد إسم الرسول r (ص) فهذا لا يليق.

أسئلة وردت خلال الحلقة من المشاهدين:

سؤال: في نفسير ابن كثير لآية 128 في سورة آل عمران يذكر أن الرسول r دعا على البعض منهم الحارث بن هشام وسهيل بن عمرو وصفوان ابن أمية فكيف نوفق بين هذا القول وأنه r ما كان يدعو حتى على اليهودي وإنما يدعو له؟ فهل كان r يدعو على أحد؟

أولاً نقول أن تفسير إبن كثير لو كان محققاً فهو جيّد. هناك خلاف كبير في هذا الأمر. علّمنا الرسول r أن نسأل الله تعالى لعدونا الهداية لأنه r ما كان لعّاناً ولا سبّاباً وإنما هو r الرحمة المهداة فلا يُعقل أن ينهى عن أمر ويأتيه والسيدة عائشة رضي الله عنها إحتارت كيف تصفه فقالت: كان خُلُقه القرآن وقالت كان قرآناً يمشي بين الناس. فيجب أن نفهم من هو رسول اللهr ؟ نحن للأسف أسأنا إليه قبل الآخرين لأننا لم نعرف أن نشرح عنه للآخرين. هو r (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)  والتعبير القرآني (وإنك لعلى خلق عظيم) استعمال حرف الجر على يدل على أن الرسول r كان يمتطي الخلق العظيم يعطي معنى الإستعلاء فهو أعظم بكثير مما هو في أذهاننا حتى نحن المسلمين.

سؤال: سألت إحدى المشاهدات عن بعض الكتب التي تتناول قصص القرآن تريد أن تتأكد من خلوّها من الإسرائيليات والكتب هي: قصص الأنبياء للحافظ تحقيق عبد الحيّ الفرماوي وكتاب أحسن القصص وضعه علي فكري؟

أي كتاب محقق يؤخذ منه لأن التحقيق يُخرِج الإسرائيليات ويرفضها وما حققه عبد الحيّ الفرماوي نأخذ به أما الكتاب الآخر فلم أسمع به. أفضل كتاب في قصص القرآن كتاب كتبه الدكتور صلاح الخالدي وهو أردني الجنسية وكتاب إبن كثير بتحقيق أي عالم من العلماء وبالأخص تحقيق الفرماوي.

سؤال: ما هو منهجنا من فتنة خلق القرآن؟

قضية خلق القرآن هذا موضوع من أهم الموضوعات في العصر الحديث لأن الجميع يقلّب هذه الفتنة دون أن ندري. مثلاً حديث "إقرأوا يس لموتاكم" كلما أقرأه أتذكر الإمام أحمد بن حنبل. لا يمكن أن يكون القرآن مخلوق. خلق القرآن: إذا تحقق في القرآن كلمة خلق، كل مخلوق يموت له بداية ونهاية والقرآن يخرج عن هذا لأنه كلام الله تعالى باقٍ ببقاء الله بدليل أنه بعد موت الخلائق ينادي تعالى بالقرآن (لمن المُلك اليوم). هذه القضية مرفوضة لأنه إذا قلنا بخلق القرآن فكل مخلوق هالك: النبات والحيوان والإنسان أي مخلوق يموت أو يهلك أو يفنى وكله يدور حول معنى الموت. الموت لم نعلم كيف نعرّفه سوى أنه نقض الحياة لكن كلما ذكر تعالى أمراً من الثلاث أوجب الوجود لعظمته (قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة) كتب تعالى الهلاك على كل مخلوق (كل شيء هالك) وأوجب الوجوب لعظمة ذاته (إلا وجهه) وكتب الفناء على كل من على الأرض (كل من عليها فان) وأوجب الوجوب لعظمة ذاته (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام). رفضها الإمام إبن حنبل وهو على حق كل الحق. في العصر الحديث تقلّب هذه القصة بشكل مختلف. في الحديث الموضوع "لكل شيء قلب وقلب القرآن يس، فاقرأوا يس لموتاكم" هذا حديث موضوع باطل من حيث السند ومن حيث المتن ولا يمكن أن يكون الرسول r قد قال هذا الأمر فلا يُعقل أن يقول الرسول r قضية يفهمها ابن حنبل ولا يفهمها الرسول r. فهذا باطل والحديث باطل متناً وسنداً. لكل شيء قلب أي جعل القرآن شيء يعني هالك فهذا باطل. الذي يجب أن يستقر في عقيدة المسلم أن القرآن كلام الله باقٍ ببقاء الله.

سؤال: مشاهد آخر يتحقق من بعض الكتب عن قصص القرآن والكتب هي: قصص القرآن للأطفال لمصطفى وهبه وكتاب قصص الناس لأحمد جاد وكتاب السيرة النبوية للسيد أمين الحسن ووصايا الرسول لنجوى عبد العزيز؟

هذه الكتب جميعاً لم أطّلع عليها.

سؤال: هل للحيوانات أرواح وكيف نستدل على ذلك؟

الحيوان فيه قوام حياة أو فيه حركة أو فيه شيء يدل على الحياة لكن الروح خاصة بالإنسان بدليل قوله تعالى (فإذا سويته ونفخت فيه من روحي) فالروح من دعائم تكريم الإنسان وليست للحيوانات أرواح وإنما فيها قوام حياة.

سؤال: مشاهد يسأل عن كتب للدكتور هداية؟

في شهر 8 هذا العام إن شاء الله سيكون هناك كتب للدكتور في المكتبات.

سؤال: ماذا عن أكل طعام أهل الكتاب؟ ومن هم أهل الكتاب؟

أهل الكتاب كلمة حق يراد بها باطل. أهل الكتاب هم أهل الكتاب من اليهود والنصارى قبل تحريف الكتاب لكن الكلمة الآن تطلق على الموجودين منهم. نأكل منهم ونشرب من باب التقرّب الذي يقود إلى شرح الدين لأني لما أرفض التعامل مع اليهودي والنصراني كيف يُسلم؟  وهذه من أساليب الدعوة نحن أمة دعوية فلا نهاجم أحداً ولا نشتم أحداً ونحن مكلّفون بالحديث (بلّغوا عني ولو آية) فنحن أمة دعوية إلى يوم الدين. ويجب أن نتعامل معهم لنعرض دين الله تعالى. المقصود بطعام أهل الكتاب الطعام الحلال لا الحرام وما نأكله عندهم هو مما أُحِلّ لنا فالحرام حرام والحلال حلال لكن نحن نتعامل معهم.

سؤال: مشاهدة تسأل عن كتاب القصص في القرآن للدكتور محمد بكر اسماعيل وكتاب الأمثال في القرآن لنفس المؤلف؟

يجيب الدكتور هداية أن كل كتب الدكتور رحمه الله تعالى في الفقه والتفسير يؤخذ منها.

سؤال: هل صحيح أنه لو لم يعص آدم لكان في الجنة وهل المعصية كانت سبباً لنزوله إلى الأرض؟

ما حدث لآدم حدث بقضاء الله وقدره وهو عظة وعبرة والهبوط قلنا أنه هبوط مكانة.

سؤال: في إحدى الحلقات ذكر الدكتور هداية حديث أن الله تعالى يتنزل في الثلث الأخير من الليل فكيف نفهم تنزّل الله تعالى ضمن ليس كمثله شيء وهو السميع العليم؟

الله تعالى يتنزل إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل هذا الحديث صحيح والكلام مجازي فحينما نسمع كلمة الله، الغفار، أو أي صفة من صفات الله تعالى نأخذ القاعدة القرآنية: ليس كمثله شيء. لا يتنزّل كتنزلنا ولا يجلس كجلوسنا وليس له يد كأيدينا "كل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك" يد الله تعالى هي القدرة. كلما نسمع إسم الله سبحانه وتعالى أو صفة من صفاته يذهب فكرنا أنه ليس كمثله شيء. (الرحمن على العرش استوى) كيف استوى؟ الإستواء معلوم والكيف مجهول. الرسول r نهى عن أن يستدرج الشيطان الإنسان في فكره فيقول الله خلق الأرض لغاية ما يصل معه من خلق الله؟ هنا توقف التفكير والفلسفة الكاذبة. سُئل أبو بكر الصديق هل عرفت ربك؟ قال نعم عرفته فسأله السائل سؤالين: بم عرفت ربك؟ فأجاب أبو بكر: عرفت ربي بربي ولولا ربي ما عرفت ربي، فسأله السائل فقال: فكيف عرفته؟ قال العجز عن الإدراك ادراك والبحث في ذات الله إشراك. أي طالما عجزت عن أن تنفي وجوده تكون بذلك أثبت وجوده وكونك تتحدث في كُنه الإله فهو إشراك.

عندما نسمع قوله تعالى (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب) هذا قربٌ معنوي وليس قرباً مادياً.

سؤال: آيات التوبة في سورة الأعراف صحيح أن الحكمة راجعة لله تعالى لكن لماذا لم ترد آيات التوبة في سورة البقرة رغم أن فيها شُرِعت التوبة؟ وهل من العبث أن يشرع الله تعالى التوبة في سورة البقرة ويستفيض في ذكر بني إسرائيل وقصتهم مع موسى u ولم يعطينا ملامح عن توبتهم على رغم معاصيهم؟

أولاً بنو إسرائيل لم يتوبوا. وعلينا أن نتعلم أدب السؤال فلا نقول لماذا قال كذا ولماذا لم يقل كذا ولكن نسأل ونقول ما الحكمة؟ المولى عز وجل في كل واقعة من وقائع قصة آدم u في القرآن (البقرة، الأعراف، الحجر، الكهف، طه، ص) كل عرض في سورة يعطي ملمحاً أو أكثر. في سورة البقرة التي ترتيبها في النزول 87 وهي أول سورة مدنية وترتيبها في الكتاب 2 بعد الفاتحة. الحق تبارك وتعالى يقول في ختام قصة آدم (فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم) كأني بالله تعالى يريد أن يقول طالما ستنزل إلى الأرض وتخرج من الجنة (وقلنا أنه جنة تدريب على الحياة المليئة بالمعاصي وبالتوبة) فليس من سبيل الصدفة أن يختم القصة بآيات التوبة. النبوءة جاءته بعد المعصية لأن معصية آدم ليست معصية في القمة وهو نزل إلى الأرض تائباً. وليس من التكرار أن نقول الله تعالى أعطاه الكلمات ليتوب بها لأنه لما عصى لم يعرف أن يتوب من نفسه وهذا درس مستفاد. نحن الآن ليس لنا حجة لأن عندنا آيات التوبة. ليس البأس أن تذنب لكن البأس أن لا تتوب والتوبة قلنا أنه ليس لها وقت وأفضل وقتها أن تتوب وأنت في مجلس المعصية.

سؤال: آدم كان يتكلم وفي الكتب التاريخية يقولون أن الإنسان في العصر الحجري كان يتكلم بالإشارات؟

آدم كان يتكلم بكلمات التوبة (ربنا ظلمنا أنفسنا) وهو تكلم بالعربية. نحن نأخذ منهجنا من الكتاب والسُنّة الصحيحة ولا نعتمد على الكتب التاريخية .

سؤال: ما هي الكلمات التي تلقاها آدم من ربه؟

أغلب الآراء أنها (ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين).

سؤال: في تفسير الجلالين للسيوطي يقول في تفسير آية سورة البقرة (إني جاعل في الأرض خليفة) أنه خليفة تخلفني؟ وهل نأخذ من تفسير الجلالين؟

سبق أن قلنا أنه لا يمكن لآدم أن يكون خليفة عن الله. ويجب أن أطلع على الكتاب لأعلق على السؤال.

سؤال: إذا كانت الجنة في الأرض فكيف يكون إخراج آدم منها مناط عقاب؟

الجنة عند أهل التفسير قسم قال أنها جنة المأوى في السماء وقسم قال لا يمكن أن تكون جنة المأوى لأنها ستكون جنة الخُلد التي لا يخرج منها أحد وإنما هي في الأرض. نحن رجّحنا رأياً على رأي وقلنا أن أول إستخدام لكلمة جنة في القرآن جاء (إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة) ثم جاءت في قوله تعالى (فلولا إذ دخلت جنتك) و (جنتان عن يمين وشمال) كل كلمة جنة كانت أرضاً وكلمة اهبطوا سبق وذكرنا أنه تدل على هبوط مكانة ومنزلة كما في قوله (اهبطوا مصرا) هذا تفسير لغوي ونحن اخترنا رأياً على رأي. الأقرب عند أهل اللغة وأهل التفسير بإجماع أن الجنة كانت بستاناً على الأرض وقال الشيخ الشعراوي رحمه الله أنها جنة التدريب وقلنا أنها جنة التدريب على المعصية وعلى التوبة. كيف أتعامل في هذه الدينا؟ أنا لست من الملائكة بحيث لا أعصي أبداً ولست من الأبالسة فلا أتوب إنما أنا أُخطيء وأتوب والله تعالى يغفر الذنوب جميعاً. خروج آدم من الجنة ليس عقاباً بدليل حديث موسى وآدم عليهما السلام: موسى u لما حاجّ آدم u في هذا الأمر قال له آدم u:أتحاسبني على أمر قدّره الله عليّ؟ وأخبر النبي r فقال: فحجّ آدم موسى أي كانت حجته أبلغ.

(إني جاعل في الأرض خليفة) جاعل تعطي معنى التحويل لأن فعل جعل في أفعال التحويل، كأنه سيوجده في مكان ويُخرِجه إلى مكان آخر ولهذا لم يقل إني خالق في الأرض وإنما قال إني جاعل في الأرض لأنه جاء بعدها (اهبطوا منها جميعاً) وهذا يدل على التحويل..

سؤال: في سورة طه الآية 123 (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا) الكلام موجه لآدم وحواء وإبليس، فمن هو المقصود في كلمة يأتينّكم في الآية (بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123)) ؟

المقصود بها الإنس والجنّ.

أسئلة ودرت خلال الحلقة ولم يجب عنها لكن الدكتور وعد بالإجابة عليها خلال الحلقات القادمة:

سؤال: ما هو تفسير الآية (فيسبوا الله عدوا بغير علم)؟

سؤال: هل صحيح أن أهل السنة يؤمنون بالمهدي المنتظر؟ وهل عذاب القبر موجود أم لا وهناك اختلاف كبير في هذا الأمر بين العلماء؟

سؤال: الله تعالى خلق الإنسان لعبادته فما الحكمة من ترك إبليس يوسوس لعباده؟

سؤال: مشاهدة تطلب اسم كتاب تفسير للقرآن يكون سهلاً وميسّراً وكتاب للأحاديث الصحيحة.

سؤال: آيات السجدة هل وجبت أثناء نزول القرآن؟

سؤال: هل أسماء السور في القرآن نزل بها جبريل أم سُمّيت بعد ذلك؟

بُثّت الحلقة بتاريخ 29/5/2006م


الحلقة 18:

تكملة موضع الإسرائيليات:

الفاكس الذي وصلنا الأسبوع الماضي من أحد المشاهدين حول موضوع الإسرائيليات يدل على أن قضية الإسرائيليات تُطرح بين الناس ويجب علينا نحن أن نذكّر بالمنهج. يجب أن نرى أولاً: لماذا الإسرائيليات وكيف بدأت ولماذا لها هذا الرواج رغم تحذيرات بعض العلماء؟

ساعة أراد اليهود هدم الدين كان لهم منجاً وهو عدم اليأس وكان عندهم خطة وغاية يريدون الوصول إليها. تحريف القرآن مستحيل فتركوه ودخلوا في التفسير, أنت تسمع قصة ما فيبدأوا هم يستغلون أن القرآن يتكلم عن القصة بطريقة خاصة جداً فيفردوا لك بعض الحكايات التي تتمناها النفس البشرية التي تقرأ القرآن على حرف. السرد القرآني في سورة يوسف في منتهى الإبداع فيقول لك هل أخبرك ما أسماء إخوة يوسف؟ هذه نقاط تحبها النفس البشرية فلو تجردت وأخذت المنهج القرآني فقط فهذا هو الصواب لأنه ماذا يهمني أن أعرف ما إسم إخوة يوسف طالما لم يذكرها القرآن الكريم؟ يجب أن أرضى بما جاء به القرآن الكريم حتى لو لم أفهمه أسلّم إيماناً لله تبارك وتعالى. على سبيل المثال قصة مواقع النجوم في قوله تعالى (فلا أقسم بمواقع النجوم) هذا الموضوع تركنا فيه المحكّ اللغوي في الكلمة وستمسكنا في العصر الحديث بمواقع النجوم من الناحية العلمية. وهنا أسأل سؤالاً: الرجل الجاهلي الأول الذي لا يعرف شيئاً وعاش في عصر النبوة وسمع الآية هل فهم ما فهمه علماء الفلك اليوم؟ بالطبع لا. لكن أيهما أعلى إيماناً؟ بالتأكيد الرجل الأول الجاهلي لأنه أخذها وهو لم يفهمها وهذا منتهى التسليم لله تعالى. الكهرباء مثلاً هل عندما أستخدمها أحتاج أن أعرف ما عرفه إديسون أو أفهم كيف تعمل؟ لا وإنما يهمني أن أستخدمها فقط. هل يهمني كرجل مسلم مؤمن مسلّم لله تعالى وللرسول r أن أعرف مواقع النجوم أو يهمني نفي القسم في الآية؟ إذا اشتغلنا في نفي القسم (لا أقسم) بدل مواقع النجوم لوجدنا أن هذا القسم منفي وهذه صيغة جديدة على المسمع اللغوي لأنه عادة نسمع القسم (والضحى، والليل) وغيرها إنما الفسم في الآية هو قسم منفي لكن هذا لم يوقفهم ليسألوا فيه؟ ولو اشتغلنا فيها تعطينا ملمحاً وهو أن المقسَم عليه كانت أشياء لا تستحق القسم. في القسم المنفي (لا أقسم بالخنّس) بعد نفي القسم المقسم عليه شيء ما كان يحتاج لقسم لأنه واضح ثابت فينفي القسم كأننا بالله تبارك وتعالى يخبرنا أن نفي القسم على شيء ما كان يستحق القسم لكن جحود الإنسان جعله بدل ما يأتي بالقسم إحتاج لنفي القسم. نحن نفعله في اللغة العربية العامية بدون أن نشعر فنقول (والله ولا لك عليّ يمين). كان يجب أن نقف عليها في القسم المنفي لكن نتركها ونعلّق على مواقع النجوم؟!. الذي عاش في العصر القديم ولم يدرس علم الفلك أو غيره وسمع قوله تعالى (فلا أقسم بمواقع النجوم) وبعد هذا القسم المنفي أكّد الله تعالى القسم في قوله (وإنه لقسم لو تعلمون عظيم) وهذا القسم الصريح أعظم من المنفي. لكن أن نبحث في أمور لا تهمنا هذا نهانا القرآن الكريم عنه.

مثال آخر في توجيه القرآن توجيهاً صريحاُ بعدم أخذ الإسرائيليات ما قاله عبد الله بن مسعود يقول عن اليهود أنهم أضلوا أنفسهم فكيف سيهدوننا نحن؟ لا نأخذ من اليهود وهم حرّفوا كتاب الله تعالى فكيف أسألهم عن كتاب الله؟ حرّفوا التوراة وألّفوا الإنجيل. في قصة أصحاب الكهف حينما عرض القرآن لعددهم (سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (22)) قال للرسول r (وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا) الضمير (فيهم) يعود على أصحاب الكهف أما الضمير منهم فيعود على بني إسرائيل. (فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا) يعني حتى لو فكّرت فيها فلا تطلق العنان لنفسك. من حقك أن تسأل لكن عُد إلى رشدك تجد أنه ليس مهماً أن تعرف عدد أصحاب الكهف. وإذا أحببت أن تعرف لا تستفت فيهم منهم أحداً أي أحد وكلمة (أحداً) تأكيد لأنهم كلهم مثل بعض أي لا تستفت ولا واحد منهم. لا تأخذ بعد كلام الله تعالى من أحد. هذا توجيه المولى عز وجل. والتاريخ يعيد نفسهفالذين يحاولون الآن الجري وراء الإسرائيليات نذكرهم أن عمر بن الخطاب فعلها وساعة فعلها تهيأ له أنه سيُفرِح الرسول r لكن الرسول r غضب غضباً شديداً واحمرّت جبهته الشريفة  عمر بن الخطاب وقع على ناس يتكلمون في قصة من قصص القرآن وعمر فرِح بمطابقة كلامهم مع القرآن فذهب إلى الرسول r وأخبره فقال له r غاضباً "أ متهوّكون فيها يا ابن الخطّاب؟" ناداه بابن الخطاب وليس باسمه وهذه اعدة العرب عند الغضب. فحتى لو طابقت الرواية ما جاء في القرآن نرفضها ونقول طالما طابقت القرآن فخذها من القرآن وانتهى الأمر. ومعنى رد الرسول r على عمر أنه هل إيمانك إيمان حيرة تريد ما يثبتك من خارج الإسلام؟ ويقول r: " لقد جئتكم بها بيضاء ناصعة لو كان موسى بين ظهرانينا ما وسعه إلا أن يتبعني"  وللأسف بعض الدعاة ينسحب كرههم لليهود على موسى u ولكن الإيمان بموسى شرط للإيمان بالرسول r. فلو جاء القول من موسى u ومن محمد r نأخذ من محمد r لأن القضية واضحة. هؤلاء اليهود أضلوا أنفسهم فهل سيهدوننا نحن؟ وبإجتماع أهل التفسير أن قوله تعالى (غير المغضوب عليهم) المقصود بهم اليهود وهذه لم يختلف فيها أهل التفسير لأنهم ضلّوا رسالتين النصرانية والإسلام، هنا ألّفوا وهنا أرادوا التحريف فلم يفلحوا فزوروا الحديث ومنهم جاءت الأحاديث الضعيفة والموضوعة.

هم كانوا متربصين بالمسلمين كإبليس لا يهمد ولا يرتاح ولا ينسون العداوة. ولو تملكوا الآن واستطاعوا لقضوا على هذا الدين فكيف نسلّم لهم ونعطيهم فرصة أن يهدموا العقيدة؟.

سؤال: ما الذي يضير المسلم أن يعرف مثلاً أسماء إخوة يوسف أو وصف الملائكة أو غيرها مما جاء في الإسرائيليات؟

الذي يضير أنه يأخذ من غير القرآن والسنة الصحيحة. الرسول r وجّه في قضية عمر بن الخطاب (لا تستفتوهم، لا تسألوهم، لا تبحثوا عن شيء عندهم لأنهم يمكن أن يقولوا لكم صدقاً فتكذبوه أو يقولوا لكم ضلالاً فتتبعوه، قد تصدق الباطل وتكذب الحق فلا تصدقوهم وهذه تعليمات الرسول r. الأخ الذي أرسل بالفاكس قلب القضية وجاء بجزء من الحديث كما ذكرنا في الحلقة السابقة. تعليمات الرسول r " بلغوا عني ولو آية وحدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج" لو أراد أن يقول إرووا لقالها وما كان ليقل ولا حرج. ثم قال r : من كذب عليّ فليتبوّأ مقعده من النار" وقوله r بلّغوا أي إنشروا ما أقوله. ولو كنا مأمورين بالأخذ من بني إسرائيل لقال r : إرووا عن بني إسرائيل وقوله (ولا حرج) تعني أن تفضحهم ماذا فعلوا بالإسلام وكيف كذبوا على الرسول r واشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً وحرّفوا. فعلوه رغم أنهم أُمروا بذلك (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (5) الجمعة) هذا مثل خطير: الحماؤ حتى أفضل منهم (إن هم كالأنعام بل هم أضل) الحمار عليه أن يحمل أحمالاً وليس علماً لكن هذا مثل خطير ضربه القرآن (حُملوا، ثم لم يحملوها) أُمروا بحملها ولم ينفذوا ولم يحسنوا فكيف آخذ منهم؟

في الفاكس أيضاً تعليق للمشاهد على موضوع أن آدم ليس خليفة الله واستشهد أن ابن كثير قال أنه خليفة الله؟

أحياناً يُنسب للشخص قول لكنه لم يقله ويكفي أن تشكك فيه بأمر حتى تشكك الناس في كل شيء عنه. أصحح للأخ السائل لأن إبن كثير لم يقلها وهذا كتاب قصص القرآن المحقق لإبن كثير في شرح الآية (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30)) قال كما جاء في نص الكتاب: أعلم بما يريد أن يخلق من آدم وذريته الذين يخلف بعضهم بعضاً أو آدم على رأس ذرية يخلف بعضها بعضاً (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ (165) الانعام) (وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَءِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (62) النمل). وفي الهامش كتب المحقق : هذا تصريح بفساد ذاك القول أن الإنسان خليفة لله في الآرض كما يهرف بهذا القصاصون. وأصل موضوع أن آدم خليفة الله في الأرض هذه بدأت بغلطة من أحد العلماء فمشي الناس وراءه ولم يصححوا له.

كلمة خليفة بالتحقيق اللغوي هي واقعة في شأن البشر أنا إذا قيلت عن الله تعالى فموضوع مستحيل. المولى تعالى يقول (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) لم يقل (لي) فمن أين أتوا بها؟ الرازي قال: الخليفة من يخلف غيره ويقوم مقامه. هذا كلام منطقي في حق البشر فرجل مسافر مثلاً يأتي بشخص آخر يخلفه في مكانه وفي عمله حتى يعود من إجازته مثلاًفالخليفة لا يجلس مكان المخلوف إلا إذا سافر أو مرض أو غاب ولكن هذا لا يتحقق مع الله تعالى حاشاه. وكلمة خليفة قد تعني أن رئيس الدولة إذا كانت دولته مترامية الأطراف يمكنه أن يجعل على جزء منها خليفة في محافظة من المحافظات ليقوم مقامه وهذا لا يتحقق في شأن الله تعالى. خليفة ليس لها علاقة بالله تعالى ولكن لها علاقة بنا لأن آدم يموت وإذا مات يُخلف. (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (59) مريم) بالتسكين أي يعمل أموراً غير منضبطة. الخلَف مثل السلَف أما الخلْف بالتسكين فهي تعي أسوأ مما قبل.

سؤال: لم الإصرار على خليفة الله؟

حتى لا يقول أحد أنه مخطيء فقط. الشيخ عبد الجليل عيسى حسمها حسماً قاطعاً حتى أنه لا يذكر ما قيل بعد أن ينتهي بحثه وإنما يذكر النتيجة كما قال إبن كثير في قصص القرآن أنه على رأس ذرية يخلف بعضها بعضاً. ونحن في العامية نقول لمن رزق بولد أنه خلّف أي جاءه خليفة وهذا من شأن البشر لكن لا تصح في ذات الله تبارك وتعالى. وأنا لن أمل من تكرار هذا الكلام وكلما ذكره أحد سأردّ عليه وأشرحها من جديد.

القرآن يقول (إني جاعل في الأرض خليفة) لماذا لا نأخذ كلمة جاعل ونبحث فيها وفي معناها؟ وأسأل من أخصّ الخلق بمعرفة ذات الله تعالى؟ الملائكة فهل يعقل أن تفهم الملائكة أنه خليفة عن الله وتقول لله تعالى يفسد فيها ويسفك الدماء؟!. هذا مستحيل في حق الله تبارك وتعالى. كلما تذكر كلمة الله أو صفة من صفاته يجب أن نضعها على مدار ليس كمثله شيء.

وللأسف البعض يقولون أن آدم خليفة الله في الأرض كما كان الصدّيق خليفة للرسول r. شبّه هذا الرجل وهو عالم وداعية شبه الصدّيق بآدم u وشبّم محمداً r بالذات الإلهية حاشاه. هذا الكلام خطير وخطورته في مكمن العقيدة. لا تقل خليفة عن الله لأن هذا كلام لأناس لا تفهم ما تقول. لا إبن كثير قالها ولا محقق كتاب قصص القرآن ولا يقبلها أحد من أهل اللغة.

كلمة جاعل: لم يقل خالق مع أنه وردت في مواضع أخرى في القرآن الكريم (إني خالق بشراً من طين) فلماذا جاءت جاعل في سورة البقرة؟

الفعل جعل يفيد الحوّل. إسم الفاعل منه يعطي نفس الدلالة. جاعل أولاً تأتي بمعنى قاطع في أمري وتأخذ ملمحاً آخر صحيح هو في الأرض لكن لن يبدأ في الأرض. هو بدأ في الجنة وكلمة (في الأرض) في الآية تحكم واقع حال مراد الله تبارك وتعالى في القصة. وقد وردت أسئلة في الحلقة السابقة لماذا بدأنا في الجنة طالما أننا خُلٌِنا للأرض؟ نحن نقول الله تعالى لا يُسأل عما يفعل ولماذا بدأنا في الجنة لكن قد نسأل عن الحكمة ونحاول الوصول إليها على إستحياء. في السابق كانوا ينددون بما فعل آدم وكأنه شخص منفلت عن قضاء الله تعالى وقدره ولكنه u نبيّ. وقصة معصية آدم التي يتحدثون عنها إنتهت في لحظة والقرآن الكريم وضع قاعدة أصولية (أن لا تزر وازرة وزر أخرى) إذا أخطأ والدي لا أتحمل أنا وزره ولا هو يتحمل ذنبي إذا أخطأت أنا. نسأل كم استمرت معصية آدم؟ الفاء في قوله تعالى (فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37)) تدل على الترتيب والتعقيب. نحن لما نقابل آدم u يوم القيامة يجب أن نشكره لأنه بمعصيته شُرِعت التوبة. البعض يسأل لم لم يعص آدم لما خرجنا من الجنة فأقول لهم من قال أننا نحن خُلِقنا للجنة؟ آدم جاء في الجنة ولكن أول إخبار عنه في القرآن (إني جاعل في الأرض خليفة) فوجوده في الجنة مرحلة إنتقالية لحكمة يجب أن نسجد لله تعالى شاكرين لأنه لولاها لما شرعت التوبة. هل كان يمكن لآدم أن لا يقع عليه قضاء الله؟ كلا ولولا المعصية لما شرعت التوبة. ولولا المعصية لما كانت بدأت الوسوسة وكيف تبدأ؟ يجب أن نسلّم لمراد الله تعالى في القصة ونأخذ العبرة. الناس تقول لو لم يعصي آدم ربه ما خرجنا من الجنة. وما يقوله البعض أنه ما كنا خرجنا هذا غير صحيح لأننا لم نُخلَق في الجنة وآدم ليس مخلوقاً للجنة . والقصة فيها حكمة أن الذي لا يسمع كلام الله تعالى سيهبط، سينزل. والقصة كانت يجب أن تحصل على مراد الله تعالى لكن نأخذ العبرة أنه إذا عصيت الله تعالى ستأخذ عقاباً وما حصل لآدم ليس عقاباً وإنما جريان القضاء والقدر.

(فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه) توبة آدم حصلت لكنه لم تأخذ حيّزاً كبيراً لأن التوبة من الله توبتان كم في قوله تعالى (ثم تاب عليهم ليتوبوا) توبة الهداية هي أن يعطيك تعالى فكرة التوبة. كل منا يعصي ويخطيء ولكن لولا رحمة الله تعالى علينا لما نزعنا إلى التوبة بدليل أنه إذا شخصان فعلا نفس المعصية أحدهم يتوب والآخر لا وهذا من فضل الله تعالى ونذكر دعاء أهل الجنة في الجنة لم يقولوا الحمد لله الذي تاب علينا أو قبل توبتنا وإنما دعاؤهم (الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله). القرآن كله (إن هو إلا ذكر للعالمين لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين) حتى لما أتوب وأفرح بتوبتي أقول الحمد لله الذي وجّهني لها وشرعها.

سؤال: ما الحكمة من استعمال كلمة خليفة؟ ولم يستعمل كلمة خلائف أو خلفاء مثلاً مع أنها وردت في آيات أخرى؟

أول الخلق مفرد (إني جاعل في الأرض خليفة) وآدم أول الخلق. وهذه قضية ثانية أبو البشر وهناك من يشتم الدكتور عبد الصبور شاهين على كتابه أبي آدم والمحقق للأسف شتم الدكتور وما كان يجب أن يحصل هذا بين العلماء. وما قاله الدكتور عبد الصبور شاهين فيه كثير من الأشياء الصحيحة وفيه خطأ وهو اجتهد وقال في لقاء استضفته فيه أنه يقبل بنصف أجر. لكن أن أشتم أستاذاً وعو عالم لغة وله أيادي بيضاء على الدعوة وهو من البقية الصالحة من علمائنا فهل نترك كل ما فعله الرجل ونمسك له غلطة واحدة؟! نحن لسنا بوابين جنة ونار ولكن هذا دأب بعض الناس وقد أختلف مع الدكتور عبد الصبور في طرحه ولكني أقبل يده في كل حال.

(أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) جاءت بالإفراد أيضاً بوصف آدم أبو البشر.

سؤال: هل كان هناك خلق قبل آدم؟ والقرآن الكريم استخدم كلمة البشر والناس والبرية.

الخلق قبل آدم قصة لا تعنينا والتسلسل يستحيل عقلاً لأنه لو أخبرتني أن لآدم أب سأسأل من أبوه وهكذا إلى أن نصل إلى بداية الخلق ويجب أن نقف عند نقطة فلماذا لا نجعلها عند آدم وانتهى الأمر؟ آدم أول الخلق الذي جئنا منه ولا يسبقه خلق مثلنا. قد يكون هناك مخلوقات أخرى لا يعلمها إلا الله تعالى لكنه لم يخبرنا بها فليس لنا علاقة بهم. ونقول للذي يريد أن يجتهد أن يجتهد في النص لا مع النص.

وما قالته الملائكةأفهمه أنا أن طبيعة الذي سيكون في الأرض سيفسد والجنّ فعل ذلك قبل البشر وانتهى الأمر. هذا الكتاب إيماني وعلينا أن نسلّم ولا نقول لماذا قال كذا ولم يقل كذا؟ والله تعالى لا يُسأل عما يفعل والبديع في القرآن الكريم أن الجمل متّسقة بطريقة لأننا لما ننتقل إلى سورة أخرى سنجد ألفاظاً جديدة ستظهر.

سؤال: لماذا تفرّدت آيات سورة البقرة بمجموعة ملامح لم ترد في سورة أخرى ؟

لأنه لو أن عشرة أشخاص رأوا حادثة ما ثم طلبت منهم أن يخبروك بما رأوا فكل واحدة سيروي القصة من زاويته هو لكن عندما يخبرنا الله تعالى بالقصة فهم العليم الحكيم الخبير المهيمن ولهذا الحق تبارك وتعالى في بعض آيات القرآن يطلق لفظاً معجزاً لرسول الله r الذي وُلِد في عام الفيل (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل) كيف يرى ما حدث وهو r وُلِد في عام الفيل؟ لكن الذي سيخبره هو رب العالمين المهيمن وثم يحكي لك حكاية في أكثر من سورة ولما تجمع كل الملامح لتجد القصة متكاملة.

سؤال: سورة البقرة تناولت حوار الله تعالى مع الملائكة وحوار الله تعالى مع آدم ثم تحذير آدم من إبليس وردّ الملائكة على الله تعالى والفساد وسفك الدماء فلماذا جاء هذا الوصفان (الإفساد وسفك الدماء) في سورة البقرة تحديداً؟ أما باقي سورة القرآن الست التي فيها قصة آدم نجد فيها ملامح أخرى لم ترد في سورة البقرة؟ علماً أن سورة البقرة هي  87 من حيث التنزيل ولكنها الثانية من حيث الترتيب؟

في سورة البقرة أعطانا الله تبارك وتعالى الملامح العامة (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة) وأعطانا رد الملائكة (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) وأهطانا جزئية هامة لم ترد في أية سورة (وعلّم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة الحكيم) هذا ملمح في منتهى الخطورة ثم أعطى أمر الله تعالى للملائكة بالسجود وظهرت حواء في الأمر بالسكن (اسكن أنت وزوجك الجنة) ثم الملامح العامة (فوسوس لهما) (فأزلهما) بطريقة إجمالية ثم مشروعية التوبة (فتلقى آدم من ربه كلمات). الحوار مع إبليس تفصيل للمجمل لذا لم يرد في سورة البقرة. القرآن يأتي بالمجمل أولاً ثم يفصّله في باقي السور. ساعة ما يخطيء أحدنا المهم عنده التوبة لكن لا يهمني كيف تمّت وفي سورة النساء قال تعالى (إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب) أي بعد المعصية مباشرة وأنا أقول يا ليت التوبة تكون في مجلس المعصية نفسه لأنك لا تضمن أن تخرج منه حياً. لذا جاءت التوبة في سورة البقرة وتحققت بسرعة (فتاب عليه). وفي سورة التوبة (ثم تاب عليهم ليتوبوا) فالتوبة توبة دلالة ثم يتب فيقبلها. لم يقل في الآية أنه تاب مرة ثانية وهذا دليل أنه أول ما وجّهك للتوبة تاب عليك.

سؤال: ما دلالة استخدام الصفتين الإفساد وسفك الدماء تحديداً؟

أول معصية على الأرض سفك الدماء حين قتل قابيل أخاه هابيل. بدأت الحياة من ذرية آدم فأول غلطة كانت سفك دماء. والملائكة لما قالتها (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) سفك الدماء جزء الفساد أي تفصيل فالإجمالي أي الفساد يأتي أولاً. الفساد لا يكون سفك دماء فقط وإنما هناك فساد آخر. سفك الدماء لتعظيم المعصية وفي سورة الفرقان جاء قتل النفس مباشرة بعد الشرك بالله (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68)) لأن القتل خطير لأنه نقض للحياة التي هي لله عز وجل.

( من يفسد فيها) هذا ليس إعتراضاً وإنما سؤال من الملائكة للإستعلام والإستفهام وليس عيباً أن أستفهم لأنه لو كان عيباً لما ذكره القرآن لأنه يعرض الواقعة حتى نستفيد منها.

سؤال: قول الملائكة (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) آدم بالقطع عُلّم الأسماء كلها وعلم هذه اشياء وعلّمها إلى إبنائه وهم عاصروه وكانوا حديثي عهد بما حصل معه وتعلموا منه فأين كان عقل قابيل؟ وهل الشيطان يعمل بالإنسان لهذه الدرجة؟

رُبّ قاريء للقرآن والقرآن يلعنه. هذه القضية تخيف أنت تضع كل ما تفعله على ميزان لا إله إلا الله محمد رسول الله. قابيل كان قريب عهد بآدم وأول ما بدأت الحياة خالف أمره أما أخوه هابيل فلم يفعل (لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (29) المائدة) واحد أخطأ والثاني لم يخطيء، واحد يؤثر فيه الكلام وغيره لا وهذا يحدث دائماً لأنه طالما يوجد دنيا طالما هناك فساد. ونسأل هنا أيهما جاء أولاً قتل النفس أو مخالفة المنهج؟ مخالفة المنهج جاء أولاً لأن قابيل رفض الزواج من أخته التي أحلها له الله تعالى. هذا الفساد لأن كل مخالفة منهج يأتي عليك بالفساد لذا القرآن صارم في تعليماته (تلك حدود الله فلا تقربوها) يجب أن نلتزم المنهج.

سؤال: (وإذ قال ربك للملائكة) الحوار مع الرسول r ثم جاء قوله تعالى (وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك) فلماذا تغيّر صيغة الخطاب في (قلنا)؟

لأن هذه داخل الواقعة.

سؤال: هل هناك دلالة لعدم الكلام عن حواء؟

الدلالة أن الله تعالى إذا أراد أمراً فيه خلق يجعل الذكر والأنثى فساعة يخلق النبات يكون ذكر وأنثى أي زوجين، حيوان زوجين، إنسان زوجين فلا داعي لتكرار الكلام عنها. خلقها هو خلق آدم لأنه الزوج ولا داعي للكلام عنها لأنه سيكون تكراراً وسيعيد الكلام خلقها من صلصال من حمأ مسنون نفس الحكاية.

سؤال: هل هناك فترة زمنية محددة بين دخول آدم الجنة وبين نسيان آدم أمر الله تعالى له؟

المدة غير معروفة. والبعض ممن يشتغلون بالإعجاز العددي في القرآن عن طريق ربط أرقام الآيات والسور ونحوها نقول له هل علّمنا رسول الله r هذا. فهذه إذن مخالفة للمنهج. نحن عندنا حرف الفاء الذي يفيد الترتيب والتغقيب وحرف ثم يفيد الترتيب والتراخي وتعطي فترة لكن كم؟ لا نعرف.

(فتكونا من الظالمين) أعطاهم النتيجة والظلم أبشع أنواعه هو ظلم النفس. (فأزلهما) الفاء للسرعة وأنا آخذ من وجود الفاء أن الشيطان لا يتركك أبداً وإنما يبادر للوسوسة مباشرة. مجرد أن ينوي الإنسان الصيام مثلاً يأتيه الشيطان دون أن يترك له فترة ليتمتع بالعبادة. الفاء ملمحها خطير ولذا نقول للناس وأنتم في الصلاة أُذكروا هذا الأمر. علينا أن نذكر أنه من حام حول الحمى وقع فيها فالشيطان يستدرج الإنسان. وطالما قال تعالى لا تقرب فعليك أن تسمع التعليمات ولا تقرب. لا تحتاج معرفة كم سنة وغيرها لأن الشيطان لن يترك الإنسان لأنه بمجرد أن يراه يعمل شراً يتركه وأول ما يراه يعمل خيراً يوقعه.

بُثّت الحلقة بتاريخ 5/6/2006م

الحلقة 19

نظرة عامة على قصة آدم u في آيات سورة البقرة

سؤال: في قول الله تعالى للرسول r وهو يقص عليه القصص هناك خلاف بين قوله تعالى(فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36)) والآية التي بعدها (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38)) فما دلالة هذا الإختلاف؟

قد يظن البعض أن هناك تكرار بين قوله تعالى (قلنا) ثم (قلنا) لكن يجب أن نفرّق بين قضاء الله تبارك وتعالى بالهبوط وبين أمر الله تعالى بالهبوط. القضاء مسألة أزلية لذا لما جاءت (قلنا) في الآية الأولى جاءت بعد (فأزلهما الشيطان) حتى تبين أن الذي لا يسمع كلام الله عز وجل سيهبط وينزل درجة وهذا ليس عقاباً بالمعنى الذي عند الناس ولكن هذا قضاء لأن آدم مخلوق للأرض لكنه ملمح يتحقق في بني آدم أن الذي يخرج عن المنهج لا يبقى في النعمة التي هو فيها. حتى الذين قالوا أن الجنة كانت في الأرض نقول أنها لم يكن فيها تعب ولا جهد ولا مشقة (إن اك ألا تجوع فيها ولا تعرى) هذه مسألة أنت لن تعيش في النعيم الذي سيكون في القيامة لأنها جنة دنيا من غير تعب لذا قال تعالى (فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى) رغم أأنك تعيش في الجنة لكنك لا تتعب وهي ليست كجنة الآخرة والنعيم الأبدي. (فأزلهما الشيطان) (وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو) لم يكن هناك إبليس بعد. والبعضية هنا اختُلِلإ فيها فمنهم من قال المقصود بين آدم بعضهم عدو بعض وآخرون قالوا إبليس معهم في هذا الهبوط ونحن نحب أن نخرج من هذا الخلاف فنقول أن الضمائر في القرآن على أساس أنهما يمثلان الذرية فآدم يخاطَب بالجمع على أنه أبو البشر ونزوله نزول للكل. وهذا كلام محتمل من حيث اللغة وأنا أقول أن البعض هنا من الكُلّ والبعض الثانية من الكل. هما اثنان آدم وحواء أو ثلاثة مع إبليس لكن بعضهم لا يمثل واحداً أمام واحد لكن باعتبار الذرية ولو كان المقصود آدم وحواء تُصلح (بعضكم لبعض عدو) الجمع متّسق فآدم وحواء تصلح وآدم وحواء وإبليس تصلح. إبليس طُرِد من رحمة الله تعالى ساعة عصى لكنه لم يُطرد من الجنة. إبليس كان مع آدم وحواء في الوسوسة وإبليس لا يحتاج أن يدخل جسم الإنسان حتى يويوس له وهذا من الإسرائيليات. نسأل: هل يُجبر إبليس أحداً على المعصية؟ كلا لأنه يوسوس من بعيد، هو مطرود من رحمة الله تعالى قبل الوسوسة ومع ذلك وسوس لأن الوسوسة من خصائصه وهو مخلوق لها.

عندنا حديث في منتهى الإبداع "كلٌ ميسّر لما خُلق له" طبيعة إبليس هكذا يوسوس. (فأزلهما الشيطان) بتعبير آخر فوسوس إليه وهناك ملامح كثيرة للقصة لكن الخلاصة أنه أزلهما ولما أزلهما أخرجهما من الجنة ونسي آدم وآدم يمثل الجنس البشري كله وهذا واقع إلى اليوم. المعصية تتم بالنسيان وعدم المبالاة بالمنهج. (فأزلهما الشيطان فأخرجهما مما كان فيه) جنة الدنيا لكن ليس فيها شقاء كانوا في نعيم وأقل النعيم نعيم. صحيح هي ليست جنة الخلد لكنها جنة متاح لك فيها ما تطلب. (فأخرجهما مما كانا فيه) لما حذّر المولى تبارك وتعالى آدم (فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى) الخروج الأول هو القضاء أن الذي يخطيء يجب أن يهبط أو ينزل. وهذا التعبير يحتاج إلى وقفة. ساعة سمع آدم الله تعالى في أمره له بالهبوط (قلنا اهبطوا .. إلى حين) (فتلقى) لم يكن قد هبط بعد وهنا الوقفة بدليل (اهبطوا) الثانية. فتلقي التوبة كان في الجنة قبل أن يهبط.

الأول (فأزلهما) اهبطوا الأولى لأنهما عصيا ولم يهبط آدم قبل أن يتوب ثم (قلنا اهبطوا منها جميعاً) أي نفّذوا الأمر. فالأمر الأول أمر بالقضاء لكن آدم لا يريد أن يخرج من الجنة إلا والله تعالى راض عنه ويتوب الله تعالى عليه. هذا الفرق بين المعصيتين: معصية آدم ومعصية إبليس الذي رد الأمر على الآمر.

(فازلهما – فأخرجهما – فقلنا – فتلقى) لم ينفّذ ليس عن معصية لكن لا يخرج إلا بعد أن يرضى الله تعالى عنه ويتوب عليه. فتلقى تعبير جميل جداً.

سؤال: (فتلقى آدم من ربه كلمات) ما دلالة إستخدام لفظ الربّ بدل الله أو منا؟

لأن في لفظ الرب رحمة شديدة. لفظ الجلالة الله فيه رهبة والرب الذي رباك رحمك لذا نقول الحمد لله رب العالمين فنحن دائماً نلجأ لعطاء الربوبية لأن كلمة الله كلمة مفزعة لمن فهمها. لذا من عرِف الله خافه. قبل أن يخلق آدم سمى الله تعالى نفسه التواب (إنه هو التواب الرحيم) التواب أولاً من أجل آدم وذريته.

(فأزلهما) سبب كل ما يأتي بعدها أنهم سمعموا كلام إبليس وإبليس نجح في أن يزلهم. (فأخرجهما) نتيجة الزِلّة الإخراج من الرحمة ومن النعيم الذي كانوا فيه (فأخرجهما مما كانا فيه) ثم (وقلنا).

سؤال: توالي النداءات مع أفعال الشيطان (فأزلهما فأخرجهما) لم يقل (فقلنا) وإنما (وقلنا) والواو فيها تراخي فهل لهذا دلالة؟

حتى تعيش الذي فعلته كن من رحمة الله تعالى (فتلقى).

(فأخرجهما) هو خروج حسّي وليس الهبوط. هذا هبوط مكانة وهو خروج رحمة: إنزل واتعب نتيجة فعلك. تركه قليلاً ليرى نتيجة عمله وهذه دلالة (وقلنا) ثم عند التوبة (فتلقى) التوقيع: فأزلهما – فأخرجهما – فتلقى. لكن هناك توصيف: أخرجهما يقابلها اهبطوا فقال (وقلنا) على التراخي لكي تشعر بما فعلته فتدرك الذنب. قرار الخروج الحسي جاء مع كلمة (فأزلهما) لذا التعبير قوي (فأزلهما – فأخرجهما) من ساعة ما سمعوا كلام إبليس فهما خارج الرحمة ولذلك تكررت اهبطوا مرتين مرة قضاء ومرة أمر. آدم لم يخرج إلا وهو راضٍ لله تبارك وتعالى، هو لم يتب من ذاته لكنه تلقّى وهذه تعطي إحساساً أنه كان محتاراً لأنه أخطأ لكنه لم يعرف أن يتوب.

سؤال: نفس الموقف حدث مع قابيل ولكنه لم يُلهَم التوبة؟

كل من يبعد عن المنهج يلزمه منهج. كان قابيل سيعلم التوبة لكن هنا قضيته وهو أنّب نفسه كيف أنه لم يعرف أن يدفن أخاه وأرسل الله تعالى الغراب لأنها كانت أول سابقة قتل على الأرض. أرسل الله تعالى الغراب فيقول قابيل لنفسه: أنا أعرف أن أخطيء لكن لا أعرف كيف أواري خطأي وأصلحه.

سؤال: (فتلقى آدم من ربه كلمات) عاد القرآن إلى الفاء مرة أخرى فما الدلالة؟

هذا توقيع محدد (فأزلهما -  فأخرجهما -  فتلقى-  فتاب) تدل على أن رحمة الله تعالى قريبة وصدق الله تعالى (إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب) التوبة على الله تعالى (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب) بالأخص التوبة.

سؤال: ما دلالة (إنه هو التواب الرحيم) مع سياق الآيات؟

دلالتها (فتلقى) لأنه من غيرها لم يتب آدم ولولا التواب ما تاب آدم. لذا قلنا أن الهداية هدايتين: هداية دلالة وهداية معونة. لهذا (إنه هو التواب الرحيم). إذا تبت وأنبت إلى الله تعالى فابقَ هناك ولا تعد لذا الإنابة أهم من التوبة وفي قوله تعالى في سورة الروم (منيبين إليه) أي حالهم إنابة، إذا ذهبت للتوبة فابق هناك ولا تعد.

سؤال: الآية الثانية (قلنا اهبطوا منها جميعا): فأزلهما – فأخرجهما – وقلنا – فتلقى- فتاب – قلنا (بدون واو ولا فاء) فما الدلالة؟

هنا القرآن أعاد الأمر هنا للتنفيذ. والملمح الزمني هنا ليس له أهمية. من (اهبطوا) الأولى تدل أنه نازل لكن إستبعاده رحمة من الله تعالى لأنه سمح له بالتوبة. كان يمكن أن يموت العاصي على المعصية وكونه تعالى يتركه حتى يتوب هذا الرحيم وليس التواب.

سؤال: ما دلالة إختلاف صدر الآيتين؟

هنا توصيف الهبوط أنك لمّا تنزل الأرض هناك لك مدة زمنية محددة وبداية ونهاية أنت وذريتك (ولكم فيها مستقر ومتاع إلى حين). أما الثانية (جميعاً) هذا توقيع التوصيف أنه لما أُنزلك لن أتركك وسيكون هناك منهج.

سؤال: في الآية الثانية ورد (فإما يأتينكم من هدى) ولم ترد في الثانية فما دلالة هذا؟

سيأتيك منهج وليس من سبيل الصدفة أن بد الفاتحة في مطلع القرآن (ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين) توقيع الهدى لأنك تكون متّقياً لتستفيد من الكتاب وطوبى لمن طبّق ولمن عمل.

سؤال: (ما دلالة (إما) في الآية (فإما يأتينكم مني هدى)؟

تحتمل أنه ساعة ما يأتيك نفّذ لأنه هناك من يأتيه المنهج ولا ينفّذ.

سؤال: كيف نربط (بعضكم لبعض عدو) و(يأتينكم مني هدى)؟

العداوة أصل الحياة ولولا العداوة ما كانت الإختراعات والإكتشافات والتنافس. وعلينا أن نأخذ العداوة من باب التنافس. هناك عداوة بين البشر وما يحص في بلاد المسلمين الآن خير مثال على ذلك وهناك عداوة بيننا وبين الشيطان والعداوتان قائمتان. لو نظرنا إلى الدول نجد أن نجاح الإكتشافات بعد المعارك وتقدم الدول بعد الصدامات. يجب أن نأخذ العداوة بالمعنى الجيد لا المعنى السيء. وكلمة الإرهاب يتحدثون عنها بشكل خاطيءز الإرهاب يمنع الإجرام ويمنع الإعتداء. يجب أن يقال على ما يجري الآن إجراماً وليس إرهاباً فعندما أقتل شخصاً هذا إجرام وليس إرهاب. الإرهاب مطلوب لأنه إعداد للنفس يرهب عدوه فلا يعتدي عليه فيمنع الإعتداء، قال تعالى (وأعدوا لهم ما ساتطعتم) الإسلام لا يريد قتالاً وإنما يرد أن يمنع القتال بالإرهاب. عندما ترهب عدوك تحيفه وتمنع العداوة ويعيش الناس بسلام. أما القتل فهو إجرام وهذا ضد الإسلام تماماً. المسلمون لا يوافقون على إراقة الدماء بأية صورة من صوره ونحن ضد الإجرام والقتل لأننا نحن أمة دعوية والذي يحدث في دول الإسلام من قتل وإجرام حرامٌ حرام والإسلام منه براء هذا ليس إرهاباً وإنما إجرام لأن الإرهاب يمنع الإعتداءات.

سؤال: إستخدم القرآن (وقلنا) و (قلنا) و(اهبطوا) و(اهبطوا) هذا الإتحاد في اللفظ ألا يقابله اختلاف وتصح دلالة الآية؟ مثلاً تأتي اهبطوا في الآية الأولى وانزلوا مثلاً في الثانية؟ ولم الإصرار على توحيد اللفظ؟

لأن النزول يدل على المكان فقط والهبوط يدل على المكان والمكانة. (اهبطوا مصر) نزلوا مكان ومكانة. لذا ألفاظ القرآن عميقة وشاملة ولهذا جاء مع القرآن أنزل ونزّل وتنزيل وهذه سنشرحها في حلقات قادمة إن شاء الله وكما قال الشيخ الشعراوي رحمه الله الكلمة عاشقة لمكانها في القرآن.

سؤال: (وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو) وفي الثانية (اهبطوا منها) فما دلالة الإختلاف؟

لم يقل تعالى في الأولى (منها) لأن هذه هبوط مكانة لأنه ساعة سمع آدم وحواء كلام الشيطان هبطا هبوط مكانة قبل هبوط مكان بعدم اتباعهما المنهج. (جميعاً) يدخل الشيطان معهم (فإما يأتينكم مني هدى) يدخل الشيطان أيضاً لأن القرآن هو للعالمين جميعاً الإنس والجن بدليل قوله تعالى (وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك) على لسان الجن.

سؤال: (فإما يأتينكم مني هدى) ما المراد بالهدى في الآية؟

المراد بالهدى المنهج، الرسالات، الديانات وليس الأديان كما يقول البعض. لا يجب أن نقول أديان لأنه ليس هناك إلا دين واحد هو الإسلام بدليل قوله تعالى (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (13) الشورى) .لم يقل أديان. هناك فرق بين الديانة والدين فالديانة هي الرسالة والدين هو شرع الله تعالى لكل الرسالات (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ، آية 19 آل عمران)  وهو الشرع العام من عهد آدم u إلى أن تقوم الساعة. ولا يوجد جمع لهذه الكلمة فالدين واحد. والثابت أن هناك دين واحد من عهد آدم u إلى أن تقوم الساعة (إن الدين عند الله الإسلام) فالديانات تعددت وكلها دينها الاسلام فالمسيحية ديانة دينها الاسلام وكتابها الانجيل واليهودية ديانة دينها الاسلام وكتابها التوراة ومن عظمة الحق تبارك وتعالى أنه لما أراد أن يختتم الرسالات سمّى الديانة الخاتمة باسم الشرع العام وهو الاسلام ودين محمد هو ديانة محمد هو الاسلام. المنهج يختلف لكن الشرع واحد فكل رسالة شرعها الإسلام ودينها الإسلام.

(فإما يأتينكم مني هدى) الشيطان داخل معه لكنه لن يتوب أما ذريته فمنهم من أسلم.

سؤال: (فمن تبع هداي) هذا هدى الله تعالى فهل هناك هدى آخر؟

نعم كل من يعبد غير الله إتخذ إلهه هواه لأن الهوى دين ومن يعمل تمثالاً مثلاً ثم يعبده أو يأكله. خالد بن الوليد كان يسجد للعُزّى ولما أسلم طلب منه الرسول r أن يكسّر الصنم بيده حتى لا يرجع له ثانية وتكسير خالد للصنم يختلف عن تكسير إبراهيم u لأصنام قومه بدليل أنهم عادوا إليها لأنهم لم يطموها بأنفسهم وإنما حطمها إبراهيم لذا جاء قوله تعالى (ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (65) الأنبياء).

سؤال: (فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) ما دلالة إستخدام الجمع بعد الإفراد؟

كان إفراداً (قمن تبع) ثم جاء الجمع (عليهم ولا هم يحزنون) لأن الإسلام مع الجماعة ولأن الشيطان ذئب والذئب لا يأكل إلا الشريدة الوحيدة. فالشيطان يستدرج الإنسان لوحده لذا علينا أن نلزم الجماعة حتى يصعب على الشيطان إستدراجنا.

سؤال: ما دلالة (هم) في الآية (فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون)؟

أي هم أنفسهم. الذي لا تخاف عليه لا تحزن عليه. إذا مات أحد أول ما نسأل: هل كان يصلي؟ هل كان يصوم؟ هل كان يزكي؟ فإذا كان كذلك نقول هنيئاً له هو في الجنة إن شاء الله وهذا لا نحزن عليه لأنه متقي. والعكس صحيح. (لا خوف عليهم) لأنهم حتى لو عصوا يتوبوا ويستغفروا وينيبوا ويصلّوا ويعتمروا وغيرها فمجموع حالهم (لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) طالما سيرتهم مع الله ورسوله r فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

سؤال: ما دلالة استخدام الخوف والحزن تحديداً في الآية (فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) وفي الآية (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) فصلت) ؟ وما دلالة تقديم الخوف على الحزن؟

لما نرى حال الإنسان بين الدنيا والآخرة فهل سنرى في الجنة إنساناً لم يكن متقياً في الدنيا؟ كلا. وجود المتقي في الجنة وارد وأوجب. الذي لم يتق في الدنيا موقفه يوم القيامة يحزن وهذا الحزن الحقيقي لأن حزن الدنيا ليس حزناًُ. يقول علماء النفس أن الناس عندما يبكون على موت أحدهم يكونون في الأصل يبكون على حالهم وليس على الميت لأنهم يتخيلون أنهم مكان الميت لذا الحزن الحقيق حزن النتيجة في الآخرة لذا يجب أن نتبع: فمن تبع هداي فلا خوف عليهم في الدنيا ولا هم يحزنون يوم القيامة. هذا مثل فعل الشرط وجواب الشرط. لذا كل آيات الإيمان: إعمل، إعملوا، عملوا لا يوجد نتائج بلا عمل وليس الإيمان بالتمني.

سؤال: هل الآية (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (39)) هي عكس (فمن تبع هداي)؟

هذا المقابل للهدى. هناك قاعدتين لكل شيء في الدنيا مثل الزواج يقوم على قاعدتين (فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان) والمعروف والإحسان من قواعد الإسلام: الإمساك بالمعروف أو التسريح بإحسان. والناس للأسف لا تفعل ذلك لذا لا نرى نتائج لأن الكِبر دخل في نفوسنا. التوجيه الإلهي عندما خرج آدم من الجنة إلى الدنيا (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126) طه) النسيان هنا ليس نسيان من الذاكرة وإنما نسيان رحمة وإحمال من رحمة الله تعالى التي هي مناط يوم القيامة.

سؤال: هبط آدم وحواء إلى الأرض مع المنهج فهل كُلِف بالنبوة بعد التوبة؟ وهل وسوس الشيطان لآدم وحواء بعد هبوطهما إلى الأرض؟

هناك إختلاف هل آدم نبي أو رسول؟ لكن المتفق عليه أنه نبي بعد التوبة. نحن عندنا القرآن وأعظم رسول ويجب أن يؤخذ منا وكان ابن مسعود يسأل مَنْ يأخذ مِن مَنْ؟. آدم وحواء سمعا كلام الشيطان لأنه قاسمهما أي جعلهما شريكان له في القسم. ونحن لدينا منهج يقفل المسالك على الشيطان. نحن ليس عندنا أي مصدر ولا حديث أنه بمجرد هبوط آدم وحواء إلى الأرض وسوس لهما الشيطان. توبة آدم كانت توبة نصوحاً ونحن نريد أن نتوب مثل توبة آدم.

سؤال: أول ذنب على الأرض وأول معصية معصية قابيل وهي فساد عام بخروج عن المنهج وسفك الدماء. أقول أن علينا أن نصلي ركعتين شكراً لله تعالى أننا جئنا من أبوين مسلمين ونشكر تعالى على نعمة الإسلام.

بُثّت الحلقة بتاريخ 12/6/2006م

الحلقة 20

قصة آدم u في آيات سورة الأعراف:

الملامح الموجودة في آيات سورة الأعراف مقارنة بما ورد في سورة البقرة:

سؤال: ما الذي يلفت النظر إلى هذه الآيات في سورة الأعراف التي تناولت قصة خلق آدم؟

ننظر نظرة عامة إلى مطلع الآيات في سورة الأعراف مقارنة بما تناولناه في سورة البقرة لأن القرآن كلٌ لا يتجزّأ ووجود القصة في سبع سور ليس على سبيل الصدفة، إنما لذلك حكمة نرجو من الله تعالى أن نقف على مراد الله تعالى منها. سورة البقرة في الآية 30 استمعنا فجأة إلى قول الحق تبارك وتعالى (وإذ قلنا للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة)، نحن لا نحب منهج الأخذ بآية محددة ولكن نحب أن نمضي في القرآن فلما نصل إلى الآية 30 يكون ما قبلها الآيات 27 و28 لها دلالة عرضها الله تعالى. الله سبحانه وتعالى يتكلم في الآيتين السابقتين على آية الخلق (إني جاعل في الأرض خليفة) (كيف تكفرون بالله) ثم (هو الذي خلق لكم) إذن تكلم عن تهيأة الأرض قبل خلق آدم بإعداد الكون لاستقبال آدم. وقلنا (الكون) لأنه تعالى قال (ما في الأرض جميعاً ثم استوى إلى السماء فسواهن) لما ننظر إلى الأرض بدون سماء تكون النظرة مقطوعة بلا قيمة فهل تتخيل أرضاً بلا مطر؟! كيف تُنبِت؟ الآية جاءت مكتملة. (لكم) باعتبار الجنس البشري كله. (ثم استوى إلى السماء) أيضاً لأجلكم، (فسواهن سبع سموات وهو بكل شيء عليم) ثم قال تعالى (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة) هنا في سورة البقرة تكلم عن إعداد الكون لخلق آدم ثم تكلم عن الخلق. لما نأتي لسورة الأعراف نجد تناسق القرآن من حيث (ولقد مكناكم في الأرض) مباشرة قبل الآية (ولقد خلقناكم ثم صورناكم) ثم تكلم عن آدم بصفته ممثل الجنس البشري وتكلم في هذه الآية عن الجنس البشري ككل وآدم مثال ونموذج. الآية قبلها فيها روعة الأداء (ولقد مكناكم) إذا كنت أنت المُمكَّن فمنْ الممكِّن؟ الله تبارك وتعالى. (مكناكم) كلمة عظيمة وهنا يتكلم أيضاً قبل الخلق، هذه مقابل (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً) مكانها الآية الثانية (وجعلنا لكم فيها معايش).

سؤال: الخطاب هنا موجه للجنس البشري قبل أن يوجد وقد يقول قائل أنه كان من المنطقي أن تأتي خلقكم ثم صوركم ثم بعدها مكناكم فما دلالة تقديم مكناكم؟

لأن القرآن الآن سابق وقع الذي تقوله. كون القرآن في يدك فأنت موجود فيذكّرك بالقدرة وليس بترتيب الخلق. فمن قدرة الله تعالى أنه مكّنك قبل أن يخلق، مكنك قبل أن تأتي، كل شيء جاهز قبل أن تأتي. (مكناكم) تعطي هذا الملمح: التمكين قبل الخلق (ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش) كل واحد له معيشة، معيشة لكل فرد (معايش تناسب الجمع (لكم)). المعيشة جاءت من العيش، في نصر يقولون على الخبر عيش وفي شرق آسيا يقولون على الأرز عيش لأنهما قوام المعيشة عندهم. سيختلف الناس في مدار العيش لأن العيش عند كل فرد مختلف فالذي يعطي قوام معيشة عندك تسميه عيشاً.

سؤال: ما دلالة تنكير معايش؟

لو كانت معرّفة محددة لاستوى الكل لكن عندك الفقير والغني والغني قد يصبح فقيراً والعكس. فلا تكون معايش محددة أبداً فهناك أغنياء يصبحون فقراء وفقراء يصبحون أغنياء وهناك أناس في الوسط دائماً.

(قليلاً ما تشكرون): هذا مناط كل ما جاء سابقاً. (قليلاً ما تشكرون) هذه القضية. لم يقل (وقليل منكم الشكور) حتى تشتغل في كل جزء منها. (قليلاً ما تشكرون) هل أنا أشكر قليلاً أو هل هناك مجموعة قليلة تشكر؟ (قليلاً ما تشكرون) واقع الحال شكر قليل من البشر. كيف؟ الرسول r يعلمنا أن نبدأ شربة الماء ببسم الله وننتهي بالحمد لله (ثلاث مرات لأن الشرب يكون على ثلاث دفعات) هل العدد مناط القضية أو مناط القضية أن تشكر 3 مرات في شربة الماء الواحدة؟ أحياناً تكون شربة الماء الواحدة قليلة فكيف أشكر ثلاث مرات؟ هو يلفت النظر أن كل شيء مما يبدو لك أنه نعمة يحتاج الشكر على جزئياته. واحد يقول بسم الله أول الأكل ويقول الحمد لله عند نهايته وآخر يسمي الله عند الأكل من كل صنف ويقول الحمد لله في آخره وقليل من يقول بسم الله عند كل لقمة والحمد لله في نهايتها فهؤلاء القلة شاكرة في قلبها على كل نعمة لأنهم وقع في قلوبهم قوله تعالى (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) فكأنهم جزّءوا النعمة حتى يبينوا قيمة المنعِم سبحانه وتعالى. أحد العلماء قال لو شربت الماء على ثلاث دفعات وسميّت الله وحمدته في كل مرة فإنك لن تعصي الله تعالى طالما شربة الماء في جوفك لأن جزيئات تكوينك التي تأتي مما سميت عليه وحمدت لا تدخل النار. (وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم) يوم القيامة تظهر هذه الزيادة، في الدنيا يبسمل ويحمد والزيادة تكون في الآخرة فالدنيا ممر للآخرة وهذا حمّاد يأخذ الزيادة في الآخرة. لو عاش أحدهم في نعيم الدنيا هل يأخذ أكثر من طاقته؟ لو دخلت قصراً فيه 19 غرفة فهل يمكن للإنسان أن ينام فيها كلها؟ كلا إنما سينام في غرفة واحدة وعلى سرير واحد محدد المساحة. فالإنسان الواعي الفاهم يريد النعيم الحقيقي لذا (ولقد مكناكم في الأرض) أُنظر إلى الممكنين في الأرض يعطوك إيحاء بالملك والقوة والجبروت والسلطان والواعي هو الذي يعزف عن كل هذا التمكين ويأخذ التمكين في الدين. الكافر عنده نعيم هو يسعى إليه ووصل إليه والنعيم يتحقق فيه أمران إما أن تتركه أنت بموتك أو يتركك وتفتقر. يقول الشاعر:

وانظر إلى من حوى الدنيا بأجمعها                  قد خرج منها بغير القطن والكفن

القيمة الحقيقية أن يأخذ التمكين ويستفيد منه. هناك بون شاسع بين إثنان ممكنان أحدهما استأثر به والآخر إتقى الله تعالى فيه. فالواعي يأخذ كلمة التمكين قبل الخلق ويفهمها. لما نذهب لسورة الرحمن (الرحمن علم القرآن خلق الإنسان) المنطق أن الخلق قبل التعليم لكن الله تعالى يعلمنا أن القرآن مثال لكل منهج. جاء الإنسان على المنهج، حتى آدم u جاء على منهج (ولا تقربا هذه الشجرة) لا الناهية تبيّن منهجاً: كُل مما تشاء إلا هذه الشجرة. هل نطبق القرآن أو لا؟ كل الكتب السماوية مناهج. الذين حرفوا التوراة وألّفوا الإنجيل والذين لم يقرأوا القرآن ماذا فعلوا بالمناهج التي جاءتهم؟ هذا يبين أن التمكين في الأرض عندما يكون في أخصّ النِعم وهو الإسلام هو الذي أريده وأحارب لأجله.

سؤال: التمكين الذي ذكرته نصبو إليه لكن في الآية الكريمة يبدو التمكين في الأمور الحياتية المعيشية من حيث الرزق والمأكل والمشرب.

الرزق ليس مالاً فقط وإنما هو صحة وعلم وأخلاق وطباع وهذا كله رزق. الصحة رزق لكن نحن ننظر إلى الرزق على أنه مال فقط. لكن لو أعطيتك مليارات وسلبت منك صحتك فكيف تردّها؟ عليك أن تحمد الله تعالى دائماً والذي يبدو في ضيق عليه أن يحمد الله تعالى لأن كلمة الحمد لله تقال عند الكرب فتفرجه وتقال عند الخير فتزيده. ومهما كنت متضايقاً إستمر على الحمد لأن الغد قد يكون أصعب وقد يفك الكرب و قد لا يُفكّ. حتى لما ننظر في حال المسلمين الآن الذي لا يفرح علينا أن نحمد الله تعالى. (ولقد مكناكم) كلمة عالية وانظر إلى الذين كانوا ممكنين في الأرض واليوم يحاكمون! هذه أمثلة حتى نفيق ونفهم.

(وقليلاً ما تشكرون) أحياناً النعمة تُنسي الإنسان الشكر وأحياناً الغرور ينسي الإنسان الشكر علينا أن ننظر إلى قصة قارون في القرآن وسبق أن ذكرنا أن قصص القرآن ليس فقط مجرد حكايات وإنما هي للعبرة والموعظة. قارون مثال على كل غني جاحد هو بدأ أولاً بدليل قوله تعالى (فبغى عليهم) هو الذي بغى أولاً ومع أنه كان عنده كل شيء حتى أن مفاتيح خزائنه كانت تنوء بالعصبة فما بالك بالخزائن! وكان عليه أن يشكر الله تعالى على نعمه عليه إلا أنه إغترّ ونسب النعم إلى نفسه (إنما أوتيته على علم عندي) فكان الرد من الله تعالى مباشرة على غروره (فخسفنا به وبداره الأرض) فالله تعالى أتى به آية لنا للعبرة حتى نبتعد عن الغرور ليل نهار وعن غرور الحياة الدنيا، الغرور لعنة فعلى الإنسان أن يتبرأ منها. علينا أن نستفيد من قصص القرآن وإلا فما الفائدة منها إذن؟ الله تعالى مكّن قارون في الأرض لكنه لم يشكر فخسف به وبداره الأرض. من أخص دعاء عمر بن الخطاب: اللهم اجعلني مع القليل لأنه فهم قوله تعالى (وقليل من عبادي الشكور). لو أننا فهمنا توقيع بعض الآيات في القرآن الكريم لن ننام. لما وجّه الله تعالى خطابه إلى الرسول r المكلّف بالرسالة قال (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) ثم يقول له (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين) الله تعالى يخبره أنه سيعمل على حسب طاقته ولكن قليل من الناس سيؤمنون. ثم تأتي سورة يوسف وفيها قوله تعالى (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) يعني قلة قليلة (قليلاً ما تشكرون) لأن الجنة للشاكر الذي اعترف بنعمة الله تعالى عليه والنعمة بدأت بالتمكين وليس من الخلق ومن بديع التوقيع القرآن أن التمكين ورد قبل الخلق في آية سورة الأعراف. وضع الله تعالى لنا الأسباب في الأرض قبل أن يخلق آدم.

(ولقد خلقناكم ثم صورناكم) التصوير هو الذي يحدد الخلق. خلقناكم الأولى هو القرار بالخلق والقضاء بالخلق، وصدق تعالى في قوله (إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون) والتصوير مباشرة. (ثم) في الآية من القضاء بالخلق الذي فجأة ظهور آدم وذريته ملأت الأرض. آدم أخذه كمثال. الخلق قضاء الله هنا بالخلق والتصوير هو وقوع الخلق (التصوير هو تطبيق القضاء) والقدر هو توقيع القضاء. الله تبارك وتعالى لا يحتاج فترة زمنية لتنفيذ شيء لأنه سبق أن قلنا في قوله (إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون) قلنا أن (له) تعني أن الشيء موجود ويخاطبه. كُن هذه ليظهر لنا نحن والصورة تكون بالنسبة لنا نحن. أصل خلقة الأشياء موجودة في الأزل وليس لنا أن نسأل كم استغرق هذا. (ثم) كل تصوير تنفيذ لقضاء الله تعالى في الأزل. الفرق بين كُن فيكون كقضاء ووقوع القدر على البشر، هناك من تحمل ولا يتم الحمل أو يموت الحمل هذه إجراء العملية عند البشر. (ثم) هذه وقوع قضاء الله تبارك وتعالى على مراده سبحانه وتعالى.

سؤال: مسألة القلة، هل القلة تعود على القلة من البشر التي تشكر أو أن شكرهم هو القليل؟

تعني الإثنان معاً والتعبير بهذه الطريقة تعطي الملمحين. (ما) في (قليلاً ما تشكرون) بالحال شكرنا قليل بالنسبة لنعم الله تبارك وتعالى وعدد الشاكرين قليل بالنسبة للخلق.

سؤال: ما الفرق بين الشكر والحمد وما دلالة استخدام تشكرون في الآية.

الحمد هو إعلان الثناء لله تعالى سواء بالنعمة أو بالنقمة، في السراء والضراء. الحمد لله قلنا أنها كلمة مزدوجة الأداء تقال عند الكرب فتفرجه وتقال عند الخير فتزيده. لكن الشكر لا يكون إلا على النعمة. لما أصبِر على المصيبة يكون الحمد خلف الصبر أما الشكر فلا يكون إلا على النعمة. التمكين نعمة لذا استخدم تعالى الشكر (ولقد مكناكم في الأرض ) يعطي ظاهر النعم والمفروض أن تشكر على العطاء فقط والحمد يكون على المنع والعطاء. مقدمة الآية كلها عطاء (ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش) لأن هذا عطاء يستوجب شكر دائم كثير جاءت (تشكرون). إنما الحمد قد يكون المنع في حد ذاته عطاء.كما  قال شقيق البلخي لتلميذه الذي قال: نحن قوم إذا أعطينا شكرنا وإن مُنِعنا صبرنا، فقال هكذا تصنع كلاب بلخ، قال فماذا تصنعون يا إمام؟ قال: نحن قوم إذا أُعطينا صبرنا وإن مُنِعنا شكرنا فما منعك إلا ليعطيك فإن المنع عين العطاء. هذا رجل فهِم أن أصل المنع من الله تعالى لأنه سبحانه وتعالى دائم فعله عطاء وساعة يمنع فهو عطاء. الرجل الذي يسكت في المصيبة الكبيرة سكوته دلالة على إنه إما أن يكون فاهماً جداً إذا تكلم فهو حكيم أولا يفهم شيئاً أبداً. لما قال في الآيتين (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين) (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) القليل هم الذين فهموا القضية ولذلك قال الحكيم: من كفر بالله إن كان عاقلاً، إن كان واعياً، إن كان محقاً فليخرج من تحت سمائه ولينأى بعيداً عن أرضه، وكما في الحديث القدسي (فليخرج من تحت سمائي وليبحث عن رب سواي. فكُن واعياً لأنك لن تستطيع.

(ولقد مكناكم) لجنس البشر مؤمنهم وكافرهم وهذا يدل على مطلق العدالة الإلهية. التمكين قبل الكلام عن العقيدة وقبل الخلق. أسعد الناس في الدنيا الكافر لأنه بدون منهج ولا شيء واله تعالى يعطيه لأنه أخذ بالأسباب والله تعالى عادل يعطي من أخذ بالأسباب. وهذا جزاؤه كبير جداً إما في النعيم وإما في الجحيم لأنه لا أسباب هنا هو إيمان مطلق. لما تجد الناس ساجدين في المساجد كلهم مثل بعضهم لا تميّز بين غنيهم وفقيرهم ولذلك توحيد الملابس في الحج له مغزى كبير حتى لا يتميز أحد عن أحد. هكذا هو الدين أما في الدنيا فهناك تميز وتمايز.

سؤال: ما الحكمة من تصدير آيات خلق آدم في سورة البقرة والآعراف بمسألة خلق الأرض وجعلها مستعدة لاستقبال آدم؟

حتى لا يحتج أو يتصور الإنسان يوم القيامة أنه ولِد في مكان ليس مهيأً أو ليس عنده أسباب نعيم. أنت ممكَّن في الأرض على إختلاف الممكَّن. لما نجد دولة فيها مجاعة هل هذا سبب للخروج من دين الله؟ والعكس إذا رأيت دولة مليئة بالنعم فهل هذا سبب في دخولها دين الله؟ تجد من هؤلاء أناس مؤمنين وكفرة ومن هؤلاء مؤمنين وكفرة، لا النعيم صنع الإيمان ولا سوء الحال صنعت الكفر أنت ممكّن في الأرض لأنه أين أسبابك أنت للمعيشة؟ حتى على أضيق نطاق لا تعرف أن تعملها (دورة الماء، دورة الحياة، دورة الأكسجين) الله تعالى يتدخل فيها.

سؤال: (ولقد مكناكم) (ولقد خلقناكم) ما دلالة (لقد)؟

للتحقيق وتوقيع الأمر وقد استقر ذهناً في سورة البقرة، قرأت البقرة، آل عمران، النساء، المائدة، الأنعام، قرأت الحواشي المكملة لتوقيع الصورة في الذهن ثم يؤكد لك حتى إذا كنت تزعزعت في الطريق أو نسيت أفِق لذا كررها سبع مرات في البقرة، الأعراف، الحجر، الإسراء، الكهف، طه، ص حتى لما رأيناها حسب ترتيب النزول وجدنا ص أولاً. على مدار سواء ترتيب النزول أو ترتيب الجمع هو يذكرك دائماً بموضوع سجود الملائكة ورفض إبليس السجود لآدم. وما زلنا إلى الآن بنفس القضية وما زال الناس يسألون بعد كل هذا التكرار هل إبليس من الملائكة او من الجن؟ فالتذكير إذن له حكمة، سبع مرات على مدار القرآن في سور متفرقة بملامح مختلفة. في آية قال تعالى (وإذا قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة) وجاء بملمح ردّ الملائكة في سورة البقرة ولم يرد هذا الملمح في سورة أخرى، بينما السجود ورد في أكثر من موضع ومرة ورد (إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين) ومرة ( أبى أن يكون مع الساجدين) مع اختلاف اللفظ لكن المعنى واحد وهو أنه لم يسجد.

سؤال: قال تعالى (ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم) ما دلالة الإفراد في السجود (اسجدوا لآدم) بعد الجمع (خلقناكم، صورناكم)؟ هل لأن آدم كان موجوداً لوحده والأمر جاء بالسجود له؟

ما هو السجود؟ السجود ها هو للتحية؟ للتعظيم؟ للعبادة؟ بعض المفسرين يقولون أن سجود الملائكة عبادة كما تكلموا في موضوع أن الجنة في السماء وغيرها ولكن نقول لهم كيف يكون سجود الملائكة لآدم عبادة؟ هذا كلام غير منضبط ومضطرب. في حديث الرسول r: "لو كنت آمراً أحداً بالسجود لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لعظم حقه عليها" نفهم من (لو) و(غير الله) من الحديث أن السجود لا يكون إلا لله تعالى. السجود في قصة يوسف u كان سجود تحية وكان هذا موجوداً في ذلك الزمان لكن السجود نٌسِخ ببعثة الرسول r. فالمعنى العام للسجود إذن هو الخضوع. السجود هذا أمر عظيم وتستكبره وأنت تقرأ لأن ممثل الجنس البشري يجب أن يكون فيه الصلاح المطلق ولا ينفع أن تسجد الملائكة لطالح وصالح مع بعض فيأخذ الله تعالى مثالاً صالحاً لذا آدم هو الأب الأكبر الأصيل كنا يقال في اللغة، الأب المستمد منه كل الآباء فيما بعد. يجب أن يكون السجود محترم حتى يتحقق فيه التعظيم. كل الملائكة في خدمة آدم فكيف تسجد الملائكة لطالح إذا جاء الأمر بالجمع (لكم)؟. موضوع السجود سجدوا له قبل أن يعصي وهو نقيّ ونأخذ من هذا المثال فطالما أنت نقيّ الملائكة تسجد لك ومسخرة لك لكن عندما تعصي تهبط منزلة. هذا المعنى الذي نريد أن نفهمه ويفهمه أبناؤنا أنه بصفائك ونقائك الكون كله مسخّر وإذا عصيت تخرج خارجاً.

سؤال: آدم قيل له (وقلنا اهبطوا) ثم (اهبطا) آدم لم يرض أن يخرج من الله تعالى إلا بعد أن يرضى الله تعالى عنه ويتوب عليه. وهكذا علينا أن نفهم أبناءنا أنه عليهم أن يرضوا آباءهم وأمهاتهم أو أي شخص آخر إذا عصوهم قبل أن يخرجوا.

سؤال: (ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا) استخدمت (ثم) مرتين ثم الفاء في (فاسجدوا) فما الدلالة؟

استخدمت الفاء مع تنفيذ الملائكة للأمر بالسجود، لأنهم لم يتراخوا وإنما نفذوا مباشرة ولا يفيد السؤال كم استغرقت المدة قبل سجود الملائكة أو غيرها لأنه لا فائدة منها ونقول للذي يشتغل بالإعجاز العددي نسأل الله تعالى أن ينصرف عن هذه الأمور ويشتغل بتفسير القرآن لأن هذا تضييع للوقت فالبعض يقول أنه يحمعون أرقام الآيات وقد وصلوا إلى أن آدم عاش في الجنة 118 سنة وهذا تضييع للةقت فلماذا يجمعون أرقام الآيات مثلاً ولا يضربونها أو يقسمونها؟ نقول لهؤلاء لو كان هذا علماً فهل قصّر رسول الله r في التبليغ؟ ولو أن الرسول r قصّر قيد أنملة ما كان نزل قوله تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) هذا الكلام في الإعجاز العددي كله اجتهادات وتضييع وقت وروسل الله r قال: "تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها" والبعض من هؤلاء يقولون أن آدم نسي لأن بقي في الجنة 118 سنة وهذا كلام فارغ. العلّة جاءت في القرآن (ولقد عهدنا إلى آدم فنسي ولم نجد له عزما).

سؤال: هل يجوز أن نبحث في المدة التي قضاها آدم في الجنة؟

نسأل هل يهمنا معرفة هذا الأمر؟ فلو جلس آدم في الجنة 117 سنة وستة أشهر أو سنة واحدة أو مئة سنة لا يهمنا، نحن ننتبه فقط إلى حرف (ثم) والفاء لنعلم الناس سرعة استجابة الملائكة للأمر بالسجود. نستفيد أنه علينا أن نسرع في الإستجابة ونأخذ خاصية من خصائص الملائكة (سارعوا إلى مغفرة من ربكم). إما أن تكون مع الملائكة وإما أن تكون مع إبليس لعنة الله عليه. نحن لا يهمنا كم عاش آدم u في الجنة لأنه لا يؤثر علينا ولا يقدم ولا يؤخر إنما العمل هو الذي يهم فقط أن العمل هو المناط.

سؤال: هلى هناك دلالة معينة في أرقام السور التي تحدثت عن بداية آدم في سورة البقرة (الآية 30) وفي الأعراف (الآية 11)؟

إياكم أن تقولوا هذا هذا الترقيم للآيات هو للحصر والدراسة فقط ولو كان لها حكمة لكان رقم آيات الخلق 1. من استجاب لله تعالى راضياً بقضائه وقدره . أحدهم قال أنه وصل لمعرفة من هو فرعون موسى لكن ماذا يفيدنا معرفة هذا؟ المهم في قصة فرعون أنه رمز لكل حاكم ظالم ويهمني من القصة موضوع تعالي فرعون فقط أياً كان اسمه. نحن نأخذ ما جاء في الكتاب والسُنّة. الحكمة من الفاء في (فسجدوا) هو سرعة استجابة الملائكة لأمر الله تعالى لهم بالسجود. الملائكة لم تفكر وإنما الله تبارك وتعالى أمر فسجدت الملائكة. أما إبليس توقف وفكر ولم يسجد وهذا نستفيد منه أنه إذا سمعنا المؤذن يقول الله أكبر لا نفكر وإنما نقوم إلى الصلاة فوراً لأن الشيطان سيوسوس لك حتى تؤخر الصلاة. عندما تسمع حي على الصلاة حي على الفلاح قم للصلاة فوراً. وكما نقول دائماً لمن يؤخرون صلاة العشاء بحجة أن وقتها مفتوح نكرر هل المؤذن لصلاة العشاء يقول شيئاً آخر غير حي على الصلاة؟ أو يقول حي على الصلاة لكن خذ وقتك؟! الصلاة وقتها مباشرة بعد الأذان وسنتطرق في الحلقة القادمة لهذا الأمر ونشرح قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام) الصيام كُتِب على المسلمين ومه هذا جاء النداء في الآية بـ (يا أيها الذين آمنوا) فما الحكمة من هذا النداء؟

بُثّت الحلقة بتاريخ 19/6/2006م

الحلقة 21

تابع قصة آدم u من آيات سورة الأعراف:

توقفنا في الحلقة السابقة عند السؤال حول النداء بـ يا أيها الذين آمنوا في آية الصيام في سورة البقرة لنشرح قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام) الصيام كُتِب على المسلمين ومع هذا جاء النداء في الآية بـ (يا أيها الذين آمنوا) فما الحكمة من هذا النداء؟

مسألة هل إبليس من الملائكة أو غيرهم هذا أمر تكلمنا فيه كثيراً والبعض يقول أن إبليس هو طاووس الملائكة أو عظيم الملائكة. هذا اللفظ أُطلِق على إبليس لأنه كلّف نفسه ما لم يكلّفه الله تعالى. الجنس البشري والجنّ جنس مخيّر من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. ليس عندنا أن شخصاً يعمل سيئاً رغماً عنه هذا غير مقبول. الملائكة جنسٌ جُبِلوا على الطاعة فلما يأتي واحد من جنس الإحتيار يضع نفسه مع جنس الطاعة يكون قد كلّف نفسع فوق ما كلفه الله تعالى هكذا فعل إبليس. لماذا سُمي طاووس الملائكة؟ ليس معنى طاووس الملائكة أنهم منهم ولكن أصبح أعلى من الملائكة لأنه تفوّق على الجنس، هو يستطيع أن يرفض ويستطيع أن يختار لكن سلّم نفسه للطاعة وكان مع الملائكة يطيع الله أبداً لذا شمله الأمر بالسجود.

مرة يقول (إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين) ومرة (من الساجدين) إذن غير مأمور ثم يقول (ما منعك أن تسجد إذ أمرتك). (ما منعك أن تسجد إذا أمرتك) أي شمله الأمر بالسجود فلماذا لم يردّ ويقول : أنا لست من الملائكة المأمورين بالسجود وأنا من الجنّ وكان الأمر إنتهى عند ذلك لكن كونه ردّ على الله تبارك وتعالى بأنه ما سجد إلا لأنه أعلى من آدم إذن يكون قد فهِم أن الأمر شمله.

عندنا تعبيران (ما منعك ألا تسجد إذا أمرتك) و (ما منعك أن تسجد). (ما منعك ألا تسجد إذا أمرتك) قال (أنا خير منه) الأمر شمله وإلا لقال أنا لست من الملائكة. وقد يقول قائل ألا يدعم قوله تعالى (إذ أمرتك) أنه من الملائكة؟ نقول كلا لأن الله تبارك وتعالى قال في موضع آخر (إلا إبليس كان من الجن ففسق) وهذه الآية تثبت أنه لم يكن من الملائكة. الأمر شمله لأنه حضر مع الملائكة هو حضر الأمر معهم ولكنه ليس منهم.

سؤال: قال تعالى (لم يكن من الساجدين) إذا كان إبليس مغايراً للملائكة فلم لم يقل (معهم)؟

لو كان معهم لسجد لكنه ولو لم يكن منهم. هو الوحيد الذي لم يسجد (لم يكن من الساجدين) الساجدين سجدوا وهو خرج. لا يُفهم من الآية ما قاله بعض المفسرين أن الملائكة لم تسجد كلها بدليل (أستكبرت أم كنت من العالين) هؤلاء العالين بأمر من الله تعالى وليس بمزاجهم، فرعون علا. التوقيع اللغوي شيء وتصورنا موضوع آخر.

مثال "بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله إقام الصلاة إيتاء الزكاة حج البيت وصوم رمضان"والمفروض أن الذي يصوم هو مسلم لأنه حتى يكون مسلماً يصوم فالخمس هي قواعد الإسلام ومع هذا نادى الله تعالى بـ (يا أيها الذين آمنوا) كأنه تخفيف إلهي بالإيمان وكأني بالله تبارك وتعالى يقول الذي يصوم سينتقل من حظيرة الإسلام إلأى حظيرة الإيمان وهذا إستحباب وتخفيف إلهي بالنداء ولذلك هذه الآيات في سورة البقرة فيها تخفيفات غريبة تختلف عن كل العبادات: قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا) ولم يقل يا أيها الذين أسلموا، ثم قال تعالى (كُتِب عليكم الصيام) بنى الفعل لمجهول فيه تخفيف بإضمار إسم الله تعالى لأن كلمة (الله) تخيف لأن الله تعالى يريد من عباده أن يصوموا بإستحباب وليس خوفاً، ثم يرينا المثلية أننا لسنا بِدعاً في الصوم وإنما من قبلنا صام وهم ليسوا من أمة محمد r فما بالنا بأمة محمد r؟ (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم)، ثم الغاية (لعلّكم تتقون) ستكون متقياً وليس مسلماً مؤمناً فقط والكتاب هدى للمتقين فالصيام يأخذك للتقوى ويجعلك تأخذ هدي الكتاب فعليك أن تلحق نفسك وتصوم فالعملية كلها (أياماً معدودات).

إبليس وضع نفسه في الطاعة من أجل هذه التخفيفات ونحن نُدخِل أنفسنا مع المؤمنين وإبليس أدخل نفسه مع الملائكة بالطاعة. بعد ذلك يقول تعالى (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا) الصيام والنفقة كلها مثل بعض، لأنك أدخلت نفسك في حظيرة الإيمان فتقوم بالصيام والزكاة لأن المال يكشف الناس وكل العبادات كذلك. إبليس فعل هذا وذهب مع الملائكة في الطاعات لكن في السجود رفض (فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس) هذا إستثناء الحضور في السجود وليس إستثناء الجنس.

(ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (11)) (لم يكن) فعل الكينونة معناه فلان لم يكن كما أراد أي خرج عنهم لأنه ليس منهم. هم طبيعتهم غلبت فسجدوا وطبيعته غلبت فرفض السجود (إلا إبليس كان من الجن ففسق). الكينونة تهمنا، إبليس طبيعته أنه مخيّر ولأن الأمر شمله كان يجب أن يسجد ولكن طبيعته ليست مبرراً لعدم السجود.

سؤال: البشرية تنحرف بوسوسة إبليس والجن كانوا موجودين قبل آدم فمن الذي كان يوسوس للجنّ؟

الطبيعة لذا في يد إبن آدم أن يكون طاووس الملائكة وأن يعلو على الملائكة إذا أطاع وهو مخيّر. يمكن لإبن آدم أن يرتقي لحالة الملائكية تماماً كما يحصل في حالة الصيام. الجنّ مخيّرون وإبليس لم يكن يوسوس لهم ولم يكن هناك وسوسة قبل آدم u لأن الجنّ مخيرون بطبيعتهم (وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك) بطبيعتهم هم مخلوقون على هذا. إبليس رقّى نفسه ووضع نفسه مع الملائكة فلما صدر لهم الأمر بالسجود وضع نفسه معهم، غار من آدم وحسده ثم قال (أنا خيرٌ منه). هناك من الجنّ من آمن إيماناً مطلقاً بمحمد r واستوعبوا القرآن. أول جنس يطيع أو يعصي الله تعالى هو إبليس ومعصيته كما سماها الشيخ الشعراوي رحمه الله معصية قمّة على الإطلاق لأنه ردّ الأمر على الآمر أما آدم u فلم يرفض الأمر لكنه نسي مع أن الله تعالى حذّره من هذا الأمر بالذات. التوقيع القرآني في أوائل سورة البقرة (إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين) (كان) فعل ماضي ناقص، هل رأيت ملكاً من الكافرين؟ إبليس لم يكن من الملائكة طرفة عين بحسب كلام الحسن البصري لأن الطبيعة مختلفة هو من نار والملائكة من نور.

(ما منعك ألا تسجد) في الإسرائيليات يقولون أن إبليس قرأ في اللوح المحفوظ أن الملائكة كلهم سيسجدون إلا واحداً لكن هذا الكلام لا نأخذ به وإبن مسعود رضي الله عنه قال أن بني إسرائيل ضلّوا أنفسهم فهل نتّبعهم نحن؟ إبليس لم يقرأ في اللوح المحفوظ ولم ير أنه سيكون هناك واحد لا يسجد. هو كان مع الملائكة وشمله الأمر ولم يرد على الله تعالى بأنه ليس من الملائكة لأنه فهِم أن الأمر شمله كواحد ممثل للجنس. هو بعدم سجوده لآدم عصى وهناك فريق من الجن تبعه وفريق لم يتبعه. ساعة شمله الأمر بالسجود كان وحده، هوشمله الأمر بالحضور، حضور الأمر مع الملائكة فعصى. لكن لما سُئل (ما منعك ألا تسجد) وفي آية (أن تسجد) قوله تعالى (إذ أمرتك) حتى فهِم أن الأمر شمله. يقول تعالى (ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك) (ألاّ) عبارة عن (أن) و (لا) مثل أشهد ألا إله إلا الله (أنّ ولا). ما منعك من السجود؟ ماذا نفهم إذا قلت ما منعك أن تسجد؟ أنه تهيّأ للسجود ثم منعه شيء، همّ أو تهيّأ للفعل ثم امتنع أو مُنِع؟ هل هناك مانع منعك فأنت ممنوع؟ أو هو إمتناع منك أنت؟ (ما منعك أن تسجد) إما المانع يكون حاجة ذاتية فيك فتكون ممتنعاً أو خارجية فتكون ممنوعاً. إبليس هو ممتنع. الآية تقول (ما منعك ألا تسجد) إذا كان المانع من خارج إبليس يكون مُنِع ويكون هو ممنوع. الكلمة تبيّن أن الأمر شمله بإجابته. إجابته تبيّن أن الأمر شمله وأن المانع داخلي وليس خارجياً ليقيم الله تبارك وتعالى عليه الحجة. لو المانع خارجي لكان ممنوعاً (يكون مهيّأ لكن يمنعه مانع). إما إمتنعت أنت أو مُنِ‘ت. السؤال هنا حتى يُظهر المولى تعالى أن المنع ذاتي (إستكباره) لذا توقيع البقرة بديع (إلا إبليس أبى واستكبر) هذا المنع، فإذن المنع ذاتي من عنده إستكباراً وداخلياً جعلته لم يسجد. السؤال هنا لإظهار ما حصل. لو قيل يا إبليس ما منعك ألا تسجد كان بإمكانه أن يبرئ ساحته لكنه لم يقل هذا وإنما أجاب وإجابته تدل على أن المانع ذاتي عنده وأن المانع هو إستكبار منه وأنه فكّر تفكيراً خاطئاً فقال (أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين) ظنّاً منه أن الطين أسوأ من النار وهذا قياس فاسد لأنه لولا الطين لما كانت النار فالشجرة تأتي من الطين (الذي خلق لكم من الشجر الأخضر ناراً) أصل النار الطين. إنفكاك الجهة يعلمنا أن كلٌ ميسّر لما خُلِق له فإذا شملك الأمر بالسجود لا تقيس وإنما اسجد أو برّئ ساحتك.

سؤال: هل هذا الموقف يتناسب مع ماضي إبليس المشرق أنه كلّف نفسه ما لم يكلّفه الله تبارك وتعالى؟

هذه هي العظة من القصة. لا إله إلا الله اللهم استرنا فوق الأرض واسترنا تحت الأرض، إبليس خلقٌ إرتقى بنفسه فوق الملائكة ثم عصى وكذلك هناك من المسلمين من يكون متقياً ويصوم ويصلي ثم ينحرف فجأة ويعصي في لحظة. قد تكون هذه زلة أو وسوسة أو شيطان وقد تكون معصية كبيرة ويهزأ من المصلين والمتقين فيكون بذلك مثل إبليس. فالذي يهديه الله تعالى عليه أن يلزم الهدى والتقى لأن القضية بمنتهى الخطورة ولا تستكبر على شيء أو تغترّ بطاعتك لأنه قد يكون قال هذا غروراً فأوقعه إبليس في معصية.

سؤال: أين كان إبليس عند قوله تعالى للملائكة (إني جاعل في الأرض خليفة)؟

هو سمع هذا الكلام ولم يعترض. هو له دوره في وقوع الحسد لآدم. يبدو أن ردّه فيه رصيد قديم من ساعة ما قال تعالى (إني جاعل في الأرض خليفة) ففكر أن آدم مفضّل على الملائكة الذين أنا ارتقيت فوقهم والله تعالى خلقه بيديه وكرّمه لذا أدخل إبليس نفسه في قيلسه هو وهذا هو الحسد. والحسد هو تمني زوال النعمة عن الغير. الساحر الماهر يسخّر جنّاً كما يقولون وحتى يكون كافراً في قمة الكفر يُسخَّر له من غير أن يُسخِّر هو ألف جنّ ليوقعوا له الحسد، فالحاسد يحسد والجنّ يساهم من عنده من غير تسخير. الحسد أقوى من السحر لذا علمنا تبارك وتعالى في القرآن الكريم (ومن شر حاسد إذا حسد) علّمنا أن نستعيذ من شر حاسد إذا حسد. إذا وقع الحسد فكبِّر على المحسود أربعاً لأنه يُطوَّع له جن. الرجل المجند في الجيش إذا كان متطوعاً فإنه يخدمك بشكل أفضل من الذي المجنّد المُجبر المسخَّر وكذلك المتطوع من الجنّ هو الذي يكسر حاجة المحسود التي حُسِد عليها.

سؤال: (إلا إبليس) حتى هذه اللحظة كان إسمه إبليس فما دلالة الأسماء: إبليس، شيطان، غَرور، طاغوت، جنّ؟

الغَرور والطاغوت صفة فتقول رجلٌ طاغوت.إبليس إسمه الذي ذكره القرآن الكريم (إلا إبليس) والجنّ جنسه (إلا إبليس كان من الجن) والشيطان صفته لما تشيطن (شطن لغاية ما أصبح شيطاناً) وهذه صفة فظيعة تطلقها على رجل لعوب ونحن نطلقها على بعض الإنس لأنه يتعبك وشطن عن كل منهج لله تبارك وتعالى وعن كل نصيحة من الدعاة.

سؤال: هل حقد إبليس على آدم جعله يفسد في طاعة الله تعالى مع أنه رآها بعينه؟

نعم بدليل ساعة يحسد إبن آدم  لابن آدم يتطوع هو لتوقيع الحسد. إبليس تضايق من بني آدم لأمر لم يفعله آدم ولا بنو آدم.

سؤال: ألم يعلم إبليس مثواه إذا عصى الله تبارك وتعالى؟

نهم والبشر كذلك يعلم مثواه إن عصى ومع هذا يذهب للمعصية بقدميه ويخطط لها. هذه قضية يجب أن ننجو منها. هناك علماء آراؤهم صارمة ويعجبني الرأي الصارم يقولون لا تسأل عن المعصية بتخطيط لأنه حتى القانون الوضعي يشدد العقوبة على سبق الإصرار والترصّد. فلو تسبب أحدٌ في حادثة أسامحه لأنه ما قصد الأذى إنما إذا ذهب واشترى مسدساً أو سُمّاً ودسّه لي أو انتظرني في مكان ليقتلني فهذا لا يمكن مسامحته. فالمعصية عن تخطيط حتى المشرِّع الوضعي يشدد لها العقوبة. إبليس هو يخطط بدليل (ما منعك أن تسجد) ما منعك أن تسجد كأنه تهيّأ للسجود ولو بفعل ماضٍ منه بطاعته مع الملائكة بما أنه كان يطيع قبل ذلك كان المفروض أن يطيع هذه المرة أيضاً. لم يسموه طاووس الملائكة إلا لأنه صار أعلى من الملائكة لأنه ليس من جنسهم وهو يفعل مثلهم. أضرب مثالاً تطبيقياً إذا كنت أستاذاً ولديك فصل من المتفوقين وفصل آخر من المتخلفين وفي يوم دخلت فصل المتفوقين فوجدت الأول على صف المتخلفين جالساً في صف المتفوقين فلن تعيده إلى صفه بل تقول أبقيه لأرى إن كان بإمكانه أن يبقى معهم وتدعه لعله يرتقي. ثم تأمر فصل المتفوقين أمراً فهل توجه النداء للمتفوقين أو المتخلفين؟ بالتأكيد الأمر سيكون للمتفوقين وسيشمل هذا الأول من صف المتخلفين لأنه جالس معهم في الفصل لأن النداء سيكون للغالبية والأكثرية وهذا الأمر سيكون فرصة الأول من المتخلفين أن يكون من المتفوقين ويندرج تحتهم. ولهذا فهي رحمةٌ من الرحيم أن ترك إبليس مع الملائكة. وهذا يعلمنا أن الأمر شمله بدليل كما ذكرنا سابقاً أنه لم يرد ويقول أنا لست من الملائكة فكيف أسجد؟ أو لو قال أنا من الجن وأنت يا ربي أمرت الملائكة، مجرّد أنه تلكّأ في الإستجابة وحاجج الله تعالى فسق.

(إذ أمرتك) الأمر صدر من الله تعالى وكرم الله تعالى ونحن بكثرة الأسئلة سنكون مثل إبليس. عندما يوقع تعالى الكلام يقول (إلا إبليس كان من الجن ففسق) ويقول (إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين) إبليس كان لديه فرصة أن يكون معهم لكنه لن يكون منهم أبداً. جاءتني فرصة أن أكون مع المتفوقين لكن لن أكون منهم أبداً. الأمر بالسجود شمل إبليس بوجوده، بالحضور في الأمر فهو مستثنى من تنفيذ الأمر وليس من الجنس.

إبليس قال: (أنا خير منه) والملائكة قالت (ونحن نسبح بحمدك) وبعض الناس يقولون أنا وأعوذ بالله من كلمة أنا وهذا كلام فارغ، قل أنا لكن لا تتكبر كالذي يقول هل تعلم مع من تتكلم؟ وهل تعلم من أنا؟ باستكبار وهذا هو المنهي عنه. الرسول r في الحديث الذي نهى فيه أن يطرق أحد باب أخيه المسلم فإذا سأله من يقول أنا لأن الذي في البيت لا يعرف الصوت ولا يرى من في الباب وإنما على الطارق أن يقول له أنا فلان ويسمي نفسه ليتعرف عليه من في البيت. الملائكة قال (ونحن نسبح بحمدك) بضمير التعظيم وهذا ليس عيباً إنما العيب أن أستكبر لذا قال تعالى في الرد على إبليس (أستكبرت أم كنت من العالين) وبعض المفسرين قالوا أن العالين هم الذين لم يشملهم الأمر وهذا كلام نردّه.

(خلقتني من نار) إبليس يعطي عِلّة عدم السجود فهو مقتنع بأن الأمر بالسجود شمله أيضاً وأن من حقه عدم السجود. البعض يقولون ماذا لو لم يسجد إبليس ولم يرد الأمر على الآمر؟ وقد يتسرب لبعض المسلمين أن الله تعالى لا يحتاج إلأى صلاتهم فلم يصلّون؟ والرسول r يقول : "إذا بُليتم فاستتروا" فإذا تكلم الناس عن الصلاة مثلاً وكان بين الجالسين شخص لا يصلي فعليه أن يسكت ولا يتباهى بأنه لا يصلّي على الأقل يبقى صامتاً ساكتاً ويقول عسى الله أن يهديني لأنه لو تباهى بعدم صلاته فهو يثبت أنه رافض الإيمان أي يُعلن الكفر.

إبليس يُعلن الكفر ومع هذا يقول أنه خلق من خلق الله بدليل (خلقتني) لم يقل خُلِقت من نار وهذا هو مناط وجوب الطاعة فالذي خلقه ليس له مثيل وما كان يجب أن يرد كلامه وإنما كان يجب أن يسمع كلامه. عدم سماع إبليس كلام الله تعالى وأمره دليل على أن هذا قضاء الله تعالى وقدره لكن إبليس ليس مسيّراً بدليل أنه لو سجد لكانت القضية انتهت وكان من الطائعين وكان سيكون مع الساجدين وهذا تكريم لكنه رفضه.

سؤال: لِمَ لم يُخرِج الله تعالى إبليس من زمرة الملائكة كعقاب له؟ هو ردّه ويجب أن يأخذ عقاب فعله. الكفار يوم القيامة يقولون (يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها) لذا توقيعها (إقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا) لا ينفع أن تفعل فعلاً ويمر بدون حساب. ردّ إبليس هو الذي ورّطه، كان يمكن أن يرد ويقول: يا رب أنا من الجن ولست من الملائكة أو يقول أنا كنت أتصور أن الأمر للملائكة فقط ولو أمرتني بالسجود لسجدت لكنه لما قال تعالى (ما منعك ألا تسجد) يعطينا مناط أن إبليس فهِم أن الأمر شمله وأعطى مبرر عدم سجوده وقالها باستكبار لذا توقيع سورة البقرة (إلا إبليس أبى واستكبر) وقال (أنا خير منه) وبغبائه قال (خلقتني من نار) كان يمكنه أن يبني الفعل للمجهول (خُلِقت من نار) فمن الذي خلقه؟ الله، ومن الذي أمره؟ الله، وهذا يجب أن يجعل هؤلاء المسلمين الذين يقولون هل يحتاج ربنا لسجودنا عليهم أن يصحوا من غفلتهم.

سؤال: كلام إبليس قال (أنا خير