الدين القيم

الدكتور محمد هداية

بثته قناة إقرأ في شهر رمضان المبارك عام 1428 هـ وتتم إعادته مساء الإثنين الساعة 11.30 مساء ويعاد الثلاثاء الساعة 9.30 صباحاً والساعة 6.30 مساء بتوقيت مكة المكرمة 

الحلقة الأولى: (اضغط هنا لقراءة ترجمة الحلقة للغة الإنجليزية)

هذا البرنامج نفهم فيه ديننا ونتعلم فيه عقيدتنا حتى نلقى الله تعالى على مراده فينا. شهر رمضان هو الذي أنزل فيه الله تعالى القرآن وهو الشهر الذي علمنا تبارك وتعالى أنه البداية فإذا علمنا أن بداية القرآن إقرأ وأن بداية الكتاب الفاتحة لا بد أن نفهم أن هناك بداية إذن هناك نهاية وديننا الإسلامي الحنيف كدين لله تبارك وتعالى يبنى على العقيدة والشريعة وسنأخذ أكثر من حلقة لنعرف لماذا الدين القيم؟ كل ما سنتناوله في هذا البرامج سيكون أساسها العقيدة وموضوع العقيدة قليلاً ما نتكلم فيه علماً أننا نتكلم كثيراً في أمور الصلاة والصيام وغيرها من العبادات وعلينا أن نعلم أن كل عمل في الإسلام لا بد أن يبنى على اعتقاد المسلم الحق ولذلك الإسلام عقيدة وشريعة. هذا البرنامج مبني على العقيدة إذن يجب أن نعرف لماذا العقيدة ولماذا الدين ولماذا القيم حتى نضع أيدينا على الإسلام الصحيح.

الكلمة عقيدة نجد أن مادتها في اللغة لا تبني إلا على الثقة والتأكيد وقبل أن نعرفها لغوياً نقولها باللغة الدارجة لما يكون بينك وبين أحد اتفاقاً شفوياً ليس له ضمان في التنفيذ ولو سألت محامياً يسألك هل بينك وبينه عقد؟ القرآن ينادي يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود والعقود أي ما اعتقدتم ما اتفقتم. العرب لما تقول عقد الحبل يعني حلقاته أصبحت مربوطة مع بعضها بحيث يصعب فكه. إذن كلمة عقيدة هي كلمة تقابل الشريعة وقلنا أن الإسلام مبني على العقيدة والشريعة فالشريعة هي الأعمال والعقيدة هي اعتقاد القلب. في الشريعة الصلاة فإذا كان أحدهم يصلي بدون أن يعتقد لمن يصلي وأن الصلاة ركن من أركان الإسلام يكون يعمل عملاً بالجارحة لكن ليس في القلب ما يقابل الوثوق بها فلو وجدت رجلاً يصلي جيداً فاعلم أن عقيدته سليمة ولو وجدت رجلاً يصلي بغير الطريقة التي رسمها الرسول r إعلم أن عقيدته غير سليمة فالمسيء صلاته في أشهر حديث حدث في عهد الرسول r ذلك الرجل الذي دخل المسجد والرسول r جالس في المسجد فصلى ركعتين وسلم ثم ذهب للنبي يسلم عليه فقال له النبي r إرجع فصلي فإنك لم تصلي فهو صلى ولم يصلي وكان للرسول r وجهة أخرى وهذا يدل على أن الرجل عقيدته غير سليمة وكرر الرسول r قوله له مرتين أو ثلاثاً وعمل نفس الحركات وهذه الحركات الخاطئة تدل على أنه عقيدته غير سليمة وليس عنده اعتقاد سليم في قلبه فليس عنده عمل سليم. العقيدة مسألة قلبية علمية وليست عملية فعندما نقول الإسلام عقيدة وشريعة فالعلم في العقيدة والعمل في الشريعة أنا كمسلم يجب أن أفهم أن العلوم في العقيدة والأعمال في الشريعة. نأخذ آية نطبق بها هذا الكلام، قال تبارك وتعالى في كتابه بعد سورة الفاتحة (ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه) لا يمكن تعتقد شيئاً بشيء فيه شك لأن العقيدة مبنية على الوثوق والإستيثاق فأول كلمة بعد سورة الفاتحة (لا ريب فيه) أي لا شك فيه. العقيدة لا تقبل لا الشك ولا الظن ولا الوهم وإنما تقبل العلم وإدراك اليقين والإستيثاق. الآية ذلك الكتاب الذي سيوجهك عقيدة وشريعة لا ريب فيه فليس من باب الصدفة أن تكون هذه الآية أول آية بعد الفاتحة فهذا الكتاب لا شك فيه لا ريب فيه لا ظن فيه لا وهم فيه وإنما فيه اليقين. يجب علينا كمسلمين أن نفهم مراحل الإدراك ومراحل الإدراك الغالبة عند غالبية أهل العلم تقسم إلى أربعة - وأنا أستبعد مرحلة الجهل لأننا لا نتكلم عن العلم فيها- عندما نتكلم في قضية من القضايا لا بد أن نأخذ مرحلة من هذه المراحل الأربعة: إما العلم وإما الشك وإما الظن وإما الوهم. العلم إدراك اليقين أي لو عندك قضية تعلم الحقيقة فيها بنسبة 100% تقول أنا أعلمها أي أدركت اليقين فيها. لو نسبة العلم تساوي نسبة الجهل تكون مرحلة الشك. الظن إدراك الطرف الراجح أي 60 أو 70% علم والباقي جهل فإذا كان العكس تكون مرحلة الوهم أي نسبة الجهل أعلى من نسبة العلم. حتى أعتقد قضية يجب أن أعلمها وأبحث عن الحقيقة فما بالنا بالقرآن يقول (لا ريب فيه) الذي فيه إدراك العلم وإدراك اليقين؟

لما نفكر في بداية القرآن أن المولى يعلمنا (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين) وكأن الآية وهي ترسم الطريق الذي ستنتاول به العقيدة والشريعة بدأت تؤكد أن هذا الكتاب لا مجال في تلقيه إلا العلم واليقين، المولى سيرسم الطريق فرسم الطريق في الآية في مطلع البقرة بجناحيه العقيدة والشريعة. نأخذ الآيات في مطلع سورة البقرة (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين) أي هذا الكتاب الذي لا شك ولا ريب ولا ظن فيه لا يهدي إلا المتقين. التقوى هي عماد العمل في الإسلام. وحتى نبين أن هذا الكتاب هدى للمتقين نتبين هداية الكتاب للمتقين فقط سيخبرنا ربنا تعالى من هم المتقين لكننا نقف عند نقطة مهمة في العقيدة والشريعة أن هذا الكتاب هداية للمتقين فقط وهذه نقطة فاصلة في عماد هذا الدين .في سورة البقرة آية مبدعة وتتعلق بشهر رمضان (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس) هذه دائرة واسعة جداً لأن القرآن ما زال ينزل والرسول r يهدي والقرآن يهدي فالهداية موسعة أما في بداية السورة قصر الهداية على المتقين. هناك هداية موسعة (هدى للناس) وهناك هداية مقيّدة لما أصبح القرآن كتاباً ومات الرسول r اقتصرت الهداية على المتقين فقط (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين) فمن يقرأ القرآن ولا يصلي فليس من المتقين. عندما يقول تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله يخاطبهم بأنهم آمنوا. المتقين الذين سيهديهم الكتاب ويأخذوا الشريعة والعقيدة من هذه الآيات (الذين يؤمنون بالغيب) هذه عقيدة لأنه طالما قال غيب فهي عقيدة، (ويقيمون الصلاة) هذه شريعة. هذا الدين القيم الدين الحنيف يبنى على العقيدة التي تستقر في القلب وتتعلق بكل ما هو غيب وعلم والشريعة التي تتبناها الجوارح وتؤدي بها كل ما جاء في القرآن والسُنّة التي صحت عن رسول الله r. كل عمل نعمله لو لم يكن له في القلب يقين نعمله من غير أن نفهم لماذا نعلمه ولا نفهم مراد الله فيه. (ومما رزقناهم ينفقون) هذه شريعة وكل ما نقوم به من عبادات عملية هو شريعة وكل ما يستقر في القلب من علم وغيب فهو عقيدة. (والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك) هذه عقيدة.

 الحلقة الثانية

تكلمنا عن مفهوم العقيدة وبيّنا درجات الإدراك التي يجب أن نفهمها نحن المسلمين لله تبارك وتعالى وهي العلم هو إدراك اليقين، الشك تساوي الطرفين الظن إدراك الطرف الراجح والوهم إدراك الطرف المرجوح والعقيدة كلمة لا تعرف إلا إدراك اليقين، لا تعرف إلا الوثوق بما تعتقد ومن الخطأ الشائع الذي يتعجب المرء عندما يسمعه أنه تتكلم مع شخص فتسأله ما رأيك في الموضوع الفلان؟ فيقول أعتقد وهو يعني أنه غير متأكد وعنده نسبة من الشك. كلمة أعتقد معناها أنني واثق من هذا الموضوع أعتقد أن الله واحد، أعتقد أن القرآن حق، أعتقد أن الجنة حق، أعتقد أن النار حق. من تطبيقات أصول العقيدة في ديننا الحنيف أول الآيات في سورة البقرة (الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4)) والنتيجة أنهم (أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5) لم يقل في هدى وإنما على هدى. (على) حرف يفيد الاستعلاء، أنت تركب وسيلة المواصلات التي تؤدي بك إلى المكان الذي تريد أن تصل إليه فما بالك بمن يركب الهدى؟ حينما يتحرك يتحرك على هدى يعني الهدى مطيته يقوده الهدى دائماً إلى الطريق المستقيم وإلى الطريق الصحيح وإلى المكان الذي يجب أن يكون عليه المسلم لله تبارك وتعالى، هذه نتيجة الإعتقاد الصحيح (أُوْلَـئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ). أصول الإعتقاد له أسس ينبني عليه وقلنا ليس من سبيل الصدفة أن تكون سورة البقرة ترتيبها الثانية في الكتاب وأول آياتها (الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4)) آيات أصول الاعتقاد والشريعة في مطلع البقرة وفي خواتيمها ومن أهم خواتيم سورة البقرة آية أسميها آية أصول الإعتقاد التي رسم الله تبارك وتعالى بها أصل عقيدتنا (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285)) وعادة الناس لما تسمع الآيات عن رسول الله فيقولون هذا الرسول هل تردنا أن نكون مثل الرسول؟ ولكن هؤلاء لم ينتبهوا أن الله تعالى قال في كتابه (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِر (21) الأحزاب). الرسول يجب أن نفهم أنه أسوة تتأسى به في كل شيء وليس قدوة (القدوة قد تقتدي به وقد لا تقتدي) يجب أن تتأسى به في كل أفعاله ولم تقف الآية عند الرسول r وإنما قال (وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ). نتدبر هذه الآية بيقين: عندما نسمع قوله تعالى (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ) قبل أن يبلغ الرسول هذا الدين كعقيدة وشريعة آمن هو وهذا هو السبب في الفترة التي قيل أنه انقطع الوحي - ليس بالمفهوم الذي تكلم الناس عنه- ولكنها فترة توقف فيها الوحي ليعلم الرسول r أنه نبي وأنه مبلّغ وأنه مكلف بتبليغ الرسالة. (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ) لما يؤمن r بما أنزل إليه من ربه يبدأ بالتبليغ، (وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) أنت كمؤمن، كمسلم، كمتقي، كمحسن (هذه درجات العبودية لله تبارك وتعالى)، (والمؤمنون كل آمن بالله) أنت كمسلم لك أصول لتبيان رسوخ العقيدة في قلبك. (وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) يجب أن نفهم هذا الكلام على صحيح مراد الله فيه. أنا كمؤمن بالله من الله عندي؟ نحن لا نشعر بهذا الكلام وضربنا سابقاً مثال الرجل الذي صلى في المسجد فالرسول r كما ذكرنا طلب من الرجل أن يعيد صلاته أكثر من مرة وقلنا أن الرجل إذا صلى خطأ تكون عقيدته غير صحيحة. نحن ابتعدنا عن صلاة الجماعة عندما انفردنا بصلاتنا فتلاعب الشيطان بنا والرسول r يقول الشيطان ذئب الإنسان والذئب لا يأكل إلا الشاة الشاردة فصلاة الجماعة تحفظك من الشرود في الصلاة فهل هناك منا من صلى صلاة فأحس أنه قصّر فيها كأن يكون أسرع في الصلاة أو لم يخشع فيها فأعادها ثانية؟ هو إذا أعادها يكون السبب في ذلك العقيدة. قلنا الإسلام مبني على العقيدة والشريعة العقيدة ما استقر في قلبك لأنك علمت أن الله واحد وأن الله رقيب أحسست أن صلاتك غير نافعة فأعدت الصلاة وإذا فعلت هذا لن يتلاعب بك الشيطان لأنه كلما تلاعب بك جوّدت الصلاة فإذا تركك الشيطان كنت مع الله تبارك تعالى بعيداً عن شرود النفس والشيطان وبعيداً عن هذه الوساوس. علينا أن نتعلم كيف نطبق العقيدة أسأل نفسي مَنْ الله عندي؟ لو أعملت صفات الله تعالى سأشعر أني لا يمكن أن أرتكب خطأ لأنه تعالى هو الرقيب هو الجبار هو الرحمن. أول سؤال في القبر: من ربك وليس من الله؟ من ربك أنت؟ وإذا كان اثنان في القبر كل واحد سيكون له إجابة بحسب عقيدته ولو كانت العقيدة سليمة ستكون الإجابات سليمة. أسأل الله تعالى أن يفقهنا في ديننا ويعلمنا كنهه الحق.

السؤال في القبر من ربك؟ ما دينك؟ ما قولك في هذا الرجل الذي بُعِث فيكم؟ ما عملك؟ أربع أسئلة والسؤال الرابع يسأل عنه من أجاب عن الأسئلة الثلاثة الأولى. الأسئلة تتعلق بك أنت من ربك أنت؟ ما دينك أنت؟ ما عملك؟ هذا العمل من أين يأتي؟ يجب أن نفهم أصول الإعتقاد. أصول الاعتقاد حتى نطبق مراحل الإيمان ودرجات العبودية. أصول الإعتقاد تتلخص في هذه الآية (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) أصل الإعتقاد الإيمان بالملائكة لأنها نقلت الوحي، الله تبارك وتعالى يطلب منك أن ترسخ في قلبك كل شيء يتعلق بالله تبارك وتعالى. (لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ) لأنه إذا كان اعتقادي أن رسولي أفضل من عيسى أو موسى عليهما السلام فاعتقادي خاطيء وهذه سنتكلم فيها عندما نتكلم في مسألة الدين. أؤكد دائماً الإيمان بالله، بالملائكة، بالكتب المنزلة من الله تبارك وتعالى قبل تحريفها وتأليفها وهذه قاعدة في الإسلام ونحن كمسلمين لا نؤمن إلا بما أنزله الله تعالى وجميع الكتب والأنبياء يتساوى في إيماننا به وفي عقيدتنا لأن عقيدتنا جاءت مما أنزله الله تبارك وتعالى. ومن أهم الأمور في أصول الاعتقاد هذه الآية (وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) إيمان وقول ما وقر في القلب وصدقه العمل. هؤلاء هم الذين آمنوا بالله تبارك وتعالى ورسخت العقيدة في قلوبهم وبدأت الجوارح تطبق هذا الرسوخ العقائدي الحق. والآيات تعلقت بمفهوم واحد من درجات العبودية، درجات العبودية تتقلب بين الإسلام والإيمان والتقوى والإحسان وإسلام الوجه لله، تبدأ بالإسلام وتنتهي بالإسلام. الإيمان درجة من درجات العبودية والإيمان قد يدعيه البعض (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ (14) الحجرات) افيمان لم يدخل ولكن ينتظر أن يدخل في قلب من ادّعوه. المسألة يجب أن تفهم على صحيح القرآن وعلى صحيح مراد الله في القرآن. درجات العبودية خمس: تبدأ بالإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، إن كبقت ما في القرآن فأنت مؤمن وإن استمعت إلى ما في القرآن من الله تبارك وتعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) التقوى وحق التقوى الإحسان ثم (ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) فللسائل أن يسأل بدأنا بالإسلام وانتهينا بالإسلام فكيف ذلك؟ الإسلام الأول هو إسلام الرسالة أو إسلام العقيدة عندما تدخل في الإسلام تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإذا صليت وصمت وحججت وزكيت صرت مؤمناً فإذا صرت مؤمناً يناديني الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ) هذه التقوى شرط تلقي الكتاب حتى أفهمه وأطبقه وهذه هي التقوى وحق التقوى الإحسان وهذا له شروط أن أتخلى عن مضجعي ليلاً وأسجد لله تبارك وتعالى وأقوم الليل وإذا فهمت هذا الفهم أمشي على مراد الله وبعد الإحسان قال (وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ). (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ (102) آل عمران) طالبهم بالإسلام بعد الإيمان والتقوى والإحسان وهذا ليس إسلام العقيدة وإنما إسلام الوجه لله فأنت تتحرك والله تعالى في قلبك معتقداً أنه تبارك وتعالى رقيب فأنت لا تخطيء في حضرة والدك فكيف تخطيء في حضرة الله تعالى الرقيب؟!. سنتكلم في كل ما يتعلق بالدين من ناحية العقيدة وهذه المفاهيم يجب أن تكون راسخة في ذهن الإنسان المسلم المؤمن المتقي المحسن المسلِّم الوجه لله تبارك وتعالى.( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ (102) آل عمران) الآيات تشرح كيف تكون العقيدة وكيف تكون الشريعة. نضرب مثلاً للإيمان بشجرة أغصانها جميلة وسيقانها وثمارها جميلة ومزهرة جداً وهذه لا تأتي من فراغ وإنما جذورها عميقة وكلما كانت الثمار طيبة يكون الجذر عميقاً فالشجرة هي الإيمان والجذور هي العقيدة والثمار هي الشريعة هي العمل وأحسن كل من قال أن الإيمان هو اعتقد بالجنان وتصديق اللسان وعمل بالجوارح للأركان هكذا تكون أسلمت وآمنت إسلاماً وإيماناً صحيحاً. نسأل ما سأله القرآن (أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (22) الملك) أيهما أهدى الذي يأخذ شريعته من هواه أو من يطبق الشريعة؟ الصراط المستقيم غاية أنت تطلبها في كل صلاة لله فأرجو أن نقولها ونطلبها بلساننا بعد أن تستقر في قلوبنا فلو آمنا إيماناً صحيحاً واعتقدنا اعتقاداً صحيحاً ورسخت العقيدة في قلوبنا سألنا الله تعالى ونحن واثقون بالإجابة وثانياً نحن معتقدون أن ما أمرنا الله تعالى بهذا إلا لأنه الحق أسأل الله تعالى أن يهدينا الصراط المستقيم وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

الحلقة الثالثة

(فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30) الروم)

في الحلقة السابقة أخذنا كل ما يتعلق بمفهوم العقيدة من حيث التطبيق وعرفنا على مدار الحلقات السابقة مسألة العقيدة والاعتقاد والتطبيق لهذا الاعتقاد من واقع القرآن الكريم واليوم نعيش مع لماذا الدين القيم؟ الإسلام كدين يقوم على العقيدة والشريعة وعندما نسمع كلمة الدين القيم يجب أن نسأل أنفسنا لماذا الدين القيم؟ إذا أردنا أن نقف عند معنى الدين القيم كلمة الدين من الكلمات التي في الحقيقة استخدمت استخداماً لا ينبيء بصحيح مفهوم لدى الكثير من أهل هذا الدين الحنيف وكدليل على هذا الكلام الله تبارك وتعالى يقول في القرآن (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ) ثم يعلمنا (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) هذه قاعدة قرآنية ثابتة والقرآن يتكلم من عهد آدم إلى أن تقوم الساعة فإذا سمعت أنت كمسلم إن الدين عند الله الإسلام هذه لم تبدأ عند رسالة محمد r وإنما من عهد آدم لأن الله تبارك وتعالى أزلي ليس عنده أحداث مستجدة ساعة أراد الله تعالى أن تكون الدنيا ويكون الخلق ويكون آدم كانت العقيدة عند الله سبحانه وتعالى الإسلام، الشريعة الإسلام، الشرع الإسلام (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ) (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) من عهد آدم. لسائل أن يسأل أين اليهودية والنصرانية؟ اليهودية والنصرانية ديانات وليست أديان وإذا بحثنا في القرآن والسنة نجد أن كلمة دين لا جمع لها ذلك أن الدين واحد ولأن الله واحد. إن للإله دين هذا منطق ولا يمكن أن يكون هناك إله له أكثر من دين بمعنى له أكثر من شرع. الهودية والنصرانية رسالات وديانات، اليهودية ديانة دينها الإسلام والنصرانية ديانة دينها الإسلام فلما أراد الله تعالى أن يختتم الديانات لأهل الأرض سمى الديانة الأخيرة بإسم الشرع العام فكانت ديانة محمد الإسلام ودينه الإسلام، الذي آمن بموسى توصيفه مسلم وكونه يتبع اليهودية كديانة هذه مسألة تختلف عن مسألة الشرع العام، مسألة الدين. الرسول r عندما يقول بلغوا عني ولو آية علينا كمسلمين أن نتبع هذا التوجيه الشريف وتبلغ عن رسول الله r صحيح هذا الدين وتفهم ما الإسلام؟ ما الدين؟ كل مسلم وظيفته أن ينقل الدين الحق للناس. يجب أن أفهم المعنى اللغوي والإصطلاحي لكلمة الدين عندما نسمع مالك يوم الدين ما مفهومها عندك؟ الدين عند الله الإسلام فهل يكون معنى الدين في الفاتحة الإسلام؟ لا. هناك معاني لهذه الكلمة، فكلمة الدين إما تتعدى بنفسها أو تتعدى بالباء أو تتعدى باللام: فعل دان قد يتعدى بذاته دان يدين، أو دان له أو دان به فإذا قلت دان يدين أي أخضع وامتلك وسامح وعاقب أي كتب الجزاء وكتب الحساب ومن ثم مالك يوم الدين هو يوم الحساب والجزاء ونحن نقرأها في سورة الفاتحة يجب أن نفهمها ومن ثم كان أمر الله تعالى لمن أنزل عليهم القرآن (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24) محمد) القلوب عليها أقفال وأغلقت القلوب بأفعالنا وبأعمالنا. نحن اخترنا إسم الدين القيم من سورة الروم وهي سورة تتحدث عن الاعتقاد الحقيقي والشريعة السليمة والدين الحق ثم تشرح ما ظهر في الأرض من فساد (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41)) لو قال ليذيقهم كل الذي عملوا لكان عدلاً لكن من آثار رحمة الله تبارك وتعالى أنه قال (بعض الذي عملوا) (لعلهم يرجعون) لعل في كلام الله لا تفيد التمني لأن الله تعالى قالها وهي تفيد الغاية أي غايتي من هذا أن تكونوا، بما كسبت أيدي الناس أي بتقصيرنا وبعدنا عن القرآن، ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون أسأل الله تعالى أن نكون من المتدبرين الذين إذا عملوا حسبوا وإذا حسبوا رجعوا.

كلمة الدين لا جمع لها من لفظها ولا يصح مهما اختلفنا أن نقول أديان بل إن البعض يزيدون الطين بلة فيقولون الأديان السماوية هذا كلام لا يعقل ولا يتدبره عقل حتى ولو اعتقد الآخرون ذلك لا يجب أن نقرهم على عقيدتهم الفاسدة يجب أن نفرق بين الدين والديانة الله تعالى في كتابه العزيز قال (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ) (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85) آل عمران) ولا صحة لما يقولون أو ما يعتقد الآخر، الدين واحد لأن الله واحد وإذا تعددت الآلهة تعددت الأديان فإذا أسلمت لله تعالى وآمنت برسوله r يجب أن تعتقد بما أورده الله قرآناً وكل ما جاء به الرسول r في الرسالة الحق. كلمة دين أو الدين لا جمع لها من لفظها ونحمد الله تعالى عندما ننظر في بطاقة الأحوال الشخصية كتب الديانة ولم يكتب الدين. الدين لا يمكن أن يكون غير الإسلام، الديانة قد تكون اليهودية أو النصرانية. الإسلام هو دين الله تبارك وتعالى من عهد آدم إلى أن تقوم الساعة. اليهودية والنصرانية ديانات ورسالات وإذا نظرنا إلى تتابع الديانات لما أرسل تعالى عيسى لبني إسرائيل قال (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ (6) الصف) أي أوافق على كل ما جاء به موسى في مضمون رسالتي وديانتي ومبشراً برسول من بعدي اسمه أحمد والبعض من النصارى يعترضون على أن الذي جاء محمد وليس أحمد. مراد الله في قرآنه عندما قال عيسى (اسمه أحمد) لم يكن عيسى ليقول محمد لأن محمد إسم مفعول وإسم المفعول لا يطلق إلا على موجود ومن دقة الأداء القرآني أنه قال (أحمد) إيماننا بالكتب التي أنزلها الله تعالى من السماء التوراة الحق، الإنجيل الحق والقرآن. (ومبشراً يأتي من بعدي اسمه أحمد) كأني بعيسى يقول ومبشراً برسول أحمد مني لله فإذا جاء الأحمد فهم محمد إن قام بالحمد فهو حامد وإن أداه على الوجه الصحيح فهو محمود المنقلب عند الله يوم القيامة وكلها أسماء الرسول r تدل على زمن المتكلم قبل ميلاده هو أحمد عند عيسى لا يمكن أن يقول محمد أو محمود ولا تطلق أسماء المفعول على غير موجود فاختار الله تعالى له إسماً يناسب. عيسى u يقول أتيت إليكم من الله تبارك وتعالى على مفهوم ينقسم على فرعين أولاً مصدقاً لما بين يدي من التوراة ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد. هذا الأحمد لما أرسله الله تبارك وتعالى أرسله بالكتاب الذي تصدى له بالحفظ وقال في محكمه (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ (19) آل عمران) فالإسلام واحد لأن الله واحد والذي يتعدد الديانات. يتعدى فعل دان بذاته أو بالباء أو باللام ولكل واحدة معنى: دان له أي أطاعه، دان به إعتقده، دان يدين حاسب وكافأ وحاسب. كلمة الدين كلمة تحتاج إلى وعي وإلى مفهوم صحيح عند كل مسلم حق أراد أن يعتنق هذا الدين الحنيف. إختيار إسم الدين القيم جاءت في القرآن في سورة الروم الله تبارك وتعالى بعد أن عرض التخلف الذي أصاب أهل الأهواء والبدع وما اخترنا هذا الإسم إلى لنخرج أنفسنا من كل بدعة ابتدعها الناس بعد محمد r عرض الله تعالى هذه المفاسد في سورة الروم وبعد أن علّم الداء وضع الدواء النافع فقال للنبي r (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) الله تبارك وتعالى ساعة يقول (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) يحب أن نسأل الله تعالى أن نكون من القلة الذين يعلمون. (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (43) الروم) أسأل الله تبارك وتعالى أن يقيمنا على الدين القيم وأن يجعلنا من أهل الفطرة السوية والصراط المستقيم.

الحلقة الرابعة

نعيش اليوم تأصيل أصول العقيدة، هذا التأصيل الذي كان له عند رسول الله r منتهى التوقيع بتوقيع ايات القرآن الكريم في إفهام الأمة كيف تؤصِّل مسألة العقيدة. العقيدة هي الأمور الغيبية التي يجب أن يعتقدها المسلم الحق لله تبارك وتعالى حتى يطبق شريعة الله تعالى على مراد الله فينا والذي لا يعتقد هذه الأمور الغيبية أحسبه عاجزاً عن إقامة شرع الله تعالى تبارك وتعالى على الوجه الذي يرضي الله تعالى عنا وضربنا أمثلة منها ذلك الذي يؤدي الصلاة ولا يقيمها وأخذنا على هذا مثالاً من الصحابي الذي أساء الصلاة في المسجد في حضرة الرسول r دخل المسجد فأساء الصلاة وذهب ليسلم على النبي فأعاده الرسول أكثر من مرة وصلت إلى ثلاث مرات وهو يقول له جملة في منتهى الخطورة "إرجع فصلِي فإنك لم تصلي". الوقفة هنا مع هذا التوقيع الرجل صلّى وكل من رآه حكم بأنه يصلي بعضهم قد يقول أنه يسرع والآخر يقول لا يُحسن إنما لرسول r وجهة في منتهى الخطورة: إرجع فصل فإنك لكم تصلي فكأنه صلى وما صلى وما نخشاه أن يقال لنا يوم القيامة صليت وما صليت زكيت وما زكيت، صمت وما صمت وحججت وما حججت. إذا وقعناها بالصيام فما بالنا بمن صام طول النهار ولم يمتنع عن الأعراض أو الرشوة أو الكذب أو الحرام غيره أو يصوم النهار على الوجه المطلوب ثم يجلس في الخيم الرمضانية في الليل، هذا هو التطبيق فإذا سمعنا قول رسول الله صليت وما صليت أي قمت بالعمل تأدية ولكن النتيجة صفر لأن الصلاة إذا نظرنا إلى توقيعها في القرآن ما طلبها تعالى أداءً أبداً لم يقل أدوا الصلاة وإنما ورد لفظ الصلاة 67 مرة في القرآن وكلها وردت بالإقامة حت الأذان الذي يسبق الصلاة يسمى أذان الإقامة حتى تقيم الصلاة. كيف تعتقد في قلبك وكيف تؤدي؟ قلنا الإسلام يقوم على العقيدة والشريعة، الشريعة العمل والعقيدة القلب. سألنا هل إذا قصر أحدنا في صلاة أعادها؟ لو فعلها أحدنا لتركه الشيطان لأنه كلما أخطأ جوّد العمل فإذا تركك الشيطان خلصت إلى ربك تعالى. يجب أن نفهم ما في القرآن والسُنة على مراد الله وعلى مراد رسول الله r. الآيات التي تتكلم في تأصيل الاعتقاد يقول فيها الحق تبارك وتعالى (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) هذه الآيات إذا فهمناها بكل ما في الآية من كلمات ووقّعنا ما فيها على مراد الله تبارك وتعالى وكيف علّم الله رسوله وعلم الأمة على يد جبريل هذا الكلام لوجدنا أن تطبيق هذا الاعتقاد وما تعتقده هو محور هذا الدين الحق الذي هو عقيدة وشريعة، العقيدة يتكلم فيها القرآن والشريعة يطبقها الرسول r أما توقيع في هذه الآية فليس من قبيل الصدفة أن يأتي مطلع البقرة وخاتمتها بهذا التوقيع القرآني البديع. في مطلع البقرة ((الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5)) هذه معاني شرحناها وأرجو أن تستقر في أذهاننا إذا ما وقّعناها في نهاية البقرة تجد نفس المعاني (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) فما في مطلع البقرة كما في نهايتها تأصيل الإعتقاد. فلو أخذنا هذه الآيات وفهمنا على مراد الله فيها ووجدنا كيف يطبق رسول الله r وجدنا تأصيل الإعتقاد و توقيع الشريعة لما اعتقده المسلم الحق لله تبارك وتعالى. الآيات مبدعة في توقيعها وفي ترتيبها وإذا أردنا أن نفهم معنى التوقيع  الحقيقي تجد أن ما قاله الله تبارك وتعالى يقوله الرسول r تطبيقاً لما فهمه من القرآن فإذا قال الله (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) بهذا الترتيب - وأظن أن هذا التريب له وقع في إفهام الناس لهذا الإبداع اللغوي والبياني في الآية - (وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) إذا أخذنا هذا الترتيب وهذا المعنى وذهبنا إلى حديث جبريل الذي جاء ليعلم الأمة دينها وطبقناه ستجد أن الرسول r لما يتكلم عن الإيمان والإيمان هو ما وقر في القلب عقيدة وصدّقه العمل شريعة لما قال جبريل أخبرني عن الإيمان قال r توقيعاً لهذه الآية: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وأن تؤمن باليوم الآخر وأن تؤمن بالقدر خيره وشره. الرسول يوقع الآية بالحرف والرسول يعلم جبريل ليعلم الأمة لأن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله هذا التوقع يعلّمنا أن هذا الدين الحق لا يمضي بأبنائه إلا على مراد الله وإذا خرج الواحد منا على مراد الله تبارك وتعالى فنزع إلى هواه ينطبق علينا قوله تعالى (بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ (29) الروم) إن الذي يتبع هواه خرج عن إلف ما أراده الله تعالى وأنزل من أجله الأنبياء من عهد آدم إلى أن تقوم الساعة. القضية في أن نسمع ونفهم ونطيع لذا من تأصيل العقيدة في القرآن سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير فلنسمع الآيات ونفهمها ونطبق الآيات ونعمل ما أراده الله تبارك وتعالى عندما علمنا الرسول r كيف يكون الإيمان وكيف تؤمن وكيف تتقي وكيف تحسن وتكلمنا عن مراحل العبودية (الإسلام، الإيمان، التوقى، الإحسان، إسلام الوجه لله) وقلنا أن تطبيق هذه المعاني يخلص في قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ (102) آل عمران) هذا نداء للمؤمنين يطالبهم بتقوى ثم بحق التقوى ثم يطالبهم بالإسلام لله. هذه درجات العبودية التي يرتقي عليها المسلم حتى يكون في ذروة الإسلام فإذا أردت أن تكون في أعلى درجات الجنة فارتقِ أيضاً بإسلامك ثم إيمانك ثم تقواك ثم إحسانك ثم إسلام وجهك لله (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (112) البقرة) لما سأل جبريل عن الإحسان علّمنا الرسول r ما الإحسان؟. نعيش الحديث النبوي الشريف الذي يوقّع لنا ما أنزله الله تبارك وتعالى في خواتيم سورة البقرة من تأصيل لأصول الاعتقاد وهذا الحديث فيه أكثر من فائدة وأكثر من وقفة كيف علّم الرسول r الأمة وكيف أنزل الله تعالى جبريل ليعلم الأمة إذا لم تسأل الأمة. الحديث أخرجه الإمام مسلم بأكثر من رواية لكننا نروي ما نرتاح إليه لغوياً ومن حيث السند ومن حيث تأصيل الكلام في مسألة تأصيل هذه الأصول الاعتقادية التي يجب أن تستقر في عقيدة المسلم الحق. الحديث رواه عمر بن الخطاب قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب. شديد سواد الشعر. لا يرى عليه أثر السفر. ولا يعرفه منا أحد. حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فاسند ركبتيه إلى ركبتيه. ووضع كفيه على فخذيه. وقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وتقيم الصلاة. وتؤتي الزكاة. وتصوم رمضان. وتحج البيت، إن استطعت إليه سبيلا" قال: صدقت. قال فعجبنا له. يسأله ويصدقه. قال: فأخبرني عن الإيمان. قال: "أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر. وتؤمن بالقدر خيره وشره" قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان. قال: "أن تعبد الله كأنك تراه. فإن لم تكن تراه، فإنه يراك". قال: فأخبرني عن الساعة. قال: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل" قال: فأخبرني عن أمارتها. قال: "أن تلد الأمة ربتها. وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء، يتطاولون في البنيان". قال ثم انطلق. فلبثت مليا. ثم قال لي: "يا عمر! أتدري من السائل؟" قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم".

 وأخذ يسأل رسول الله r والعجيب الذي يريوه عمر أن هذا الرجل كان يسأل الرسول ثم يصدقه والمتعارف عليه أن الذي يسأل لا يعرف. فسأله أول ما سأل قال يا محمد أخبرني عن الإسلام وهو يسأل عن الإسلام كديانة - وسبق أن شرحنا الفرق بين الدين والديانة – أسئلة جبريل تتكلم عن الإسلام كديانة، قال يا محمد أخبرني عن الإسلام فقال r الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وتقيم الصلاة. وتؤتي الزكاة. وتصوم رمضان. وتحج البيت، إن استطعت إليه سبيلا. هذا الحديث يعرف بين أهل العلم بأنه حديث الأعمال وهو يختلف عن حديث الأركان . حديث الأركان الذي يرويه الإمام البخاري يقول فيه r بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصيام رمضان. هذا يختلف عن حديث الأعمال الذي معنا. وهنا يقول جبريل صدقت وهنا يعلق عمر عجبنا له يسأله ويصدقه وسنجد في نهاية الحديث أن هذا الرجل هو جبريل أنزله الله تعالى ليعلم الأمة حيث لم تسأل الأمة هذه الأسئلة المهمة فالحديث أنه إلى ذلك الحين هناك أمور مهمة لم تسأل عنها الصحابة فأرسل الله تعالى جبريل ليعلم الأمة الإسلام، الإيمان، الإحسان، الساعة، أشراط الساعة، فقال فأخبرني عن الإيمان، أولاً سأل عن الإسلام ثم سأل عن الإيمان والرسول أخذ أصول الإعتقاد كما جاءت في خواتيم سورة البقرة بترتيبها فقال أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر. وتؤمن بالقدر خيره وشره. القضاء والقدر قضية كبيرة يجب أن نجليها في الإسلام حتى نعيش أصول الدين وأصول الإعتقاد ومن أهم أصول العقيدة الإيمان بالقضاء والقدر. فإذا أخذنا أصول العقيدة أن تؤمن بالله والملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر والقضاء والقدر لذا قال الرسول (أن تؤمن بالقدر خيره وشره) وهذا الإيمان المتكامل لا أفرح عندما أتني خير وأحزن لما يأتين الشر وإنما أنا أرضى بقضاء الله على كل الأحوال والرسول r يعلمنا عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير إن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له وإن أصابته سراء شكر فكان خيراً له. حال المؤمن الحق بين الشكر والصبر. هذا هو الإيمان بالقضاء والقدر، الإيمان أن تؤمن بالله، أن تؤمن بالملائكة، بالكتب، بالرسل، باليوم الآخر، بالقدر خيره وشره. وعندما نسمع الكتب نفهم أنها الكتب المنزّلة من الله تبارك تعالى التوراة الحق والإنجيل الحق والقرآن وهو الحق كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه الذي حفظه الله تعالى وما استطاع أحد عبر العصور أن يقترب من هذا الكتاب الحق تحريفاً أو تشويهاً ومن باب أولى فلا تأليف فيه فهو كلام الله. إذا تعلمنا هذه القاعدة الإيمانية نؤصل الإعتقاد فعليك بالعمل الذي يتجلى في السؤال الثالث الذي سأله جبريل يا محمد أخبرني عن الإحسان فقال r في روايتين مبدعتين في رواية أن تعبد الله كأنك تراه وفي رواية ثانية وهي عند مسلم أن تخشى الله كأنك تراه. الفرق بين الروايتين أن الأولى تتكلم في العبادة فقط (أن تعبد الله) والرواية الثانية (أن تخشى الله) في عباداتك ومعاملاتك هي مطلقة أن تخشى الله كأنك تراه. فإنك إن لا تكن تراه فإنه يراك وأخص صفات الله تبارك وتعالى صفة غابت عن كثير من أبناء هذه الأمة وهي صفة الرقيب أنت لا تستطيع أن تأتي المعصية أمام أمك وأبيك ولكنك ترتكبها أمام الله لأننا غيبنا صفة الرقيب وهي من أخص صفات الله تبارك وتعالى. فإنك إن لا تكن تراه فإنه يراك لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار الحال التي خلقت عليها في الدنيا أنك لا ترى الله في الدنيا وإنما تستطيع أن تراه في الآخرة نسأل الله أن نكون من أهل رؤيته في ذلك اليوم. السؤال الرابع سؤال مبدع والإجابة أبدع وأعظم وأروع: قال فأخبرني عن الساعة وفي رواية أخرى متى تقوم الساعة؟ فأحاب الرسول إجابة وقّعها القرآن قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل أي هذه قضية لا يعلمها إلا الله تبارك وتعالى وعندنا في الأسواق كتب تحدد الساعة وتحدد القيامة وهذا كفر بيّن فالله تعالى يقول (إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ (34) لقمان) ومن ثم فهذه قضية لا يتكلم فيها عاقل.

الحلقة الخامسة:

ما زلنا مع حديث رسول الله r الذي أنزل فيه تعالى جبريل u ليعلم الأمة دينها. هذا الحديث نوقع فيه أصول العقيدة التي يجب أن ترسخ في القلوب حتى يصح إسلامنا على مراد الله فينا. وصلنا في الحديث من الإسلام تعريفاً إلى الإيمان إلى الإحسان ثم سأل جبريل الرسول r متى تقوم الساعة أو أخبرني عن الساعة فقال r ما المسؤول عنها بأعلم من السائل. هذا الكلام يحتاج إلى وقفات فيما يحدث هذه الأيام من خروج بعض الناس علينا بكلمات يجب أن يتأبى عليها العقل السليم من كتب تحدد يوم القيامة أو تحدد الساعة هذه الكتب وصلت إلينا وحاولنا أن نرفض هذا الكلام لكن للأسف تجد أن بعض الناس يقولون ستقوم القيامة الآن وينتظرونها وهذه عقيدة فاسدة لأن المسلم الحق الذي يسمع هذا بعد أن استقر في قلبه قوله تعالى (إن الله عنده علم الساعة) يرفض هذا الكلام ويستمر في عمله رافضاً هذا الكلام ولا يلتفت إلى هذا الكلام ولا يناقشه. لما يقول r ما المسؤول عنها أي محمد r بأعلم من السائل وهو جبريل u مع أنه جاء في ثياب بشر وفي نهاية الحديث نعرف أنه جبريل. وأنت تناقش هذا الحديث جبريل لم يأت به من تلقاء نفسه هذا يستحيل على الملائكة لأنهم لا يعصون الله ما أمرهم ولكن الملائكة تنفذ أوامر الله تعالى لا يعصون الله ما أمرهم فالذي أرسله هو الله تبارك وتعالى ومراد الله تعالى في هذا الحديث بيّن لا يحتاج إلى شرح والمسلم الواعي يفهم أن الحديث يعلمنا أن الساعة أمر ينتهي علمه إلى الله تبارك وتعالى على أن في الحديث جملة أخذها الناس - كدأب البعض - وأوّلوها وعملوا منها قصص وكتب وأحاديث وروايات. الرسول r قال "ما المسوؤل عنها بأعلم من السائل ولكني سأحدثك عن أشراطها" وللأسف أخذ الناس هذه الكلمة (أشراطها) وعملوا الكتب وسموها علامات الساعة الرسول r ما قال علامات وإنما قال أشراطها والساعة ليس لها علامات وإنما لها أشراط والذي يجب أن نفهمه نحن كمسلمين لله تعالى منذ عهد رسول الله r والقرآن ينزل عليه قال تعالى (اقتربت الساعة وانشق القمر) اقتربت فعل ماضي واقتربت الساعة منذ 14 قرناً وساعة تحدث رسول الله r إلى جبريل قال سأحدثك عن أشراطها وهذه الأشراط التي ذكرها الرسول r لم تتعلق بمجموعة من المسلمين بعينهم ولا ببلد بعينه. قال r: إذا رأيت المرأة تلد ربّها (هذه إحدى روايات الحديث والتي أطمئن إليها في توقيع المعنى العام) فذاك من أشراطها وإذا رأيت الحفاة العراة ملوك الأرض فذاك من أشراطها وإذا رأيت البهم يتطاولون في البنيان فذاك من أشراطها في خمس من الغيب وتلا r (إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (34) لقمان). إذا عدنا إلى صحيح ما قاله r قال ساعة سأله جبريل r عن الساعة لننظر للسؤال وللإجابة: "فأخبرني عن الساعة" وفي رواية أخرجها الإمام مسلم قال "متى تقوم الساعة؟"هذا السؤال وإجابة الرسول: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل يعني يوم الدين لا يستطيع مخلوق أن يتكلم فيه لكن سأحدثك عن أشراطها وهي ليست علامات صغرى وكبرى، ما قاله الرسول r في هذا الحديث يتوافر في كل زمان: إذا رأيت المرأة تلد ربها فذاك من أشراطها، إذا رأيت رعاة الحفاة العراة الصم البكم ملوك الأرض فذاك من أشراطها، إذا رأيت رعاة البهم يتطاولون في البنيان فذلك من أشراطها. إذا رأينا إحدى الدول العربية تأخذ مبانيها بالارتفاع فهذه ليست من علامات الساعة والمسلم الحق يجب أن يفرح بالتطور ويشجع عليه ويجب تهنئة هذه الدولة للتقدم الذي يحدث فيها أما نقول أن هذه الدولة من أشراط الساعة فهذا كلام غير صحيح ويثبت أننا لم نفهم الحديث. القرآن الكريم والحديث الشريف لا يفهم أحياناً بمعناه ولا بلازم معناه وإنما يفهم بالمراد منه وليس بمعناه أو لازم معناه. الرسول r يقول إذا رأيت الحفاة العراة الصم البكم وهذه إشارة إلى من كفر بالله تبارك وتعالى فهو ليس أصم الأذن وإنما أصم القلب وليس أعمى العين وإنما أعمى البصيرة. معنى الحديث اختلال الأمور وخروج الأمور عن إلف عادتها فمن أشراط الساعة لا من علاماتها أن يختل الأمر وهذا نجده في كل زمان وفي مكان واختلال الأمر يزداد من سيء إلى أسوأ أما إذا أخذ المسلمون التطور ومساواتهم بالغرب فهذا فخر للإسلام وللمسلمين وهذا يقع تحت قوله تعالى (علم الإنسان ما لم يعلم). أشراط الساعة تصلح لكل زمان ومكان لكنها إن استمرت فترة من الوقت فذاك يدل لا على قرب الساعة فأنتظرها وأتوقف عن العمل وإنما على أنه يجب تغيير الأمر وهذا هو هدف الرسول r من هذا الكلام. هل معنى كلام الرسول أن المرأة تلد ربها علي أن أقف وأنتظر الساعة؟ كلا وإنما أغير الأمر لدرجة أنه من كان بيده فسيل وقامت الساعة فليغرسها لأن الإسلام كدين وديانة يحثنا على العمل (وقل اعملوا) اعملوا هنا كلمة تفهم بمعناها ولازم معناها والمراد من معناها: وقل اعملوا أي أن هذا الدين يحث على هذا العمل وقل اعملوا من لازم المعنى أي احسنوا العمل وقل اعملوا من المراج أي أن تتم العمل على مراد الله فيه فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون في الدنيا والآخرة. أشراط الساعة يجب أن نفهمها على مراد الله ورسوله فيها. معنى قول الرسول أنه إذا رأيت المسألة فيها اختلال فعليك أن تستعد للساعة وتسعى لتحسين الأمر وعندما سئل الرسول r من أحد الناس في موضع آخر عن الساعة فأجاب r: فماذا أعددت لها؟ عندنا إجابتين عن الساعة أن علمها عند الله والذي يجب أن تعرفه عن الساعة هو أن تعد نفسك لها ولذلك لم يقل r للسائل استعد لها وإنما رد على السؤال بسؤال وهذا من بلاغة العرب إذا سئلوا في موضوع يصعب تلقيه يردوا على السؤال بسؤال مثله ولما سئل الرسول r عن الساعة رد الرسول r على السائل: ماذا أعددت لها؟ فالذي يجب عليك في الساعة أن تستعد لها بكثير عمل، بإتقان عمل، بإخلاص، بصلاة، بقيام الليل، بالنوافل. شاهِدنا في الحديث أن الرسول r يقول "فذاك من أشراطها" ثم يعلمنا قاعدة في أصل الاعتقاد وهي الأمور الغيبية، العقيدة أمور غيبية يستقر في وجدانك الإيمان بها دون تفكير فما اعتقده القلب يجب أن لا يتغير. العقيدة معانيها تدور حول الاستيثاق واللزوم والتأكيد لا تتغير العمل قد ينقص ويزيد لكن العقيدة ثابتة وبهذه الحال يسهل الإصلاح لكن لو العقيدة تتغير فهذا هو الخلل وهذا هو الأمر الذي لا نريده للإسلام المسلمين. من ثم قول الرسول r "فذاك من أشراطها في خمس من الغيب" هذه جملة بليغة جداً يعلمها رسول الله r الغيبيات الخمس التي جاءت قرآن الله تبارك وتعالى لتثبت أصل الاعتقاد. فإذا كان آية (آمن الرسول بما أنزل إليه) تؤصل الاعتقاد فهذه الآية تثبت الاعتقاد. (إن الله عنده علم الساعة) هذه الجملة في هذه الآية تحتاج لوقفة فهل الله تعالى عنده علم الساعة فقط. أو هذا تخصيص غير محدود؟ هو تخصيص غير محدود، أي عنده علم الساعة وحده سبحانه وتعالى. (وينزل الغيث) وحده (وما تدري نفس بأي أرض). (إن الله عنده علم الساعة) أي الساعة علمها عند الله تعالى وحده لا شريك له يستطيع مخلوق لله أن يعلمها بدليل إجابة الرسول r على جبريل الملك وهو يسأل عنها"ما المسؤول عنها بأعلم من السائل" فإذا كان هذا حال النبي r وحال جبريل u فما بالك بحال البشر؟! الرسول r بشر لكنه يوحى إليه. (وينزل الغيث) أي المطر هو سبحانه وحده الذي عنده علم نزول المطر أي وقته وطريقته حتى الذين عملوا المطر الصناعي ذهبوا إلى القرآن وعلموا الطريقة التي رسمها الله تعالى في قرآنه وأخذوا طريقة نزول المطر لكن الله تعالى ينزل الغيث وحده. (ويعلم ما في الأرحام) وهنا وقفة مع أولئك الذين قالوا نحن نعلم ما في الأرحام بجهاز السونار فنعرف الجنين في بطن الأم والإسلام ليس ضد الطب ولا ضد العلم وهناك فرق كبير بين ما يفعله الأطباء وبين ما قاله الله تبارك وتعالى (ويعلم ما في الأرحام) الأطباء يعرفون من في الأرحام لأنهم يقولون الجنين ذكر أو أنثى فقط وقد يصدق وقد لا يصدق فإذن صدقت فهم علموا من في بطن الأم لكن الآية تتكلم عما هو أشمل من هذا هو يعلم ما في الأرحام وهناك فرق بين (ما في الأرحام) و(من في الأرحام) ونتحدى أي شخص يمكنه أن يعرف رزق الجنين وعمله ثم شقي أو سعيد هذا كلام لا يقبل الجدل والحديث واضح أن الملك يرسل ويكتب رزق الجنين وشقي أو سعيد وعمره، كلام واضح. المسألة فيمن يحاولون أن يشوهوا حقيقة هذا الدين نقف لهم بالمرصاد نقول أنتم تعلمون من في الأرحام عملاً بقوله تعالى (علم الإنسان ما لم يعلم). (وما تدري نفس ماذا تكسب غداً) وليس الرزق رزق مادي فقط وإنما بشمول المادة (وما تدري نفس بأي أرض تموت) لا يمكن لك أن تحدد أنت الأرض التي تموت فيها أو الساعة التي تموت فيها ولا تحدد رزقك لا من حيث المال ولا من حيث السيئات والحسنات لأن الله تعالى ينتهي إليه علم كل شيء.

الحلقة السادسة:

(فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30) الروم)

نعيش اليوم آيات هي السر في اختيار هذا الاسم لهذا البرنامج (الدين القيم) هي آات سورة الروم التي لفتت الأنظار إلأى توجيه الله تبارك وتعالى للمسلمين بالتزام هذا الدين الذي وصفه الله تعالى بالقيم على أن هذه الآيات تدور حول توصيف الداء ووصف الدواء وتوجيهات إلهية بالتزام أوامر الله تعالى حتى ينجو المسلم الحق من النار فتكون له الجنة. حين نعمل في القرآن الكرمي ونتناول الآيات بالتفسير يقع المرء في حيرة كيف يبدأ أنبدأ بالتوجيه أن نبدأ بتوصيف الداء أم نأخذ وصف الدواء؟ فلما تنظر إلى الآيات تجد أن هناك آية تكون بتوقيع أهل اللغة في التوصيف "محورية" بمعنى أنها تتوسط بين توصيف الداء ووصف الدواء وسنبدأ بها حتى نستطيع الوقوف على عضال الداء للنجو جميعاً إن شاء الله. الآية المحورية هي قول الله تبارك وتعالى توجيهاً لرسول الله r (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) هذه الآية قبل أن نتناولها بالتفسير وحتى نفهم ما نريد أن نصل إليه أعرض لكم الآية التي سبقتها مباشرة. قبل أن يقول تعالى (فأقم وجهك للدين حنيفاً) يوسصّف الداء، ما الذي حدث حتى شاعت البدع؟ (بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ (29)). انظروا إلى توقيع القرآن توصيفاً للداء وتوجيهاً حتى يصف الدواء. وصف الدواء نضع الآيات (فأقم وجهك للدين حنيفاً) وقبلها (بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم) وبعدها (مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32)) أرجو أن نعيش هذا التصور حتى نفهم هذه الآيات لننطلق معاً في توصيف وتوقيع الدين القيم. يجب أن نعيش الآيات كآية محورية وتوصيفاً للداء قبلها وتوجيهاً بها ثم وصفاً للدواء بعدها. في الوسط (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) قبلها (بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ) بعدها (مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32)) هذه الآيات الثلاث توصيفاً وتوقيعاً توضح ما نحن فه الآن شاعت البدعة واحتلت مركز الصدارة بل إنها احتلت مكان السُنّة. انظروا كيف يعبد أغلب الناس ربهم؟ على أهوائهم. انظر إلى من يقول أنا في " الطريقة الفلانية" ولن أسميهم حتى لا نشارك في زيادة الشهرة لهم، أنا مذهبي كذا، أنا مالكي المذهب، أنا شافعي المذهب؟ ما هذا الكلام؟ الله تبارك وتعالى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله. على الدين كله يجب أن نفهمها وقوله تعالى (مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) هذه الآيات التي عرضناها بهذه الطريق التي يجب أن تعيرونا آذان القلوب لنفهمها وهذه الآيات توضح بأن الدين واحد وأن الحق الذي لا يتعدد ولذلك من أسماء الله تبارك وتعالى (الحق) هو واحد ومن ثم فالدين واحد ومن ثم فعلينا أن نفيق وأن نعود إلى رشدنا وأن نعلم أن محمداً r إنما أرسله الله تبارك وتعالى بالدين الحق ليظهره على الدين كله وقلنا أن الدين واحد والديانات قد تختلف لكن الدين لا يختلف وقلنا أن اليهودية والنصرانية ديانات لدين واحد فالذي أطاع موسى وعيسى هو مسلم لله توصيفاً وتوقيعاً إنما ديانته تختلف عن دينه إنما دينه الإسلام فالدين واحد لأن الله واحد. وإذا كانت السُنّة قد بيّنت وأظهرت ما يجب عليه الإسلام فما معنى الطرق وما معنى المذاهب؟ لا مذهبية في الاسلام ولا طرق في الاسم؟ يسألك أحدهم من شيخك؟ فإذا كان لهذا السال من جواب فقل شيخي محمد r. وإذا استعرضنا أسئلة القبر ثانية: من ربك؟ ما دينك؟ ماذا تقول في الرجل الذي أرسل لك؟ ورابعاً ما عملك؟ وليس هناك من شيخك ولا ما مذهبك فالإسلام لا يعرف هذا التفرق والتشيع المذاهب والشيع وإنما يعرف أن الله واحد وأن الرسول هو محمد  r وإيماننا برسول الله كما وقعنا في تأصيل كل أصول الاعتقاد إيماننا بجميع الملائكة، بحميع الكتب المنزلة من السماء، بجميع الرسل قولاً واحداً. يعني إيماننا بمحمد r لا يصح إلا أننا نؤمن بموسى وعيسى وابراهيم ونوح إلى آدم u. يجب أن نتدبر الأمر والآيات تشعل حماس المسلم في أن ينادي بأعلى صوته أفيقوا أيها الناس وعودوا إلى رشدكم لا فِرَق في الإسلام ولا مذهبية ولا طرق في الاسلام الدين واحد لأن الله واحد. التوجيه الإلهي نفسه ينبيء بما حدث (فأقم وجهك للدين حنيفاً) قال حنيفاً لأنك يجب أن تبتعد عن كل ما عدا هذا الدين وأن تلجأ إلى الإله الحق وأن تنيب إليه بعيداً عن كل المذاهب والطرق والفرق وإن لم تفعل هذا فأنت من أولئك الذين (بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ). فأقم وجهك للدين حنيفاً والتزم فطرة الله التي فطر الناس عليها ذلك الدين القيم والمصيبة أن أكثر الناس لا يعلمون. أسأل الله أن تستقر في وجداننا أن نعيش هذه الآيات كتوجيهات من الله تبارك وتعالى بعد توصيف الداء وقبل وصف الدواء. (فأقم وجهك للدين حنيفاً) التوجيه للرسول r بدليل فعل الأمر (فأقم) يجب أن تأخذ ما أُمِر به الرسول وكل ما جاء في القرآن وعندما أسمع أنا (فأقم وجهك للدين حنيفاً) إن كان الأمر لرسول الله r بوصفه أول من تلقى الأمر الإلأهي لكني أنا مكلف بهذا القرآن وحتى نفهم هذه الجزئية التوقيع الإلهي: فأقم وجهك للدين حنيفاً منيبين إليه واتقوه ،لأن (فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون) هذه جملة اعتراضية في التوجيه. فأقم وجهك للدين حنيفاً منيبين إليه واتقوه هذا هو التوجيه والأمر و(فطرة الناس ) جملة اعتراضية تبين حال من يقم وجهه للدين منيباً إلى الله. يجب أن نفهم أن الأمر صدر للواحد (فأقم) وللجماعة (منيبين). الأمر للرسول r بوصفه قائداً لهذه الأمة لكن الأمر ينسحب منه إلى جماعة المسلمين فالذي يجب أن تكون الجماعة عليه مسألة الإنابة إذن فأقم وجهك للدين حنيفاً منيبين إليه وأنتم تقيمون الوجه لله. فأقم وجهك للدين حنيفاً منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة، (فأقم وجهك) هل أنت تقيم وجهك لله أو تقيم وجهك فقط للدين؟ الوجه مجاز مرسل عن الذات لأن سمة الإتجاه تكون بالوجه. حينما تسمع مثلاً من يقول قابلت فلاناً أول ما قابله من جسم الآخر هو الوجه فالوجه الدليل على الذات كلها (أينما تكونوا فثمّ وجه الله) اي الذات لله تبارك وتعالى. فالوجه تعبير عن سمة المقابلة (فأقم وجهك للدين حنيفاً) أي أقم ذاتك للدين وتوجه بكل ذاتك للدين الذي أنزله الله تبارك وتعالى (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) هذه الآية شرحاً لآية الروم تبين أن الدين واحد. لما نسمع (ليظهره على الدين كله) ولو يصح جمع الدين لقال ليظهره على الأديان كلها لكن لا جمع لهذه الكلمة ولا يوجد أديانات وإنما هناك ديانات أو رسالات لكن الدين واحد فقال (ليظهره على الدين). حتى وهو يضع "أديان الكفر" قال (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (4) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6)) ) لكم وهم جماعة دينكم لم يقل أديانكم فالكلمة لا تُجمع حتى في حالة الجمع أفردها مع أن الكفر يتعدد فيه الإتباع فقال (لكم دينكم ولي دين) جمع أديان الكفر على دين واحد وجعله في مقابلة الدين الحق. هذه مسألة تؤلم حين نسمع من الدعاة "الأديان السماوية" الدين واحد لأن الله واحد. هذه القضية ساعة بحثت في القرآن لأؤصلها وجدت أن الله تبارك وتعالى ما ناقش في هذه القضية أي أمة ولا أي رسول وإنما ناقش فيها أمة محمد (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ) الدين كلمة مفردة وفي المقابل (مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى) خمسة مقابل واحد (أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ) فلا تفرق في الدين الاختلاف قد يكون في الديانات لكن الدين واحد. كان يمكن أن يقول شرع لكم من الأديان لكنه اختار لكم الدين الحق من عهد آدم فالدين واحد لأن الحق واحد. (مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى) ثم يوجه الله تبارك وتعالى أنباءه (أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) الآيات تحتاج إلى وقفات. الحق تبارك وتعالى يوجه آيات إلى أمة محمد r الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس لتتولى بعد نبيها r توجه كل الناس توجهاً صحيحاً لكل ما في هذا الكتاب من آيات.  (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ) حتى يعلم الله تعالى الأمة كيف تتعامل مع المشرك وعلينا أن نتناقش مع أهل الديانات الأخرى بطريقة أمرنا بها الله تبارك وتعالى (وجادلهم بالتي هي أحسن).

الحلقة السابعة:

الحديث ما زال موصولاً عن إفراد كلمة الدين وعدم جمعها بالطريقة التي شاعت في هذا العصر "الأديان السماوية" واستشهدنا بقوله تعالى (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ) وقلنا أن قول الحق تبارك وتعالى (شرع لكم من الدين) خطاب لأمة محمد r بوصفها خير أمة أخرجت للناس وعليها تبعت توصيل هذا الدين الحنيف من خلال القرآن الكريم وما صحّ من سنة رسول الله r إلى كل من على وجه الأرض. والقرآن يتكلم شرع لكم من الدين أي اختار لكم سبحانه وتعالىما اختاره لكل الأمم السابقة فدين الله واحد وكلمة الدين واحد. وكلمة الدين يعني الشرع وشرع الله الذي لم يتغير ولن يتغير والذي يتغير الديانات أو الرسالات وقلنا اليهودية ديانة دينها الإسلام والنصرانية ديانة دينها الإسلام، فالدين واحد لأن الله تبارك وتعالى واحد. ومن ثمّ فدين كل الأنبياء والمرسلين الإسلام من عهد آدم إلى أن تقوم الساعة. لذلك حيما يقول تعالى (فأقم وجهك للدين حنيفاً) أي أقبل بذاتك على هذا الدين بعيداً عن كل الملل والنِحل والخرفات والبدع وكل ما يدن به كل من يدين لغير الله تبارك وتعالى. الوجه تعبيراً عن الذات فإذا سمعت قوله تعالى (كل شيء هالك إلا وجهه) أي إلا ذاته فالوجه تعبير مجازي عن الذات. والوجه في الإنسان لأنه سمة الإقبال (فأقم وجهك) أي أقم ذاتك بكل ما في بدنك لله تبارك وتعالى، لدين الله تبارك وتعالى ولذلك اسمعوا ما يقوله الرسول r وما يجب أن يقوله المسلم الحق وهو يستفتح صلاته لله تبارك وتعالى (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين) كله لله فأقم وجهك للدين حينفاً. إذا استمعنا إلى كلمة حنيفاً والحنيف في اللغة من كان في رجله إنحناء، فحنيفاً يعني في اللغة مائلاً ، بعيداً، المعنى فيه معنى لغوي ومعنى اصطلاحي استقر بعد القرآن العرب تقول الحنيف للمائل وفي الاصطلاح القرآني بمعنى المائل عن المعوج إذا مستقيم، المائل عن المائل، ما دون الله تبارك وتعالى معوجاً مائلاً فيجب أن تميل أنت عنه فالعبادة بهذه الطريقة تكون غاية الاستقامة يشرح هذا الكلام ما قاله الرسول r في حديث أخطأ الكثير في فهمه.يقول ٍ" استوصوا بالنساء، فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء ". البعض يقول المرأة خلقت من ضلع معوج، الرسول r قال أعوج. أعوج على وزن أفعل التفضيل. لو نظرنا إلى ضلع الإنسان لو كان الضلع مستقيماً لسقط القلب في الحشا فاسمعوا قول رسول الله r (المرأة خلقت من ضلع) يعني من عِوج. أفضل شيء في الضلع أنه أعوج ليؤدي وظيفته الضلع المعوج هو غاية الاستقامة في أداء الوظيفة فالرسول r يشبه المرأة بالضلع فكما يحتوي الضلع القلب والرئتين ستحتوي المرأة الرجل والبيت والأولاد وهذا مدح في النساء وقد يكون هذا العوج غاية الاستقامة كذلك كلمة حنيف مع أنها تعني الميل لكنها غاية الاستقامة لأنك تميل عن المعوج المنحرف الفاسد فهذا الحنيف أوحنيفاً هو غاية الاستقامة، أن يكون الإنسان عابداً لله حنيفاً عما دون الله بعيداً عن كل شيء غير الله تبارك وتعالى. توجيهات القرآن يريدك بها الله تبارك وتعالى قائماً لله تبارك وتعالى بعيداً عما سواه لا تعبد غيره لا تقدس غيره لا تنظر إلى غيره أنت مسلم على مراد الله أنت تفعل ما يأمرك به الله تعالى (فأقم وجهك للدين حنيفاً). (فطرت الله) جملة اعتراضية لتوضيح ما يجب عليك أن تلتزمه وأنت تقيم الوجه لله وجاءت كلمة فطرة منصوبة وهذا من أساليب القرآن التي يعلمنا الله تبارك وتعالى بها أنه إذا أردت أن تلفت الأنظار وتغري من يستمع إليك بشيء فتنصب الكلمة على اعتبار استخدام فعل (إلزم) أي أقم وجهك للدين حنيفاً والزم فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم. هناك ميثاق قديم بينك وبين الحق تبارك وتعالى وهناك إسلام من نوع متميز جداً أسلمت وأنت ما زلت نطفة في ظهر في ظهر كل أب إلى آدم. الله تبارك وتعالى ساعة قدّر الخلق أخذ من بني آدم وليس من آدم (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) الأعراف) هذا سؤال من الله تبارك وتعالى وأنت ما زلت في ظهر أبيك الذي كان في ظهر أبيه إلى عهد آدم فالكلام معناه الإسلام الحنيف قبل الخلق فأنت أسلمت ثم ولدت ومن ثم أنت مولود على الفطرة " ما من مولود يولد إلا على الفطرة فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه"هذا فعل البشر أما خلق الله فأنت مولود على الفطرة التي هي الإسلام لذا يجب أن نتدبر الآيات ونستمع إلى صحيح الحديث لنعرف من نحن ومن ربنا سبحانه وتعالى.

(وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) الأعراف) هذا سؤال يجب أن نفكر فيه جيداً لأن بعض الناس لا يفهموا هذه الشهادة التي شهدناها ونحن في الأصلاب في أصلاب أبائنا إلى آدم u. إذا وقّعنا القرآن (من بين آدم) لم يقل من آدم ولو قال من آدم تعني الذرية الأولى له (ابني آدم). (من بني آدم) أي كل من قدر الله تعالى أن يكون على قيد الحياة من عهد آدم إلى يوم القيامة وهو في عالم الذر أشهده الله تبارك وتعالى على أنه الإله الحق. بل إن هذه الشهادة تعدت إلى مسألة الإسلام له (أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ) توقيع هذه الآية (إنا كنا عن هذا غافلين) الإنسان يتصور أنه يستطيع أن يعتذر لله تبارك وتعالى (يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا) القرآن قطع هذا الكلام (بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره) ولا عذر لمخلقو يوم القيامة. مسألة الأعذار ضربنا له مثال أن الرجل الفرنسي يحتج يقول أنا فرنسي والله تعالى أنزل القرآن بالعربية وهو لا يعرف العربية لكن هذا الكلام لا يحتج به فهذا الرجل الفرنسي تعلّم علوماً كثيرة جداً ليحيا تعلم لغة الكمبيوتر وتعلم كل شيء فلماذا لم يتعلم العربية؟ فإذن لا عذر لمخلوق يوم القيامة أمام الله فما بالكم بأهل اللغة العربية وقد تخلوا عن قرآنهم وقد ابتعدوا عن دينهم وقد عاشوا بأهوائهم. ومن ثمّ فهذه هي الفطرة التي ولدت عليها فالزمها (فأقم وجهك للدين حنيفاً) فالدين القيم أن تعيش على مراد الله فيك أنت تسلم وتسلّم لله تبارك وتعالى، إسلام يتبعه إيمان وتقوى وإحسان ثم تسلّم وجهك لله تبارك وتعالى. آية الإلتزام بهذه الدرجات (يا أيها الذين آمنوا تقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) وعندنا آية تبين أن هناك من الناس من يعيش على الإسلام ولما يصل الإيمان إلى قلبه (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ (14) الحجرات) (لمّا) تنفي مع توقع حدوث الأمر المنفي. بين هذه الآية وبين (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله) يجب أن نفهم درجات العبودية لله تعالى مما ذكرنا من حديث جبريل يسأل الرسول r عن الإسلام والإيمان والإحسان. يا أيها الذين أسموا وآمنوا عليكم بالتقوى والإحسان ولا تموتون إلا وأنتم مسلّمون الوجه لله تعالى فإسلام الوجه لله أرقى أنواع ودرجات العبودية لا تخرج من بيتك إلا "بسم الله توكلت على الله ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن حسبنا الله ونعم الوكيل" إن قلت هذا قالت لك الملائكة هديت ووقيت وتنحى عنك الشيطان. أقم وجهك للدين حنيفاً والتزم فكرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم. الدين القيم أن تنيب إلى الله (منيبين إليه واتقوه) كلما تكلمنا عن الإسلام والإيمان تكلمنا عن التقوى (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) (منيبين إليه واتقوه). قول الله تعالى منيبين إليه علينا أن نفهم ما معنى منيبين؟ المعاجم اللغوية دأبت على توصيف الأوصاف لا على المعاني الدقيقة إذا قلنا أناب يعني تاب وتاب يعني أناب فطالما اختلفت الكلمتين يعني هناك فرق وطالما تغيرت الكلمة إذن لها معنى آخر. لم يقل تائبين وإنما قال منيبين. عندنا التوبة وعندنا الإنابة وفي المعجم يقولون تاب يعني رجع وأناب يعني رجع وهذا غير ممكن. الفرق بين التوبة والإنابة: توبة جاءت من (ت،و،ب) إنابة جاءت من (ن،ا،ب) لما نقول تاب يعني رجع مجرد رجوع إنما أناب أو ناب رجع إلى الله وقطع علاقته من كل ما هو دون الله تعالى لذا سمي ناب لأنه يقطع. تاب رجع من غير أن يقطع صلته وأناب قطع صلته. منيبين إليه يعني عائدين إلى الله تبارك وتعالى بعد أن كنتم على ضلالة أو على أهواء قاطعين صلتهم بكل ما عدا الله تعالى فهذه الإنابة ستكون نوعاً من الرجوع يختلف عن التوبة. فأقيموا وجوهكم منيبين إليه إذن تقطعون صلتكم بكل ما عداه وتبقى في معية الله تبارك وتعالى (منيبين إليه واتقوه) هذه تبين نوع الإنابة أنت عائد إليه قاطع صلتك بما عداه على أنك تخافه (واتقوه) وإذا أردت هذه التقوى أن تنجح (وأقيموا الصلاة) ولو أدرت أن تنجح إقامة الصلاة (ولا تكونوا من المشركين الذي فرقوا يدنهم وكانوا شيعاً كل حزب بما لديهم فرحون). أسأل الله تعالى أن نكون والمسلمين جميعاً من الذين تابوا وأنابوا مقيمي الوجوه لله تبارك وتعالى عائدين إليه قاطعين كل الصلات بكل ما عدا الله تبارك وتعالى.

الحلقة الثامنة:

تناولنا في الحلقات السابقة الآية التي اعتبرناها المحورية في حديثنا عن الدين القيم وقلنا أنها تتمحور على آية قبلها وآية بعدها (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30) الروم) هذه الآية المحورية محور كل الحلقات تتمحور على الآية السابقة عليها (بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ (29)) هذه آية تعتبر توصيفاً للداء الذي أصاب كل من ابتعد عن الدين الحق، ثم تتمحور على آية لاحقة عليها وهي قول الله تعالى (مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32)) هذه الآية تعتبر يمثابة وصف الدواء لهذا الداء الذي (بل اتبع الذين ظلموا) وقلنا أن قول الله تعالى (فأقم وجهك للدين) قلنا أن دين الله من عهد آدم إلى أن تقوم الساعة هو الإسلام وهو شرع كل الديانات التي تتابعت من عهد آدم إلى محمد r وقلنا أن الدين واحد لأن الله واحد. وأوضحنا أن الله تبارك وتعالى لم يناقش أياً من الأمم السابقة في مسألة وحدة الدين بل ناقش فيها أمة محمد r (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ) أي ما أوحينا به إليك يا محمد وقلنا أن الدين مقابل ما وصينا به نوحا وابراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين لم يقل أقيموا الأديان، الخمسة أولو العزم طلب الله تعالى منهم وبالتالي من أممهم إقامة دين واحد فقط. لسائل أن يسأل لو لم يتفرقوا في الدين فما الاختلاف بين الاسلام واليهودية والنصرانية؟ قلنا أن هذه ديانات تقوم على دين واحد وتختلف في الشرعة والمنهاج (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) إذن الذي يختلف هو الشرعة والمنهاج (ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة) يعني الدين واحد تقام عليه جميع الديانات لكن هذه الديانات تختلف في مسألة الشرعة والمنهاج. (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً) إذن نحن لسنا أمة واحدة، اليهودية، النصرانية والاسلام. الشرعة هي الشريعة تختلف من ديانة إلى أخرى والمنهاج هو الطريق الواضح البيّن في الدين فالمنهاج لكل أمة يأخذها على دين واحد (إن الدين عند الله الإسلام) وهو قوله الله تعالى (ومن يبتغ غير الاسلام ديناً فلن يقبل منه) فالدين هو الذي يقيم الله تعالى به وعليه الشرائع المتعددة فالدين واحد لأن الله واحد وقوله تعالى (وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) (ولكن) يعني أي ولكن خلقكم أكثر من أمة ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات إذن الأمم تستبق الخيرات في شرعتها ومنهاجها لكن على دين واحد. الذي يشهد أن لا إله إلا الله هذا هو الذي أقام الدين من عهد آدم إلى أن تقوم الساعة. لذلك الآية المحورية (فأقم وجهك للدين حنيفاً) إذن من يأتي من الأمم عليه أن يقيم وجهه أي يسلمه بدين واحد بشرعته ومنهاجه. لو تدبرنا الأمر في مسألة الوحدانية لله وللدين نجد أن الله تعالى يقول (إن الدين عند الله الإسلام) ونجد قوله تعالى (ومن يبتغ غير الاسلام ديناً فلن يقبل منه) نحن نشهد على ما شهد به الله تعالى (شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) هذا قرآن، هذا شرع الله تبارك وتعالى الذي شهد في بداية الخلق بوحدانيته هو الله تبارك وتعالى. شهد الله قبل أن تشهد أنت فشهادتك من باطن شهادة الله تبارك وتعالى، والملائكة شهدت كذلك وأولو العلم في كل أمة على كل شرعة وبكل منهاج شهدوا ومن ثم فحينما تشهد أنت "أشهد أن لا إله الله وأن محمداً رسول الله" قالها قبلك من شهد لا إله إلا الله وأن عيسى رسول الله، ومن شهد أن لا إله إلا الله وأن موسى رسول الله وابراهيم ونوح إلى آدم u. يجب أن نفهم مسألة الوحدانية والأُحادية لأن هناك لبس والتباس في التوحيد من حيث الوحدانية والأحادية. عندنا سورة سماها الله تعالى سورة الإخلاص (قل هو الله أحد) لم يقل واحد ذلك أن من شهد بوحدانية الله تعالى ظن أنه يستطيع من خلال هذا التوحيد الذي هو على الواحدية أن يدّعب أن هذا الإله الواحد قد رُكّب مركب من ثلاثة مثلاً هذا التركيب أخطأ من اعتقده خطأ فادحاً لأنه يقول كلاماً مردود عليه بمنطق العقل المجرد فإذا قلت هذا الكلام فأنت مخطيء في اعتقادك بألوهية هذا الإله الواحد المركب فالذي ركب أولى بالعبودية لأنه هو الذي أوجد لكننا نعبد الله الواحد الأحد لأن الواحد قد يُظن أن يكون معه أحد أما الأحد لا يوجد معه إله ولا يوجد له مركِّب.

(شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18) آل عمران) آية تقام بها وعليها شهادة التوحيد ومسألة التوحيد التبس فيها الأمر بتركيب الإله وقلنا أنه من قال أن الإله قد رُكّب أخطأ الاعتقاد لأنه كان من باب أولى أن يعبد الذي ركّب فالإله لا يركب وإنما لا بد أن يكون الفاعل المطلق لمسألة الإيجاد ومسألة الوجود. وفي مسألة الوجود نجد من يقول أن الله موجود وهذه تحتاج لتدبر لأنه لو قلت أن الله موجود فهناك من أوجده وهذا الذي أوجده أولى بالعبادة لكن هذا يريد أن يقول أن الله واجب الوجود فوجود الله تعالى يختلف عن وجودة ووجودك فهو سبحانه واجب الوجود وكثيراً ما نسمع من الموحدين القانتين خطأ في التعبير أن الله موجود (موجود إسم مفعول من الذي أوجد؟) الله تعالى وجوده بذاته سبحانه أما وجودي أنا فعن طريق موجِد فالله تبارك وتعالى هو الذي خلقنا جميعاً وجودي بفعل الله تعالى أما وجوده تعالى فبذاته لأنه صاحب الوجود في ذاته ومن ثم علينا أن نطلق هذا التعبير بدل التعبير الذي أخطأ في التعبير والتوصيف والتوقيع والفهم وعلينا أن نقول أنه تعالى واجب الوجود. فلما كان سبحانه واجب الوجود شهد هو بوحدانيته وأحاديته قبل أن يطالبنا بذلك. لهذا هذه الآية يقوم عليها الدين الحق (شهد الله) التوقيع والتعبير القرآني (شهد الله أنه لا إله إلا هو) ثم شهدت الملائكة بهذه الشهادة التي شهدها الله تعالى، وأولو العلم أي أصحاب التدبر والتعقل والإيمان وذكرنا سابقاً درجات الإدراك وقلنا أي قضية تحتاج أربع درجات في علمها واستبعدنا الجهل أنه ليس في مسألة العلم وإنما نضعه في التدبر. عندما يقول تعالى أولو العلم إذن قلنا العلم والشك والظن والوهم درجات الإدراك وقلنا العلم إدراك اليقين، الشك هو تساوي العلم والجهل، الظن إدراك الطرف الراجح، الوهم إدراك الطرف المرجوح. أولو العلم أي أصحاب اليقين في الله الذين أدركوا حقيقة هذا الإله الحق فسلموا وشهدوا. أثبت الله تعالى أنهم أولو العلم وفي بعض الآيات أطلق الله تعالى عليهم نسبة الظن في إدراكهم لقضية على وجهها الصحيح (فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرأوا كتابيه إني ظننت أني ملاق حسابيه) هذا الذي تناول الكتاب بيمينه يوم القيامة هو باليقين قد أدرك الحقيقة في الإيمان بالله تعالى فلماذا لم يقل إني علمت أني ملاق حسابيه؟ هو علم لكنه لم يقل إني علمت أني ملاق حسابيه هو مع أنه علم وأدرك لا يستطيع في حضرة علام الغيوب أن يقول علمت فاختار الله تعالى أقرب نسبة من نسب الإدراك للعلم فالظن هنا إدراك اليقين في العلم فقال إني ظننت أني ملاق حسابيه وهناك آيات كثيرة فيها الظن بمعنى العلم. لذلك شهد الله أنه لا إله هو والملائكة وأولو العلم أي من الأمم كلها من عهد آدم إلى أن تقوم الساعة قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم هذا هو مضمون الشهادة. (والملائكة وأولو العلم) جملة اعتراضية و(قائماً بالقسط) مضافة على الشهادة والله تعالى أدخل من شهد له من خلقه وهم أصحاب التمييز أصحاب العقول وأصحاب التدبر (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائماً بالقسك لا إله إلا هو ) هذه آية يعلن فيها الله تعالى مسألأة إطلاق شهادة التوحيد المطالب بها كل من خُلٌِ لله تبراك وتعالى وله العقل الذي يميز فقال (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأول العلم قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم) ثم (إن الدين عند الله الإسلام) كأن شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وأن عيسى رسول الله وأن ابراهيم رسول الله وأن نوحاً رسول الله إلى آدم شهادة تقوم على دين واحد (إن الدين عند الله الإسلام) مسألة لا يمكن أن تناقش وهي وحدانية الله ووحدانية الدين، وحدانية الله على أحاديته ووحدانية الدين الدين واحد تتعدد عليه الديانات والأمم (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) لكل جعلنا شريعة وطريق واضح هو هذا الدين الذي هو الإسلام. وفي نفس السورة (ومن يبتغ غير الاسلام ديناً فلن يقبل منه) أسأل الله تعالى أن نكون من الموحدين بحق العارفين له بصدق الشاهدين له ولكل أنبيائه ورسله وعلى رأسهم محمد r.

الحلقة التاسعة:

(شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم) آية تُعلِّم كل من دان لله تبارك وتعالى بالاسلام كنه شهادته التي أعلنها ساعة إسلامه وساعة إيمانه وساعة تقواه وإحسانه وساعة أن سلّم الوجه لله تبارك وتعالى. في الحقيقة موضوع العقيدة وموضوع التوحيد من أصعب الموضوعات في العرض والتلقي ذلك أننا يجب علينا في كل ما نفعله وما نعمله وما ندين به أن يكون لب العقيدة هو إعلان التوحيد لله تبارك وتعالى وإفراده سبحانه وتعالى بالعبادة بعيداً عن كل البدع وبعيداً عن كل ما ابتدعه الناس في مختلف العصور حتى عصرنا هذا جرياً على سنة محمد r. والآيات التي نعرضها في معرض الحديث عن هذه القضية التي أسأل الله تبارك وتعالى أن يجليها لنا حيث نستعرض آيات القرآن الدالة على حقيقة هذه المسألة. فساعة أسمع (فأقم وجهك للدين حنيفاً) لا بد أن أعرف أن هناك مسألة من مسائل هذا الدين الحق يجب أن أقف عليها ويجب أن أعتقدها ويجب أن أعمل كل ما أعمل وهي تدور حول كل الأعمال اعتقاداً بها وتسليماً لها. ساعة يقول الله تبارك وتعالى (فأقم وجهك للدين حنيفاً) هذا هو التوجيه الذي انصب عليه مسألأة العقيدة وساعة يقول تعالى (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم) مسألة يجب أن يكون القلب قانعاً بها معتقداً لها في كل خطوة في كل حدث يمر علينا يجب أن أذكر نفسي بهذه الشهادة التي أعلنتها وأنا في عالم الذر (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ). الله تبارك وتعالى يقيم هذه الشهادة التي شهد بها هو أولاً ثم الملائكة ثم أولو العلم (مسألة العلم فاصلة في سورة الروم) أولو العلم هم الذين تعلموا وعملوا حقيقة التوحيد، شهدوا أنه لا إله إلا هو العزيز الحكيم وأي نبي من كل عصر من العصور رسول الله وعندنا (محمد رسول الله). عندما يقول (لا إله إلا هو العزيز الحكيم) هذه آية تليها آية كما أقام هو الشهادة كعقيدة وكمبدأ لا يختلف على مر العصور من عهد آدم إلى أن تقوم الساعة الآية التي تلي الشهادة والتي يقيم عليها تعالى الشهادة (إن الدين عند الله الاسلام) مسألة لا تقبل التأويل ولا التفسير. (إن الدين عند الله إلاسلام) قضية من قضايا التوحيد أقيمت على هذه الحقيقة. إن الدين، إن الملة، إن الشرع، إن الطاعة، هذه كلها معاني الدين على اختلاف أراء المفسرين لكن هذه المعاني كلها تقوم على حقيقة الإسلام والتسليم لله (إن الدين عند الله الاسلام). (شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18) إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ (19)) هل (إن الدين عند الله الإسلام) تابعة للشهادة؟ الحق تبارك وتعالى يقول (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً) لكن نحن ساعة نقلِّب في القرآن ونبحث فيه عن حقيقة كحقيقة التوحيد أو حقيقة التدين لله تعالى نجد أن الآيات على اختلاف السور باختلاف الأحداث التي نزلت لها وبها يُسلِّم بعضها بعضاً في التسليم. في الروم (فأقم وجهك للدين حنيفاً) ما الدين؟ (إن الدين عند الله الاسلام) يبين الله تعالى لنا لماذا اختلفوا ومتى اختلفوا (وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ) اختلفوا في مسألة الدين ومن باب أولى مسألة التوحيد. الآية (شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18) إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ (19)) هل (إن الدين عند الله الإسلام) هي حقيقة التوحيد أو هي مضمون الشهادة؟ في الحالين من يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً أو موسى أو عيسى إلى آدم رسول الله عليه أن يعلم أن الدين عند الله الإسلام ثم يبين الله تبارك وتعالى حقيقة في الحقيقة النفس تشتاق لمعرفتها لماذا اختلف الناس؟ ومتى اختلفوا؟ وعلى ما حدث الاختلاف؟ ما هي الأسس التي أقيم عليها الاختلاف؟ الأسس هنا تختلف عن أساس الدين الحق ولذلك (وما اختلف الذين اوتوا الكتاب) الكتاب هنا أي جنس الكتاب يشمل كل الكتب المنزلة التوراة، الانجيل، القرآن اختلفوا (وما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم) بغياً بينهم وليس حقاً. بغياً مفعول لأجله أي أن اختلافهم ما كان على حقيقة أو صحيح بحث فقد يختلف الباحثون لكنهم قد يكونوا على الحق يختلفوا في مفهوم التلقي لكن لا يختلفوا في أساس التلقي أو أساس العقيدة. الطريقة تختلف لكن لا يختلف الموحد مع موحد غيره الطريقة تختلف ولكن التوحيد واحد والله عند الجميع هو الله تبارك وتعالى لكن عندما يختلف أهل الأهواء، أهل البدع، أهل المصلحة يكون بغياً بينهم.

(شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18) إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ (19)) يوضح الله تبارك وتعالى حقيقة التوحيد وحقيقة الأهواء، حقيقة البعد عن الله تعالى، حقيقة الشرك، الكفر، النفاق وكل من خالف الدين الحق. لذلك إذا أردنا أن نقف على التوصيف الدقيق لحقيقة ما حدث في وقع الآية التي تسبق آية المحور (فأقم وجهك للدين حنيفاً) تسمع قوله تعالى (بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم) كلمة (بل) تدل على أن هناك أموراً قد حدثت طالب الله تعالى فيها كل الخلق باتباع منهج معين إلا أنهم ضلوا الطريق وسر هذا الضلال (بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم) نبدأ بهذه الآية البحث عن هذه بداية المسألة. نحن في الحلقات السابقة قد أصّلنا أصول العقيدة وعرّفنا إتجاهات التوحيد، الإتجاه الحق والصراط المستقيم ومسألة عرض الدين الحق على المسلمين أخذاً بقوله تعالى (آمن الرسول بما أنزل إليه والمؤمنون) وأخذاً بإرسال الله تبارك وتعالى جبريل u يعرض بسؤال الرسول على المسلمين الدين الحق، علينا الآن أن نضع أيدينا على أول القضية علينا أن نقف على حقيقة الأمر. الآية المحورية أخذناها وقلنا قبلها آية وبعدها آية، الآية قبلها يخبرنا تعالى (بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم) إذن قبل (بل) هناك مسائل حدثت وأمور حدثت بدليل أنه يجدد تعالى (فأقم وجهك للدين) موجهاً الحديث إلى رسول الله r فإذا بحثت المسألة ورجعنا آية آية وصلت إلى الآية 26 من سورة الروم (وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ) علينا أن نتعلم كيف نتدبر القرآن. الآية تستعرض أولو العلم يعني إذا تدبرنا المسألة من بدايتها (وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ) لما أسمع (وله من في السموات والأرض) استعرضنا آيات كثيرة ونحن نبحث عن التحقيق في مسألة العقيدة (يسبح لله ما في السموات) باستعمال (ما) التي تشمل كل (ما) في الوجود. (من) لا تكون إلا للعاقل فلماذا اقتصرت آية الروم على (من) ولم تشمل (ما)؟. ساعة يقول الله تبارك وتعالى (من في السموات) حرف (من) التي تعني العاقل الذي له عقل يتدبر به يتصرف ويؤمن نتذكر (شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ). بعد (من) عندنا السموات والأرض، من في السموات هم (الملائكة) ومن في الأرض (أولو العلم وغيرهم) ولكنه يقول (كلٌ) وأولو العلم جزء منهم وهم شهدوا مع الملائكة بعد شهادة الله بوحدانيته أنه لا إله إلا هو وشهدوا أن الدين عند الله الإسلام. والذين لم يشهدوا هذا الكلام فيقول تعالى (كلٌ له قانتون) تشمل أصحاب العقل والوعي والإدراك الصحيح الذين هم أولو العلم وتشمل من هم يختلفون معهم في هذه المسألة يعني كل من في السموات والأرض له. (له) سبحانه وتعالى تعني ماذا؟ هل تعني الطاعة كما شرحها البعض أم تعني الخضوع والانقياد إما بإرادتك وإما رغماً عنك؟ الآية تقول (وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ) الاختلاف بين أهل العلم وأهل التفسير وأهل اللغة في كلمة قانتون فمنهم من تسرع حباً وطاعة وانقياداً لله تعالى فقال قانتون يعني طائعون، هذا المعنى ليس صحيحاً الكل ليس طائعاً وإنما الكل خاضع إما بالإسلام وإما بالانقياد. هذه الآية توقعها آية في منتهى الإبداع الإلهي وفي منتهى الإبداع اللغوي والصياغة (أَفَغَيْرَ دِينِ اللّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (83) آل عمران) قد يبحث أحد عن الحقيقة ليُسلِم ويسأل ثم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً روسل الله (وفي العصور السابقة أن موسى رسول الله، أن عيسى رسول الله إلى آدم u) لكن هناك يرى الحقيقة لكنه يقول الله ثلاثة، الله معه شريك، لا أؤمن به، الكفر الشرك النفاق ومن آيات الله في الكون هذا المنافق لأنه يعلم الحقيقة ولا يدين بها فهو يظهر شيئاً ويبطن آخر. الآية تقول (وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ) توقيع هذه الآية لنفهم معنى قانتون هي خاضعون منهم أناس بإرادتهم ومنهم رغماً عنهم فالكافر والمشرك والمنافق أسلم رغماً عنه وهذا إسلام الكَرْه والمسلمون الطائعون المتقون هؤلاء أسلموا طوعاً ولذلك يقول تعالى (وله أسلم من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً) طوعاً وكرهاً تفسر قانتون. ما معنى أسلم طوعاً أو أسلم كرهاً؟ هذا ما نبحثه في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى. أسأل الله تعالى أن يجعلنا من أهل تدبر هذا الكتاب وهذه الآيات إنه ولي ذلك والقادر عليه.

الحلقة العاشرة:

في اللقاء السابق تعرضنا لقول الله تبارك وتعالى (وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ (26) الروم) ووقّعنا هذا المعنى بقولالحق تبارك وتعالى (أَفَغَيْرَ دِينِ اللّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (83) آل عمران) هذا التوقيع الذي يجب أن نقف اليوم على مراد الله تبارك وتعالى فيه من حيث طواعية الإسلام الذي يدين به كل من أسلم لله تبارك وتعالى بإرادته ثم قوله تعالى (وكرهاً) أي ذلك الذي يخضع لله تبارك وتعالى رغم كفره وشركه ونفاقه لكنه يخضع لله تبارك وتعالى حقيقة. فما المراد من قوله تعالى (وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) التي توقع قول الله تعالى (وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ) وقلنا أخطأ من شرح قانتون أنها طائعون وقلنا قانتون تعني خاضعون منقادون إما بإرادتهم أو رغماً عنهم. تخيل رجل لا يوحد الله تعالى، غير مسلم هل يستطيع أن يخرج من بيته ليفعل فعلاً لم يكتبه الله تعالى عليه؟ إيانا أن ننسى ونحن ما زلنا في بطن أمهاتنا لا نتعدى 120 يوم يُرسل الملك ويؤمر بأربع كلمات رزقه وأجله وعمله، شقي أو سعيد، وذكرنا أنه من يدعي أنه يعرف الغيب بأنه يعرف بجهاز السونار نوع الجنين وقلنا أن هؤلاء يعرفون من في الأرحام والله تعالى يعلم (ما) في الأرحام. فرق كبير بين أن تقول ذكر أو أنثى وأن تقول رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد هذه الأربعة يجمعها (ما في الأرحام) والأطباء بواسطة الجهاز يعرفون (من في الأرحام) ذكر أو أنثى. إذن لا يستطيع مخلوق لله مهما كان دينه أن يفعل شيئاً لم يكتبه الله تبارك وتعالى وإلا فليدفع عن نفسه المرض أو يرد ملك الموت ساعة يأتيه. هذا القسم بالكامل هو إسلام الكراهية لمن لم يُسلم لله تبارك وتعالى طواعية (وله من في السموات والأرض كل له قانتون) شرحها بنص كلام الله تبارك وتعالى (أفغير دين الله يبغون وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا) التوقيع مبدع لأننا اختلفنا في مسألة قانتون ولكن يحددها قوله تعالى (طوعاً أو كرهاً) الذي أسلم طوعاً هو الذي دان بالإسلام بإرادته شهد أن لا إله إلا الله وأن أي نبي في أي عصر هو رسول الله وفي ديننا وفي الاسلام الحق أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله إذا أسلمت بهذه الطريقة فأنت أسلمت طواعية لله، وإذا أشركت بالله أو كفرت بالله فأنت مسلم كرهاً أنت كافر توصيفاً ولكن حقيقة أنك مسلم بأبسط دليل أن لا تستطيع أن ترفض المرض أو ترد الموت ولذلك فأنت تدين لله رغماً عنك. (له ما في السموات والأرض كل له قانتون) أي منقادون، هذه الآية هي بادرة إظهار الدين القيّم، الدين الحنيف، الدين الحق الذي يجب أن يدينه كل مخلوق لله تبارك وتعالى طوعاً فإن لم تدين لله طوعاً فستدين لله كرهاً. المشرك والكافر يظن أنه يفعل ما يشاء لكنه في الحقيقة يفعل ما كتبه الله عليه ويدين بالإسلام ولكن كراهية رغماً عنه ولذلك أذل الله أعناق كل من أشرك وكفر به بالموت، وفي تحد عجيب الله تبارك وتعالى أخضع الرقاب له بالموت، الموت ذلك الفراش الذي لا يفر منه صغير ولا كبير، غني ولا فقير لا يستطيع مخلوق إذا أتت ساعته أو حان أجله أن يرفض الموت ولنا في موسى u آية في هذه النقطة بالذات، جاءه ملك الموت فرفض موسى الموت فعاد الملك إلى ربه وقال إن موسى يرفض الموت فقال الله للملك إذهب إليه وليضع يده على جلد ثور وعلى عدد الشعرات التي يمسها بيده له سنين حياة فعاد الملك إذا موسى وأخبره فقال موسى ثم ماذا؟ قال الموت، قال إذن الآن. الموت قهر الله تعالى به رقاب العباد جميعاً من دان له طوعاً وكرهاً لكنه آية من آيات الله تبارك وتعالى فيمن أشركوا وكفروا لأنهم لم ولن يستطيعوا أن يؤجلوا هذه الساعة لأنك لو تدبرت قد كتبها الله تبارك وتعالى بإرادته قبل أن تولد أنت، الملك جاءك قبل أن تولد وعمرك 120 يوماً ويكتب الرزق والأجل (يكتب الأجل قبل أن تولد) لذلك توقيع الحديث في القرآن توقيع مبدع فالناس تتصور أن الحياة خلقت ثم الموت لأن الموت يأتي على الحياة  لكن الموت مخلوق قبل الحياة بدليل قوله تعالى (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2) الملك ) فالموت مخلوق قبل الحياة يتربص بكل مخلوق ليكون إسلام الكراهية مسبوق على إسلام الطواعية فإن شئت فليكن هذا الدين القيم هو دينك لله تبارك وتعالى، أسلِم طواعية من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله.

(أَفَغَيْرَ دِينِ اللّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) هذا سؤال من الله تبارك وتعالى يا من أردت ديناً غير دين الله الحق ويا من اتبعت الأهواء والبدع (بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وما لهم من ناصرين) هذا السؤال توقيعه (أفغير دين الله يبغون) هذا الدين الذي فطرك الله عليه والذي أخذ الله من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ونحن في عالم الذر قبل أن نولد أنت شهدت بوحدانية الله تبارك وتعالى وخضوعك لله تبارك وتعالى وهذه الشهادة تتبلور إما طوعاً وإما كرهاً وهذا معنى قوله تعالى (وله أسلم من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً). هذا الإسلام كان قبل ميلادك وبعد ميلادك ستكون أحد أمرين إما أن تسلم طواعية تشهد أن لا إله إلا الله وتشهد أن الرسول الذي أرسل على عصرك هو رسول الله، طوعاً أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وأن عيسى رسول الله وأن موسى رسول الله ، كرهاً أنت تتوقع أن تعيش على هواك (بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وما لهم من ناصرين) لكنك مسلم لله كرهاً لأن الله تعالى كتب هذا عنده في الأزل. ومن ثمّ فدين الله تعالى هو الإسلام إما طوعاً وإما كرهاً. أنت انفلت في الدنيا وعشت على هواك وبعدت عن الاسلام (وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) إعمل ما شئت ولكنك ستعود لله تبارك وتعالى في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون. الأهواء جاءت من المال والبنين غالباً ولذلك في سورة الروم يقول تعالى (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (43)) ساعة يأتيك ملك الموت أو ساعة القيامة لا مردّ لك من الله ولن تلحق لا أن تُسلم ولا تؤمن ولا تتقي لأن هذه المسألأة تحتاج إلى وقت وساعة يأتيك الموت التعبير القرآني مبدع في (وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ (19) ق) سيظهر لك الحق وستبدو لك الحقيقة كاملة أنت عشت على هواك وفعلت ما شئت وتمردت لكنك إن تمردت على أمور أنت واهم فيها لن تستطيع أن تتمرد على الموت. لننظر إلى توقيع الآية (أَفَغَيْرَ دِينِ اللّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) (قُلْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا) قل يا محمد آمنا بالله وما أنول علينا نحن لا نؤمن بأهواء ولكننا نؤمن بما أنزله الله تبارك وتعالى، هذا التوقيع للإسلام الحق. الخطاب (قل) بالمفرد قل يا محمد لكون الرسول زعيم هذه الأمة ورسولها (آمنا) الخطاب للأمة. (قُلْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (84) آل عمران) الآية شملت كل الأنبياء والرسل للعرب وغير العرب واختلفوا عليهم اليهود أرادوا أن الرسالة تبقى فيهم ولكن هذا مراد الله تبارك وتعالى (قُلْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (84) آل عمران) انظروا إلى الترتيب واستعراض الأنبياء والمرسلين في الآية، لذلك هذه الآية تذكرنا بآية خواتيم البقرة وليس عندا تمييز بين الرسل وقلنا لا يصح إسلامك بمحمد r وقد كفرت بعيسى أو بموسى (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) البقرة) (آية البقرة قال فيها إلينا وفي آل عمران قال علينا)، (لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ) هذه خواتيم البقرة وفي آل عمران قال (قُلْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ) المسلم الحق في دين لله على عهد محمد r الذي جاء خاتماً للأنبياء والمرسلين فالذي يؤمن به يجب أن يكون مؤمناً بكل الأنبياء والمرسلين إلأى عهد آدم u. (ونحن له مسلمون) هذا القول الذي أنزله الله تعالى إلى رسول الله r ليعلمنا كيف ندين بالإسلام ولذلك هذه الآية (84) في آل عمران وتوقيعها الآية (85) ونحن له مسلمون ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه قولاً واحداً والإسلام دين شرع الله من عهد آدم إلى محمد r وهناك فرق كبير بين الإسلام كدين والإسلام ديانة ) الإسلام كدين هو شرع الديانات كلها بما فيها الإسلام ديانة أما الإسلام ديانة فهو شرعة محمد r. (ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) هذا الذي ضيع وقته في الشرك والكفر والبدع والأهواء. أحذر نفسي وإياكم من الوقوع في الشرك الخفي الذي قد يحدث من الواحد منا دون أن يدري أن يدعو مع الله أحداً أو يشرك مع الله أحداً يجب أن نفهم الآيات حتى نوقع الآيات بأعمالنا في الإسلام. الله تبارك وتعالى يقول (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ) (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ) وبينهما (قُلْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (84) آل عمران) (ومن يبتغ غير الاسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) أسأل الله تبارك وتعالى أن نكون في الدنيا والآخرة من المفلحين، من المتقين الذين كانوا يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

الحلقة 11:

(إن الدين عند الله الإسلام) قاعدة قرآنية يدور حولها القرآن ويدور حولها الدين القيّم بكل ما في الآيات من معاني (ومن يبتغ غير الاسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) آيات تُجمِع على أن من أسلم لله تبارك وتعالى فله الجنة ومن اتّبع الأهواء والبِدع والأفكار الساذجة التي لا يمكن أن يقرها عقل مسلم لله تبارك وتعالى فهو في الآخرة من الخاسرين. (ومن يبتغ) أي يريد يبحث يتخذ غير الاسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين. عشنا مع آية سورة الروم (وله من في السموات والأرض كل له قانتون) ووقعناها بآيات كثيرة في القرآن ووقعناها بقوله تعالى (وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) بعد أن سأل تعالى (أفغير دين الله يبغون) وقلنا قانتون أي خاضعون إما بإرادتهم وإما رغماً عنه. ثم يقول تعالى توصيفاً وتعريفاً لله تبارك وتعالى يعني هذا الإله الذي يخضع له الكل بإرادتهم أو رغماً عنهم (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم) آية تالية لآية الخضوع التي في سورة الروم التي فيها (فأقم وجهك للدين القيم) الآية المحورية. يقول تعالى في هذه الآية (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه) فهل في القضية (قضية الخلق) الله تعالى أثبت الخلق لنفسه ولغيره من خلقه، الله يخلق وأن وأنت لنا خلق، يجب أن نفهم القرآن ونفهم الاشتراك اللفظي لبعض الكلمات، عندما نقول خلق ينصرف الذهن لله تبارك وتعالى وهذا حق لكن ساعة نسمع (فتبارك الله أحسن الخالقين) كلمة أحسن الخالقين إذن يوجد خالقون، الله يخلق وخلقه يخلق فهل هذا الخلق كذاك؟ عند هذه النقطة سنسمع من يقول أن الله يخلق من عدم هذه كلمة غير منضبطة لأنه لما نقول الله فلا عدم وهو واجب الوجود لكن أنت تقصد أنه يخلق سبحانه وتعالى من لا شيء في الوجود فإذا تجبرنا كلمة العدم فأي عدم والله يقول (وبدأ خلق الإنسان من طين) الطين ليس عدماً وإنما شيء لكنه ليس آدم وسيتحول بعد ذلك إلى آدم. إذا كانت كلمة الله فلا عدم، الله إذا ذُكر فالوجود كله لله تبارك وتعالى. ولنسمع قوله تعالى (إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون) كلمة يقول له تعني أن الشيء موجود هو ليس موجوداً بالنسبة لإدراكنا نحن (كلمة يكون أي يظهره له) فالشيء أساساً موجود لأن إرادة الله تعالى أزلية وساعة خلق الله تعالى آدم خلقه من لا شيء في الكمال الخلقي لكن الطين موجود لأنه تعالى خلق الطين قبل أن يوجِد آدم، الله واجب الوجود. (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه) فهل في قضية الخلق إذا كانت لله تبارك وتعالى مسألة أهون هي على مفهومها الحقيقة أو مفهومنا نحن؟ الله تعالى يعرض آياته على مفهومنا نحن لأن السائد عند الناس أن الإعادة أسهل من الإيجاد لأول مرة هذا بالمنطق البشري، لكن بمنطق القرآن المنطق الحق إياك أن تدير فهمك عن الله قياساً بفهمك على نفسك. إذا كانت هناك صفة تطلق لله تبارك وتعالى ونفس الصفة تطلق لنا نحن البشر فهل تقاس الصفة في حق الله بمقياسها في حق البشر؟ يستحيل أن يكون مفهوم الصفة في حق الله بمقياسها في حق البشر، أنت تسمع والله يرى وأنت ترى والله يرى والقرآن وصف الله تعالى بالسمع والرؤية لكن هل سمع الله تبارك وتعالى كسمعي؟ حاشاه! هذا مستحيل. هذه المسألأة تظهر ونضرب لها مثالين: في وقعة الإسراء والعروج والله تعالى يعرض قضية الإسراء لأنه منذ حدثت هذه الواقعة حتى الآن نجادل فيها وبعض الناس لا يتخيلها والله تبارك وتعالى في التوقيع القرآني لهذه الحادثة الإسراء عبّر بمدلول في منتهى الإبداع اللغوي، عندنا في القرآن سبح باسم ربك الأعلى، يسبح لله ما في السموات، لكن في الإسراء استخدم المصدر (سبحان الذي أسرى) كأني بالله تعالى في مطلع سورة الإسراء يقول لن يستطيع مخلوق لله تبارك وتعالى أن يسبح الله تعالى في هذه الواقعة أة الحادثة فسبح هو نفسه فقال (سبحان الذي أسرى)، أنت لن تستطيع أن تسبحه في هذه الحادثة لأن عقلك لا يستوعبها فسبح تعالى نفسه فقال (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله) تمت هذه الواقعة لنريه من آياتنا (لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير) أثبت لنفسه السمع والبصر كما أثبت لك السمع والبصر فهل سمعنا نحن كسمع الله تبارك وتعالى؟ استحالة أن تستوي هذه الفصة ساعة تكون في حق الله بالصفة التي في حقنا.

قلنا أنه يستحيل أن تستوي الصفة التي هي لله مع صفة هي لنا في المعنى، فالسمع أثبته تعالى لذاته ولنا. في سورة المجادلة (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتستكي إلى الله والله يسمع تحاوركما) السيدة عائشة تشرح لنا اختلاف معنى السمع في حق الله عن معنى اسلمع في حقنا لأنها حضرت وقعة المجادلة، خولة بنت ثعلبة جاءت إلى رسول الله r تشتكي زوجها أوس بن الصامت الذي طلب أن يجامعها قبل أذان العصر فقالت له انتظر حتى نصلي العصر فانفعل عليها وقال لها أنت عليّ كظهر أمي، أذّن العصر فصلّت المرأة وطلبها زوجها فقالت قد ظاهرت مني فذهبت إلى رسول الله r فقالت له ما حدث بينها وبين زوجها فقال r ما أراك إلا قد حرُمت عليه، الظهار يحرم المرأة على زوجها حت تلك اللحظة، والرسول r ما عنده تشريع، فتقول المرأة مبررات العودة إن لي منه أولاداً إن ضممتهم إليه ضاعوا وإن ضممتهم إلي جاعوا فقال r ما أراك إلا قد حرمت عليه، فالتفتت المرأة فشكت إلى الله تعالى حاجتها فأنزل الله تعالى قرآنا يحتوي تشريعاً ويعدّل التشريع القائم في مسألة الظهار. لما سمعت عائشة قول الحق قالت تبارك سمع الله والله لقد كنت بجوار رسول الله r والمرأة تشتكي لرسول الله ما سمعتها ماذا تقول لمحمد r وسمعها الله من فوق السبع الطباق، إذن شتان في توقيع معنى الصفة إذا كانت لله تعالى ولنا. إذا استمعت لقول الله تعالى (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه) إياك أن تفهم أن مسألة أهون بقياسها على قدرة الله وإنما هي بقياسها على مفهومنا نحن والله تعالى يقرّب المعنى ويقرّب الفهم للأذهان فيقول بمنطقكم أنتم أيهما أهون إعادة الخلق أم بدايته؟ أنت اقتنعت سواء آمنت بالله تبارك وتعالى وأسلمت له إسلام الطوع أو أسلمت له دون إيمان إسلام الكره الاثنان لم يتسرب إليهم الشك في قضية الخلق لأن خلق الإنسان وخلق السموات وخلق الأرض لم يدّعي أحد أنه فعلها فأنت سلّمت بالخلق الأول لكن العجيب أن الكل إما يجادل في البعث وإما يتناسى البعث. الذي يأتي المعاصي لم يستحضر الحساب ولم يستحضر الوقوف بين يدي الله سبحانه وتعالى وأغلب أهل العلم قالوا إذا استحضر الإنسان ساعة الحساب أو ساعة لقاء الله لا يُقدِم على المعصية لكن المشكلة أن الشيطان ينجح في أن ينسيك (مالك يوم الدين) التي نقرأها في اليوم 17 مرة في الفرائض فقط دون النوافل لكن ساعة يأتي المعصية استحالة أن يكون استحضرها أو وقّعها في قلبه، هذا الذي يأتي المعاصي أياً كانت لو استحضر العقوبة لا يمكن أبداً أن يكون استحضر العقوبة لأنه لو استحضر العقوبة لم يقع في المعصية لكن الكل ينسى العقوبة فيقع في المعصية بدليل أنه ساعة يقع في المعصية ينزع إلى التوبة وهذا هو سر الآية المحورية التي معنا والتي تليها (فأقم وجهك للدين حنيفاً) (منيبين إليه) الإنابة حالة أرادها الله تبارك وتعالى وقلنا أناب من ناب أي إقطع كل الطرق التي هي ما عدا طريقك لله تبارك وتعالى، فالتوبة رجوع إلى الله فابق في معيته أنت في معية الله أي مستحضر عظمة الله تبارك وتعالى وأنه الحق وأنه الخالق وأن إليه المصير والمرجع الوقوف بين يديه يوم الحساب وسمي يوم الدين لأنه يوم الحساب والجزاء على ما اعتقدت من دين فإذا اعتقدت الدين القيم فبها ونعمة وإلا (ومن يبتغ غير الاسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) فيجب أن نتدبر الآيات على مراد الله تعالى فيها وعلى معان أرادها الحق تبارك وتعالى وعش الآيات حتى تفهم (وله من في السموات والأرض) (وله أسلم من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً) (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه) ليست أسهل من حيث قدرة الله وإنما من حيث فهمنا نحن عن القدرة لا من حيث قدرة الله المطلقة. (ثم يعيده) كما بدأه (كما بدأنا أول خلق نعيده) (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده) في سورة الروم الآية 11 توقع نفس التوقيع لكن بإظهار إسم الجلالة. هنا قال (وهو) فإذا قال (وهو) كأني بالله يقول إذا قال الله (وهو) فلا يجب أن يأتي في ذهنك غير الله. (اللهُ يبدأ الخلق ثم يعيده وإليه ترجعون (11) الروم) الله تبارك وتعالى هو الذي خلقك لم يشك فيها أحد لأنه لم يدعها أحد لكن الناس إما أن استحضرتها أو لم يلتفتوا إليها، الله الذي خلقني لن يتركني هملاً وإنما يحاسبني إذن يجب أن يكون هناك منهج لافعل ولا تفعل إذن أمشي على هذا المنهج حتى أقف بين يدي الله تعالى في يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، ثم (وهو أهون عليه) ثم (وله المثل الأعلى في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم) أسأله تعالى أن يعلمنا القرآن وأن يفقهنا فيه ويجعلنا من أولئك الذين يتدبرون القرآن آناء الليل وأطراف النهار وأن يجعلنا من الذين يستمعون إلى القول فيتبعون أحسنه.

الحلقة 12:

الركن الأول من أركان العقيدة الإسلامية معرفة الله تبارك وتعالى أن يعتقد الإنسان في كنه الإله الحق وأن يعلم من هو الله سبحانه وتعالى. إن شئت فقل عن هذه النقطة هي الحقيقة الأولى في أصول الاعتقاد الصحيح ولو تذكرنا ما أصلنا به أصول الاعتقاد ما ذكره تعالى في خواتيم سورة البقرة (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285)) فأول درجات الإيمان أو أول نقطة في صحيح الإيمان أن تؤمن بالله هذه آية بنى عليها رسول الله r ما ذكره لجبريل ساعة أرسله الله تعالى ليعلم المسلمين الدين وسأله عن الإيمان والتقوى والإحسان، فلما سأله عن الإيمان معتقداً بما في أواخر سورة البقرة قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره  وشره، إذن هذا الحديث مع هذه الآية يوضح كيف نبني اعتقادنا على صحيح القرآن وعلى صحيح الحديث. الحديث الذي ذكره الرسول r بناه على الآية فمعرفة الله تبارك وتعالى الحقيقة الأولى أو النقطة الأولى في أركان العقيدة وفي اعتقاد المسلم الحق في هذا الدين القيم، معرفة الله تبارك وتعالى. الذي يجب أن نوضحه أن هذه المعرفة (معرفة الله) كلمة معرفة تُبنى على نوعين من المعارف معرفة دينية ومعرفة عقلية المعرفة الدينية تأتي بأن يهدي الله تبارك وتعالى صاحب هذا التفكير إلى أن يعرف هو بذاته الله تبارك وتعالى والمعرفة العقلية أن ينزل الله تعالى منهجاً على كل أمة يعرّفهم بذاته. لكن لو تدبرنا الأمر بتعقل المعرفة أو الهداية العقلية تسبق المعرفة أو الهداية الدينية يجب أن يكون العقل مستعداً للتلقي. الله تعالى أنزل القرآن بجميع الآيات والأحداث حتى نعلم كيف نتصرف وكيف نعيش، إبراهيم u له تجربة واعية صادقة في مسألة البحث عن الإله الحق، في مسألة إعمال العقل في رفض أن يكون الإله صنماً هذه مسألة عقلية مرفوضة عند أهل الوعي وأهل التدبر ولذلك إبراهيم u ساعة تدبر ونظر في أن قومه يعبدون الأصنام، كيف أعبد أصناماً؟ واسمعوا ما أنزله تعالى كيف رفض إبراهيم هذه الفكرة وعلام أسس هذا التفكير فقال (هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون) هذه أسئلة منطقية، هذه الأصنام التي تعبدونها هل أمرتكم بشيء أو نهتكم عن شيء؟ لم تأمر ولم تنهى فكيف أعبدها؟ هل أعبدها على مرادي أنا في العبودية. والعبودية علاقة بين المعبود والعباد فكيف تمضي هذه العلاقة وكيف يعيش صاحبها؟ على مراد المعبود أم على هوى العابد؟ إذا قلت على مراد المعبود إذن من خلال منهج وهذا المنهج لا بد له من عقل يتلقاها ومن ثمّ قدمنا الهداية أو المعرفة العقلية على المعرفة الدينية. لكن في كل الحالات ستمضي العلاقة على مراد المعبود سبحانه وتعالى ومن ثمّ أسس إبراهيم u هذه الفكرة وقال (هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم او يضرون) هذا سؤال إبراهيم فاسمعوا الإجابة من هؤلاء المختلون عقلياً من هذا الذي يعبد صنماً صنعه بيد (قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون) اي منطق هذا؟! للأسف وقبل أن نسترسل في آيات سورة الأنعام والشعراء التي تحكي لنا قصة إبراهيم u ونحن نحقق المعرفة العقلية والدينية أقول للأسف الشديد هذه الكلمات نسمعها من الذين ابتدعوا بأيديهم بدعاً ما أنزل الله بها من سلطان وإذا سألتهم من أين جئتم بهذا؟ يقولون هذه عادات تعودنا عليها وقِس على ذلك كل البدع من الموالد والأفراح والاحتفالات لم تحدث في عهد الرسول r ولا الصحابة ولا التابعين. يجب أن نركز على كلمة يجب أن نرفعها من قاموس المسلمين (بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون) (هذا ما وجدنا عليه آباءنا) هذا كلام مردود عليه بالمنطق وبالعقب، المعرفة العقلية المثال فيها ما حدث من إبراهيم u ساعة رفض بمنطقه هو وقبل أن يعرفه الله تبارك وتعالى نفسه فخرج يبحث في ملكوت الله تبارك وتعالى عن الإله الحق. لو تدبرنا آية الروم التي وقفنا عليها في الآية السابقة وهي التي فتحت لنا الباب إلى هذا الطريق اليوم (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده) هذه الآية عمدة في المعرفة العقلية لأنه لما يقول (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده) وقبلها في الآية 11 في سورة الروم يقول (الله الذي يبدأ الخلق) تعرفك الإله الحق وما قدمه هذا الإله الحق لخلقه أنه خلقهم لكن ماذا قدمت هذه الأصنام التي تُعبد من دون الله تبارك وتعالى؟ وكلمة الأصنام الناس تتصور أن الصنم يُصنع أو يُعبد وأقول بيقين أن حب المال صنم يُعبد من دون الله واتباع الشهوات صنم يُعبد من دون الله. موضوع الدين القيم اخترناه لنؤسس ديننا على مراد الله فينا. خرج إبراهيم u يبحث عن الإله الحق وانظروا ساعة تتحقق المعرفة العقلية بهداية الله تبارك وتعالى (فلما جن عليه الليل) إبراهيم u يبحث جنّ عليه الليل وفي ظلمة الليل الدامس ظهر الكوكب فقال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين. (فلما أفل) أفل أي غاب بعد أن كان ساطعاً في ظلمة الليل غاب لما طلعت الشمس. (قال لا أحب الآفلين) هذا تعبير قرآني مبدع يعني الإله الحق لا يتغير، إذا ظهر فهو ظاهر وإذا كان غيباً مستوراً عن الأعين فهذا هو شأنه لكن لا يصح أن يتغير الإله لأنه لو تغيّر فمُغيّره أولى بالعبادة ولذلك قال إبرايهم بذكاء الباحث (لا أحب الآفلين). (فلما رأى القمر بازغاً) كلمة بازغاً لها وقع عندما نتلقى القرآن وهي تدل على أول ظهوره وهذه تدل على أن إبراهيم r كان يبحث بشغف ويبحث بعقلية صافية من ساعة ما بزغ القمر قال هذا ربي (فلما أفل) تكرار الألفاظ تدل على أن إبراهيم يبحث بمنهجية. (لا أحب الآفلين) هذا منهج، إبراهيم لا يعجبه الأصنام ومتأكد أنها لا يمكن لأن تكون هي الإله الحق من مسألة صنعها بالأيدي ومسألة أنها أكثر من صنم القواعد ثابتة عند إبراهيم في المعرفة العقلية بهداية الإله الحق ومن ثمّ إذا تدبرنا الآيت (وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض) هذه آية سابقة في سورة الأنعام على الآيات التي نستشهد بها. الإراءة هنا في (نري) ليست رؤية ذاتية مطلقة من إبراهيم لكنها بهداية الإله الحق له دون أن يُعرّفه نفسه ولذلك في الآيات في سورة الروم (فمن يهدي من أضل الله) هذه قاعدة إذن الهداية من الله تعالى لذلك في محكم التنزيل لنبي الإسلام محمد r الذي أرسله الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله هذه قاعدة ولكن القاعدة الأَوْلى (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء) .فالهداية المطلقة لله تبارك وتعالى ولسائل أن يسأل ماذا يفعل الرسول؟ (وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم) الرسول r يهدي من باطن هداية الله تبارك وتعالى وبهداية الحق تبارك وتعالى. هذه المسألة قريبة جداً من المعرفة العقلية والدينية، (يهدي من يشاء) اختلف فيها المفسرون فقالوا يهدي من يشاء الله تعالى أو من يشاء من البشر أن يهتدي؟ الذين قالوا البشر لم يفكروا أن مشئية كل إنسان منا إذا كانت له مشيئة فهي من مشيئة الله تبارك وتعالى قال تعالى (إن هو إلا ذكر للعالمين لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين) أنت لك مشيئة لكنها من باطن مشيئة الإله الحق ومحمد r له هداية لكنها من باطن هداية الله تبارك وتعالى. (إنك لا تهتدي من أحببت) الهداية هنا هداية المعونة أن يعينك الله على معرفة ذاتك (وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم) الهداية هنا هداية الدلالة وفرق بين هداية المعونة هذه لله أن يهديك الله تبارك وتعالى أما هداية الدلالة فهي للأنبياء والمرسلين من باطن هداية الله تبارك وتعالى ومن ثمّ ساعة خرج إبراهيم يبحث عن الإله الحق (فلما جنّ عليه الليل) (لمّا) لم تحدث إلا بتوفيق من الله تبارك وتعالى. (وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات) إبراهيم رأى لكن هل رأى بذاته أم بإراءة الله تبارك وتعالى. قال تعالى (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا) لنريه أي الإراءة التي ستحدث في موضوع الإسراء والعروج ليست بذاتية محمد r. في سورة النجم بعد استعراض الآيات التي تتحدث عن وقوع العروج في المعراج قال تعالى (لقد رأى من آيات ربه الكبرى) فالإراءة التي حدثت بإراءة الله له وبإراءة الله له يستطيع هو أن يرى ومن ثمّ (وكذلك نري إبراهيم) هذه إراءة ستحدث من الله تبارك وتعالى وبفضلها (فلما جن عليه الليل رأى كوكباً) الفرق بين الاثنين هي الهداية إلى المعرفة العقلية التي هي الركن الأول في المعرفة المطلقة للإله الحق. ذكرنا المعرفة العقلية والمعرفة الدينية (فلما جن عليه الليل رأى كوكباً) في ظلمة الليل الكوكب يضيء فلما أفل هذه قاعدة عند إبراهيم أنه لا يحب الآفلين، فلما رأى القمر بازغاً قال هذا ربي فلما أفل قال (لئن لم يهدني ربي لأكونن من الضالين). المسلأة تحتاج إلى تدبر وإلى وعي هو يبحث في ظلمة الليل، هو خرج يبحث عن الإله الحق وببحثه عن الإله الحق عنده قاعدة ثابتة أن الإله لا يتغير لأنه لو تغير فمغيّره أولى بالعبادة فما دام لا يتغير هو يسير على هذه القاعدة فما أفل الكوكب وأفل القمر رفض إبراهيم u هذا الغياب الله تبارك وتعالى لا يتغير. (فلما رأى القمر بازغاً قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من الضالين) هذا الذكاء في البحث، أنا لي رب لكن لا أعرفه فقال (لئن لم يهدني ربي لأكونن من الضالين) قد لا أعبد الصنم لكني لن أهتدي إليه إلا إذا عرّفني هو ذاته وهنا المعرفة مبنية على المعرفة الدينية من المنهج كأن إبراهيم u يقول أنا بحثي إن لم يكن بتوفيق الله تبارك وتعالى فلن أصل لن أتوصل إلى الإله الحق أنا باحث أحتاج إلى هداية ربي، أحتاج إلى توفيق ربي وأحتاج إلى معرفة دينية منهجية وأنا مستعد بالمعرفة العقلية. أسأل الله تبارك وتعالى أن يجعلنا من أولئك الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه وأسأله تبارك وتعالى لكل المسلمين إدراكاً واعياً في التدبر آيات القرآن الكريم وأسأله تعالى بعد هذا التدبر الذي هو بفضل الله تعالى توفيقه سبحانه أسأله هداية لكل المسلمين إلى المنهج الحق وإلى الدين القيم.

الحلقة 13:

ما زلنا نعيش مع إبراهيم u في رحلته الإيمانية المعرفية للإله الحق وبيّنا سابقاً أن معرفة الإله الحق تقوم على نوعين من المعارف المعرفة الدينية بهداية منهج الله تبارك وتعالى والمعرفة العقلية بهداية الله تبارك وتعالى. رحلة إبراهيم u رحلة بحثية مبدعة يوقعها القرآن بطريقة غير مسبوقة في الأداء البلاغي من حيث رفض إبراهيم لمسألة عبادة الأصنام ووثوقه أن لهذا الكون خالق بل إن له منهجية في بحثه أن لهذا الخالق له توصيف عند إبراهيم أنه يُغيّر ولا يتغير. (وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض) هذه الإراءة من الله تعالى أي الهداية الإلهية لإبراهيم ليبدأ رحلته البحثية عن الإله الحق جعلت إبراهيم يرى بنور الله تبارك وتعالى وجعلته باحثاً دقيقاً على أصول البحث وأصول المنهج. (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) الانعام) قال لئن لو يهدني ربي إذا سألنا إبراهيم في ذلك الحين من ربك؟ هو يعلم أن هناك إله لهذا الكون لكنه لم يصل إليه قال (لئن لم يهدني) كلمة يهدني تحقق مسألة الهداية الإلهية للباحث التي تجعل المعرفة العقلية تتحقق. وهذه الآية فاصلة حاكمة في مسألة أن تُعمِل العقل لتصل إلى الإله الحق ولا عذر لمن عبدوا غير الله (بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره) المسألة يجب أن تكون على مراد الله في البحث والآيات توقع أن إبراهيم يبحث في الليل وفي النهار، في الليل رأى الكوكب والقمر وفي النهار رأى الشمس فلما جن الليل كان لإبراهيم شأن مع الكوكب والقمر. (فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـذَا رَبِّي هَـذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (78)) إبراهيم باحث محقق يريد أن يصل، فلما أفلت الشمس كأن قومه يقولون له من ستعبد؟ (قال يا قوم إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين) جاءت الشرك مرتين (مما تشركون) توضح أن إبراهيم واثق وعلى يقين بأن للكون إله وقد لا أصل إليه حتى الآن بل إنه واجب الوجود وتؤكد الآية أن ما يعبد من دون الله من أصنام من كواكب هو في الأصل شرك مع الإله الحق (إني بريء مما تشركون) الأصل هو الله وكل ما يُعبد من دون الله يشرك به. (إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض) كأني به يقول سأعبد الإله الحق حتى لو لم أصل إليه يقيناً، لكن اليقين الثابت عند إبراهيم أن للكون إله. من إلهك يا إبراهيم؟ (الذي فطر السموات والأرض). لذلك نتعلم أن أول توصيف للإله سبحانه وتعالى الحق أنه الخالق لذلك (الله يبدأ الخلق) وفي الروم (وهو الذي يبدأ الخلق) وإبراهيم سيعبد (الذي فطر السموات والأرض وما أنا من المشركين) المشركين هنا تؤكد عقيدة إبراهيم في أنه يعتقد أن للكون إله وهو على يقين أن ما يعبد من دون الله إنما هو شرك، ما يعبدون من دون الله يشركون مع الله الذي هو صاحب الوجود الحق الذي فطر السموات والأرض وخلق الكوكب وبالتالي (وما فيهن) لما رفض ابراهيم الكوكب عد خالق الكوكب ولما رفض القمر عبد خالق القمر وعبد خالق الشمس ولذلك (إني وجهت وجهي) تُذكرنا (فأقم وجهك للدين حنيفاً) هذه الآية المحورية في توصيف الدين القيم. الأمر الإلهي من الله تبارك وتعالى لمحمد r (فأقم وجهك للدين حنيفاً) وإبراهيم الذي بحث بذاته عن الإله الحق قال (إني وجهت وجهي), إنها هداية الله للباحث عنه سواء كان هذا الباحث إبراهيم أو محمد r. إذا كان إبراهيم u خرج يبحث عن الإله الحق أين كان محمد r ساعة جاءه الملك إقرأ؟ كان في غار حراء وكان يذهب إليه لأنه كان يرفض عبادة الأصنام وكان يتفكر في أن لهذا الكون إله وهو لا يعرف شيئاً عن إبراهيم لم يسمع شيئاً عن الأنبياء والمرسلين ومع ذلك رسول الله r كان يتفكر في غار حراء وأرفض ما يقال أنه كان يتعبد وهذه تساعد أهل الشرك على شركهم وأهل الضلال الذي سبوا رسول الله أنه هو الذي جاء بالقرآن وألّفه، هو r لم يكن عنده منهج يتعبد به بعد وإنما كان يبحث كما بحث إبراهيم u يبحث عن الإله الحق فعرّفه تعالى نفسه كما هدى إبراهيم إلى الذات الإلهية الحق. (إني وجهت وجهي) تذكرنا بأمر الله لرسول الله r ولنا (فأقم وجهك للدين حنيفاً) كلمات يجب أن يسعها القلب المؤمن وأن يتدبرها القلب المسلم والعقل المسلم لله تبارك وتعالى (إني بريء مما تشركون) لأن هذا الإله واجب الوجود (إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً).

(إن إبراهيم كان أمة) كان يساوي أمة. كلمة أمة تعني أنه u كان في بحثه وفي هداية الله له وفي وصوله إلى الإله الحق وفي هديه لمن اتبعه وفي منهجه وفي الآيات التي تكلمت عنه كان يساوي إيمان أمة ممن هم على شاكلة إبراهيم أي الأنبياء والمرسلين. القرآن الكريم يعلمنا أن منهج الإله الحق لا يتغير (فأقم وجهك للدين حنيفاً) هذا توجيه إلهي وإبراهيم u يقول (إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً) حنيفاً أي مائلاً فهل أعبد الله مائلاً؟ نعم، مائلاً عن الشرك مائىً عن الضلال مائلاً عن عبادة الأصنام، مائلاً عن المائل تكون غاية الإستقامة. قبل إبراهيم كلمة حنيفاً كانت تعني المائل وبعد إبراهيم أثبتها الله قرآناً وجعلها معنى اصطلاحياً بمعنى مستقيماً معتدلاً، على المنهج الحق، على الصراط المستقيم. بإيمان إبراهيم تحولت الكلمة من المعنى اللغوي إلى المعنى الاصطلاحي (إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين) مع أن إبراهيم إلى هذه اللحظة التي يتكلم فيها لم يصل إلى معرفة الإله الحق. من البداية إبراهيم u يرفض عبادة الأصنام وهو الذي بحث بذاته عن الإله الحق. إبراهيم يسأل سؤالاً منطقياً: ما هذه الأصنام التي تعبدونها من دون الله تبارك وتعالى؟ لأنه على ثقة من وجود الإله الحق وعلى يقين من أن لهذا الكون إله. السؤال كله وعي ويتجلى من منطلق ما أثبته إبراهيم لهؤلاء الذين عبدوا الأصنام أنهم يشركون بدليل قوله في سورة الأنعام وهو يتكلم في رحلته البحثية عن الإله الحق (يا قوم إني بريء مما تشركون) يعني ما تفعلونه الآن شرك بالإله الحق مع أنه لم يصل إليه بعد لكن اليقين من هداية الله في مجال المعرفة العقلية أكدّ له هو قبل أن يؤكد هو لقومه أن للكون إله. لذلك ساعة أراد أن يتوجه بالعبادة لهذا الإله الحق قال (إني وجهت وجهي) قال وجهي لأن الوجه سمة الإقبال أي إني توجهت ليس بوجهي فقط لكن الوجه يُعبر عن الذات. ساعة تسمع قول الحق تبارك وتعالى (كل شيء هالك إلا وجهه) هل للإله وجه سيبقى دون الذات؟ وهل للإله وجه؟ كلا. إذا سمعت إلا وجهه يدب أن يدار الفهم على مراد (ليس كمثله شيء). قضية (إني وجهت وجهي) الوجه يعبر عن الذات. (فأقم وجهك للدين حنيفاً ) سأتوجه بكل كياني بالعبودية لله تبارك وتعالى لذلك (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين). من دواعي الإخلاص أن تُخلِّص النية لله تبارك وتعالى في كل ما تفعل فإن فعلت شيئاً أنت لا تقصد به وجه الله تبارك وتعالى فقد أشركت، أنت تذهب للصلاة عند سيدي فلان وهذا كلام لا أصل له لا في الشرع ولا في المنطق، أنت تقول هذه الكلمة ويتبادلونها ولا يعلق أحد عليها (إن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحداً) هذا قرآن ومنهج لا يجوز أن نقول أنا ذاهب أصلي عند سيدي فلان، تعلموا من إبراهيم u الذي رفض الشرك بكل ما له وما عليه ومحمد r قال له تعالى (فأقم وجهك للدين حينفاً فطرة الناس التي فطر الله عليه لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم لا يعلمون). هذه هي المصيبة حتى الذي لا يعلم لا يريد أن يتعلم. ولذلك العبء على دعاة هذه الأمة أصبح خطيراً كبيراًو يجب أن نتحرك في موضوع العقيدة وأيدينا مع بعض فدين الله واحد ومنهجه واحد والرسول r ما كان يعبد الله على طريقة من الطرق أو مذهب من المذاهب غير منهج الله تبارك وتعالى. منهج الله تبارك وتعالى هومنهج التوحيد وصفته تعالى الأولى عند عابِده الحق أنه الخالق (إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين) السموات والأرض تعني عند إبراهيم محتوى كل ما ذُكِر من أصنام، الكوكاب، القمر، الشمس أنا لم أعرف الإله الحق إلى الآن لكني سأتوجه له لأنه خالق كل شيء فخالق كل شيء هو الأولى بالعبادة وهو جدير أن يُعبد ولذلكساعة يسأل إبراهيم u ما هذه التماثيل وما هذه الأصنام وما هذا الي يُعبد من دون الله تبارك وتعالى؟ سؤال جدير بالإجابة من أهل المنهج الحق ليردوا على كل المشركين الذين عبدوا غير الله تعالى ليردوهم إلى الدين القيم إلى الدين الحق اللهم إني أسألك أن تعلمنا ما ينفعنا وأنت تنفعنا بما علمتنا اللهم آت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها.

الحلقة 14:

ما زلنا نعيش مع إبراهيم u في مناقشة أبيه وقومه في مسألة عبادة الأصنام ذلك أننا نحاول أن نقف على حقيقة الركن الأول في مسألة العقيدة وهي معرفة الإله الحق عن طريق المعرفة العقلية لهدية الله تبارك وتعالى والمعرفة الدينية لمنهج الله عز وجل. القرآن علمنا كيف خرج إبراهيم يبحث عن الإله الحق وعلمنا كيف وصل إبراهيم إلأى الإله الحق دون أن يُعرّفه الله تبارك وتعالى نفسه. اليوم نعيش مع أمر إلهي بديع الأمر لرسول الله r الآمر هو الله عز وجل والأمر أن يتلو محمد r نبأ إبراهيم على أمته (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (69) الشعراء) كأننا حينما نسمع هذه الآية هناك أمر عظيم سيكون لأن كلمة نبأ تكون في الأمور العظيمة وفي الأخبار المهمة وفي المهمات العالية (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ) النبأ يتلخص في قول إبراهيم لأبيه وقومه (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (70)) (موضوع أبيه وهل آزر هو عمه أم أبوه هذا الكلام نؤجله لوقت التفسير لأن كل هذه الأمور مردود عليها ونتجاوز الخلافات بين أهل التفسير واللغة حتى نصل إلى مسألة العقيدة على مراد الله فيها). (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (69) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (70)) ساعة نسمع ما تعبدون كأني به r يقول ما هذه الأصنام التي تعبدونها؟ ما هذه التماثيل التي تعكفون على عبادتها؟ ما تعبدون أي أن إبراهيم يسفه هذا الفكر الشاذ المنحرف في مسألة العقيدة لأن العبادة لا تقوم إلا على عقيدة وقلنا أن العقيدة تُبنى على المعرفة والمعرفة للإله الحق تبنى على المعرفة العقلية بهداية الله والمعرفة الدينية بمنهج الله، فهو يقول (ما تعبدون) يعني هل أمرتكم هذه الآلهة بشيء؟ الأمر يجب أن يكون من المعبود، أنت تخلق إلهك وتعبده هذا خلل فكري وانحراف عقائدي. (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (69) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (70)) هذه الكلمة يعني تسفيه ما يفعله الأب والقوم والإجابة غريبة (قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ) كلمة صنم يعني تمثال أصم لا يتكلم لا إرادة له ولا قدرة له لأنهم صنعوه بأيديهم فناقشهم إبراهيم مناقشة منطقية جداً (قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (73)) والإجابة هنا غريبة أيضاً فلما سألهم أسئلة جوهرية حاسمة أجابوا (قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ) أي منطق هذا؟! (هذا ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً) القرآن يناقش هذا الفكر المنحرف في أمثر من سورة حتى نصل إلى حقيقة المنهج للدين القيم. (قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ) هذا المبرر الوحيد عندهم لعبادة هذه التماثيل الصماء البكماء التي لا تسمع ولا تضر ولا تنفع لأن السؤال من إبراهيم u قائم على منهج بحثي، هو له توصيف للإله الحق في سورة الأنعام وفي سورة الشعراء كأن إبراهيم u وصل للإله الحق. فقال ابراهيم u قاعدة عالية جداً في تطبيق المنهج الذي اتخذه هو منذ اللحظة الأولى وهو رافض لعبادة الصنم (قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (77)) آيات بينات، أقوال حاسمة ثابتة بمنهجية مفكِّر باحث هداه الله تبارك وتعالى فأعمَل المعرفة العقلية ثم أرسله الله تعالى بمنهج يعلم قومه. (قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَ