الحلقة الرابعة:

ا نزال نتجول مع رسول الله r في أشد حالاته تعباً وارهاقاً في الصعوبات التي صادفته في دعوته ونحاول أن نتأسى به r في أشد ما تكون نفوسنا كارهة له. تتأسى بغيرك فيما لا تستهيه نفسك وفي ما يصعب عليك. وتحدثنا في اللقاء السابق عن عام الحزن الذي فقد فيه r عمه وزوجه وتحدثنا عن حادثة الطائف والتي مان يتحدث عنها r باعتبار انها أشد ما صادفه في حياته " تلك الحادثة أشد عليّ مما لاقيته في أُحُد" وكلنا يعلم ما لاقاه r في اُحُد حتى أنه تعرض للقتل وكسرت ثنيته وشج وجهه وكانت هزيمة منكرة (حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر) فالنبي r يتحدث أن ما لاقاه في الطائف من المشركين من عناد وضرب وهزيمة من حيث أنه لم يستطع أن ينال من تلك العقيدة الشركية التي تغلغلت في نفوسهم وخرج منه مهزوماً ولم يتمكن من دخول مكة. فما لا قاه r في الطائف كان عسيراً وشديداً على نفسه وأثره في نفسه ممتداً فكيف تصرّف r في تلك الشدة الموجعة التي بعثت في نفسه غضباً عليهم . ماذا تفعل إذا كانت القرية كلها تطردك وتضربك ولا يستمع أحد لك وأنت تريد أن تخرجهم من الضلال الى الهدى والكل يعلم ما لاقاه r من إهانة وضرب حتى سالت قدماه الشريفتان دماً ومُنِع مه الطعام والشراب ولم يعينه أحد باعتباره غريباً إلا عبد من عبيدهم اسمه عدّاس وكان نصرانياً فآواه في بستانه وقدّم له الماء والعنب ولما سأله r من اين أنت؟ قال من نينوى فقال r أنت من بلد أخي يونس بن متّى فقال عدّاس أتعرفه؟ قال r هو نبي وأنا نبيّ. (ضريح يونس ما زال في الموصل). بهذه المحنة التي مر بها r كيف كنت تتصرف؟ من الساعة التي خرج فيها بين أظهرهم نظر فوقه فإذا بجبريل جالس بين السماء والأرض وقال قد سمع الله ما قاله قومك فأسل لك ملك الجبال فقال ملك الجبال مُرني بما تشاء فإن شئت أطبقت عليهم الأخشبين. كيف كنت ستتصرف أنت لو كنت مكانه r ولا قيت ما لاقاه r من قوم يعبدون الأصنام وكانوا من الوقاحة والفظاظة بحيث أخذت من نفسه r مأخذاً بحيث كان يقول أن ما لاقاه في الطائف أشد عليه مما لاقاه في اُحُد. وجاءه ملك إن شاء أن يسحق له القرية عن بكرة أبيها وينتهي الأمر. وقبل أن يأتيه الملك وقبل أن يرى جبريل كان ردّ فعله r التوجه لله تعالى بالدعاء المشهور وهذه أسوة حسنى لكل مسلم إنه إذا ضاقت بك الأرض أو وقعت في مصيبة لا تبحث عمن يساعدك وإنما علِّق قلبك بالله تعالى وهو سبحانه مع كل مؤمن في حاجته وعلى قدر حاجتك فالله تعالى يكون معه فيغيث اللهفان ويفرج المكروب فإذا علقت قلبك به فإن نصره أسرع اليك من نفسك. وهكذا لجأ r إلى الله تعالى يدعوه ويستفزّ نصره وتثبيته في الدعاء الذي خلّده التاريخ ومن العجب كيف يكون الرسول r في  تلك الساعة الشديدة وكيف يخرج منه هذا الدعاء المتقن تابديع فهو من الاخلاص والتضرع وكل عبارة فيه مدروسة ويمكن أن شنرحها في كتاب كامل. ونقف عند احدى عبارات دعئه r وهي (ولكن عافيتك أوسع لي) هناك فرق بين دعاء يوسف u وبين دعئه r فيوسف قال (رب السجن أحب الي مما يدعونني اليه) فلما أخذوه في السجن فسأل من تفرّج عني فقال أنت سألت السجن ولو سألتنا العافية لعافيناك. وأحبُّ ما يُسأل الله تعالى هو العافية سواء كنت مجاهداً أو منفقاً أو مريضاً. العباس قال يا رسول الله علمني عملاً أدعو الله به قال يا عمّ سل الله العافية فكرر العباس السؤال مرتين أو ثلاثة فقال r يا عمّ ما سُئل الله سؤالاً أحب اليه من العافية.

في هذه المحنة قال r (إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي) أي فليقطعوه لا يبالي وعافية الله أوسع له وعلينا أن نتأسه بهذه اللقطة. إذا اصابتك مصيبة قل يا رب إن عافيتك أوسع لي فيعطيك تعالى الأجر على صبرك كاملاً ويعافيك ورحمة الله تعالى أوسع. عند الشدائد نصبر وقد يأخذنا الحماس أن نتحمل كل شيء ونفرح بالبلاء لكن لا ننسى أن نستمطر عافية الله تعالى لأنه سبحانه يحب ذلك (إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي). الله تعالى أحنّ علينا من أمهاتنا وآبائنا فإن كنت في محنة فقل يا رب إني صابر لأمرك ولكن عافيتك أوسع لي. هذه هي الأسوة التي نتأسى بها في حياتنا وإياك أن تزايد على الله تعالى (كان أحد الصالحين يقول لو قطعتني ارباً ما شكوت منك) هذا جميل ولكن ينقصه أن تقول ولكن عافيتك اوسع لي.

ضُرِب r في الطائف وفي طريق عودته الى مكة مرّ بوادي نخلة ولم يستطع الدخول الى مكة لأن عمه وجده وزوجته ماتوا وكانوا يحمونه وفي وادي نخلة صلى r وصلى الجنّ خلفه لأول مرة (وإذ صرفنا اليك نفر من الجن) ثم أجاره المطعم بن عدي وكان مشركاً فدخل في جواره. نقف عند هذا الد في قصة الطائف والمحنة التي مر بها r.

تعلمنا منه r أنه عند المحنة تلجأ الى الله تعالى ولا تبحث عن أحد غيره تعالى (وقال ربكم ادعوني استجب لكم) وسمي الدعاء عبادة ولهذا قال r "الدعاء مخ العبادة" فالعبادة أولاً وأن لا تزايد على الله تعالى ثانياً وتطمع في معافاته ثالثاً ولا تغتر في قوتك لأنك قد تمر بمحنة لا تستطيع تحملها,

عندما جاء ملك الجبال للرسول r وقال إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين وكل الأنبياء دعوا على أممهم من شة ما عانوا من بلاء تلك الأمم فنوح دعا على قومه (رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا) فاستجاب تعالى لنوح وهكذا استجاب لكل دعوات الأنبياء على أممهم حتى محقوا محقاً بالكامل والمتوقع أن النبي r يفعل الأمر نفسه وهو يمر ببلاء عظيم. كيف يستطيع عبد من عباد الله تعالى في وسط هذ الغضب الشديد والعذاب الأليم النفسي والمادي في هذه الحالة يتيه ملك يمكنه أن ينفخ عليهم نفخة فيدمرهم ولكنه r قال للملك لا عسى الله أن يُخرِج من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئاً. تخيل الحالة النفسية واقعاً مئات الناس حوله والدماء تسيل منه ويخاطبه ربه عن طريق الملك فيقول لا لهذا قال فيه تعالى (وإنك لعلى خلق عظيم) من فعل هذا في تاريخ الأنبياء إلا محمد r؟ نتأسى من هذه الواقعة العظيمة عن أهمية الدعاء في حياتنا وهو قضية ضرورية لا تستطيع أن تتعامل مع الله تعالى إلا أن تدعوه حتى بِِشِراك نعلك فما بالك في كل شؤونك وأمرك؟ يخاطب الله تعالى عباده يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم. ولا تمنوا على الله اسلامكم. قارن بين أبي لهب الذي لم يسلم وبين بلال العبد الذي أسلم. هو الذي يختار سبحانه (وربك يخلق ما يشاء ويختار) ويقول تعالى يا عبادي كلكم فقير الا من أغنيته فاسغنوني أغنكم وبالدعاء تستمطر رحمة الله تعالى. يا عبادي كلكم مريض الا من شافيته فاستشفوني اشفكم. في كل شأن هو الله تعالى يفعل سبحانه ما يشاء والملك الكريم يحب أن يطلب الناس منه لأن الكرم من صفات ذاته فعليك أن تستمطر هذا الكرم والسخاء وذلك بالدعاء. وذكرنا في الحلقة السابقة عن الرجلين الذين دخل أحدهما جنة أعلى من جنة أخيه بالدعاء فقد كان يدعو الله تعالى اللهم اني أسألك الجنة العليا والفردوس. فتأمل كم أن الدعاء هو العلاقة الصحيحة بينك وبين الله تعالى تتحد معه سبحانه. جاء أحد الدهريين الملحدين الى جعفر الصادق وهو من سلالة مباركة فقال اثبت لي الله فقال له جعفر الصادق هل ركبت البحر يوماً فقال الرجل نعم فقال هل غرقت بك السفينة يوماً قال نعم فقال ماذا فعلت؟ قالت تشبثت بلوح من الواح السفينة فقال الصادق أجاءت موجة كادت أن تقضي عليك فقال الرجل نعم فقال له جعفر الصادق فماذا قلت؟ قال: قلت يا الله فقال هذا هو الله. اتّحد مع الله تعالى في الدعاء تجده تجاهك ولذلك فإن الله تعالى يعطي على الدعاء ما لا يعطيه على العبادة ورُبّ دعاء يقدمك في الجنة ما لا يقدمك فيه عبادة مهما كانت عظيمة فالجأ الى هذه السُنّة فأنت ناج ل محالة.

ومن أعاجيب الدعاء أنه لا يُردّ وما من دعاء إلا ويستجاب. يوقف الله تعالى العبد بين يديه فيقول له أمرتك بالدعاء ووعدتك بالاستجابة فهل كنت تدعوني فيقول العبد نعم فيقول تعالى ألم تدعني في يوم كذا وكذا فأجبتك فيقول العبد نعم ألم تدعن في ويم كذا وكذا فلم أستجب لك؟ فيقول نعم ويذكر الله تعالى له عدة حالات ثم يقول له انظر فينظر فإذا به يرى ملكاً عظيمتً قال بم هذا؟ قال هذا جزاء ما دعوتني في الدنيا ولم أعجّل لك الاستجابة فيقول العبد حينها ليته لم يعجّل لي دعاء في الدنيا أبداً. لا يمكن أن تدعو الله تعالى إلا ويستجاب لك.

اشتد كرب الرسول r في أحلك ساعات حياته فدعا دعوة عجيبة في دقة متناهية هذه أسوة حسنة لأنها عند الشدائد تعلمنا أن نلجأ الى الله تعالى سريعاً.

والأسوة الثانية هي كظم الغيظ. كيف ترتقي من انسانيتك الحيوانية الى انسانيتك الملائكية (ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه وليّ حميم وما يلقاها الا  الذين صبروا وما يلقاها الا ذو حظ عظيم) وهذه ليست سهلة فقد تجد بين ألف غاضب واحداً يكظم غيظه برغم ما في داخله من غليان وهذه عبادة عظيمة. من أجلّ العبادات عند الله تعالى من كظم غيظه وهو قادر على انفاذه وكان حقاً على الله تعالى أن يملأ جوفه رضى يوم القيامة وخيّره الله تعالى أن يدخل من أي أبواب الجنة شاء. وهناك الكثير من الأحاديث في كظم الغيظ لأنه من أشد العبادات مشقة ، قد تجاهد لكن أن يغيظك انسان ظلماً وباطلاً ويُشنّع عليك ويطغى بك حتى تمتلئ نفسك غيظاً ثم تبتسم في وجهه ولا تفعل شيئاً هذا يفعله قلائل ونادرون فإذا أردت أن تتأسى بالرسول r وبعمل واحد (فتكون من أصحاب الواحدة الذين لهم عمل واحد يتقنونه ويتخصصون به) فأنت ستحاسب على اساس هذا العمل (أولئك نتقبل عنهم أحسن ما عملوا) هذه الوسيلة التي جاءت في قوله تعالى (اتقوا الله وابتغوا اليه الوسيلة) اعرف بعض الشيء عن كل شيء واعرف كل شيء عن شيء واحد. أنت تصوم وتصلي وتحج وتحسن الى جيرانك وعندك عبادات بالمئات لكن اختر لك عبادة واحدة فأتقنها فيحاسبك الله تعالى من كرمه عليها يوم القيامة ويقيس أعمالك على اساسها. كن باراً بوالديك، كن ذكّاراً، صل الليل، أنفق، جاهد، أكرم جارك، اخدم الناس باخلاص، علّم الناس باخلاص وليكن لك عمل واحد تلقى الله تعالى به وهو سبحانه في غاية الكرم يرفع سبحانه درجاتك على مستوى هذا العمل.

كل عامل له لواء يوم القيامة (وسيق الذين اتقوا ربهم الى الجنة زمرا) البارين بوالديهم، الذاكرين هذه أعمال تعد سهلة أما كظم الغيظ فهي عبادة عظيمة قُل: أنا صابر لوجه الله تعالى وتبسم وقل لمن آذاك سامحك الله هكذا فعل r عندما أذاه أهل الطائف على رغم ما فعلوه به كظم غيظه وعفا عنهم ودعا لهم أن يكون في اصلابهم من يوحد الله تعالى (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134)) كاظم الغيظ أولاً ثم العفو ثم الاحسان الى من أذاك او الدعاء له هكذا علمنا الرسول r وهكذا فعل هو وهكذا نتأسى به r فيما تكرهه نفسه وفي اشد المواقف عليه تلك المواقف التي تعلمنا دروساً فإن كان فينا طموح أن نصل لأعلى الجنان التي يتنافس عليها المتنافسون ونكون قريبين من الله تعالى ونكون مع النبيين والشهداء والصديقين والصالحين والأنصار والمهاجرين علينا أن نتأسّى بالرسول r. ومن عباد الله تعالى من له جنتان (ولمن خاف مقام ربه جنتان) (وإذا رايت ثمّ رأيت نعيماً وملكاً كبيرا) لا يمكن أن ندرك بعقولنا ونتخيل حقيقة الأمر. والرسول r يعلمنا أننا غذا دعونا فلنسأل الله تعالى الدرجات العلى: سلوا الله الفردوس الأعلى قولوا اللهم إني أسألك جوارك في الجنة.  

سأل أحدهم النبي r: ما الذي يبعدني عن النار ويقربني من الجنة ومن الله تعالى؟ قال r لا تغضب. أي لا توظف غضبك عملياً لأن الغضب هو من قوانين البشر لكن هناك غضب تكظمه وغضب تخرجه هكذا هو كظم الغيظ (فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم) الرسول r مرّ بهذه المحنة وكان بإمكانه بإشارة منه أن ينفذ غضبه ويمحق أهل الطائف محقاً لكنه في اشد ساعات غضبه خاطب ربه ذاك الخطاب الرقيق وعفا عنهم دعا لهم ورفض أن يصيبهم بأذى أو يهلكهم برغم ما فعلوه به وهو ضيف ولم يراعوا فيه أي حق وكان r يقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. هذا درس نتأسى به من الطائف (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة).


الحلقة الخامسة

ما نزال نتجول مع رسول الله r فنتأسى بفعله في اصعب الظروف وأشق الأحوال. وقلنا سابقاً أن التأسي يكون فيما تكرهه النفس من الشدائد والمصائب والأمور الصعبة على الانسان لنتأدب منه r.

وانتهينا في الحلقة السابقة من عودته r من الطائف تلك الرحلة الشاقة ونحاول ان نتأسى بموقفه r عندما جاءه ملك الموت وخيّره بين ان يعفو عن قومه الذين أذوه أذى شديداً وبين أن يطبق عليهم جبلين عظيمين في الطائف قلا يبقى منهم أحد ولو اختار r اهلاكهم لما لامه أحد لشدة ما لاقى منهم من عنت ومشقة وكراهية وشدة لا مبرر لها على الاطلاق لكنه r اختار ان يعفو عنهم وقال: لعل الله يخرج من اصلابهم من يعبد الله. هذه نقطة عجيبة لكنها ليست عجيبة على نبي شهد الله تعالى له بأنه على خلق عظيم وقال له (فبما رحمة من الله لنت لهم) ثم تحدثنا عن عودته r لوادي نخلة حيث استمع له نفر من الجنّ وذكرنا كيف أنه r كان ممنوع من الدخول الى مكة وقد اهدرت قريش دمه لولا أن المطعم بن عدي وكان مشركاً أجاره فدخل r في جواره والى هنا انتهينا في الحلقة السابقة والآن نبدأ معه r في مكة بعد ان دخلها في جوار المطعم بن عدي وبقي يمارس حياته اليومية في الدعوة الى الله تعالى بين كراهية قريش والعرب وعداؤهم له واضطهادهم له ولأصحابه والمرحلة القادمة في سيرتنا تنحصر في معجزة الاسراء والمعراج التي تمت في ليلة السابع والعشرين من رجب قبل الهجرة بسنة وبعض الشهور في عام 621 ميلادية اي بعد دخوله r مكة بجوار المطعم بن عدي بعدة اسابيع. ولن نستغرق في قصة الاسراء والمعراج كاملة فقد سمعناها وقرأناها ولكن مهمتنا أن نقف عند أهم المفاصل في هذه المعجزة ثم نرى ما هي الاسوة التي نتأسى به r في مواقفه في هذه المعجزة. وكلنا يعرف أنه r كان نائماً في حجر اسماعيل ثم جاءه رجلان فشقا صدره ومعهما طست من ذهب مليء حكمة فأفرغاه في صدره الشريف ثم انطلقا به اسراء للمسجد الأقصى ثم معراجاً الى سدرة المنتهى حيث لم يصل ولن يصل مخلوق آخر حتى جبريل u. في مسيرة الاسراء من البيت الحرام الى المسجد الاقصى رأى r أمثلة كثيرة لأحوال العباد في البرزخ ورأى ماذا يفعل بالزناة والمرابين وخطباء الفتنة وتاركي الصلاة وكل الذنوب التي يُخشى على المؤمن في مستقبله يوم القيامة ورأى هذه المرائي حقيقة أمام عينيه. هذه المرحلة من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى مليئة بالتفاصيل التي يعرفها الجميع. وصل r المرحلة الثانية الى المسجد الأقصى فيقول r دخلت فوجدت الأنبياء جميعاً في المسجد الأقصى بين قائم وراكع وساجد ودخل يصلي معهم ثم أذّن مؤذن فينا فوقفنا ننتظر من يؤمنا وهناك روايتان رواية تقول ان جبريل جاء فأخذ بيدي فقدّمني لأصلي بهم ورواية أخرى تقول أن ابراهيم u جاء فقدّمه r. وأياً كانت الرواية فالمهم أنه r صلى بالأنبياء اماماً. في هذه الرحلة أسري به r بطبيعته الآدمية ونحن نعرف ان طيّ الزمان والمكان نعمة أنعم الله تعالى بها على عباده الصالحين.

ثم تأتي الانطلاقة من المسجد الأقصى للبيت المعمور وفي هذه المرحلة انطلق r بطبيعة ملائكية وقصة الاسراء جاء ذكرها في سورة الاسراء اما تفاصيل رحلة المعراج فجاءت في سورة النجم. والعجائب التي رآها r كتبت في مصادر عديدة ولن ندخل في تفاصيلها. وننتقل الى الرحلة الثالثة والأخيرة وهي الهدف من كل هذه المراحل وهي المرحلة القدسية ونذكر ان جبريل u رافق النبي r منذ بداية الرحلة لكنه عند هذه المرحلة وصل الى سدرة المنتهى وتوقف وقال لو تقدمت أنملة لاحترقت أما النبي r فاخترق الحجب التي لم يسبق لمخلوق أن اخترقها ولن يخترقها احد بعده الى يوم القيامة وهذا أمر لا يمكن ادراكه بالعقل المجرد. وقد وصف r عندما وصل الى سدرة المنتهى فقال رأيتها شجرة مضيئة تتلألأ يتوهج فيها النور. وقال r رأيت نوراً (زُجّ بي في النور زجاً) فتلاشى في ذلك المكان القدسي حتى لا يمكن الفصل بينه وبين ربه (فكان قاب قوسين أو أدنى) والقاب هو الخيط الذي يُشد به القوس فلو جئنا بقوسين وجمعناها بقاب واحد فكيف نميز بين قوس وآخر بل تجدهما متلاحمين فلا يمكن الفصل بينهما ولكي لا تذهب بك الظنون أن هذا الأمر مبالغ فيه قال تعالى (وأدنى) أي ليس الأمر قاب قوسين فقط وإنما هو أدنى من ذلك لكن بما ان العقل لا يدرك دقة ذلك فأنت مأمور بأن تفهم القاب ولست مأموراً بأن تفهم الأدنى كما قال تعالى في آية أخرى (كلمح البصر او هو أقرب) إذن تمازجا حتى صارا واحداً ولا تدرك كيف صار القوسين واحداً وهذا معنى زُجّ بي في النور زجاً. ولنضرب مثالاً على ذلك ولله المثل الأعلى تخيل أنك سكبت زجاجة عطر في صندوق ماء فلا يمكا أن يفصل بين الماء والعطر لأنه زُج بالعطر زجاً. وكل ما نشرحه ونقوله هو جزء من مليون أو بليون جزء من الحقيقة وهذا وحده يمكن أن يُدرك أما الباقي فلا تدركه عقولنا. وكلما رأيت الاستدراك في الآيات (قاب قوسن أو أدنى) (كلمح البصر أو هو أقرب) فاعلم أن الأمر أدق من المثال ولن تدركه.

تقدم r وجثا على ركبتيه كما يجثو المصلي في التحيات وهذه طبيعة ألأنبياء مع ربهم كما جاء في حديث يوم القيامة حيث يجثوا الأنبياء على الركب. جثا r على ركبتيه وقال: التحيات المباركات والصلوات والطيبات لله والله تعالى أكرم من البشر وأمرنا أنه إذا حُيينا بتحية أن نحيي بأحسن منها أو نردها فكان الرد: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته وهنا لقطة التأسي بالرسول r في بعض افعاله في المواقف العظيمة ولنلاحظ الموقف: الرسول r بين يدي ربه جاث على ركبتيه وبدل ان يرد وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته في هذا المكان الدقيق الذي لا يدركه بشر غيره r او يتحمله مخلوق بشري عقلياً لم ينس أن من أبرز صفاته r وما مدحه به ربه وميزه به عن باقي الأنبياء وهو أن يدعو لأمته ولا يدعو عليهم في هذه اللحظة التي لن ندرك تأثيرها على مخلوق بشري كمحمد r لم ينس أن يُشرك أمته في هذا السلام فقال r: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين إذن أشرك r أمته في هذا السلام وعليك أن تعلم أنك كلما جلست للصلاة وبدأت بالتحيات عليك أن تشعر أنك شريك في هذه الدعوة وأن لك نصيباً منها وعليك أن توفّيها حقها.

ما من جواب ولا شكر يمكن ان يوازي ما قاله r بعد ذلك فقال: أشهد أن لا إله الا الله وأن محمداً عبده ورسوله وما من كلمة أعظم من هذه الكلمة (ومثل كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء)  ويقول تعالى (اليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه) الكلم الطيب هو لا اله الا الله وهذه الكلمة فيها من القوة ما تصعد وحدها أما الاعمال الصالحات فتُحمل وتُرفع الى الله تعالى. فإذا بالنبي r يسمع جميع الملائكة تقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على ابراهيم وعلى آل ابراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على ابراهيم وعلى آل ابراهيم إنك حميد مجيد. هكذا كانت التحيات كما جاء في الخبر وكان r يحفّظها لأصحابه كما يحفظهم السورة من القرآن.

هذه مراحل رئيسية في الاسراء والمعراج وتأسينا بها:

ألاً: لا ينبغي أن تنسى أنك فرد في أمة وأن الله تعالى ينجي الناس جماعات وليس افراداً (وسيق الذين اتقوا الى الجنة زمرا) والناس يحشرون زمراً وقد تكون من الهالكين لكن اشتراكك في زمرة من الزمر يجعلك في وعاء عام فتنجو. هناك زمرة العلماء الصالحين وتشمل كل من قدم لهم طعاماً أو برى لهم قلماً أو أعطاهم دواة فإا نجت زمرة وأنت منها تنجو معهم فعليك أن لا تنسى أن تدعو للمسلمين والمسلمات جميعاً وعليك أن تدعو لنفسك ولوالديك ثم للمؤمنين والمؤمنات وفي الحديث أنه من استغفر للمؤمنين والمؤمنات خمس وعشرون مرة وفي رواية سبع وعشرون مرة إلا غفر له ورُزِق به الخلق وكان مستجاب الدعوة. وما من نبي إلا وقال رب اغفر لي ولوالدي والمؤمنين والمؤمناتوعليك أن يكون دعاءك لهذه الأمة بقدر دعائك لنفسك ولوالديك ونحن ندعو بالجمع كما في سورة الفاتحة (إياك نعبد وإياك نستعين). والتأسي بالرسول r في هذه اللقطة لا ينبغي أن ننسى أن ندعو الله تعالى للمؤمنين والمؤمنات لأن فيه نفع لك وللمؤمنين ولأن الدعاء في ظهر الغيب مستجاب والله تعالى خلق ملائكة مخصوصون مهمتهم التأمين على دعاء من يدعو لأخيه بظهر الغيب وكان r يطلب من أصحابه الدعاء له. هذا موطن التأسي الأول في قصة الاسراء والمعراج فالرسول r في هذا الموقف الحرج الذي لا يمكن لعقولنا ان تتخيله فإذا كلن الجبل دُكّ من تجلي الله تعالى عليه (فلما تجلى ربه للجبل جعله دكّا وخر موسى صعقا) ومع هذا الموقف تحمل النبي r كل هذا الموقف ومن دلائل تحمله أنه لم ينس أمته فقال (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) .

وثانياً: في هذا الجو الذي ما مر به مخلوق بمثل جلاله وجماله وبهائه وخطورته فرضت الصلاة بينما كل الأعمال والعبادات الأخرى أنزلت الى الأرض من صيام وزكاة وحج وقرآن أما الصلاة فهي الوحيدة التي شرعت في تلك الساعة التي لو بقينا نتحدث عن تفاصيلها ألف عام لا يمكن ان نصل الى جزء من حقيقتها. نحن نفسر في مستوى عقولنا لكن واقع الحال أكبر من عقولنا وقواينها. ولمكانة الصلاة وأهميتها من الدين استدعى الله تعالى رسوله الى السماء لكي يفرض الصلاة على أمته خمس مرات في اليوم والليلة والصلاة كما في الحديث أول ما يُسأل عنه العبد يوم القيامة فإن حسُنت حسن سائر عمله وإن فسدت فسد سائر عمله. وترك الصلاة سبب من اسباب ولوج النار كما في قوله تعالى (ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين) ولهذا الصلاة التي نصليها الآن لا تتناسب مع موقعا ومكانتها في معجزة الاسراء والمعراج نحن نصلي صلاة تسقط الفرض لكنها في الغالب بعيدة عن اي تصور للصلاة التي بهذا المقام الرفيع. أمرنا تعالى باقامتها أولاً ثم المداومة عليها ثم المحافظة عليها وليس في القرآن مترادف وما من كلمتين متشابهتان في كتاب الله وإنما لكل كلمة معنى خاص بها لا تعطيه الكلمة الأخرى. فإقامة الصلاة هي أن تحسن أداءها فالقيام بالأمر حُسن أدائه والتعامل معه ومنه القيّم والمستقيم والقوام يدل على الجودة. من البداية نحن مأمورون بإاقمة الصلاة وليس بفعلها فلم يقل تعالى في القرآن صلّوا وإنما قال (وأقيموا الصلاة) قال r صلّوا كما رأيتموني أصلي وكلنا قرأنا ونعرف كيف كان r يصلي وقد ذكرت لنا الكتب والمراجع عن صحابته r كل تفاصيل صلاته r. وقوله تعالى (وأقيموا الصلاة) أي أقيموها كما تقيموا الجدار (فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقض فأقامه). لوم يقل تعالى أدوا الصلاة أو افعلوا الصلاة أو صلوا وإنما قال أقيموا (وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد). نحن نصلي لكننا لا نقيم الصلاة.

 ثم بعد أن نقيمها على أحسن وجه بركوعها وخشوعها وتمامها (وفي الحديث عنه r ما معناه أنه من أدى هذه الصلوات الخمس وأدى خشوعها وتمامها إلا رافق محمداً r في بحبوحة الجنة). بعد الاقامة طلب منا تعالى أن نداوم عليها والمداومة تكون في مكان الدوام الرسمي وهو المسجد أنت تدوام في عملك في مكان عملك ومكان اداء الصلاة هو المسجد ويكفي ان تعلم أن النبي r كاد أن يأمر من يؤذن من يقيم ثم ينطلق مع بعض اصحابه وبأيديهم حزم من الحطب فيحرقوا بيوت من لم يصلي في المسجد بعد ان يخرجوا منها النساء والأطفال. وإن الكفر والنفاق أن تسمع كرم الله فلا تجيب. قال تعالى (الذين هم على صلاتهم دائمون) أي في مكتن دوامها (&#