برنامج الأسوة الحسنة للدكتور أحمد الكبيسي

الحلقة السادسة:

المقطع الأول من خطبة النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة: التقوى

ترك النبي r منطقة قباء بعد أن أقام المسجد فيها ونزل في بني سليم بن عوف وكان الحدث الثالث الذي نتخذه أسوة حيث خطب النبي r أول خطبة في المدينة في مسجد ببطن الواد وصلّى بهم عندما وصل إليهم قبيل الزوال من صبيحة يوم الجمعة. أسوتنا في هذه النقلة هي الخطبة الأولى في المدينة المنورة ولا شك أن رجلاً بأهمية رسول الله r عند الله وعند الملأ الأعلى وعند الملائكة وعند الناس يخطب أول خطبة في مرحلة حاسمة من مراحل دعوته يقتضي أن نقف عندها في خطبة كانت باكورة سيرته في توجيه الناس إلى توحيد الله عز وجل. خطبة الجمعة الأولى في المدينة التي خطبها النبي r لأول مرة تتكون من مقدمة وثلاثة مقاطع. المقدمة هي التي يقولها الخطباء بعد رسول الله r إلى يومنا هذا. أما المقطع الأول فتحدث عن التقوى والمقطع الثاني عن الإخلاص والمقطع الثالث عن الإحسان والجهاد وسنتوقف عند كل مقطع من هذه المقاطع في محاضرة مستقلة.

بدأ النبي r الخطبة التاريخية على نحو ما نفعله بعض الأحيان في مساجدنا اليوم فقال:

إن الحمد لله أحمده وأستعينه وأستهديه وأؤمن به ولا أكفره، نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بعثه الله بالهدى والنور والموعظة على فترة من الرسل وقلة من العلم وبدالة من الناس وانقطاع من الزمن ودنو من الساعة وقرب من الأجل من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى وفرط وضل ضلالاً بعيداً.

هذه المقدمة التي استهل بها الرسول r خطبته التاريخية. والمقطع الأول بعد المقدمة يتحدث عن التقوى بالشكل التالي: يقول: أوصيكم بتقوى الله فإنه خير ما أوصى به المسلم المسلم أو يأمره بتقوى الله واحذروا ما حذركم الله من نفسه ولا أفضل من ذلك نصيحة ولا أفضل من ذلك ذكر.

مقطع كامل ورد في خطبة النبي r الأولى في المدينة المنورة التي وصلها إليها وحيث أقيمت فيها أول جمعة ولم تقم جمعة واحدة في مكة وهذه أول خطبة في المدينة ساعة وصوله إليها من قباء بعد أن أقام مسجد قباء الذي امتدحه تعالى (لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ).

قضية الإسلام الأولى هي التقوى ولذلك ابتدأ بها النبي r خطبته التاريخية لأنها أهم ما في الدين وأهم ما يمكن أن يوصي به مسلم مسلماً لهذا قال تعالى (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (131) النساء) وتأمل في القرآن كيف أن كل الأنبياء عندما أمروا قومهم بالتوحيد قالوا (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ) عبارة تتكرر على لسان كل نبي. العلاقة بين الله تعالى وعباده هي التقوى. كيف نتقي الله عز وجل؟

كل حركة من حركاتك في اليوم والليلة داخلة تحت (واتقوا الله) ورب العالمين يذكر لنا التقوى في عدة مواضع ونتيجتها (فَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) (وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (فَاتَّقُواْ اللّهَ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)، لعل في كتاب الله تعني التحقق وليس الرجاء كما في لغة المخلوقين، لعل مع الله تبارك وتعالى تعني قد حدث والكريم أكرم الأكرمين عندما يعدك فقد حدث. (اتقوا الله حق تقاته) (وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) (وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) كل حركاتك اليومية من ساعة ما تستيقظ إلى ساعة أن تنام مرتبطة بتقوى الله. تتقي الله أي أن تجعل بينك وبين محارمه وقاية كما قال r "إحذروا ما حذركم الله من نفسه"، (ويحذركم الله نفسه) من حيث أن الإقتراب من محارمه مُهلِ:. كل أحاديث وآيات الرغائب والمبشرات تنص على: ما اجتنبت الكبائر، " من قال في اليوم والليلة مائة مرة سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم غفر له ما تقدم من ذنبه ما اجتنبت الكبائر". هناك ذنوب يترتب عليها عقوبة لكنها لا تغضب الله تعالى وهناك ذنوب يترتب عليها عقوبة قاسية لأنها تغضب الله تعالى. عندما تخالف المرور هذه عليها عقوبة وغرامة لكنها لا تغضب الملك أو الحاكم لكن إذا خنت الملك ولم تقم بواجبك الذي أوكله إليك الملك فهذا يغضبه وإذا غضب عاقبك عقاباً لا تتخيله وليس مطلوباً من الملك أن يعفو عنك لأن جريمتك عظيمة وهي ما تسمى اليوم بالإضرار بأمن بالدولة. يحذركم الله نفسه من الشِرك والكبائر والمقحمات التي تقحمك في النار "رمضان إلى رمضان كفارة لما بينهما ما اجتنبت الكبائر" "الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينها ما اجتنبت الكبائر".

فاحذروا ما حذركم الله من نفسه: كأن النبي r يفسّر لهم ما هي تقوى الله عز وجل: أن تحذر الله مما حذركم منه حتى لو فعلت الكبائر فإن لها علاجاً بالتوبو والاستغفار فالله تعالى ربط الكبائر بالتوبة فإذا تبت تاب الله عليك والمعصية أن تبقى على الكبائر (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) آل عمران) الإضرار هذا يكون منك.

المقطع الأول الذي بدأ به النبي r خطبته التاريخية للتوصية بتقوى الله وهي أن تجعل بينك وبينه وقاية. الله تعالى له صفات جمال وله صفات جلال قاهر منتقم جبار فإذا انتهكت حرماته فعليك أن تضع بينك وبين انتقام الله تعالى وقاية حتى لا يصيبك انتقامه. الخطوط الحمراء في هذا الدين هي الشِرك والكبائر. هناك كبائر وهناك ذنب عظيم. الكبائر ليس من بينها الظلم والغيبة والنميمة والبهتان وعليك أن تتجنب كل هذه المجموعة الكبائر والذنوب العظيمة ما عدا ذلك ذنوب لها عقوباتها تكفّرها الصلاة والدمعة والهمّ والمرض وغيرها. أما الكبائر فيجب أن تقلع عنها إقلاعاً تاماً وتبقى نادماً وكلما ذكرتها ندمت عليها وجِلأ قلبك. قال تعالى (وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ) لأن هذه الجرائم لا تستحق عقوبة فقط وإنما تثير غضب الله تعالى. هذه هي التقوى التي ينبني عليها مستقبلك مع الله تعالى بعد أن توّحد الله توحيداً كاملاً. ورب العالمين يتكلم عن أنواع التقوى وعليك أن تتابعها في كتاب الله تعالى. 

قال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (1) الأحزاب)

التقوى نوعان: تقوى النجاة الأساسية التي لا بدونها لا أمل لك وتقوى الدرجات. والنجاة أساسية بدونها لا أمل لك، معلوماتك ومعارفك نوعان: معلومات نجاة ومعلومات درجات. معلومات النجاة تنجيك من الجهل والتخلف وتضعك في مقام يمكنك أن تتقدم فيه كالشهادة الثانوية مثلاً بدونها لن تتقدم وهي الحد الأدنى الذي يضعك على أبواب التقدم وهذه تقوى نجاة وهي بإختصار الصفحة الأولى من سورة البقرة (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4)) وما من مسلم إلا وقد وصل به الحال إلى أن يتجاوز هذه التقوى إلا من أشقاه الله تعالى وعِماد ذلك الصلاة فإذا كنت من أهل الصلاة إجتمعت لك كل الشروط. كل من يصلي يحج ويزكي ويؤمن بالغيب. وكل من يصلي إلى القبلة تجتمع فيه جميع تقوى النجاة تلك التي سماها الرسول r دين الأعرابي لما سأله الأعرابي عن الإسلام؟ فقال رسول الله r:" خمس صلوات في اليوم والليلة" فقال: هل عليّ غيرهن؟ قال: لا، إلا أن تطوّع وصيام شهر رمضان. قال: هل عليّ غيره؟ فقال: لا إلا أن تطوّع وذكر له الرسول r الزكاة فقال: هل عليّ غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوّع. قال : فأدبر الرجل وهو يقول والله لا أزيد على هذا ولا أُنقص منه. فقال رسول الله r: أفلح الأعرابي إن صدق. فكل من يصلي للقبلة فهو متمتع بها وهي أقل المراحل لكنها تنجيك.

عندما تحقق هذه المرحلة كما نحقق الثانوية العامة تتقدم فتأخذ وراءها شهادة ماجستير أو دكتوراه وإذا كنت موظفاً تتقدم في الدوائر إلى أن تصير مديراً أو وزيراً وما دمت قد حصلت على الثانيوة العامة فالمجال أمامك مفتوح وإلا فأنت لا قيمة لك. هذه تقوى النجاة بما أنك حصلت عليها وبما أنك من أهل القبلة فالمجال أمامك مفتوح (إن اتقوا الله) تقوى النجاة بالتوحيد والقبلة نجوت وزُحزحت من النار. هما قضيتان: فمن زحزح عن النار وأُدخل الجنة. لم يقل زحزح عن النار فقط. الفوز في أُدخِل الجنة بعد أن زُحزح عن النار. قد يزحزح الإنسان عن النار لكنه يبقى على الأعراف شنين طويلة فها هذا فوز؟ كلا إنما دخول الجنة هو الفوز.

عرفنا تقوى النجاة التي تزحزحك عن النار. قال تعالى (أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون) أفلح بالنجاة فقط كالذي أفلح في السباق لكنه لم يفز به. تقوى النجاة أنك تفلح في النجاة من النار لا تُعذّب فيها لكن لكي تفوز بالدرجات عليك أن تتبع تقوى الدرجات (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته) . كلنا نصلي لكن كم واحد فينا صلاته من النوع الذي يرفع الدرجات؟ أين حضورها وخشوعها وتمامها ونوافلها وأذكارها ونهيها عن الفحشاء والمنكر والمداومة عليها في أماكنها أي المساجد والمحافظة عليها؟ نوعية الصلاة هي التي ترفعك لأن نوعية النجاح هي التي ترفع وليس مجرد النجاح. ورُبّ نجاح لا يؤهلك إلا أنك لست راسباً. ولكي يكون نجاحك قادراً على أن يرقيك لا بد أن تحصل على درجات عالية فالذي ينجح بدرجة إمتياز غير الذي ينجح بدرجة مقبول. والدرجات في التقوى هي التي بعد مرحلة تقوى النجاة وهي التي تدفعك لما بعدها.

تقوى الدرجات متنوعة وكل واحد منا له تقوى تنفعه ولا تنفعه تقوى ثانية. رجل عالِم ليس من تقواه أن يبيع ويشتري فهو ليس تاجراً وليس من تقواه مقاتلة العدو فهو ليس عسكرياً لكن تقواه في أن يقول الحق لأنه يترجم عن الله تعالى وتقواه في مدى صدقه في ذلك ومدى قوله الحق ومدى نصيحته فلا يغش الناس، ومدى صموده فلا ينافق في الناس أميراً ولا حاكماً (ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلّمون الكتاب وبما كنتم تدرسون). إعلم أن لك رباً يسألك عن كل كلمة تقولها إن كانت خيراً يرفعك إلى مرتبة النبيّن يوم القيامة. تجد في كل ألف واحداً من هؤلاء العلماء. هناك جيد وهناك مقبول عالي ولكن الإمتياز قِلّة تعددهم وبرهنوا على صدقهم منهم من عُذّب وشُرّد وأُعدِم وكما هو حاصل في تاريخنا.

رجل تاجر فقط تقواه في أن لا يغش ولا يحتكر ولا يكذب ولا يموّه. فما رأيك في من يبني كل يوم مسجداً ويُشبع جائعاً ويُغني فقيراً لكنه يأخذ الربا فكل عمله لا قيمة له. التاجر الصدوق تقواه في أن لا يغش ولا يكذب. فعليك أن تحققق تقواك أولاً كلٌ في مجاله. لا قيمة للتقوى الأخرى مثل صيام الإثنين والخميس أو قيام الليل إن لم تحقق تقواك الخاصة بك فالتاجر تقواه تقوى المال والعالِم تقواه تقوى العِلم وهناك الموظف تقواه أن يكون ناصحاً للمراجعين يحقق العدل بينهم ومخلصاً في قضاء حاجاتهم ولا يعبث بوقت الدولة أو يضيعه في قراءة الصحف وشرب القهوة والشاي والحديث مع زملائه بأحاديث لا علاقة لها بالعمل وعدم أخذه الرشوة لأنه إذا وقع في هذا كله يكون قد أخلّ بتقوى الوظيفة.

أداؤك لتقواك من حيث وظيفتك أنك موظف هي العدل والإخلاص والمعاملة بالحسنى والنصح للمراجعين وقضاء حاجاتهم وإذا كنت مديراً أو حاكماً فتقواك أن تغيث المحتاج وتقضي حاجات الناس وتعدل بينهم مهما كانت صلاتك لأن عدل ساعة خير من عبادة ستين عاماً. تقواك أنت العدل : عدل مع الماجعين إذا كنت موظفاً، مع المعليمن إذا كنت مديراً، عدل مع الجند إذا كنت ضابطاً. كل من كان تحت إمرته ثلاثة يأتي يوم القيامة وملِك آخذ بقفاه إلى جهنم فإذا قال تعالى للملِك ألقِه ألقاه فكّه العدل أو أسلمه الجور.

إذا كنت معلماً عندك ثلاثة طلاب أو موظف عندك ثلاثة موظفين هؤلاء هم جنتك ونارك كيف تتعامل معهم؟ تقواك هنا أن يكون عندك تقوى نجاة ثم تظلم الناس لا تنفعك. الغيبة تأكل الأعمال وكذلك الظلم الفعلي. هكذا لكل واحد منا تقوى. أنت رب العائلة هم تقواك، لك بنتان إذا أحسنت تربيتهما وتأديتهما كانتا لك وجاء من النار. جارك إذا شهد لك سبعة من جيرانك على خير شفّعهم الله تعالى فيك على ما كان منك من سوء. حتى العلاقة مع الحيوان (إمرأة بغيّ دخلت النار في كلب سقته) وإمرأة صالحة دخلت النار لأنها كانت تؤذي جيرانها. ما قيمة بنائك للمساجد وأنت تؤذي جيرانك؟ وما موقف أبنائك منك؟ هل ربيتهم تربية صالحة وهل إتقيت الله فيهم؟ إن من الذنوب ذنوباً لا يغفرها إلا الهمّ والعيال.

مدى اهتمامك بقضايا الأمة :إن العبد لتسيق له المنزلة عند الله فلا يبلغها بعمل فيسلّط الله عليه الهمّ يبلغها بذلك" "الحزين على يمين الرحمن وكلتا يديه يمين".

هذه التقوى إياك أن تغترّ! التقوى ليست فقط تقوى نجاة وإنما تقوى درجات والدرجات هي علاقتك مع الآخر حتى لو كان الآخر حيواناً أو شارعاً حتى فتنظيف البيئة وحمايتها من التقوى. " رأيت رجلاً يتقلّب في ربض الجنة بشوكة نحّاها عن طريق المسلمين".

التقوى التي وصّانا به الله تعالى: تقوى نجاة التي بدونها لست مسلماً وهي الصفحة ألأولى من سورة البقرة (الإيمان بالغيب، إقامة الصلاة والإنفاق والإيمان بالله واليوم الآخر والكتاب كله) هذه القاعدة العريضة ثم تتقدم (وفي ذلك فليتنافس المتنافسون).

بُثّت الحلقة في 20//1/2006م وأعيد بثّها في 17/11/2006م

مواقف في خروج الرسول r من مكة

عندما خرج رسول الله r من مكة بات علي بن أبي طالب في فراشه وألبسه r عباءته الحمراء. فقريش أعدت سبعين شاباً ليبطشوا به r في تلك الليلة وجاء السبعون يحلون سيوفهم ويتجمعون في زقاق صغير – وكانت شوارع مكة أزقة ضيقة – لا يتجاوز حجم الزقاق غرفة واحدة في بيوتنا اليوم. زقاق صغير يكتظ فيه سبعون شاباً يريدون أن يقتلوا النبي r حتى يتفرق دمه بين القبائل. ويخرج النبي r من بينهم ومهم يكادون من شدة الزحام أن يمس أحدهم كتف الآخر ولا تكاد تجد فرجة يمر منها أحد. فقرأ النبي r (وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ (9) يس) وخرج من بينهم ولم يره أحد وأخذ الرسول r بيده حفنة من تراب وضربهم بها وهو يقول (شاهت الوجوه) فأصابهم التراب جميعاً وخرج من بينهم. نقف لنتأسى بالرسول r من حيث أن هذه الآية التي قرأها النبي r وقرأها أحد الصحابة في عهد النبي r أُخِذ أسيراً وقد أفلحت هذه الآية في أن لا يرى المشركون النبي r وهو يخرج من بينهم كما أفلحت مع الصحابي الأسير بحيث سقط قيده واستاق الإبل إلى الرسول r. أما نحن فلماذا نقرأ الآية ولا يحدث لنا شيء؟ القرآن حروف وطاقة، الحروف لا تفعل شيئاً والطاقة هي التي تفعل كل شيء ففي قوله تعالى (لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (21) الحشر) القرآن الذي يزلزل هو طاقة القرآن وطاقته تقتضي خبيراً بالطاقة لكي يستخرجها. الطاقة الكهربائية استغرقت سنوات لكي تُكتَشف وكثير من الأجهزة اليوم لا تشتغل إلا بالحماوة أو بمجرد الإحماء مثل الرياضي الذي يقوم بتمارين الإحماء قبل أن يبدأ اللعب لتظهر طاقته، ومكائن الديزل كلما ازدادت حاوتها كلما ازدادت طاقة العمل. فما هي درجة حماوتك وأنت تقرأ القرآن؟ مصادر الطاقة عند قراءة القرآن تدبره وخشوعك فيه واستشعار مراقبة الله واستحضار المعاني وإمداد الله تعالى لك ولكي تكون مستعداً يجب أن تعمل على كل هذه المصادر لأن الله تعالى لا يمد الغافلين فرُبّ قارئ للقرآن والقرآن لا يجاوز حناجرهم ورُبّ قارئ للقرآن والقرآن يلعنه. هذه القراءة ليس فيها طاقة ولن تكون مستعداً لكلام الله تعالى وإمداده. وكلما كان الاستعداد عظيماً كان الإمداد عظيماً ( من قال حسبنا الله ونعم الوكيل أمّنه الله تعالى ومن قال لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين نجّاه الله من الغمّ ومن قال وأفوض أمري إلى الله نصره الله) فكل آية لها طاقة لكن عليك أن تكون مستعداً لتشغيل الطاقة.

الإنسان موقف وكل واحد منا يكفيه أن يأتي يوم القيامة ومعه موقف واحد وهالكٌ من عباد الله قد يغفر الله له بموقف واحد. ومن المواقف التي رافقت خروج النبي r من مكة:

موقف أبو بكر الصديق الذي دخل الغار قبل النبي r ليتأكد من سلامة الغار من الأفاعي والعقارب وبعد خروجهما من الغار كان أبو بكر يمشي تارة عن يمين النبي r وتارة عن يساره وتارة من خلفه وتارة من أمامه وكان كلما تخيل أنه قد يأتي أحد من جهة ما ليؤذيه يتحرك إلى تلك الجهة ليحمي رسول الله r فلما سأله النبي r : أتود أن يكون الأذى عليك دوني؟ قال نعم.

والموقف الآخر موقف فتاة في ريعان الشباب السيدة أسماء أخت السيدة عائشة رضي الله عنهما كانت تخرد بالليل وسط عيون المشركين وسراياهم التي تبحث عن النبي r وصاحبه. تخرج فتاة في مثل سنّها تحمل لهما الطعام والماء والأخبار وتشق نطاقها شقين لتحمل في أحدهما الماء وفي الآخر الطعام. كيف نتأسى؟ إثنان مطاردان يحيط بهما الأعداء ينوون شراً فتنطلق فتاة في ريعان الشباب.

الموقف الآخر موقف سراقة. فبعد أن عجز المشركين عن إيجاد النبي r وصاحبه وجعل الله تعالى الحمامة والعنكبوت من جند الله، إنطلق النبي r وصاحبه فتبعهما سراقة وأدركهما والجائزة للإمساك بهما عظيمة تغري بالقبض عليهما فدعا النبي r عليه من بعيد فساخت أقدام فرسه في الرمال ثم توسل إليه سراقة فدعا له النبي r فآمن فقال له r: كيف بك يا سراقة إذا سُوّرت بسواري كسرى؟ وهي دلالة على أن المسلمين سيفتحوا بلاد الفرس التي كانت نصف العالم آنذاك والنصف الآخر الروم ، وأعطاه النبي r كتاباً كتبه أبو بكر أن يعطى سراقة سواري كسرى وفعلاً عندما فتح العرب فارس وجمعت أملاك كسرى أعطي سراقة السوارين كما وعده النبي r.

والموقف الآخر موقف العجوز في الصحراء صاحبة العنزة التي لا لبن فيها والتي مسح r ضرعها فشربوا منها جميعاً وسمع الناس هاتفاً من السماء يقول:

جزى الله رب الناس خير جزائه      رفيقين حلاّ خيمتي أم معبد

هما نزلا بالبرِّ ثم تروّحا              فأفلح من أمسى رفيق محمد

ليهن بني كعب مكان فتاتهم            ومقعدها للمؤمنين بمرصد

فأدرك المشركون والمسلمون من نجاة النبي r.

المواقف: إمرأة بغيّ من بني إسرائيل سقت كلباً فغفر الله تعالى لها. الطريق قفر والماء شحيح وهي تعرف مكان الماء تذهب إليه في الحر وتنزل في البئر ثم تشرب وتغتسل ثم ترقى لتنطلق ‘لى بيتها فرأت كلباً يلهث – وكلنا والله أعلم قد يدير ظهره للكلب – لكنها هي رقّت للكلب ولم تتوانى رغم الأخطار المحيطة أن تنزل للبئر ونزعت خفّها وملأته ماء وأمسكته بفمها وسقت الكلب. هذا موقف وينبغي أن يكون لكل واحد منا في الدنيا موقف.

موقف أسماء رضي الله عنها فما عليها بعد ذلك؟ لذا خلّدها بعد ذلك، أسماء ذات النطاقين التي فعلت ما فعلت في تلك الأوقات الحرجة التي كان الرجال يتوارون فيها من شدة تعذيب قريش.

موقف علي ابن أبي طالب رضي الله عنه وكرّم وجهه، شاب في مقتبل العمر ينام مكان الرسول r وسبعون رجلاً مدججين بالسلاح متحضرين لقتل النبي r وفي الساعة المتفق عليها هجم هؤلاء على النائم في فراش النبي r وأوشكوا أن يضربوه لولا أن أحدهم كشف عن وجه النائم فوجده علياً رضي الله عنه.

لماذا نتأسى؟ (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) ينبغي على كل واحد في عمره مهما بلغ عمره: 30، 40، 50 أو 60 سنة لا بد أن يمر عليه وقد وقف موقفاً لله تعالى بعد أن يحتسبه لله ويرى أن النجاة محصورة في هذا الموقف: مثلاً رجل ذو منصب ومنعة اغتصب حقاً من أحد الناس وقامت محاكمة ولا يجرؤ أحد أن يشهد على هذا المتهم لسطوته وشرّه وقوة أنصاره فيقوم أحد يعرّض نفسه للخطر ويقول الحق ولا يكتم الشهادة (وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (283) البقرة).

كلمة حق عند سلطان جائر تلتفي به وتقول له كلمة حق واعظاً له أو ناهياً له أو موضحاً خطأه كلمة الحق تغضبه لكنك تقولها لله عز وجل، سأل الصحابة النبي r: يا رسول الله أي الشهداء أعظم؟ قال r: حمزة ورجلٌ قام إلى إمام ظالم ووعظه فقتله.

الإيثار: (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) عليّ إبن أبي طالب بقي يصوم ثلاثة أيام وفي كل يوم يدق على بابه أسير ومسكين ويتيم محتاج فيعطي كل واحد مهم طعامه في ذلك اليوم ويكمل يومه بلا طعام هو وفاطمة رضي الله عنها فامتدحهم الله تعالى في قوله (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا (9)). وجاء أعرابي إلى النبي r يطلب الطعام فلم يكن عند الرسول طعام فأرسله إلى بيت رجل من المسلمين فقال الرجل لزوجته ما عندنا من طعام؟ قالت المرأة: عندنا طعام الأطفال فقال لامرأته تظاهري أنك تصلحين السراج فأطفئيه وقدموا الطعام للأعرابي وتظاهر الزوجان أنهما يأكلان فأكل الضيف كل الطعام ونام أهل البيت والأطفال بلا طعام فلما ذهب الرجل للصلاة في الفجر رآه النبي r فقال: لقد ضحك الله تعالى من صنيعكما وفي رواية لقد عجب الله من صنيعكما.

رجل دعته امرأة ذات منصب ومقام في مكان لا يراهما إلا الله ومع هذا يعفّ وكما قال r عن ذي الكفل وكان شاباً غنياً فجاءته فتاة محتاجة عرضت نفسها عليه لقاء مائة دينار فلما أراد أن يهمّ بها إرتعدت ورجفت فسألها لمَ؟ قالت: لم أفعل هذا في حياتي لكني أخشى الله، فقال: أنت تخشين الله وأنا لا فتاب من ليلته ومات في نفس الليلة فوجدوه مكتوب على بابه: لقد غفر الله لذي الكفل. غُفِر له بهذا الموقف الواحد.

رجل ثبت لله تعالى بنفسه وانهزم أصحابه. معركة مع المشركين وكانت قاسية وهرب كل رفاقه ومن حقهم الإنسحاب لشدة الضغط عليهم ولكنه هو بقي، يقول تعالى: أنظروا إلى عبدي ثبت لي بنفسه ولو شاء لهرب. فلمجرد ثبوته وثباته في موقف كهذا سُجّل له هذا الموقف يوم القيامة لحسابه فلا يضرّ معه ذنب.

رجلٌ معرِس له امرأة حسناء شابة جميلة وله فراش ليّن (الحصير يوقظك رغم أنفك) وهذا الرجل يحب الفتاة ووفقه الله تعالى إليها يأخذ حقه منها ولكنه لا يتمادى فيقوم ويغتسل ويتهجّد في لية زفافه وليس هذا فقط وإنما يبقى على وضوئه إلى أن يخرج لصلاة الفجر في جماعة فيقول تعالى: انظروا إلى عبدي عجر فراش حبيبه لأجلي ولو شاء لرقد.

ومن المواقف يوم القيامة أن تحطّ عن غريمك ديناً (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة) وأن تعفو فإذا كان مجرد أن تؤخر المدين فيه خير فما بالك بمن يسامح بالدين كله أو بجزء منه يقول تعالى : من محا عن غريمه أظلّه الله تحت زله يوم لا ظل إلا ظله. فلو سامحت المدين وتحط دينك عن غريمك لحاجته أو فقره أو عسره ولو تعلم ما يحدث في الملأ الأعلة لحططت كل ديونك.

ومن المواقف العظيمة يوم القيامة أن تصلح بين الناس بمالك. يقول r: " ألا أدلكم على خير من الصلاة والصوم والحج؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إصلاح ذات البين". وسبب كون إصلاح ذات البين عبادة عظيمة هو لشدة بغض الله تعالى للتخاصم. المتخاصمان لا تنفعهما صلاة ولا صيام ولا حج ولا يغفر لهما لا في عرفة ولا في رمضان. أنت تصلح بين متخاصمين بمالك أعظم من الإصلاح بينهما بالكلام. يوم القيامة سيحاسب الله تعالى على عمل واحد عظيم كما سيحاسب القتلة والظلمة بأسوأ عمل فعلوه في حياتهم لأن كل مسلم له موقف.

إذا أردنا أن نعرف كيف ننجو يوم القيامة خاصة أن عباداتنا كلها غير مضمونة لا في شروطها ولا في حسن أدائها فكل عبادة لها وظيفتان: إسقاط الفرض ومغفرة الذنوب، فلا بد أن تكون الصلاة بخشوع والصوم والحج وإلا فهي غير مضمونة لكن المواقف مضمونة لذا على كل مسلم أن يتخيل موقفاً ولا بد أن يمر أحدنا بموقف شاب يعرض عليه رشوة وهو محتاج، عفو عمن ظلمك، لا يجب أن نتّكل على عباداتنا لأننا تعودنا على الإخلال بها لذا خفّ أثرها في نفوسنا. لذا عليك أن تنقّي نفسك من البغضاء لأن من أسوأ الذنوب الشرك بالله ومخاصمة أخيك. إذا تربصت بموقف كريم في يوم من الأيام تقفه وتتحمل تبعاته وآثاره وفعلته لوجه الله تعالى فاعلم أنك نجوت.

بُثّت الحلقة بتاريخ 13/11/2006م


بشارة النبي r للمسلمين عند وصوله إلى المدينة

لا نزال في سيرة المصطفى r نحاول أن نقف عند بعض المقاطع في سيرته العطرة التي تشكل أسبابً للتأسّي والاقتداء كما قال تعالى (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا). إنتهينا في الحلقة الماضية من تلك الرحلة الشاقة التي بدأها النبي r من مكة إلى المدينة بصحبة صاحبه أبي بكر الصديق رضي الله عنه (ثاني إثنين إذ هما في الغار) ورأينا أن تلك الهجرة لم تكن سهلة وإنما تخللها بعض الصعاب التي دللها الله تعالى بعظيم قدرته وخارق علمه. إنتهت الرحلة بما جرى فيها من أحداث ووقفنا عندها جزءاً جزءاً وقد وصل النبي r إلى المدينة وكان أهلها ينتظرونه وجاءهم الخبر أنه قادم إليهم وكانوا يخرجون إلى الثنايا (ثنية الوداع) كل صباح يشرفون على الطريق القادم من مكة فإذا يئسوا من وصوله ذلك اليوم عادوا إلى منازلهم. وفي يوم الإثنين 12 ربيع الأول عاد المسلمون إلى منازلهم بعد أن أوشك النهار أن ينقضي حيث لم يلح في الأفق أن المهاجريْن قد وصلا فما أن استقر المسلمون في بيوتهم حتى جاءهم المنادي يقول: خذا جدّكم قد وصل وكان هو حبر من أحبار اليهود في المدينة صاح: أيها المسلمون هذا جدّكم قد وصل. فعاد المسلمون من بيوتهم وأسرع الناس إلى رسول الله r وكان الوصول جميلاً وكان الإستقبال حافلاً مما سرّ النبي r وأدخل الفرحة على قلبه حيث أن الإسلام غطّى المدينة كلها وأقيمت فيها صلاة الجمعة قبل أن تقام في مكة. وتفاصيل الإحتفال وما قابله به الناس r من الأهازيج والأناشيد والترحاب معروف لدى المسلمين.

وفي غمرة الفرح الشديد الذي سرّ قلب النبي r فتح الله عليه فتحاً وأراد أن يبشرهم بشترة تجمع لهم خير دينهم ودنياهم فخاطبهم خطاباً موجزاً أراد منه أن يكون سهلاً في حفظه سهلاً في تطبيقه فقال: "أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصِلأوا الأرحام وصلّوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام". أربع عبادات جاءت على لسام النبي r في هذا المشهد الهائل وسط هذه الفرحة التي ملأت القلوب أهداهم النبي r هذه العبادات لأنها جماع الدنيا والآخرة:

أولاً: إفشاء السلام: أن تسلم على من تعرف ومن لا تعرف لأن السلام بين الناس يعني أن المجتمع الناس فيه متحابون متماسكون فيهم الأمن والأمان بعيدون عن الخصام والشحناء والبغضاء وما من شيء يخشاه الرسول r على أمته كالبغضاء فقد قال r: "دب إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء هي الحالقة حالقة الدين لا حالقة الشعر والذي نفس محمد بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أفلا أنبئكم بأمر إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم" وفي السابق كان الناس يسلمون على بعضهم البعض من الشارع وفي الحديث عنه r " لا تقوم الساعة حتى يكون السلام على المعرفة" فمن علامات الساعة أن لا يسلم الناس إلا على الذي يعرفونه. فالسلام صلاح المجتمع فإذا رأيت السلام يشيع بين أفراد المجتمع يحيي بعضهم فاعلم أن المجتمع صالح.

ثانياً: إطعام الطعام: مهما كان طعامك قليلاً يسيراً أطعم أحداً من الناس، ضعيف، جار، قريب، صديق. والطعام فيه صلاح لنفسك كما أن السلام فيه صلاح للمجتمع والشارع والمحلّة. النفس المريضة هي التي تأبى أن تطعم الطعام أما النفس السليمة فتطعم الجار والفقير المسكين وتطعم الكلاب والقطط والحيوانات. المسلمون كانوا لا يهنأون إلا إذا شاركهم أحدهم في طعامهم ولكي تسمو نفسك وتصح من كل عقدها وتصبح صالحة إذا وجدت نفسك سخياً في إطعام الطعام ولا تتضايق إذا جاءك ضيف شاركك طعامك سواء تعرفه أو لا تعرفه. في الحديث "من طبخ مرقة فليسكب عليها الماء ويطعم جاره". وفي السابق لم يكن أحد يأكل إلا إذا أرسل لجاره طبقاً من الطعام ولو كان قليلاً والآخر يفعل الشيء نفسه وكانوا يسمونها طُعمة. وهذا دليل على صلاح النفوس وسخائها. يقول r: " إن الله اصطفى هذا الدين لنفسه ولا يصلحه إلا السخاء وحسن الخُلُق فأكرموه بهما". السخاء خُلُق الله الأعظم والسخاء إطعام الطعام. والله تعالى منّ علينا بمنّتين قبل أن يأمرنا بالعبادة (فليعبدوا رب هذ البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف).

ثالثاً: صلة الأرحام: والأرحام هم الأقارب من الأصول والفروع والحواشي. هذه لصلاح أسرتك وعائلتك. كيف أنت إذا كان عمك يكرهك وابن خالك وغيرهم ويعملون لك مشاكل؟ بصلة الأرحام تصفو الأسرةويحصل بين أفرادها توادّ وتراحم وهذه أساسيات لتراحم الأسرة.

ورابعاً: الصلاة في الليل والناس نيام. هذه لإصلاح علاقتك بالله تعالى.

فالسلام يصلح علاقتك بالناس "من سلّم أمِن" والذي يسلّم كثيراً لا يعتدي عليه أحد لأنهم يأمنوه. قال تعالى (وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا (94) النساء)، وإطعام الطعام يصلح نفسك والسخيّ لا يفعل إلا خيراً "تجاوزوا عن ذنب السخيّ فإن الله يستره له في الدنيا ويغفره له في الآخرة". وصلة الأرحام حتى تكون أسرتك متراحمة مترابطة. ةصلاة الليل لا بد أن الذي يصلي بالليل يُحسن صلاته وعباداته ولا يقوم الليل إلا صالح كما قال r " صلاة الليل دأب الصالحين من قبلكم".

لشدة أهمية هذه العبادات الأربعة التي بشر بها النبي r المسلمين في المدينة بعد الكرب الشديد الذي لاقوه في مكة ينبغي أن نعرف قدرها عند الله تعالى بحيث لا نتجاهلها. كلنا اليوم نتساهل في مسألة السلام ولا يعلم الناس أنهم تركوا عبادة عظيمة يغفر الله تعالى بها كل ذنوبك. علينا أن لا نقصر في هذه العبادات الأربع إذا كنا نريد أن نتأسى بالرسول r وقد كان r حريصاً على هذه العبادات الأربع حرصاً شديداً بحيث لم يسبقه أحد.

إفشاء السلام:

السلام من أسماء الله عز وجل ولا بد أن ننشره بيننا. يقول تعالى (وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (86) النساء) كم هو السلام مهماً بحيث أفرد الله تعالى له آية بهذه القوة؟. عندما تقرأ الأحاديث الصحيحة التي تبين أهمية هذه العبادة تعجب. القرآن عندما حدثنا أن لا نتوقف عند التحية فقط بل حثّنا على التحية بأحسن منها لأنك كلما زدت على صاحبك التحية بلغت درجة لا تبلغها بالصلاة. جاء رجل عند رسول الله r فقال له: السلام عليكم فرد النبي r: وعليكم السلام وقال عشرة، وجاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله فرد r: وعليكم السلام ورحمة الله وقال عشرون، وجاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فردّ r: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته وقال ثلاثون، وجاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته فردّ r وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ومغفرته وقال أربعون.

هذه الآية في غاية الجد والتنبيه لأهمية السلام لذا حثّنا الله تعالى على أن نرد التحية كاملة ونزيد فالمفروض أن نحافظ على السلام كما قال r "أبخل الناس من بخِل بالسلام وأبخل الناس من ذُكِرت عنده فلم يصلي عليّ". عندما تقرأ النصوص الصحيحة الواردة عنه r في أهمية السلام تعجب لكن لا عجب إذا أمرنا الله تعالى بالسلام وسنّ لنا فرضية السلام الذي إن لم تردّه فأنت آثم وكلما أحسنت ردّه كانت حسناتك أكثر. يقول r: "إذا التقى المسلمان فسلّم أحدهما على الآخر وتصافحا لم يفترقا حتى تحاتّ ذنوبهما كما تحاتّ ورق الشجر عن الغصن" صافحه وتبسّم في وجهه. السلام بداية هو قول السلام والابتسام والمصافحة. قال ربيعة: أبمصافحتهما يغفر لهما؟ قال: كأنك لم تقرأ قوله تعالى (وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63) الأنفال) الله تعالى ألّف بين المسلمين حتى يتصافحوا. كم بيننا من خلافات طائفية ومذهبية وفئوية وحزبية واقتصادية ومع هذا جعل الله تعالى المسلمين لا يرى أحدهما أحداً إلا سلّم عليه إلا ما ندر. هذا أجر السلام والنبي r بيّن لنا الدرجات منهم من يسلِّم فقط ومنهم من يسلّم ويبتسم ومنهم من يسلّم ويبتسم ويصافح ومنهم من يسأل عن أخيه. الرحمة تنقسم على أكثرهما تساؤلاً عن صاحبه، كلما زدت عليه السلام والمصافحة والإبتسام والسؤال ذهبت بأكثر الرحمات.

من شدة عظمة هذه العبادة (إفشاء السلام) كان جديراً بالرسول r أن يعلّمها لأصحابه، يقول r: "إن في الجنة غرفاً يُرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال لمن أفشى السلام وأطاب الكلام". جاء رجل إلى رسول الله r فقال: يا رسول الله علّمني عملاً يدخلني الجنة فقال r: أن تسلّم على من عرفت ومن لم تعرف." فكما جعل الله تعالى أعظم أنواع الغذاء في أرخض الطعام جعل أعظم الأجر في أقل العبادات (السلام). ومن الأحاديث التي تدل على عظمة السلام أن الله تعالى سلّم علينا عدة مرات مباشرة أو على لسان أنبيائه فقال تعالى على لسان نوح (قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (48) هود) وعلى لسان النبي r (وَإِذَا جَاءكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (54) الأنعام) (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (59) النمل) يأمره بالسجود والشكر ويسلّم على عباده. والملائكة منذ ولادتنا إلى موتنا وهم يبلغونا سلام ربنا تعالى (ادخلوها بسلام) (تحيتهم يوم يلقونه سلام) (سلام عليكم بما صبرتم). التحية السلام وهي تحية الجنة على هذه الأهمية وربما لا تبلغ هذه الأهمية عند بعض الناس حتى تساهلوا فيها فيقولون عبارات عديدة منها صباح الخير ومساء الخير وبونجور وغيرها فهؤلاء يضيعون على أنفسهم أجراً عظيماً لا تجده في عبادة أخرى. لذلك حرم الله تعالى البغضاء فالمتخاصمان المتباغضان لا ترتفع صلاتهما فوق رأسيهما شبراً ولا يغفر لهما لا في رمضان ولا في عرفة ولا في ليلة القدر. يحرم من المغفرة كل من بينه وبين أخيه مباغضة أو شحناء. لمجرد امتناعك عن السلام على أخيك لخصومة لا ترتفع لك صلاة. وإذا سلّمت أمِ،ت وأمِ، صاحبك وأول ما تسمعونه يوم القيامة عند دخول الجنة (سلام عليكم) (تحيتهم فيها سلام). كلما زدت على صاحبك كما في الحديث بالابتسام والمصافحة والسؤال "إذا إلتقى المسلمان قسمت بينهما سبعون رحمة 69 منها لأكثرهما بِشراً". والمصافحة والتساؤل على حاله وحال أهله وهو من تمام التحية. وإذا قدم من مكان بعيد تعانقه وتحتضنه والرسول r إذا قدم من سفر إلتزم أصحابه وعانقهم. فالسلام هو أول العبادات التي وجّه النبي r المسلمين ساعة ما لقيهم في المدينة. وقد حذّرنا r من بعض الإشارات بالأصابع عند السلام إما بإصبع أو بإصبعين فهذا منهيٌ عنه لأنها تحية اليهود.

إطعام الطعام:

رب العالمين منّ علينا بذلك قبل أن نعبده (فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف). علي بن أبي طالب فيه من الحسنات ما نعرفه وشخّص الله تعالى لنا واحدة منها في قوله تعالى (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا) لأن علياً رضي الله تعالى عنه أعطى كل ما كان عنده من طعام له ولأهله ثلاثة أيام متتالية (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) الإنسان).

أعظم أنواع الإطعام أن تؤثر الآخر بطعامك سواء كان محتاجاً أو جاراً أو ضيفاً أو غير ذلك. جاء ضيف لرسول الله r فقال من يضيف ضيف رسول الله فقال رجل أنا يا رسول الله فأخذه إلى بيته فقال الرجل لزوجته ما عندنا من طعام؟ قالت المرأة: عندنا طعام الأطفال فقال لامرأته تظاهري أنك تصلحين السراج فأطفئيه وقدموا الطعام للأعرابي وتظاهر الزوجان أنهما يأكلان فأكل الضيف كل الطعام ونام أهل البيت والأطفال بلا طعام فلما ذهب الرجل للصلاة في الفجر رآه النبي r فقال: لقد ضحك الله تعالى من صنيعكما وفي رواية لقد عجب الله من صنيعكما.

قال تعالى (فلا اقتحم العقبة) لا يجتازها إلا المخفّون ومن نوقش الحساب عُذِّب ومن نوقش الحساب هلك. ومما يجعلك تجتاز العقبة بسهولة إطعام الطعام (أو إطعام في يوم ذي مسغبة). قد لا يعرف بعض المسلمين في الدول الغنية هذا الإحساس بالجوع لكن هناك دول إسلامية تكاد تموت جوعاً ولا يجدون شيئاً يأكلونه فلو كنت واحداً من هؤلاء وعندك طعام قليل وبجانبك عشرات الناس يتضورون جوعاً فتؤثرهم على نفسك، في هذه العسرة تعطي ما لديك. هناك فرق بين أن تعطي الطعام وأنت شبعان ولديك طعام وبين أن تعطي وأنت جوعان. الله تعالى لا ينظر إلى كمّ ما تعطي لكن ينظر إلى كيف تعطي؟ بسماحة نفس وبحُبّ. وقال r: " إتقوا النار ولو بشق تمرة" " إن الله يُربّي لأحدكم اللقمة والتمرة كما يربي أحدكم فلوّه حتى تصير مثل أُحُد". لذا يتكلم تعالى عن الذين يطعمون الطعام كلاماً عجباً وكذلك الأحاديث الصحيحة فإذا طرق بابك جائع فأطعمه والبيت الذي يكون فيه إطعام للضيف يبارك الله تعالى فيه وفي رزقه

بُثّت الحلقة بتاريخ 14/11/2006م

تابع بشارة النبي r لأهل المدينة

ما نزال مع رسول الله r ساعة وصوله إلى المدينة مهاجراً إليها من مكة ونتلمس بعض أقواله وأفعاله ومواقفه التي تتجاوز الزمن الذي وقعت فيه وتمتد إلى يوم القيامة حيث تشكل أسوة للمسلمين يسرون على منهاجها ويتبعونها (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21) الأحزاب) وفي الحلقة الماضية عرضنا كيف استقبل المسلمون من أهل المدينة الرسول r ذلك الإستقبال الحافل الذي دلّ على شدة فرحهم لملاقاة نبيهم حيث كانت المدينة قد سبقت مكة في إقامة الدولة والجمعة والجماعات. وقد سُرّ الرسول r بما شاهده في المدينة من تكامل استعداد المسلمين وقيامهم بالعبادات الثقيلة وهي عبادات الأركان من صلاة وزكاة وجماعة وبعد هذا الإستقبال حيث إنجفل (أسرع) إليه الناس وفرحوا بمقدمه أراد r أن لا يضيع الوقت وأن ينتقل بهم من العبادات الثقيلة إلى مجموعة من العبادات الجميلة التي يترطز جمالها في فقه أدائها وجزيل جزائها ولذا بادر r فقال لهم: "أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصِلأوا الأرحام وصلّوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام". قارن بين هذه العبادات الجميلة والعبادات الثقيلة لا شك أن نوعية الأثر والأداء والجزاء يوم القيامة تجعل هذه المجموعة عبادات جميلة أثرها جميل وجزاؤها جميل عظيم. هذه العبادات التي نقلها الرسول r إليهم جميلة الأداء وجميلة البناء وجميلة الجزاء. وقد تحدثنا في الحلقة الماضية عن اثنتين من هذه العبادات الأربع (إفشاء السلام وإطعام الطعام). وبيّنا كيف أن مسلمان يلتقيان فيسلم أحدهما على الآخر ويبتسم أحدهم للآخرة لا يفترقا إلا وقد غفر لهما، تسلم على من تعرف ومن لا تعرف وهذا يدل على أنه ليس في قلبك حقد وهو من جمالك أن لايكون في قلبك حقد على مسلم. ومن جمال البناء أن هذا السلام يشد أواصر البناء بين أفراد المجتمع، تخيل قريبة أو مدينة يسلم كل أهلها على بعضهم البعض، أي جمال هذا في العلاقات بين البشر؟! إينما وجدوا يسلم بعضهم على بعض، أي جمال في بناء العرقة المتينة بين أفراد المدينة الواحدة؟. ثم جمال الجزاء الذي يغفر ذنوبك لمجرد سلام قد يستغرق ثواني أو دقائق جعل الله تعالى هذه العبادة آية في كتابه لجمالها (وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (86) النساء). وتحدثنا عن فضل هذه العبادة والجزاء الذي يعطيه تعالى لمن يسلّم. السلام عبادة جميلة في أدائها وفي بنائها وفي جزائها.

وتحدثنا عن إطعام الطعام في ساعة المسغبة كم هي عبادة جميلة أن تؤثر غيرك بطعامك وكلاكما جائع (ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيرا). من الذي يؤثر غيره بطعامه وطعام أولاده؟ وتحدثنا عن فضل هذا. (فلا اقتحم العقبة) ثلثا الأمة الإسلامية اليوم يكادون يموتون من الجوع وبعض الشعوب تبيت على الطوىفي مثل تلك الساعة لك طعام يكفي عيالك وجبة واحدة فتعطيه لمن هو أشد منك حاجة يشرف أن يموت وأنت ما زال فيك شدة. أي جمال هذا من حيث السخاء والكرم والأثرة؟ فالسخي حبيب الله والسخي أعظم من الكريم فالكريم يعطي وعنده كثير أما السخي فهو يعطي ولا يملك غيره. والسخي خلق الله الأعظم (تجاوزوا عن ذنب السخيّ). إطعام الطعلم عبادة سخية عند الأداء كما قال r للصحابي "ضحك الله من صنيعكما" يذكر الله تعالى هذا الموقف في الملأ الأعلى. وتحدثنا عن هذه العبادة العظيمة التي تملأ الإنسان سعادة وتشد أواصر المجتمع

بقيت عبادتان من مجموعة العبادات الجميلة التي إنتقل الرسول r بأهل المدينة من إتقانهم للعبادات الثقيلة إلى هذه العبادات الجميلة التي هي أسهل من تلك المجموعة لكن أجرها عظيم لأن فيها طابعاً إختيارياً والعبادات التي تؤديها باختيارك أجرها أعظم من التي تؤديها فرضاً عليك كالأركان "لا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبّه" ليس مما هو مفروض عليه.

صلة الأرحام:

لة الأرحام عبادة ثالثة من العبادات الجميلة التي نراهل جميلة في أدائها. تأمل أنت تذهب إلى بيت أحد من أقاربك فجأة تزوره وبيدك هدية وتعطيه مالاً يحتاجه أو تقف معه في مناسبة سعيدة أو حزينة يجدك أقاربك معهم. تأمل هذا الجمال الذي يشيع في الأسرة يتحلق حولك أقاربك ويحترمونك ويفرحون بوصلك لهم. هذه عبادة جميلة في أدائها تشيع الفرحة في نفوس الأقارب والأرحام كما تشيع الفرحة لما يجدونك عندهم في أفراحهم وأحزانهم وحاجاتهم. وهي عبادة جميلة في بنائها كيف تبني أواصر الأسرة لأن الأسرة هي اللبنة الأساسية في المجتمع وما من أمة تحظى بأسرة متماسكة قوية كهذه الأمة وما من إنسان غير مسلم لا يجد حوله أحد من أرحامه ما إن ينطق الشهادتين حتى يصبح له عائلة. وقوة الأسرة من خصائص هذه الأمة لذا صلة الأرحام تشد هذا البناء وتمعن في بنائه على أحكام وتناسق يجعل هذه الأمة أمة واحدة في أنسابها وعاداتها وعباداتها نظراً لقوة أواصر الأسرة بينها. وجمال آثار هذه العبادة في قوله r: " من سرّه أو ينسأ له في أثره وأن يزاد في رزقه فليصل رحِمه" من أراد أن يطول عمره وتويد أيامه والعمر ليس ثابتاً والعمر عمران أجلٌ مسمى عند الله وأجلٌ هو الذي نعيشه (هو الذي قضى أحلاً وأجل مسمى) الأجل الذي عندك يزيد وينقص لذا رب العالمين يعاقب المنتحر لأنه أنقص عمره ويجيز الشهيد لأنه تبرّع ببقية عمره لله عز وجل وقتل القاتل لأنه أنهى حياة إنسان لم يحن بعد وقت وفاته ولو أن الأجل ثابت فلماذا يُقتَل القاتل؟ فالأجل يزيد وينقص وهناك أسباب تطيل العمر كما في الحديث الرشيف منها أن تصل رحمك. فصلة الرحم كبِرّ الوالدين من العبادات التي ترى أثرها سريعاً وهناك عبادات لا ترى أثرها إلا يوم القيامة. وما من عمل أسرع إلى البر من صلة الرحم وما من عمل أسرع بالعقوبة من قطع الرحم. تأمل فمن حولك من جيران كم من قوم يصلون أرحامهم مرزوقين معافين أعمارهم طويلة لمجرد كونهم من الواصلين لأرحامهم والعكس صحيح ترى إنساناً مبتلى في صحته ورزقه وأولاده وتبحث عنه فتجده مبتلى بقطع الرحم أو عقوق الوالدين. فصلة الرحم وبر الوالدين من العبادات التي ترى آثارها سريعاً.

حديث آخر: " تعلّموا من أنسابكم نا تصلون به أرحامكم" كل مسلم مأمور بأن يعرف نسبه ليعرف أرحامه فإن صلة الرحم مفرحة في الأهل ومغفرة للذنب ومثراة في المال ومنسأة في الأثر. على كل مسلم أن يعرف أصله وعشيرته من جهة أمه وأبيه لأن أقارب الأب والأم هم أرحامك تعرفهم لكي تصلهم لأن صلة الرحم في هذه المكانة الرفيعة. إذا زرت قريباً من أقاربك تشعر بالسعادة وهم يستقبلونك بشكل جميل ويلتفوا حولك فالأداء جميل والبناء جميل لأن صلة الأرحام تشد الأسرة بعضها ببعض وفي الغالب هناك خلافات بين الأرحام لكن بهذه الزيارات تقضي على كل خلاف مثل السلام قد يكون بين المسلمين شيء ما إن يسلّم أحدهما على الآخر حتى يزول الخلاف.

" من سرّه أن يزاد في أجله وأن يربو ماله وأن يُدفع عنه ميتة السوء فليصل رحمه" ويقول r: "إن الله ليعمر بالقوم الديار ويثمّر لهم الأموال وما نظر إليهم مذ خلقهم غضباً عليهم، قالوا: بم يا رسول الله؟ قال بصلتهم أرحامهم" وفي رواية بم ذاك؟ يعني بيت أو اثنين بيوتهم عامرة بالناس تزورهم محبوبين بين الناس ينجح لهم أي عمل من أعمالهم وتنمو أموالهم ولم ينظر الله تعالى لهم ولا مرة نظرة غاضبة لأن من يرتكب ذنباً ينظر الله تعالى إليه بغضب إلا واصل الرحم. أي عبادة جميلة هذه؟ ما أجمل أن تذهب لزيارة رحمك من جهة أمك وأبيك بهذه الزيارة ولو في الشهر مرة يصلك كل هذا الخير ويزيد رزقك ويطول عمرك ولا ينظر إليه تعالى بغضب أبداً.

هذه عبادات من أجمل العبادات وأجزاها يوم القيامة كأنها إكرام لمن يؤدي العبادات الثقيلة (وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين) رب العالمين جازام أنك أديت العبادات الثقيلة بهذه العبادة الجميلة: تسلّم على واحد وتعطي أحدهم لقمة أو رغيفاً. وفي الأثر أن رجلاً من بني إسرائيل عبد الله ستين عاماً ثم أمطرت الدنيا واخضرت الأرض فخرج يتمتع بهذا الجمال فأغوته امرأة بغيّ وراودته عن نفسه إلى أن زنا بها فوزنت الزنية بعبادة ستين عاماً فرجحت الزنية. هذا الراهب أفاق من مصيبته واستغفر وبكى وتاب ومرّ به مسافر جائع فسأله طعاماً والراهب كان له رغيف واحد فقط فأعطاه إياه فوزن الرغيف بتلك الزنية فرجح الرغيف. رغيف خبز لجائع عادل هذه الزنية، هذا من إطعام الطعام على حبّه. العالم الإسلامي كله اليوم في مسغبة فإذا وصل مالُك إلى عائلة ولو بما يكفي لقمة طعام واحدة فأنت رابح. أي جمال في هذا الأداء والبناء والجزاء "إن الله يربي لكم اللقمة".

جعل الله تعالى صلة الرحم تطفئ الشحناء والبغضاء لذا من أعظم العبادات الإحسان أن تعطي من حرمك وتصل من قطعك وتعفو عمن ظلمك. قالوا: يا رسول الله أي الصدفات أفضل؟ قال: على ذي الرحم الكاشح. رحمٌ يكرهك وغاضب منك وهذا موجود في أرحامنا عندما تعصيه صدقة تكون أفضل صدقة في حياتك لأنك بهذا أطفأت البغضاء بينك وبينه تلك البغضاء التي لا تجعل صلاتكما ترتفع فوق رأسيكما شبراً. بهذه الزيارة أو الصدقة تطفئ الشحناء والبغضاء. يقول تعالى: أنا الله، أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها إسماً من إسمي من وصلها وصلته ومن قطعها قطعته. عندها يحكم لك بالجنة يوم القيامة، على الصراط محكمة أخيرة وهو ما هو موقفك إلى الرحم؟ رب ذاهب إلى النار يفكه صلة الرحم فيذهب إلى الجنة وربّ ذاهب إلى الجنة يردّه صلة الرحم إلى النار (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (23)) كل هذا لقطع الرحم. والكلام في قطع الرحم كثير. النبي r لما سُرّ بذها الإستقبال الحافل في المدينة ورأى أنهم سبقوا أهل مكة بالعبادات الثقيلة أعطاهم هذه العبادات الخفيفة.

الصلاة بالليل والناس نيام:

(تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (16) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17) السجدة) من يطبقها يعلم كم هي جميلة. عندما تسلم على مسلم تسعد وعندما تطعم محتاجاً تشعر بسعادة كبيرة وكذلك عندما تصل أرحامك تسعدهم وتسعد نفسك وكذلك صلاة الليل والناس نيام. كم تشعر بالسعادة لما تستيقظ من النوم وأنت بحاجة إليه تترك النوم وتتوضأ وتصلي حتى لو كنت متعباً أو مريضاً، تتوضأ وتصلي ركعتين وكل من جرّب هذا يدرك كم هي جميلة هذه العبادة وكم تشعر بالسعادة عندما تصبح الصباح إذا استيقظت وصليت في الليل عليكم بقيام الليل وكل صلاة بعد صلاة العشاء قيام ليل لكن في الثلث الأخير أفضلها وأحسنها وأكثرها قيمة. ومن جمال هذه الصلاة أنه لا يعلم بها إلا الله تعالى تناجي ربك فيها (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (16) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17) السجدة) الرسول r في رحلة المعراج دخل الجنة ورأى نعيم كثير من أصحاب الأعمال العالية لكنه لا يعرف ماذا أعدّ الله تعالى لأهل الليل.

يقول r: "أهل الليل أشراف أمتي" وفي رواية "أهل القرآن وأصحاب الليل أشراف أمتي" وقال: "عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم". إذا أردت أن تعرف إذا كنت من الصالحين (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (9) العنكبوت) عليك أن تكون ممن دأب على قيام الليل "صلوا من الليل ولو بقدر فواق ناقة" ولو ركعة واحدة. ولذلك رب العالمين يبعث الناس زمراً فتبعث مع أهل الليل الذين يصلون مئات الركعات أنت تتجحفل مع هذه الزمرة وبعضهم يكمل بعضاً. المجاهد الذي يحارب والذي يعدّ الخيل ويطعمه ويهتم به في زمرة واحدة والعلماء ومن برى لهم قلماً أو أحضر لهم دواة في زمرة واحدة (وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً). هكذا قيام الليل ولا ينبغي لمسلم يطمح أن يكون مع النبيين والشهداء والصديقين والصالحين إلا ويصلي ركعتين في الليل.

هذه العبادات هي بشارة النبي rلأهل المدينة وأكرمهم بهذه العبادات التي أداؤها جميل وبناؤها جميل وجزاؤها جميل.

بُثّت الحلقة في 15/11/2006م


بناء مسجد قباء

وصلنا في الحلقة السابقة إلى وصول الرسول r إلى المدينة وذلك يوم الإثنين في 12 ربيع الأول وتحدثنا عن الاستقبال الرائع الذي لقيه به المسلمون في المدينة حيث أصبحت المدينة مدينة إسلامية وبها أقيمت صلاة الجمعة قبل أن تقام ي مكة وقد فرح الرسول r بالمسلمين وحسن استقبالهم ومن فرحه بهم وجههم للعبادات الجليلة الأربع " أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام وصلّوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام" وتحدثنا عن فضل هذه العبادات في الحلقة الماضية.

بعد هذا الحفل البهيج تحوّم القوم حول رسول الله r وسار حتى نزل في قباء وفي بيت عمرو بن عوف ونزل ضيفاً على كلثوم بن الهدم أخي بني عمرو بن عوف وكان يسمى صاحب رسول الله وكان شيخاً كبيراً وقد مات قبل بدر بأيام. بقي r ضيفاً على كلثوم أحد عشر يوماً ثم إنتقل إلى مرحلة أخرى بعد هذه النقلة من ساعة الوصول إلى ساعة الإستقرار ضيفاً على هذا الصحابي الجليل. رجل كرسول الله r جاء بالنبأ العظيم وصل المدينة بعد مشقة وأمامه أعباء وأولويات فما هي أولويات النبي r ؟ وسنعرف أن أولويات النبي r من الأهمية بمكان حيث قام بعدة مهام لكن الذي يلفت النظر أن أول مهمة قام بها r باعتبار أنها الأولوية الأولى هي بناء مسجد قباء. بعد أحد عشر يوماً قضاها ضيفاً على الصحابي الجليل كلثوم، في هذه المدينة أول فعل ومهمة أداها أن بنى مسجد قباء الذي امتدحه الله تعالى في القرآن (لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108) التوبة) مدح الله تعالى هذا العمل باعتباره باكورة الأعمال التي قام بها النبي r في هذه المرحلة الدقيقة. نقف متأسين بهذا الفعل النبوي إستجابة لقوله تعالى (ولكم في رسول الله أسوة حسنة).

هذا العمل يدل على مدى أهمية المسجد في هذا الدين وفي حياة المؤمن من حيص صلاح دينه ودنياه. وفقه المسجد في الإسلام عظيم يوجّه المؤمن إلى الله تعالى فالمسجد هو السوق الذي يوصلك إلى الله تعالى. هناك في الدنيا أسواق بالجملة وأسواق بالمفرد وهناك تجار يتعاملون بالجملة ويربحون الملايين وهناك تجار يتعاملون بالمفرد ويربحون أرباحاً معدودة ولا يصلح أمر المؤمن وآخرته وتجارته إلا أن تكون تجارته في سوق الآخرة التي تعطي أرباحاً لا يعلمها إلا الله عز وجل. فقه المساجد له حال وله أعمال وله جمال وله كمال.

حال المسجد: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (18) الجن) تأمل هذه الآية تراها كافية مغنية فيها توحيد الله وحسن عبادته ولا يتم هذا الأمر إلا في هذا المكان (المسجد) لأن الله تعالى لا يتجلي لعباده في مكان كما يتجلى لهم في المسجد. ملوك الدنيا قد تلقاهم في جعوة أو حفل لكن لا يتجلى سلطان الملك إلا أن يكون في بلاطه وله هيبته في قصره وبلاطه لا تراها في أي مكان آخر. (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (35) النور) هذه الصورة المعجزة تجدها في (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37)) هذه السوق هي السوق التي تكون أرباحها يوم القيامة أرباحاً لا يمكن لك أن تتخيلها " من دخل المسجد فهو ضامن" ضامن المغفرة فإذا رجعت من المسجد لأهلك رجعت بسلام وإن مت دخلت الجنة. (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (68) القصص) خلق الملائكة واختار منهم جبريل u وخلق الأنبياء واختار منهم أولي العزم ومحمد r وخلق البلاد واختار منها مكة والمدينة وخلق الأرض واختار منها المساجد فهي أحب البقاع إلى الله فأنت في المسجد في رحاب الله عز وجل وكل تحرك تتحركه عبادة حتى لو التقطت قشة صغيرة بنيّة تنظيف المسجد "قمً المسجد مهر الحور العين" قمّه من أي شائبة. وأنت جالس فيه تكون في صلاة ولو فتح الله بصرك لرأيت الملائكة ما دمت متوضأ يدعون لك بالمغفرة. هذا حال المسجد أنه سوق الآخرة فإذا كنت تنشد الدرجات العلا ولا تكتفي بمجرد دخول الجنة التي ما عليك إلا أن تكون موحداً لكي تدخل الجنة برحمة الله تعالى لكن أين مكانك بعد الدخول؟ (وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً (21) الإسراء) الدرجات العلا تكون لمن تاجر بالجملة. الفرق بين صلاتك في بيتك وصلاتك في المسجد أن صلاتك في البيع بيع مفرد أما صلاتك في المسجد فلا حدود لها عدا عن المضاعفات ففي كل حركة لك فيه عبادة. وما من عمل أظلم عند الله من أن تكون سبباً في إقفال مسجد أو تعطيله عن وظيفته بعبثٍ (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَـئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَآئِفِينَ لهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (114) البقرة) إما بالفوضى أو الشغب أو رفع الأصوات. هذا حال المسجد والكلام في فضله معروف لدى المسلمين.

أعمال المسجد: ننتقل من حال المسجد إلى أعماله وتبدأ من تعاملك مع المسجد عاطفياً من تكوين عاطفتك نحوه ومجرد حبك للمسجد يعتبر عبادة، فقد تأتي للمسجد تصلي وتخرد لكن أن تأتي وأنت متشوق لدخوله وإذا لاح لك مسجد تشعر بالفرحة أن هذا المكان يوصلك إلى الله تعالى ومجرد حبك له وتعلقك به يجعلك واحداً ممن يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله "ورجل قلبه معلق بالمساجد" كلما دخل المسجد شعر بسعادة وشعر أنه أقرب إلى الله تعالى وعندما يخرج منه يخرج آسفاً ويتمنى لو بقي فيه. هذا التعلق من أجلّ العبادات. تبدأ الأعمال بتشكيل عواطفك نحو هذا المكان بحيث أن له قيمة معنوية خاصة في نفسك ترتاح فيه وتأنس به. من ساعة ما تدخل المسجد تبدأ بدعاء الدخول ثم تصلي ركعتين تحية المسجد ثم تجلس تذكر الله ثم ما دمت في انتظار الصلاة فأنت في صلاة تدعو لك الملائكة اللهم اغفر له اللهم إرحمه حتى لو أحدثت تتوقف الملائكة إلى أن تتوضأ ثم تعود فتعود للإستغفار لك " عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الملائكة تصلي على أحدكم، ما دام في مصلاه الذي صلى فيه، مالم يحدث فيه، تقول اللهم اغفر له، اللهم ارحمه". ثم إذا سمعت المؤذن فقلت مثلما يقول كان لك نفس الأجر وكلنا يعلم مدى أجر المؤذن " يضع الله تعالى يده فوق رأس المؤذن يستغفر له كل من يسمعه. وإذا قال المؤذن أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمداً رسول الله قلت وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد r نبياً ورسولاً ليس بينك وبين الجنة إلا أن تموت بهذا الدعاء البسيط ثم إذا دعوت بين الحيعلتين فالدعاء مستجاب وإذا إنتهى المؤذن وسألت الله تعالى الوسيلة لمحمد r فإن شفاعة النبي تجب لك كما في الحديث "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول. ثم صلوا علي. فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا. ثم سلوا الله لي الوسيلة. فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله. وأرجو أن أكون أنا هو. فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة". هذا في الأذان. ثم إذا أقيمت الصلاة وقبل أن يدخل الإمام في الصلاة وأنت تقف في الصف الدعاء مستجاب قبل أن يقول الإمام الله أكبر. ثم إذا دخلت في الصلاة خلف الإمام هذا من أعظم المواقف خاصة إذا كنت في الصف الأول " عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح، لأتوهما ولو حبوا". يعني أن المسلم جاء إلى المسجد قبل غيره والحضور إلى المسجد مبكراً له أحاديث عظيمة. ثم بعد إنتهاء الصلاة دعاؤك مقبول (فإذا فرغت فانصب) أحد المسلمين صلى وقام بعد انتهاء الصلاة مباشرة فأقعده عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقال له: أليس لك عند الله حاجة؟ لأنه وقت ذكر ووقت دعاء. ثم تأمل في صلاة الصبح والعشاء " من صلى العتمة  غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر" "قال عمر بن الخطاب لأن أشهد صلاة الصبح في الجماعة أحب إلى من أن أقوم ليلة". وقال r:" بشّر المشائين في الظُلَم بالنور التام يوم القيامة". صلاتي العشاء والصبح في المسجد تقدمك عند الله تعالى ولا تبقي عليك ذنباً ويكفي أن نقول :" من صلى الصبح في جماعة فهو في ذمة الله" والمفسرون يقولون في تفسير (وتوفنا مع الأبرار) أن الأبرار هم الذين يصلون الصبح في جماعة في المسجد. فما بالك لو صليت كل الصلوات في المسجد؟ حينئذ ترفع درجاتك وعندما تصل إلى الدرجة النهائية فهذه هي المنزلة وتكون قد بلغت القمة. لهذا الكلام في فضل المسجد من حيث أعماله كثيرة. أن تأتي ماشياً لك في كل خطوة تخطوها تحط عنك سيئة وترفع درجة وفي حديث "تغرس لك نخلة في الجنة". كثرة الخطا إلى المساجد تكفر الذنوب: عن أبي هريرة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟" قالوا: بلى. يا رسول الله! قال "إسباغ الوضوء على المكاره. وكثرة الخطا إلى المساجد. وانتظار الصلاة بعد الصلاة. فذلكم الرباط". وكلما ازدادت خطواتك إلى المسجد كلما ارتفعت درجاتك يوم القيامة ولذها كان النبي r يستقبل المسجد ويخرج منه في سفره لذلك الذين يعتكفون في المساجد حتى ولو ساعة هذا الإعتكاف يباعد من النار ثلاثة خنادق كل خندق كما بين السموات والأرض وفي رواية كما بين المشرق والمغرب. أنت في حضرة الله عز وجل فماذا تقول في مواطن هو جليس الملك في قصره؟ من أجل ذلك الإعتكاف في المسجد يجعلك من أحباب الله " إن للمساجد أوتاداً" لكثرة ترددهم على المسجد تصبح من أهل المسجد تألفهم الملائكة إذا حضروا تبشبشوا لهم كما يتبشبش أهل الغائب إذا حضر غائبهم وإذا غابوا افتقدوهم وإذا كانوا في حاجة أعانوهم. هذا يشعر به الذين يصلون في المساجد يشعرون أن الله تعالى معه يؤيده وأن حاجاته تقضى وأنه نفسه لا يشعر بكآبة وإنما يشعر بابتهاج مستمر لمجرد أنه يصلي أكثر أوقاته في المسجد. أعمال المسجد كثيرة: بناؤه "من بنى لله مسجداً ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة" "ومما يلحق العبد بعد موته مسجداً بناه" لو بنى أحدكم مسجداً مهما كان صغيراً هذا المسجد يبقى كل من يصلي فيه يكتب في حسنات الذي بناه حتى لو هُدِم هذا المسجد واندثر بناؤه يبقى أجر من بناه إلى يوم القيامة لأن مكانه يبقى عند الله تعالى أنه بيت من بيوت الله ويصبح لهذا البيت خصوصية في عالم الأمر تصلي به الملائكة إلى يوم القيامة. وكل مسجد بينى يدر على صاحبه إلى يوم الساعة حتى لو هدم أو هُجِر تصلي فيه الملائكة حتى لو لم يبقى له أثر على وجه الأرض وهذا من قدسية المساجد (وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدا).

أعمال المساجد تبدأ من ساعة ما تتحرك من بيتك باتجاهه ولو مات أحدهم فيه فلا يحاسبه على ذنب ما لم يكن مشركاً أو خرج وهو في طريقه إلى المسجد أو بعد خروجه منه متوجهاً إلى أهله حكمه حكم من مات في المسجد. أعمال المسجد سوق الآخرة وهي من أسواق الجملة الأجر فيها لا حدود له. هناك فرق بين أن تصلي في بيتك (الحسنة بمثلها) وبين أن تصلي في المسجد حيث كل حركة تتحركها من ساعة ما تخرج من البيت إلى أن تعود، كل حركة عبادة حتى وأنت جالس بانتظار الصلاة فأنت في عبادة. والصلاة في المسجد تكتمل أكثر من الصلاة في البيت من حيث الخشوع والجماعة وهي أكثر من الصلاة في البيت فالصلاة هي الهدف في المسجد ونوعية الصلاة في المسجد تختلف عن الصلاة في البيت مهما حاولت أن تجوّد الصلاة في بيتك. فلا بد من نوعية متميزة في الأداء والخشوع والاطمئنان هذا في الغالب لا يكتمل في البيت كما يكتمل في المسجد وخشوع الصلاة ليس سهلاً وكثير من المسلمين يعانون من عدم الخشوع ومن الأسباب التي تعين عليه أن تطمئن ومن الطمأنينة أن تسبح الله ثلاث مرات لأنه إذا سبحت مرة أو سجدت بدون تسبيح لا يمكن أن تجد في نفسك خشوعاً فيما لو اطمأنت حركاتك في الصلاة وأن تسبح على الأقل ثلاث مرات وإذا سبحت أكثر تطمئن أكثر. الطمأنينة بالتمام والتمام هو الذي يؤدي للخشوع. إنتظارك للصلاة أنت في عبادة جليلة أنت تفرغ من صلاة وتنتظر صلاة وأنت في رباط، من فرغ من صلاة وبقي في مجلسه لا يقول إلا خيراً ليؤدي صلاة أخرى فإن له رحمة يعيش بها، جاء الرسول سريعاً إلى المسجد يبشرهم أن الله تعالى تجلّى عليهم قال انظروا إلى عبادي فرغوا من صلاة وينتظرون أخرى أشهدكم أني غفرت لهم". من ساعة ما تفكر بالذهاب إلى المسجد أنت ضامن على الله، ثلاث مواقف العبد فيها ضامن على الله منها أعمال المسجد التي تجعل الثواب ثواباً عظيماً جليلاً لا يبقى معه ذنب. يقول r " أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات. هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا يبقى من درنه شيء. قال "فذلك مثل الصلوات الخمس. يمحو الله بهن الخطايا ". ونظراً لأهمية الصلاة في المساجد حذرنا الرسول r من ترك إجابة النداء حتى همّ أن يحرّق البيوت على قوم يسمعون النداء ولا يأتون إلى المساجد. الأمر قريب من الإجبار حتى يوشك أن يكون فرض عين والذعر مرض أو خوف فقط وما عدا هذا "إن الجفاء كل الجفاء والكفر والنفاق أن تسمع منادي الله ثم لا تلبّيه" عبد الله بن أم مكتوم أعمى وقد تجاوز المائة قال: يا رسول الله قد كبرت سني وبري عظمي وليس لي قائد يقودني وبيني وبين المسجد عوائق أتأذن لي أن أصلي الصبح وحده في بيتي؟ قال r: نعم ففرح عبد الله فلما أدبر ناداه النبي r فقال: أتسمع النداء؟ قال نعم، قال إذن أقبِل. لم يأذن r أن يتخلف ابن أم مكتوم عن صلاة الصبح وحدها فما بالك بالذي لا يصلي إلا الجمعة في المسجد أو لا يصلي أبداً. إذا أردت أن تتجاوز ذنوبك يوم القيامة وتدخل الجنة دخول الفاتحين وتتلقاك الملائكة فالطريق في المسجد.

كمال المسجد: الكمال أولاً في الصلاة في أول وقتها ثم العلم من كمال بقائك في المسجد " عن أبي ذر؛ قال: - قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا أبا ذر! لأن تغدو فتعلم آية من كتاب الله، خير لك من أن تصلي مائة ركعة. ولأن تغدو فتعلم بابا من العلم، عمل به أو لم يعمل، خير من أن تصلي ألف ركعة)). " قد تتعلم آية أو مسألة علمية. ثم عليك أن تتجنب أحوال الدنيا بقاؤك في المسجد يجب أن يكون كله في مجال العبادة ليكون كمالاً. تعلّم أن تجيب المؤذن ولا تكسل وفضل المؤذن عظيم. عندما تجيب المؤذن لك أجر. ومن العبادات التي تكمل مقامك سد الفُرَج ولو يعلم ماذا يعني أن تسد فرجة بين مصليين وترص الصفوف لعجبت كيف أن الله تعالى أسبغ على أهل المساجد. الله تعالى يسد عنك كل حاجة يوم القيامة. المطلوب سد الفرج الساق بالساق والكتف على الكتف بدون مبالغة كما يحصل اليوم ومن أجلّ العبادات سد الفرجة حتى لو كنت في صلاة ورأيت فرجة في الصف أمامك تقدم خطوة خطوة حتى تسدها "إن الله وملائكته يصلون على من وصل الصفوف" " من وصل الصفوف وصله الله عز وجل". وأنت جالس حاول أن لا تغفل عن ذكر الله فمنذ دخولك صلي تحية المسجد واذكر الله، سبحه واحمده وتفكر في آية تصبح أنت في صلاة كاملة. هذا من الكمال.

جمال المسجد: من جمال المسجد أن تأتي وأنت لابس ثوباً نظيفاً معطّراً لأنك قادم للقاء الملك لا ترفع صوتك. ومن جماله إذا أتيت متأخراً حتى لو كان الإمام يسلّم لا تسرع وإنما تعال وعليك السكينة والوقار. ومن جماله أن تأتي وأنت في غاية الوقار. ومن جماله أن تنظفه وأن تبخّره ومن جمالياته عدم التشبيك بين الأصابع وأنت جالس "إن التشبيك من الشيطان" وأن لا يكون في المسجد بيع ولا شراء فأنت في المسجد في حضرة الله عز وجل.

بُثّت الحلقة بتاريخ 16/11/2006م


المقطع الثاني من أول خطبة للنبي r في المدينة: العلاقة بالله تعالى والإخلاص

واكبنا مسيرة النبي r منذ خروجه من مكة إلى وصوله إلى المدينة وتحدثنا عن بعض ما ينبغي أن نتأسى به في هذه المسيرة حيث وقفنا مع الرسول r ساعة لقائه بالمسلمين في المدينة حيث وجههم إلى أربع عبادات عظيمة شرحناها سرنا خلفه r وهو داخل إلى المدينة حيث بنى مسجد قباء وتحدثنا عن فقه المسجد وسرنا خلفه r وهو خارج من من قباء متوجهاً إلى المدينة صبيحة يوم الجمعة بعد أحد عشر يوماً قضاها في قباء وقد صادفته الجمعة في بني سليم فخطب بهم في مسجد ببطن الوادي. وتحدثنا عن المقطع الأول من خطبته الشهيرة التاريخية من حيث أنها أول خطبة في المدينة وكان يتحدث عن التقوى وأن الله تعالى وصى المؤمنين بها ووصى الرسول r أمته بالتقوى وشرحنا أنواع التقوى وفلسفتها ووعدنا أن نتحدث عن المقطع الثاني والثالث.

نتكلم عن المقطع الثاني في خطبته r هذا المقطع الذي يتحدث عن ضرورة أن يصلح المؤمن ما بينه وبين الله ومن يصلح الذي بينه وبين الله عز وجل في السر والعلانية لا ينوي بذلك إلا وجه الله عز وجل يكن له ذكراً في عاجل أمره وذخراً ما بعد الموت يوم يفتقر العبد إلى ما قدّم خذوا في  ولا تفرطوا في جنب الله فإن الله علمكم كتابه وسهّل لكم سبيله والله أعلم بالمهتدين.

إذن النبي r في أول خطبة يخطبها بين المسلمين في المدينة يحدثهم عن ضرورة أن يصلح المؤمن ما بينه وبين الله تعالى في السر والعلانية وإياك أن تصلح العلانية مع فساد السر لأن هذا رياء يمسى الشرك الأصغر وقد يقترب إلى النفاق. وعلى كل حال أن تصلح علانيتك وتفسد سريرتك فهذه علاقة سيئة جداً مع الله تعالى. من هذا علينا أن نتعلم كيف نصلح ما بيننا وبين الله تعالى وإصلاح ذات البين بينك وبين الله تعني أنك أغضبت الله، ومن عباد الله من أطاع الله ابتداء كما في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله وذكر منهم شاب نسأ في طاعة الله. هذا أصلح ما بينه وبين الله من أول يوم وهذا ما كان عليه غالبية الناس في القرون الأولى السابقة فقد كانت الغالبية العظمى شباباً نشأوا في طاعة الله من حيث أم مغريات الحياة وموجبات إنحراف الناس كانت شبه معدومة أو منزوية وكانت واجهة الأمة نظيفة ليس هناك حانة يشرب فيها الخمر ولا نساء كاسيات عاريات ولا صحف خليعة ومجلات، كان الشباب ينشأون في طاعة الله أما في عصرنا هذا فالأمر يختلف والنبي r يشخّص ذلك وحذرنا منه مسبقاً "القابض على دينه كالقابض على جمر". قارن بين جدك وبينك اليوم في مسألة النظر إلى امرأة حرام، هل عفّة جدك في النظر إلى محارم الله بحيث أنهم لا ينظرون إلى إمرأة محرمة كل كان ذلك صعباً؟ كلا لأنه لم يكن في الشارع إمرأة سافرة هذا إذا كان في الشارع امرأة أصلاً فالنساء كانت لا تخرجن إلا متحجبات لذا النشأة في طاعة الله كان أمراً ميسوراً. لم يكن أحد يتعامل بالربا ولم يكن هناك قنوات فضائية تعلّم الناس الإنحراف ولم يكن هناك من يجعلك تنحرف في دينك. تلك المجتمعات كان القابض فيه على دينه أمراً سهلاً. أما الآن فإذا أردت أن لا تنظر إلى امرأة محرمة وعاهدت الله تعالى أن تكفّ عينيك عن امرأة حرام تأمّل كم في ذلك مشقة وفعلاً القابض على دينه كالقابض على جمرة من نار. وهكذا بقية الذنوب كلها على هذا النسق إذا أرجت أن تتجنبها فكأنك قابض على جمرة من نار. نحن الآن في مجتمع جديد لا علاقة له بالمجتمع الإسلامي ولكي نصلح ما بيننا وبين الله تعالى وما أكثر ما نقترف من المعاصي والذنوب التي أصبحت ميسورة بحيث تقتحم عليك بيتك وهاتفك ومكتبك "ومن يصلح الذي بينه وبين الله عز وجل في السر والعلانية لا ينوي بذلك إلا وجه الله عز وجل يكون له ذكراً في عاجل أمره وذخراً فيما بعد الموت يوم يفتقر العبد إلى ما قدّم". نحن الآن الشريحة الثانية فكيف نصلح ما بيننا وبين الله تعالى وقد فسد كثير مما بيننا وبينه؟

المسلّمات الثابتة هو أن تمحّص التوحيد وهي قضية القضايا وما بعدها سهل، الأمر الصعب أن يكون توحيدك لله تعالى خالصاً (مخلصين له الدين) والدين لا إله إلا الله هذه التي وصّى بها كل الأنبياء (أنه لا إله إلا أنا فاعبدون). الخطوة الأساسية أن تتعهد توحيدك لله تعالى وإيمانك به في عصر إختلطت فيه الآراء والفلسفات والمذهبيات وتشعّب الأمر وضاق صدر المؤمن فيها. أول ما تبدأ تعبد الله تعالى لا تشرك به شيئاً ومن دون ذلك أنت هالك لأن التوحيد هو الأساس " ليس على أهل لا إله إلا الله بأس" " من قال لا إله إلا الله مصدقاً بها قلبه ثم صلّى الخمس وصام رمضان إلا دخل الجنة"، يتوجه إلى الله تعالى مباشرة فقد بدأ طريق الإصلاح.

ثم الفروض المعروفة، هذه الأساسيات. بعد ذلك تحاول إجتناب الكبائر التي شاعت الآن شيوعاً عظيماً وإذا وقاك الله تعالى الكبائر فقد نجوت. والكبائر هي الشِرك بالله بنوعيه (أكبر وأصغر) عقوق الوالدين، أكل الربا، أكل مال اليتيم، التولي يوم الزحف، السِحر، قذف المحصنات، هذه الكبائر التي إذا ابتلاك الله بواحدة منها فهي من المقحمات التي تحبط الأعمال الصالحة وتدخلك النار. وإذا غضب عليك أحد من أبويك بحق فهذا الهلاك بحيث لا ينفع معك عمل. هكذا التولي يوم الزحف وأكل مال اليتيم. إذا إجتنبت الموبقات فقد خطوت خطوتك الثالثة وتكون قد أصلحت ما بينك وبين الله تعالى بتمحيص التوحيد لله تعالى. هذه الأشياء الثلاثة لا بد منها وإذا نجّاك الله من أي أنواع الشِرك والشِرك يتسلل إلى أحدنا بأخفى من تسسل النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء. الآن فعلنا ذلك وكنا قد أفسدنا ما بيننا وبين الله طويلاً منذ عمر 15 إلى الآن وأنت تعصي الله وأفسدت ما بينك وبين الله واليوم تريد أن تصلح كما أوصى الرسول r في أول خطبة جمعة في بني سُليم. إصلاح البين فيما بينك وبين الله تعالى لا يحتاج عناء. المعاناة عندما يفسد الأمر بينك وبين لئيم أو حاقد أو ظالم لأنه لا يغفر ولا يسامح ولا يحب لك أن تكون بخير لكن ما بالك إذا كان خصمك كريماً جواداً مسامحاً يحبك على رغم ما كان منك من اعتداء ويرجو قربك على ما كان منك من شرّ، هذا الخصم مهما أسأت إليه فالصلح معه لا يحتاج إلى أكثر من: السلام عليكم، ولا يحتاج وساطة وإنما يأتي إليك ويفرح بك ولا يبقى في قلبه شيء عليك. هكذا هم بعض المخلوقين الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، الكرماء الأجواد، الحليمين وكلنا صادف أحد من هؤلاء، إذا رأى منك مجرد إقبال أو تسليمة واحدة يفرح بك. فما بالك برب العالمين الجواد الكريم الغفور الغفار الرحيم الذي يفرح بعودتك إليه كما يفرح صاحب الراحلة الذي قال من فرحته براحلته اللهم أنت عبدي وأنا ربك.

تكلمنا في التوبة وفقه التوبة وكيف أن الله تعالى إذا تقرب عبده منه شبراً تقرب إليه ذراعاً وإذا تقرب العبد ذراعاً تقرب إليه باعاً وإذا جاءه مشياً جاءه هرولة. الخطوة الأولى: تتوجه إلى الله تعالى برغم ما جرى منك من عظائم الأمور حتى لو قتلت مائة رجل. وبعد ضرورة تمحيص التوحيد وأداء الفروض وتجنب الكبائر تتوجه بقلبك إلى الله تعالى. ولكي يتم الصلح بينك وبين الله الجواد الكريم عليك أن تقدم له هدية يفرح بها فإذا كنت تعرف من المخلوقين كريماً جواداً عليك أن تقدم له هدية يفرح بها وسيغدق عليك من نعيمه فما بالك بأكرم الأكرمين؟ بهد هذا الذي قلناه لكي تصلح الأمر تماماً بينك وبين الله تعالى بعد أن تبت إليه وغفر ذنبك عليك أن تعبده عبادة تقرّبك إليه (والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين) الكريم يكتم غيظه أولاً ثم يعفو عنط ثم يُكرمك. هكذا رب العالمين فلكي تستدّر كرمه فاعبده عبادات يحبُّها ويغفر بها الذنوب. والسُنّة فيها عبادات من فعلها غفر الله ذنبه ولو كانت مثل زبد البحر، وإن فرّ من الزحف. عبادات لا تبقي عليك ذنباً والمفرح من الله أنها من أسهل العبادات وهكذا هو الكريم لا يريد منك هدية بها كمّ وإنما لها كيف. العبادات التي تعبد الله تعالى بها وهو يحبها تسبب لك متعة جميلة يغفر لك الله تعالى ما تقدم من ذنبك وتكون بذلك قد أصلحت ما بينك وبين الله تعالى. ومن هذه العبادات التي تجعل صحيفتك بيضاء ليس فيها ذنب وذلك من كرمه سبحانه "ليرحمنّ الله الناس رحمة يوم القيامة يتطاول لها إبليس":

هذه موعظة النبي r الذي يصلح ما بينه وبين الله تعالى بعد أن أدّى الأركان. هذه العبادات بالإضافة إلى أنها تغفر الذنوب فإنها تزيد الأجر. أن يغفر الله تعالى الذنب ويقبل التوب ويرفعك إلى درجة النبيين والصديقين  الشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.

بُثّت الحلقة بتاريخ 18/11/2006م

 


Hit Counter