رحلة القرآن العظيم
رحلة القرآن العظيم - الحلقة 5 طباعة البريد الإلكترونى
تقييم المستعملين: / 0
فقيرأفضل 
كتب محررة الموقع   
الجمعة, 03 يوليوز 2009 10:27
رحلة القرآن العظيم (5)

المعلق:

فتح المسلمون فلسطين وتسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه بيت المقدس، هذه المدينة المقدسة التي نزل فيها قوله سبحاته وتعالى:

? سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ ? [الإسراء الآية 1].

والتي قال عنها الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى). وكتب الخليفة لأهل بيت المقدس وثيقة الأمان التي عرفت فيما بعد بالعهدة العمرية.. بسم الله الرحمن الرحيم.. " هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان، أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم سقيمها وبريئها، وسائر ملتها أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينتقص منها ولا من خيرها ولا من صلبهم ولا شيء من أموالهم ولا يكرهون على دينهم ولا يضار أحد منهم ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود وعلى أهل إيلياء أن يعطوا الجزية كما تعطي المدائن، وعليهم أن يخرجوا منها الروم واللصوص فمن خرج منهم فهو آمن، وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية، ومن أحب من أهل إيلياء أن يسير نفسه وماله مع الروم ويخلي بيعهم وصلبهم، فإنهم آمنون على أنفسهم وصلبهم حتى يبلغوا مأمنهم، فمن شاء منهم قعد وعليهم مثل ما على أهل إيلياء من الجزية ومن شاء سار مع الروم، ومن شاء رجع إلى أهله فإنه لا يؤخذ منهم شيء حتى يحصدوا حصادهم، وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخلفاء، وذمة المؤمنين إذا أعطوا ما عليهم من الجزية".

كتب سنة خمسة عشر للهجرة، شهد على ذلك خالد بن الوليد وعبد الرحمن بن عوف وعمر بن العاص ومعاوية بن أبو سفيان.

بعد كتابة وثيقة الأمان زار عمر رضي الله عنه كنيسة القيامة، ولما كان في داخلها حان وقت الصلاة، فأشار عليه البطريك صافرونيوس أن يصلي في داخل الكنيسة قائلاً " مكانك صلي " إلا أن عمر أبى، وخرج من الكنيسة وصلى في مكان قريب خشية أن يتخذ المسلمون صلاته ذريعة فيضعوا أيديهم عليها، فقابل النصارى عمله هذا بالشكر، وذكره المؤرخون بالتقدير، فلما سأل عن مكان الصخرة فإذا هي مكان للقاذورات، فراح يحفن التراب بكفيه عنها، وحذا الصحابة حذوه، إلى أن برزت الصخرة فأمر أن يبنى عليها مسجد فبني المسجد، وكان ظلة من خشب حتى جاء فيما بعد عبد الملك بن مروان فأقام عليها جامع فخم وقبة لا تضاهى.

ذكر المؤرخون أن الخليفة عمر بن الخطاب زار قبيل رحيله عن بيت المقدس أبا عبيدة بن الجراح في بيته فلم يجد فيه سوى لبد فرسه، وكان هذا هو فراشه وسرجه ووسادته، وكسرٍ يابسة في كوة بيته ولما دخل عمر جاء بهذه الكسر فوضعها على الأرض بين يديه وأتاه بملح جريش وكوز من الخزف فيه ماء، فلما نظر عمر إلى ذلك بكى، وقبل أن يغادر بيت المقدس جمع الجند وشكر الله إذ صدق وعده ونصر جنده وأورثهم البلاد ومكن لهم في الأرض ثم نصحهم بالابتعاد عن المعاصي والتوبة وتقوى الله وإلا ذهب الله عزهم وسلط عليهم عدوهم. وأقام على بيت المقدس يزيد بن أبي سفيان على أن يأتمر بأوامر أبو عبيدة ثم عاد إلى الحجاز.


وفي سنة ثماني عشرة للهجرة استأذن عمر بن العاص الخليفة عمر في فتح مصر، وسار من قيصارية إلى عسقلان فغزة فرفح، ماراً بالعريش حتى وصل حصن بابليون ثم أرض مصر.

واختط الفسطاط ونشر الدعوة ودانت مصر بالإسلام، وتولى عبد الله بن أبي السرح ولاية مصر فاتجه لفتح إفريقية ووصل تونس ودخلها سنة ثماني وعشرين للهجرة، وتولى مصر بعد ذلك معاوية بن حديج السكوني، وتولى عقبة بن نافع قيادة فتح المغرب سنة خمسين للهجرة فسار من زويلة وودان وفذان إلى جدامس ودخل إفريقية من الجنوب.

واختط شمال سبيطلة قاعدة سماها القيروان وبنى فيها مسجداً جامعاً واتخذ دار إمارة وأنفق في بناء القيروان خمس سنوات وأصبحت رابع الأمصار الإسلامية بعد الكوفة والبصرة والفسطاط.

حمل المسلمون المصحف الشريف المكتوب بخط الكوفة إلى إفريقية الشمالية، وسكانها من البربر يكتبون كتابة تسمى فيناغ لا تزال تستعمل حتى الآن لدى الطوارق في الصحراء الجزائرية، ولم يمض القرن الهجري الأول حتى كان الإسلام موطد الأركان في كل أنحاء المغرب، فهجر المغاربة حروفهم ونظروا إلى ذلك الحرف الوافد إليهم نظرة إكبار وتقديس ومحبة فحافظوا على رسومه ورصانته وتشددوا في قواعد الشكل الذي وفد إليهم مع الفاتحين من المدينة المنورة.

وكان مذهب الإمام مالك بن أنس واضحاً بيناً في جملة الرموز القرآنية حتى عهد قريب، تأسست القيراون وجامعتها في القرن الهجري الأول، وأمها أكابر علماء البصرة والكوفة ونشروا مذاهبهم في طريقة الكتابة القرآنية وتأثر أهل القيروان بالخطوط الكوفية المشرقية، ورأوا فيها أرواحهم وحياتهم وأنسهم، وأضفوا على خط المصحف مسحة جمال تفردوا بها عبر الأزمان حتى التصق اسمه بخطهم ودعا بالخط القيرواني، والمصحف المحفوظ في خزانة مركز الحضارة والفنون الإسلامية بقصر رقادة بقيروان بتونس يدلنا بوضوح على طريقة الكتابة القيروانية في المصحف الشريف الذي خطه الخطاط علي بن أحمد الوراق على خمسة أسطر لحاضنة المعز بن باديس الصنهادي والذي حبسته على الجامع الأعظم بمدينة القيران.

ونقرأ فيه.. ? زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ? [سورة البقرة: 212].

وإن كان تطور الرموز والنقط في المشرق يسير قدماً للتوصل إلى النطق السليم لألفاظ القرآن الكريم؛ فإن المغاربة لم يرفضوا كل ما جاء إليهم من قديم المشرق، وإنما قبلوا ترتيب الحروف الهجائية مع اختلاف يسير واستعملوا نقط أبي الأسود الدؤلي ثم نقط نصر بن عاصم مع اختلاف نفط الفاء والقاف وكتبوا أسماء السور بالذهب.

ظل استعمال الخط اليابس الكوفي في المصاحف المغربية حتى القرن السادس الهجري، ونلحظ في تلك المصاحف تطوراً واضحاً في ليونة بعض الحروف وفي الشكل، وبعض الخواص التي تتسم وتنطبع بطابع المغاربة بخلاف المشرق كجرة الوصل، وتوجد في المكتبة الوطنية بتونس أوراق من مصاحف عثر عليها في مسجد القيروان ومنه هذا النموذج وهو مكتوب على الرق، وآياته من آخر سورة طه وتبتدئ: ? وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلاَ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى * قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى ? [سورة طه، الآية 135].

ونلاحظ الشكل المثلث للنقط وتدل على انتهاء الآيات وهي فواصل بينها، وكتب رأس السورة بالذهب، ولكن بخط المصاحب الأولى وجاء فيها فاتحة السورة التي يذكر فيها الأنبياء:? اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ? [سورة الأنبياء، الآية 1 – 2].

ونرى بوضوح في هذه الكتابة رسم عراقات النون والياء وأشباههما بأشكال دائرية ومع ذلك فإن الخطاط لم ينس أصلهم الجاف، فاستعملهما لضيق المكان في آخر السطر، كما استعمل الشكل الذي استحدثه أبو الأسود الدؤلي، فالنقطة الحمراء فوق الحرف للفتح، وتحته للخفض والمتراكبتان للضم والنقطة الخضراء للهمز، وليس في المصحف نقط نصر بن عاصم على الحروف المتشابهة ومما تبقى من أوراق المصحف الذي كتبه وجلده علي بن أحمد الوراق لفاطمة الحاضنة ما نصه:

? ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنْهَارُ ? [سورة البقرة الآية 74].


وأثر الجودة واضح في تنوع منبسطات الألفات الموزونة الطول ودقة الفراغ بين الصواعد والنوازل وسائر الحروف وامتاز أيضاً برسم رؤوس الواو والميم والهاء بشكل مثلث واتبع طريقة الخليل في رسم الفتحة والضمة والكسرة والشدة، ورسم الهمزة رأس عين صغيرة وللصلة جرة، وهو ما امتازت به المصاحف المغربية دون سواها.

والعناية الشديدة واضحة في كتابة هذا المصحف الثمين والسبب في ذلك أنه مكتوب لحاضنة أمير كان ثالث أمراء زيري الذين خلفهم الفاطميون على تونس بعد انتقالهم إلى مصر، وقد أشرفت على متابعته الكاتبة درة وتم وقفه على الجامع الأعظم بالقيروان في شهر رمضان على يد قاضي القضاة عبدالرحمن بن هاشم.

ونلاحظ صفحة أخرى من هذا المصحف، الذي بلغ قمة الجمال فنقرأ: ? شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلاَمُ ? [سورة آل عمران، الآية 17، 18].

ومن الكنوز الأثرية بجامع القيروان صندوق خشبي كبير كان يحفظ به هذا المصحف وعليه كتابة كوفية جميلة تحمل اسم الحاضنة الجليلة وتاريخ الوقف المسجل على المصحف نفسه.

الأندلس..

لقد كان للمسلمين في الأندلس دور كبير في تطوير الحرف العربي المغربي الذي كتبت به المصاحف وإن كانت القيروان أسبق في الظهور بعد إن اختط عقبة بن نافع القيروان سنة خمسين للهجرة والتي توافق سنة سبعين وستمائة للميلاد، وجعلها قاعدة متقدمة للمسلمين يرابطون فيها للغزو والحرب ويقيمون فيها في السلم، قاد جيش الإسلام من المسلمين حتى وصل الأطلسي.

وخاض خلال ذلك مجموعة من العمليات واصطدم مع قوات البربر والروم وتوفي في تهوذا ودخل العرب شبه جزيرة إيبيريا فاتحين سنة اثنتين وتسعين هجرية زمن الخليفة الأموي الوليد بن عبدالملك تحت إمرة طارق بن زياد ثم موسى بن نصير.

ولما انتهوا بالفتح إلى برشلونة عاد موسى ومعه طارق إلى المغرب ومنها للمشرق بعد أن ولى عليها ابنه عبد العزيز بن موسى بن نصير.

وما زالت تختلف عليها الولاة من قبل بني أمية حتى انتهى حكهم في المشرق سنة اثنتي وثلاثين بعد المئة، ومن خيرة الولاة السمح بن مالك الذي مات أثناء حصاره لمدينة طولوز بفرنسا، وعبد الرحمن الغافقي الذي فتتح بوروده وليون وبيزانسون ثم طور وبواتيه التي توفي فيها أثناء المعركة بعد أن أصيب بسهم.


بعد سقوط الدولة الأموية في الشرق أمعن السفاح في تقتيل الأمويين فهرب منهم عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك حتى دخل الأندلس سنة ثمان وثلاثين بعد المئة واقام فيها ملكاً وحضارة ومات فيها سنة ستة ومئتين وخلفه ابنه عبد الرحمن الأوسط بعهد منه.

وكان لطيف الجانب عظيم الخلق ميال للعلم والعلماء على اختلاف مذاهبهم، ثم خلفه عبد الرحمن الناصر الذي بنى الزهراء، وجعلها مركز الحكم، وكان عالماً فاضلاً بعيد النظر في القيادة والسياسة شجاعاً، وتوفي الناصر سنة خمسين وثلاث مئة هجرية بعد حكم دام خمسين سنة، وطد فيها دعائم الحكم لأبنه الحكم التي تفرغ لنشر العلم.

فكانت مكتبته تضم أربعة مئة ألف مجلد من الكتب النادرة وكان على أغلبها تعليقات بخطه، وكان أعلم بني أمية على الإطلاق، وقد نقلت العلوم والمعارف في عهده إلى أوروبا وترجمت الكتب إلى اللاتينية، ولولا ذلك لكانت أوروبا اليوم متأخرة مئات السنين عما وصلت إليها.

وتتالت الأحداث حتى انتهى الأمر بهشام بن محمد الملقب بالمعتمد فكان ضعيفاً فخلعه الجنود سنة اثنتين وعشرين بعد الأربعمائة وانقضى أمر الدولة الأموية، ثم تقسمت الدولة إلى ملوك الطوائف وآلت إلى حكم بن جهور والمعتمد بن عباد صاحب إشبيلية، ثم جاء المرابطون والموحدون ولم يبق للعرب غير غرناطة التي بقيت في يدي بني الأحمر إلى آخر القرن التاسع الهجري حين سلم أبو عبد الله مفاتيح غرناطة إلى فرديناند في الثاني من شهر ربيع الأول سنة سبع وتسعين وثمانمائة هجرية.

حمل المغاربة القيروانيون خطهم الجميل إلى الأندلس حيث كانت بلادهم مركزاً للعبور نحو المشرق، ومنه ومؤولاً للعلم والبحث والدرس، فلما كانت الحضارة قد بلغت أوجهاً وكانت الحضارة والعمران والعلوم بدأ الخط المصحفي الأندلسي يرنوا نحو الليونة بدل اليبوسة، ويرسم ملامح وبوادر خط جميل بهيج، وكأنه التفاف الريحان في لوحة يسودها الحب في كتاب الله وشوف للارتفاع بالمعاني إلى أقصى درجات الصفاء.

وكانت العلوم في القرن الهجري الخامس بلغت مبلغاً عظيماً من التقدم، فقد ترك أبو عمر الداني الذي توفى سنة أربع وأربعين وأربعمائة هجرية كتب قيمة في نقط المصاحف وقراءتها.

يقول ابن خلدون:" وأما أهل الأندلس فافترقوا في الأمصار عند تلاشي ملك العرب ومن خلفهم من البربر فانتشروا في عدوة المغرب وإفريقية، وشاركوا أهل العمران بما لديهم من الصنائع وتعلقوا بأذيالهم فغلب خطهم على الخط الإفريقي وعفا عليه ونسي خط القيروان والمهدية بنسيان عوائدهما وصنائعهما، وصارت خطوط إفريقية كلها على الرسم الأندلسي بتونس، وما إليها وتميز ملك الأندلس للأموييين فتميزوا بأحوالهم من الحضارة والصنائع والخطوط وتميز خطهم الأندلسي كما هو معروف الرسم لهذا العهد، ونرى في نماذج المصاحف الأندلسية التي وصلت بر السنين مدى التطور الجميل الذي أشتق من الحروف الأموية، وقد سارت كلها على النهج العثماني في رسم المصاحف، وضبطت في البداية على طريقة أبي الأسود ثم تآلفت مع بعض رموز الخليل بن أحمد ثم نصر بن عاصم، وجعلت الفاء بنقطة إلى الأسفل والقاف بنقطة من الأعلى كما هي الحال في رسوم المغاربة، فاللون الأصفر مخصص للهمزات وهي على هيئة نقطة مدورة والحمرة للحركات وقد وردت في بعض المواقع دال مقلوبة، وأخذ أهل المدينة كما يروي الداني وصورة التشديد على هذا المذهب وتبقى الدال علامة على الشدة في المفتوح والمكسور والمضموم وعلى هذا الوجه ذهب نقاط أهل المدينة ومن سلفهم ومن خلفهم، وعلى استعماله واتباع أهل المدينة فيه عامة أهل بلدنا قديماً وحديثاً، وهو الذي أختار، وبه أنقط، ثم يذكر الداني بأن النحويون اختاروا كلمة شديد علامة على الشدة، واختار أهل المدينة أخر حرف الكلمة وهي الدال.

ومما يلاحظ في كتابة الأندلسيين والمغاربة نقط حروف الفاء والقاف والنون والياء في التطرف خلال القرون الأولى، إلا أنها قد خلت وتعرت فيما بعد من النقط في حالة التطرف.

ويضع الأندلسيون والمغاربة النقطة الخضراء للوصل على الألف عند البدء بالفتح وفي وسط الألف عند البدء بالضم وتحت الألف عند البدء بالكسر، وذلك ما امتازت به المصاحف الأندلسية والمغربية.

اعتنى الأندلسيون والمغاربة باستعمال الزخارف المذهبة والملونة في مصاحفهم، ومعظمها تبدأ بمربعين متقابلين بزخارف هندسية، تتداخل فيها الزخارف النباتية التي لا فراغ فيها، فالخطاط المسلم يكره الفراغ، كما يوجد مثلهما أواخر المصحف ورسمت فواصل الآيات بحليات الذهب وكذلك الأخماس والأعشار من الآيات في أشكال متباينة يحار المرء لي روعتها ودقتها، ويبحر معها متأملاً في آيات القرآن مسبحاً الله على ما من عليه من سلامة الذوق وحسن الاختيار.

وفي الهوامش طرر مزخرفة متصلة بأسماء السور وأخرى للأحزاب والسجدات وتجزءات رمضان وهي تنبيء قارئ القرآن وحافظه وتنبه إلى المكان الذي وصل إليه في قراءته كما أفردت لسورة الفاتحة والبقرة وأوائل الأجزاء مستطيلات مزخرفة كتب بداخلا اسم السورة وعدد آياتها.

أما بقية أسماء السور فكتب بخط الكوفة المجرد من النقط وبلون الذهب وكان ذلك حتى القرن العاشر الهجري.

وجل المصاحف المغربية مكتوبة على الرق لمتانتها وصونها من التلف.

لم يكن في المصاحف الأندلسية والمغربية على طول الزمن سوى خط واحد في خط نص القرآن وهو الخط المبسوط الذي يتسم برزانة حروفه وقربها من خطوط المشارقة الأم.


والفروق بين خطوط المصاحف الأندلسية والمغربية فروق تجويد واختلافات ضئيلة وترجع الاختلافات في مدرسة واحدة إلى انعدام قواعد تضبط الخط المغربي بالرغم من وجود حفاظ للقرآن في تلك البلاد، لقد حافظ الأندلسيون والمغاربة على مرسوم المصحف العثماني كما لقنوه وكما رأوه في المصحف الإمام مصحف عثمان.

وحرصوا على ذلك أشد الحرص ولما ارتضوا إدخال الشكل والحروف الزوائد رسموها بألوان مغايرة لحبر الكتابة، فخصة الفتحة والضمة والكسرة والحروف الزوائد بالحمرة والسكون والشد والوقف بالأزرق والصلة بالخضرة والهمز بالصفرة وامتازت المصاحف الأندلسية والمغربية عن المشرقية بالجرة المرسومة على الف الوصل لتدل على الحركة السابقة، وبالنقطة الدالة على كيفية الابتداء بألف الوصل عند الوقف، واختصت مصاحفهم أيضاً باتباع التنوين المتراكب منذ إرساء قوعد الرسم.

المصحف الشريف ومظهره الخارجي.

تنوعت أشكال وأحجام المصاحف والصفحات التي خط عليها رسم القرآن العظيم عبر التاريخ، وهي في مجملها لا تتعدى عن ثلاثة أشكال، شكل مربع، وآخر مستطيل بشكل أفقي، وثالث مستطيل بشكل عمودي.

ولقد وصلنا من النموذج الأول بعض صفحات نادرة الوجود وتحتفظ بها مكتبة جامعة إسطنبول وهي مما تركه أجدادنا من تراث الأندلس وقد خط بمدينة بلانسيا سنة ثماني وسبعين وخمسمائة هجرية بخط محمد بن عبد الله بن علي بن غطوس المتوفى سنة عشر وستمائة للهجرة وقد كتب بالخط الدقيق على الرق بمداد بني فاتح، كما وضع الخطاط إشارات الشد والجزم باللازغرد وعلامات التشكيل الأخرى بالأحمر وخرج فيه عن قاعدة الأندلسيين والمغاربة فنقط الهمزة بلون أحمر على طريقة المشارقة، وجعل أسماء السور وشارات التخميس والتعشير على الهامش وبالذهب الخالص.

وابن غطوس هذا كان وحيد عصره في الأندلس وبمدينة بلانسيا وقد كتب بالأندلس في حياته ألف مصحف وكان متخصص في كتابة المصاحف لا يكتب غيرها كما عاهد نفسه على ذلك.

أما الشكل الثاني اللذي يميل للامتداد عرضاً، عرف عند المؤرخين والمشتغلين بالفن باسم المصحف السفيني نسبة إلى السفينة؛ لأن شكله قريب منها على ما يزعمون، وجاء وصفه في كتب تاريخ الفن أنه ذو الفورمة الإيطالية، وقد تحدثنا في حلقة ماضية عن الرق وقلنا: إن الفينيقيين كانوا أصحاب تجارة الرقوق وهم الذين يقطعونها إلى مستطيلات ثم يتاجرون بها بسفنهم إلى إيطاليا.

وقد جاءت تسمية الطليان لها بالسفينة نسبة إلى سفن الفينيقيين التي حملت لهم هذه البضاعة.

وأما الشكل الثالث: وهو المعروف بالفورمة الفرنسية وقد أطلق عليه مؤرخو الفن اسم المصحف العمودي والذي ما زال سائداً ومتعباً حتى اليوم. إن هذه التسميات التي أطلقها مؤرخو الفن على الشكل الخارجي على المصحف العظيم لا تحمل أي دلالة فنية ولو عدنا إلى رحلة الشتاء والصيف ورأينا كيفي حمل القرشيون رقوقهم من بلاد الشام لعرفنا السبب في اختيار أجدادنا للشكل المستطيل اللذي يناسب حرفهم المحقق الرصين ويناسب ما يريدونه من تعظيم كتاب الله بخط جليل واضح، وبانقضاء القرن الهجري الثالث وظهور خط النسخ الشامي في المصاحف وهجران خط الكوفة الرصين وبدء الكتابة على الورق بدل الرق، ظهر المصحف بشكله العمودي الذي يناسب الخط ويؤدي غرض الحفاظ بعد تقسيمه إلى أجزاء وأحزاب وأرباع وأعشار وأخماس.

 
اقرأ أيضا

أضف تعقيبك

BoldItalicUnderlineStrikethroughSubscriptSuperscriptEmailImageHyperlinkOrdered listUnordered listQuoteCodeHyperlink to the Article by its id
Very HappySmileWinkSadSurprisedShockedConfusedCoolLaughingMadRazzEmbarrassedCrying or Very SadEvil or Very MadTwisted EvilRolling EyesExclamationQuestionIdeaArrowNeutralMr. GreenGeekUber Geek
اسمك:
بريد الكتروني:
العنوان:
تعليق: