المعلق:
عرف العرب الورق قديماً، فاستوردوه واستعملوه في الكتابة، إلا أنه لم ينتشر بينهم إلا بعد أن صنعوا بأيديهم وعلى أرضهم وكان ذلك زمن الخليفة " هارون الرشيد "، وبعد أن فتحت " سمرقند "، وانتصر " زياد بن صالح الحارثي " حاكمها على " اخشيد فرغنا " الذي كان يناصره ملك الصين سنة ثلاثة وثلاثين ومئة للهجرة.
وعاد المسلمون إلى " سمرقند " ومعهم العمال الصينيون اللذين يتقنون صناعة الورق، وقامت صناعة الورق على أيديهم في " سمرقند " ثم ما لبثت أن انتقلت إلى العالم العربي فأقام " الفضل بن يحيى البرمكي " وزير الرشيد مصنعاً في بغداد، واستعمل الورق بدل الرقوق في الدواوين، وكان الصناع الصينيون يصنعون الورق من شرانق الحرير، فطور المسلمون هذه الصناعة وصنعوه من الكتان والقطن، وكانت بغداد والشام وفلسطين في القرن الرابع الهجري تحتل مكانة هامة في صناعة الورق وتصديره للخارج.
وأصبحت صناعة الورق الشامي تنافس سمرقند ومن الشام انتقلت صناعته للمغرب العرب، ثم إلى صقلية والأندلس وأوروبا، يقول " فيليب حنا": إن من أجل الخدمات التي أسداها الإسلام إلى أوروبا صناعة الورق؛ ولولاها لما اخترعت المطبعة، ولولا الورق والمطبعة لما تيسر للعلم انتشاره في أوروبا بهذه الصورة العامة التي انتشر بها، لقد أحدث ظهور الورق ثورة ثقافية في العصر العباسي، نال المصحف الشريف الحظ الأوفر منها؛ لأنه الكتاب الذي لا يعلو عليه كتاب، فانتشر في أصقاع المعمورة انتشاراً مذهلاً ونشط الخطاطون والفنانون في كتابته بعد هجران الخط اليابس، وكانت أمنية كل خطاط أن يتقرب إلى الله بكتابة المصحف؛ لأن ذلك من جلائل الأعمال وأشرفها، ومنهم من تخصص في نسخها وبلغ أعداداً تكاد لا تصدق، رغم الأعداد الكبيرة التي كتبت في هذه الفترة فإنه لم يصل إلينا سوى عدد نادر جداً، ومنها " مصحف ابن البواب تلميذ بن مقلة " وتحتفظ به مكتبة " تشيستر بيتي " في " دبلين " بأيرلندا بقرم واحد وثلاثين وأربعمائة وألف وهو المصحف الوحيد الذي بقى سالماً بكامله من ذلك العصر.
ويوجد في أول المصحف ست صفحات مستطيلات متقابلات ومزخرفة، وعلى هامش كل منها ترة بأوراق نخيلة على هامشها متصلة بالإطار، وفي الصفحتين اللتين بأول المصحف، مستطيلات كتب عليها بخط مذهب مسور بالأسود ما نصه.
بسم الله الرحمن الرحيم (عدد سور القرآن مئة وأربع عشرة سورة، وعدد ما فيه من آيات ستة آلاف ومائتان وست وثلاثون آية، هو سبع وسبعون ألف كلمة وأربع مئة وستون كلمة، وعدد ما فيه من حروف المعجم ثلاثمائة حرف وأحد وعشرون ألف حرف ومائتان وخمسون حرفاً، وعدد ما فيه من نقط المعجم مئة ألف نقطة وست وخمسون ألف نقطة وأحد وخمسون نقطة).
وتتركب الصفحتان التاليتان من أشكال مسدسة في مستطيلين في كل صفحة ست منها، وفي كل مسدس كلمة تشير إلى رواية الأعداد بخط الثلث المسور بالأبيض، والصفحتان التاليتان تشتمل على أشكال دائرية كبيرة يتخللها زخارف نباتية.
وفي آخر المصحف صفحتان مثل سابقتهما، ثم تليهما صفحتان تحتوي كل واحدة منهما على أربعة عشر سطراً مفصولة بخطوط مستقيمة وعلى هامشها كرة دائرية، كتب عليها بقية نص الصفحة، وكتب بأول كل سطر بخط كوفي أسماء الحروف ثم أعدادها، وقبل الصفحتين نرى نص الخطاط الذي يوضح زمن الكتابة وفيه...
(كتب هذا الجامع علي بن هلال بمدينة السلام سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة حامداً لله تعالى على نعمه، ومصلياً على نبيه محمد وآله، ومستغفراً من ذنبه).
لقد أفرد ابن البواب ظهر الورقة التاسعة للفاتحة وسورة البقرة مع إطارين مزخرفين يحملان اسم السورة وعدد آياتها ومكيها ومدنيها على الهامش.
وسائر أوائل السور بغير إطار وخط أوائل السور بالثلث وبلون الذهب المسور بالحبر كي يميزها عن القرآن.
وعلى الهوامش طرر موازية ودوائر مزخرفة للأخماس والأعشار من الآيات، كتب بوسطها بالخط الكوفي خمس أو عشر وفي وسط النص دائرة صغيرة عليها حرف كوفي يتناسب مع العدد العشري، الياء للعشرة وكاف لعشرين، ويفصل آيات القرآن الكريم بثلاث نقاط متركبة باللون الأزرق، ويشير في بداية السور لمكان التنزيل، فهي إما مكية أو مدنية، كما نلاحظ حرف الهاء الذي يدل على العدد خمسة بعد نهاية كل خمس آيات.
وما نراه في هذا المصحف الذي يعود إلى القرن الرابع الهجري أنه لم يلتزم إملاء " عثمان بن عفان " رضي الله عنه، ونلاحظ كلمة العالمين والكتاب قد كتبتا بألف طويلة، كما نلاحظ بعض رموز التجويد كأن يضع شدة فوق الراء التي تلي النون الساكنة ليدل على الإدغام، والزخارف المتقنة الجميلة في هذا المصحف هي من صنع وعمل " ابن البواب "، وقد كان في بداية حياته يعمل مزوقاً للكتب والقصور وغير ذلك، لقد امتاز ابن البواب في خطه بالإرسال المتقن فكان هذا المصحف بخط ريحان نقياً سلساً تتبعه العين بكل ارتياح.
وفي نهجه هذا تكمن المدرسة العراقية التي سبقت كل المدارس في تحسين خط المصحف اللين، كما توضح تقدم الخط اللين في جملة الكتب والرسائل وساعد على ذلك تمركز الخلافة العباسية في بغداد واحتياج الدواوين إلى الأمور الكتابية.
قال " أبو حيات التوحيدي ": وأما الشيخ " ابن البواب " فوجد أن الناس قبله قد اجتهدوا قبله في إصلاح الخط الكوفي، وأقبلوا على ترطيب الكتابة للسر الخفي، وهو حب النفس للرطوبة؛ لأنها مادة الحياة، وهي لجنونه الخط وريه، وألا يرى من خارج زواياه، وكانت أسباب إتقان هذه الصناعة قد كملها الله له بأسرها، وأراده لهذه الرتبة، فشد لها أسره وأطلعه على سرها، فرأى ابني مقلة قد أتقنا قلمي التوقيعات والنسخ لكن لم يرسخا رحمهما الله في إتقانهما ذلك النسخ، فكمل معانيهما وتممه، ووجد شيخه " ابن أسد " يكتب الشعر بنسخ قريب من المحقق فأحكمه وحرر قلم الذهب وأتقنه، ووشى برد الحواشي وزينه، ثم برع في الثلث وخفيفه وأبدع في الرقاع والريحان وتلطيفه وميز قلم المتن والمصاحف، وكتب بالكوفي فأنسى القرن السالف.
لقد كان التسابق إلى اقتناء المصاحف والتزافر على نيل الجيد منها مشجعاً الخطاطين على الإجادة والإبداع، وكان للتأثير الديني النصيب الأوفر والأكبر فمن قدسية المصحف وجلال كلام الله استلهم الخطاطون إجادة التحرير واكساء الحروف وأعطوها مسحة وحية كان لها أروع الأثر في براعتها ورهبتها.
لقد توفي " ابن البواب " ببغداد يوم الخميس، ثاني جماد الأولى سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة هجرية ودفن بجوار الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، ووصلت إلينا أثار عدة موهورة باسمه، إلا أن المحققين لم يتفقوا على نسبة جميعها، إذ كثر المقلدون لخطه جرياً وراء الكسب بانتحال توقيعه، فقد كان في اقتناء خطوطه قيمة لا تقدر وتنفق أثمان باهظة في سبيل الحصول عليها.
أقام النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل البعثة عمراً ما كان يدري فيه ما الكتاب وما الإيمان، ثم اختاره الله -سبحانه وتعالى- لتبليغ الرسالة، فأوحى إليه روحاً من أمره وجعل مبعثه كالرسل من قبله في سن الأربعين ليكون أنضج فكراً وأصدق عزماً.
لقد نزلت آيات القرآن العظيم وتلقاها من ملك الوحي خلال سني حياته في مكة والمدينة وما بينهما، وفي كل مكان رحل إليه، واصطلح العلماء أن كل ما نزل من القرآن الكريم قبل الهجرة يسمى المكي، وكل ما نزل بعد الهجرة يسمى المدني، ويوجد في القرآن العظيم سور كاملة مكية وأخرى مدنية، وفي كل منهما آيات مكية ومدنية، إن ما نزل من القرآن في مكة من السور بلغ خمس وثمانين سورة، وجميع ما نزل بالمدينة بلغ تسع وعشرين سورة، وتعنى السور المكية بترسيخ العقيدة وأصول الدين وتوحيد الخالق عز وجل، والإيمان بالملائكة واليوم الآخر والأعمال الصالحة، وتعنى السور المدنية بالتشريع للمجتمع الإسلامي ودولته الجديدة، وتنظيم العلاقات بين الإنسان وربه وربينه وبين نفسه، وبينه وبين بنيه من البشر وبينه وبين سائر المخلوقات، وفيها الحدود والأحكام والأمر بالجهاد ومجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن، والاهتمام بأمر المنافقين إلى غير ذلك، مصداقاً لقوله تعالى:
? ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ?.[سورة النحل، الآية 125].
وهناك علامات بها يهتدي القارئ على معرفة السور المدنية من المكية.
علامات السور المكية
كل سورة بدأت بحرف من الحروف الهجائية سوى البقرة وآل عمران والرعد فيها خلاف، كل سورة فيها كلمة كلا، وعددها ثلاث وثلاثون سورة، وتوجد في النصف الثاني من القرآن العظيم، ويغلب على آياته القصر، كل سورة فيه يا أيها الناس عدا سورة البقرة فمدنية، كل سورة فيها آية سجدة، كل سورة فيها قصص قرآني أو خبر عن السابقين.
علامات السور المدنية
كل سورة فيها ذكر المنافقين، ما عدا سورة العنكبوت فمكية، كل سورة فيها مناقشة لأهل الكتاب ومجادلتهم، كل سورة فيها ما يخص التشريع والقوانين والأحكام والإذن بالجهاد، إن معرفتنا بالسور المكية والسور المدنية تدلنا على إعجاز القرآن الكريم، وصدق بعثة ونبوة النبي محمد -صلى الله عليه وسلم-، إذ أن هناك آيات نزلت بالمدينة ثم ألحقت بالسور المكية التي مضى على نزولها عشر سنوات أو أكثر، كقوله تعالى:? إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَلَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ? [سورة المزمل، الآية 20]. إلى أخر الآية عشرين من سورة المزمل.
وكذلك الآية المكية التي نزلت بالجحفة في أثناء هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وهي: ? إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ مَن جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ? [سورة القصص، الآية 85].
وهذه الآية تبشر النبي صلى الله عليه وسلم بالعودة إلى مكة فاتحاً منتصراً بعد خروجه مهاجراً، وهي من باب المغيبات التي تدل على الإعجاز والصدق، ونجد جزءاً من آية في سورة مدنية نزل في مكة في عرفات في حجة الوداع، وهي من الآية الثلاثة في سورة المائدة: ? الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا ? [سورة المائدة، الآية 3].
وكذلك من الآيات ما نزلت بمكة وألحقت بسورة مكية نزلت فيما بعد كقوله تعالى من سورة الأنفال.
? وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ? [سورة الأنفال، الآية 30]. إلى قوله تعالى نهاية الآية السادسة والثلاثين ? وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ? [سورة الأنفال، الآية 36]..
إن التداخل ما بين الآيات المدنية والمكية يرشدنا إلى عظمة القرآن الكريم، وليس السبب في معرفتنا هو علم الزمان والمكان، وإنما هو الوحدة المترابطة الموضوعية لكل سورة من القرآن العظيم كما هي في اللوح المحفوظ، لذا كان جبريل عليه السلام ينزل بالقرآن ثم يخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- بوضع الآية أو الآيات في سورة كذا بعد آية كذا كما هو معلوم في اللوح المحفوظ.
والإجماع يدل دلالة قاطعة لا مرية فيها على أن ترتيب القرآن العظيم توقيفي بأمر من عند الله -سبحانه وتعالى- ولا دخل في ذلك لأحد من البشر، ومما ورد في ذلك ما أخرجه " أحمد " في مسنده بإسناد حسن عن عثمان عن ابن أبي العاص، قال: " كنت جالساً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ شخص ببصره ثم صوبه ثم قال: أتاني جبريل ثم أمرني أن أضع هذه الآية في هذا الموضع من هذه السورة
? إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ? [سورة النحل، الآية 90].
قال أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب النيسابوري من أشرف علوم القرآن، علم نزوله وجهاته وترتيب ما نزل بمكة ابتداءً ووسطاً وانتهاءً، وترتيب ما نزل بالمدينة كذلك، ثم ما نزل بمكة وحكمه مدني وما نزل بالمدينة وحكمه مكي، وهذا على أحد قولي العلماء في التفريق بين المدني والمكي، لقد اعتنى المسلمون بقرآنهم عناية فائقة، وجعلوا العلم فيه فريضة على كل من يعنى بتفسير كتال الله المجيد، ولا بد من العلم بما نزل بمكة في أهل المدينة وما نزل بالمدينة في أهل مكة وما نزل ببيت المقدس وما نزل بالطائف، وما نزل بالحديبية، ثم ما نزل نهاراً وما نزل ليلاً، ثم ما حمل من مكة إلى المدينة وبالعكس وما حمل إلى أرض الحبشة، ثم ما نزل مجملاً وما نزل مفسراً وغير ذلك من العلوم.
لقد بلغت العناية بهذا الكتاب الكريم أقصى ما يبلغه الباحثون من التحري والتدقيق، فلم يفتهم ذكر أبسط التفصيلات وأصغر الجزيئات، إن أكثر القرآن نزل نهاراً ونزلت منه بعض السور ليلاً، وفي البخاري من حديث عمر قال صلى الله عليه وسلم: (لقد نزلت علي الليلة سورة هي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس، فقرأ..)
? إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا ? [سورة الفتح , الآية 1].. ونزلت في الليل أوائل آيات من سورة الحج ? يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ? [سورة الفتح، الآية 1].. وفي الفجر نزل عليه ? لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ? [سورة آل عمران، الآية 128].
والآيات تنزلت في الشتاء والصيف وفي السفر و في القتال، وفي كل مكان حل فيه أو رحل إليه، وقد يبدوا هذا الاستقصاء لدى بعض الناس غير ذي بال، لكنه صدق الرواية، وإمكان الثقة بها جعلت العلماء يتتبعون كل آية ومكان نزولها وتاريخها مما ينفي الريبة والشبهة عن هذا الكتاب العظيم الذي لا يأتيه الباطل، هذه الخصائص الموضوعية والأسلوبية سواء كانت قطعية أو أغلبية تصور الخطى الحكيمة المتدرجة التي كان يخطوها الإسلام في تشريعه، فخطاب أهل المدينة لا يماثل خطاب أهل مكة، لأن البيئة الجديدة في المدينة أصبحت تستدعي التفصيل في التشريع وفي بناء المجتمع الجديد ولا بد من أن يراعي المخاطبين في كل آياته وسوره.
كتب الصحابة رضي الله عنهم المصاحف بما كان معروفاً في زمنهم من قواعد الهجاء وأصول الرسم الإملائي، وقدوتهم المصحف العثماني الذي خط زمن سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه، وكان جل الصحابة ومن وافقهم من التابعين وتابعيهم ينهجون على الرسم العثماني في كل ما كتبوه ولوم لم يكن قرآنا أو حديثاً، واستمر الأمر على ذلك عهداً طويلاً، إلى أن ظهر علماء المصرين الكوفة والبصرة، وأسسوا لهذا الفن ضوابط وروابط بنوها على أقسيتهم النحوية وأصولهم الصرفية نظراً لحاجة الناس باستزياد استعمال الكتابة لنظام موحد للقواعد، وبانتشار استعمال القواعد التي وضعها العلماء للكتابة ظهر ما يسمى بقواعد الهجاء أو الإملاء أو علم الخط القياسي أو الاصطلاحي وهجر الناس استعمال هجاء الكلمات القديم في كتاباتهم، لكن خطاطي المصاحف لم يستعملوا السور الجديدة للكمات في خط المصاحف، وظلوا يحافظون على سور الكلمات كما ورد في مصاحف العثمانية الأئمة، وميز العلماء بعد ذلك بين ثلاثة أساليب للكتابة، يقول " ابن دراستويه " في مقدمة كتابه الكتاب " ووجدنا كتاب الله جل ذكره لا يقاس هجاءه ولا يخالف خطه، ولكنه يتلقى بالقبول على ما أودع المصحف.
قال " قال أبو حيان " سار الاصطلاح في الكتابة على ثلاثة أنحاء اصطلاح العروض، واصطلاح كتابة المصحف، واصطلاح الكتاب في غير هذين، ولقد جرت محاولات منذ وقت مبكر لتغيير الرسم المصحفي العثماني وكتابته على ما وافق عليه الرسم الحالي، فيروي الداني: " إن إمام المدينة ملكاً المتوفى سنة مئة وتسعين وسبعين هجرية رحمه الله، سؤل فقيل له أرأيت من استكتب مصحفاً اليوم، أترى أن يكتب على ما أحدث الناس من الهجاء اليوم؟ فقال: لا أرى ذلك ولكن أن يكتب على الكتبة الأولى، ويروى أيضاً أنه سؤل عن الحروف التي تكون في القرآن مثل الواو والألف، أترى أن تغير من المصحف إذا وجدت فيه كذلك؟ فقال: لا..، ويعقب الداني على ذلك بقوله يعني الواو والألف الزائدتين في الرسم لمعنى المعدومتين في اللفظ وقد أجمع العلماء على مثل ما ذهب الإمام مالك ولا مخالف من علماء الأمة، حتى أن الأمام أحمد بن حنبل المتوفى سنة إحدى وأربعين ومائتين هجرية قال: تحرم مخالفة مصحف الإمام في واو أو ياء أو ألف أو غير ذلك.
وقال البيهقي أبو بكر أحمد بن الحسين المتوفى سنة ثماني وخمسين وأربعمائة من كتب مصحفاً فينبغي أن يحافظ على الهجاء الذي كتبوا به هذه المصاحف ولا يخالفهم فيه، ولا يغيروا مما كتبوا شيئاً، فإنهم كانوا أكثر علماً وأصدق قلباً ولساناً وأعظم أمانة منا، فلا ينبغي أن نظن بأنفسنا استدراكاً عليهم ".
وكل ما امتد الزمن بالناس ازدادت عنايتهم بتيسير الرسم القرآني، وقد اتخذ هذا التيسير أشكالاً مختلفة، وكان الخليل أو من صنف النقط وذكره في كتاب وذكر علله وأول من وضع الهمز والتشديد والروم والإشمام، ولا يكاد " أبو حاتم الجانستاني " يؤلف كتابه عن القرآن وشكله حتى يكون رسم المصاحف قد قارب الكمال حتى إذا كانت نهاية القرن الهجري الثالث بلغ الرسم ذروته من الجودة والحسن، وأصبح الناس يتنافسون في اختيار الخطوط الجميلة وابتكار العلامات المميزة، حتى جعلوا للحرف المشدد علامة كالقوس، والألف الوصل جرة فوقها أو تحتها أو وسطها على حسب ما قبلها من فتحة أو كسرة أو ضمة.
وما أكثر العقبات التي كانت تعترض اتجاه الناس نحو تحسين الرسم القرآني، وما برح العلماء حتى أواخر القرن الثالث الهجري يختلفون في نقط المصاحف.
إن تحول كتابة القرآن العظيم من الخط اليابس إلى الخط اللين وهجران الخط الكوفي، جعلت خطاطي الخط الرابع الهجري يبحثون عن رموز لتحسين الكتابة وضبطها وهو ما يوافق شكلها خط النسخ، فابتدع الخطاطون مع القراء والعلماء أشكال ورموز تضبط قراءة القارئ وترشده إلى مكان الوقف حتى يتم المعنى ويؤدى بشكل سليم، ومن علامات الوقف الموجودة الآن في المصاحف العثمانية وغيرها ما هي إلا علامات اصطلاحية من اجتهاد علماء الرسم تسهيلاً للقارئ، باستثناء رؤوس الآيات المتفق عليها، وهي توقيفية لا اجتهاد فيها لأحد، ولكي يتنبه القارئ إلى أماكن الوقف الجائز والممنوع، كانت هذه الرموز.
حرف " م " وهو حرف يدل على الوقف اللازم، وهو الحرف الأخير من كلمة لازم، حرب " لا " وهي أداة نهي لعدم الوقف ويعني هذا الرمز علامة الوقف المممنوع.
حرف " جـ " رمز يدل على جواز الوقف وعلامة الوقف هذه أخذت من كلمة جائز، الحرفان.
" صلى " علامة الوقف والوصل مع كون الوصل أولى.
الحرفان " قلي " علامة الوقف والوصل مع كون الوقف أولى، النقاط المتراكبة الثلاث تعني علامة الوقف المتعانق بحيث لو وقف على أحدهما لا يصح له الوقف على الأخرى، ولا يقف عليهما معاً ولا بأس بوصل الآية كاملة، مثال ذلك قوله تعالى: ? ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ? [سورة البقرة، الآية 2].
علامة خاصة ورمز للسجدة، وكانت في المصاحف الأولى عبارة عن حرف هاء كبير ثم تطور إلى شكل ورمز زخرفي، مع رسم خط أفقي،. حرف " س " الصغير وهو علامة للدلالة على السكتة اللطيفة الخفيفة، يقف عندها القارئ بدون تنفس، ويوجد ذلك في خمسة مواضع في القرآن العظيم، وهي في قوله تعالى: ? وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا قَيِّمًا ? [سورة الكهف، الآية 1، 2].. ? قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا ? [سورة يس، الآية 52].. ? وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ ? [سورة القيامة، الآية 27].. ? كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم ? [سورة المطففين، الآية 14].. ? مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ ? [سورة الحاقة، الآية 28، 29]..
قال أبو محمد مكي ابن أبو طالب رحمه الله كل شيء له نصفان، إلا القرآن فإن له ثمانية أنصاف، نصفان على عدد الحروف آخر النصف الأول على عدد الحروف، النون والكاف من قوله تعالى: ? شَيْئًا نُّكْرًا ? [سورة الكهف، الآية 74].
وأول النصف الثاني الراء والألف منها أي نكرا إلى آخر القرآن الكريم، وله نصفان آخران على عدد الآي، فأخر النصف الأول على عدد الآي، رأس خمس وأربعين آية من الشعراء في قوله تعالى:? تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ? [سورة الشعراء، الآية 45].. وأول النصف الثاني عن عدد الآي ? فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ? [سورة الشعراء، الآية 46].. في الشعراء إلى أخر القرآن العظيم، ونصفان آخران على عدد كلمه، فأخر نصفه الأول عدد كلمه رأس عشرين أية من سورة الحج، في قوله تعالى ? وَالْجُلُودُ ? [سورة الحج، الآية 20].. وأول نصفه الثاني على عدد كلمه في سورة الحج في قوله تعالى:? وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ ? [سورة الحج، الآية 41].. وله نصفان آخران على عدد سوره، فأخر نصفه الأول على عدد سوره،
? قَدْ سَمِعَ اللهُ ? [سورة المجادلة، الآية 1].. من سورة المجادلة، كذلك ثمانية أنصاف قدر روي هذا عن ابن مجاهد والله أعلم، ولا يخفى علينا أن عدد سور القرآن الكريم مئة وأربع عشرة سورة.
وأما وضع نقطة خالية الوسط معينة الشكل تحت الراء فإنها تدل على إمالة الفتحة نحو الكسرة، وكانت توضع في القرون الأولى نقطة لازواردية وكذلك وضع هذه العلامة فوق أخر الميم قبل النون المشددة لتدل على الإشمام وهو ضم الشفتين إشارة إلى أن الحركة المحذوفة ضمة، كقوله تعالى: ? مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ ? [سورة يوسف، الآية 11].. وأما وضع نقطة مدورة فوق الهمزة الثانية فيدل على تسهيلها بين بين كقوله تعال: ? أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ? [سورة فصلت، الآية 44].. وهي الآية الرابعة والأربعون من سورة فصلت ولا يوجد غيرها في القرآن الكريم، ولقد وجدت بعض الرموز في المصاحف التي خطت أيام الدولة العثمانية لتدل على ضبط القراءة أيضاً، حرف " ط " ومعناه الوقف الطيب، وحرف " ص " ومعناه يرخص للوقوف، و" قف" معناه استحباب الوقف، و" ح " ومعناه وقف حسن، و" ز " جواز الوقف والوصل أولى، و " ع " ومعناه انتهاء العشر عن الكوفيين.