البحث

بحث مخصص

تأكد من صحة الحديث


بحث عن:


حلقات الشيوخ

فاضل السامرائي أحمد الكبيسي محمد متولي الشعراوي حسام النعيمي محمد هداية طارق السويدان خالد الجندي عمر عبد الكافيرقية العلوانيحميد بن مجول النعيمي

المتواجدون الآن

يوجد حالياً 82 زائر على الخط

عداد الزوار

free hit counter
القرآن الكريم وعلومه
السيرة النبوية والحديث
أسماء الله الحسنى
الإعجاز العلمي في القرآن والسنة
لمسات بيانية
برامج الدكتور أحمد الكبيسي
برامج الدكتور محمد هداية
الدكتور حميد بن مجول النعيمي
دكتورة رقية العلواني
حلقات برامج بعض العلماء
حلقات مترجمة
أركان الإسلام
قصص القرآن والأنبياء والصحابة
اللغة والأدب
مقالات
برامج وكتب
المتحف
أدعية وأذكار
كلمات مضيئة
محاضرات وصوتيات
دليل المواقع الإسلامية والبرامج
سجل الزوار

تسجيل الدخول



بسم الله الرحمن الرحيم



رحلة القرآن العظيم
رحلة القرآن العظيم - الحلقة 8 طباعة البريد الإلكترونى
تقييم المستعملين: / 0
فقيرأفضل 
كتب محررة الموقع   
الإثنين, 06 يوليوز 2009 08:24
رحلة القرآن العظيم (8)

المعلق:

بعد استخدام الخطوط اللينة وتطورها المذهل في كتابة الرسائل والكتب والمدونات منذ عصر بني أمية، ومع بداية ظهور ملامح خط النسخ الشامي الجميل، وهجران خط الكوفة الرصين والتحول عنه في تسطير جملة الشئون الجليلة والعظيمة إلى الليونة بدأ الإبداع والابتكار والتطور يلد في أحضان القرآن العظيم على يد جملة من العباقرة اللذين تركوا آثارهم وخلفوا تراثاً ينبئ عن العناية الفائقة تجاه المصحف الشريف.

ففي القرن الثالث والرابع كان ظهور ابن مقلة وابن البواب حدثاً هاماً في تحول كتابة المصاحف نحو الليونة، واكتمال الرسم والشكل الذي وضعه الخليل بن أحمد واستخدمه الخطاطون في ضبطهم وتشكيلهم للقرآن العظيم.

كان الأثر الذي جاءنا من تلك الفترة هو مصحف ابن البواب الذي سبق وتحدثنا عنه في فترة ماضية، ويتحفنا القرن السادس الهجري لمصحف لياقوت المستعصمي فنرى فيه التطور المذهل لخط الثلث المحقق الذي أصبح النموذج الأعلى من الخطوط اللينة، والتي خطت به آيات القرآن العظيم وأصبح النموذج الذي يحتذى به في كتابة القرآن وشكله، إن جمال الدين ياقوت بن عبد الله المستعصمي صاحب الدور الكبير في تحويل الخط إلى فن رفيع، وهو مولى الخليفة العباسي المستعصم بالله آخر خلفاء بني العباس، والذي قتله هولاكو خان عند استيلاءه على بغداد سنة ست وخمسين وستمائة هجرية.

ونجا حينها ياقوت من القتل، واتصل بآل الجويني اللذين حكموا العراق فيما بعد وتقرب منهم، وعاش عيشة سعيدة وعين خازناً في دار الكتب المستنصرية ببغداد، واستطاع أن يستعيد منزلته القديمة، بعد الغزو المغولي، وكانت الأقلام الستة الثلث، والنسخ، والمحقق، والريحان، والتواقيع، والرقاع قد بلغت حداً من التطور قبله فتورا وحسنها، ووصل بها إلى ذروة الجمال، واتخذ الخط المائل للقلم بدلاً الخط المستوي فأضفى بذلك على خطه جمالاً وجلالاً، وبلغ بهذه الأنواع حداً كبيراً من الجودة، وألف بعض الكتب، وقرض الشعر وخلف أعمال خطية كثيرة في خزائن الكتب، على رأسها مجموعة من المصاحب، وأصبح رائد المدرسة البغدادية بعد ابن البواب في خطوط المصاحف وغيرها.

وقد وصلنا من خط ياقوت الجميل مصحف كتب بالخط الريحاني ويظهر فيه أسلوب ياقوت في الكتابة، وهو محفوظ في متحف " توب قابي سراي " في أسطنبول ويحتوي على سبع وأربعين ومائتي ورقة وبطول ثماني وعشرين ونصف وبعرض واحد وعشرين ونصف سنتيمتر.

ونشاهد فيه سورة الفاتحة وبداية البقرة، وفي الصفحة أربعة عشر سطراً وصفحاته مجدولة، وفي هوامشه طرر للأعشار والأخماس على شكل إجاصة أو دائرة تحمل في داخلها خطاً كوفياً، وأما أسماء السور فقد كتبت في مستطيلات مبسطة الزخارف بخطي ثلثي مرسوم، وخص للبسملة سطراً كاملاً مد فيها بين السين والميم، كما رسم فواصل الآيات دوائر على شكل زهرة وضعت فوق السطر لضيق الحيز المخصص لها، وورد في آخر المصحف بعد سورة الناس مستطيل مزخرف كتب عليه بخط الثلث..

(صدق الله العظيم وبلغ رسوله الكريم، ثم وكتب ياقوت المستعصمي في سنة خمس وثمنين وستمائة بمدينة السلام بغداد حامداً لله تعالى على نعمه، ومصلياً على محمد صلى الله عليه وسلم وآله الطيبين الطاهرين ومسلماً ومن ذنوبه مستغفراً).

لقد امتاز ياقوت بالاعتدال الفاصل بين السطور، وفي اتزان الكلمات والحروف، فهي غير منفرجة حتى التفكك ولا مزدحمة متضاربة العراقات، وجاءت الصواعد فيه مائلة إلى اليسار وهو ما تقضي به القواعد الخطية، أما أفقياته فلم يبالغ بانحدارها كما فعل ابن البواب، إن ما يسترعي الانتباه ويستدعي التنويه عن هو قطة القلم المحرفة، التي ابتكرها ياقوت واشتهر بها، ونتج عن ذلك خط دقيق الطوالع كامل السمك في أفقياته وتمت بذلك أهم صفات الخط العربي.

وإن الخط المحرف قد عرف من قبل إلا أنه لم يستخدم كما استخدمه ياقوت، وبذلك أحدث تغييره هذا إلى ثورة في عالم الكتابة، وضجة في أوساط الخطاطين والوراقين، لقد استوت الألفات وأخذت حقها في الطول، وبدت أطول مما عرف ولا يزال حرف الجيم مروساً كما هو عند ابن البواب، لقد قدم ياقوت في مصحفه هذا خطاً جميلاً بسطر رزين، ينساب بهدوء حروفه المنسجمة مع الرقة في عرقاته المجموعة وألفاته المتوازية، وبخطوطه تمت محاسن المدرسة البغدادية واكتملت بدءاً من ابن مقلة إلى ياقوت المستعصمي.

وقد أجمع القدامى على جودة خطه وبراعته، قال الذهبي في تاريخ الإسلام: (ياقوت المستعصمي المجود صاحب الخط المنسوب رومي الجنس، نشأ بدار الخلافة وأحب الكتابة والأدب وحصل خطوط منسوبة بابن البواب وغيره، كان يعرفها بخزانة الخلفاء، فجود عليها وعني بذلك عناية لا مزيد عليها، وقويت يده وكونت أسلوباً غريباً في غاية القوة، وسار إماماً يقتدى به، كتب بخطه الكسر)..

وذكره في كتاب العبر فقال عنه: (أحد من انتهت رئاسة الخط المنسوب).. وقال عنه ابن كثير: (كان فاضلاً مليح الخط، مشهوراً بذلك، كتب ختماً حساناً وكتب الناس عليه ببغداد)، وأطلق عليه صاحب كتاب تحفة الخطاطين لقب (قبلة الكتاب)، وذكر حبيب صاحب كتاب خط، وخطاطان أن ياقوت ترك ألف مصحف شريف بخطه ومن جملة المصاحف ما هو موجود في الأستانة، ويعود تاريخه إلى سنة أربع وثمانين وخمسمائة.

ومصحف كبير بأياصوفيا وتاريخ سنة أربع وخمسين وستمائة ومصحف آخر جميل رائع ليس كمثله يعود إلى سنة اثنتي وستين وستمائة هجرية.

وكانت المصاحف المكتوبة بخط ياقوت ترسل هدية للملوك، ذكر السخاوي أن " بريسباي الشرفي توجه سنة سبع وسبعين وثمانمائة هجرة رسولاً إلى سلطان الروم من مصر ومعه هدايا سنية منها مصحف بخط ياقوت وخيول.

وفي توب قابي سراي مصحف كتبه ياقوت سنة تسع وستين وستمائة وكان في ملك أمير مكة والحجاز حسن بن أبي نمير محمد بن بركات المتوفى سنة ألف وعشر هجرية، فأهداه إلى الخليفة العثماني السلطان مراد، وأرسله من مكة إليه.

وأجزاءه وأعشاره دوائر مختلفة داخلها بالخط الكوفي، وأسماء السور بالأبيض على أرضية ذهبية، وزخارف نباتية بالأخصر في الفاتحة والبقرة، وباقي أسماء السور بالذهب على الورق نفسه، وأضيف في أخر المصحف ما نصه.

(هذا المصحف الفريد اللطيف والكلام المجيد الشريف أرسل من بلد الله الحرام لحضرة سلطان سلاطين الإسلام مولانا السلطان مراد خان، خلد الله ملكه إلى انتهاء الدوران، بخط الأستاذ على الإطلاق ياقوت مشهور الأفاق من المملوك الداعي بدوام دولته حسن بن أبي نمي ابن بركات سامحهم الله بجوده وكرمه ونعمه).

دخل العرب في بلاد الشام في الإسلام بعد الفتوحات، واحتاجوا إلى من يعلمهم القرآن العظيم ليأخذوا منه تشريعهم في أمورهم التعبدية والدنيوية، وكان أن استشهدت طائفة من القراء والحفاظ في فتوحات بلاد الشام، وكان يزيد بن أبي سفيان أول الأمراء اللذين تبينوا حاجة أهل الشام إلى من يقرئهم القرآن في صدر الإسلام، فأرسل إلى الخليفة عمر بن الخطاب، يسأله أن يبعث إليه بعض الصحابة من حفظة القرآن من أهل المدينة.

فوجه عمر ثلاثة من الصحابة إلى بلاد الشام قاموا بتعليم الناس القرآن في حمص ودمشق وفلسطين، قال محمد بن كعب القربي جمع القرآن في زمان النبي صلى الله عليه وسلم خمسة من الأنصار، معاذ بن جبل، وعبادة بن الصامت، وأبي بن كعب، وأبو أيوب، وأبو الدرداء، فلما كان زمن عمر بن الخطاب، كتب إليه يزيد بن أبي سفيان، أن أهل الشام قد كثروا وربوا، وملئوا المدائن واحتاجوا إلى من يعلمونهم، فدعا عمر أولئك الخمسة، فقال لهم: " إن أخوانكم من أهل الشام قد استعانوا بمن يعلمهم القرآن ويفقههم في الدين فأعينوني بثلاثة منكم، فاستهموا إي اقترعوا، فقالوا ما كنا لستهم، هذا شيخ كبير لأبي أيوب، وأما هذا فسقيم، لأبي بن كعب، فخرج معاذ، وعبادة، وأبو الدرداء، فقال عمر ابدءوا بحمص، فإنكم ستجدون الناس على وجوه مختلفة، منهم من يلقن أي يفهم ما يسمع، فإذا رأيتم ذلك فوجهوا إليه طائفة من الناس فإذا رضيتم منهم، فليقم بها واحد وليخرج واحد إلى دمشق، والآخر إلى فلسطين ".

فقدموا حمص فكانوا بها حتى إذا رضوا من الناس أقام بها عبادة، وخرج أبو الدراء إلى دمشق، ومعاذ بن جبل إلى فلسطين، وأما معاذ فمات عام طاعون عمواس، وأما عبادة فسار إلى فلسطين فمات بها، وأما أبو الدرداء فلم يزل بدمشق حتى مات.

اهتم الخلفاء والأمراء الأمويون بتعليم القرآن اهتماماً بالغاً، وحضوا على قراءته وحفظه، قال عبد الملك بن مروان لمؤدب ولده:

" علمهم القرآن حتى يحفظوه " وقال عتبة بن عمر بن عتبة ابن أبي سفيان لمؤدب ولده: " علمهم كتاب الله، ولا تكرههم عليه فيملوه، ولا تتركهم منهم فيهجروه ".

وأوصوا أهل الشام بقراءته القرآن وحفظه، وكان عبد الملك بن مروان أول من أمرهم بذلك، وتبعه الوليد وفي خلافة عمر بن عبد العزيز، ازداد اهتمام أهل الشام بقراءة القرآن الكريم، وكانوا يراجعون فيه أقاربهم اللذين يفدون عليهم من المدينة ومكة، فمن قرأ القرآن وحفظه قدروه وأجازوه، و من لم يقرأه ولم يحفظه تجنبوه وهجروه وحبسوه عندهم حتى يقرأه، ووكلوا به من يعلمه.

قال محمد بن مسلم الزهري في خبر وفوده على عبد الملك بن مروان: " دخلت عليه فسألني هل تحفظ القرآن؟ قلت نعم والفرائض والسنن.. فسألني عن ذلك كله فأجبته فقضى ديني وأمر لي بجائزة ".

قال إبراهيم ابن أبي عبلة العقيلي: " رحم الله الوليد وأين مثل الوليد، كان يعطيني قطاع الفضة أقسمها على قراء مسجد بيت المقدس ".

كان القراء من الشاميين يقرئون القرآن قراءة متواترة مرفوعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا يدرسون القرآن في مساجد أجناد الشام، مثل مسجد الرملة، ومسجد بيت المقدس، ومسجد طبرية، ومسجد دمشق، ومسجد حمص، ومنذ منتصف القرن الهجري الأول أخذت تظهر في بلاد الشام طبقة من المعلمين المتخصصين، اشتغلت بتأديب الصبيان، قال ياقوت الحموي: " كان الضحاك بن مزاحم الهلالي نزيل دمشق المتوفى سنة خمس ومئة كان يؤدب الأطفال فيقال، كان في مكتبه ثلاث آلاف صبي، وكان يطوف عليهم على حماره وكان يعلم ولا يأخذ شيئاً ".

وافتتح الوليد بن عبد الملك أول مدرسة للأيتام، وجعل عليها من يؤدبهم ويعلمهم القرآن، كان المعلمون يقسمون تلاميذهم عشرات في مسجد دمشق، ويجعلون على كل عشرة عريفاً، وكان العريف يقرأ القرآن لتلاميذه سورة سورة وهم يعيدون ما سمعوا منه ويحفظون عنه، وإذا أخطأ أحدهم سأل عريفه، وإذا أخطأ عريفهم سأل شيخه ".

وكان العريف يمتحن تلاميذه بعد أن يختموا القرآن، فإذا أيقن أن أحدهم أتقن القرآن قدمه إلى الشيخ فأجازه، وأصبح عريفاً في حلقته، قال مسلم بن مشكم الدمشقي، قال لي أبو الدرداء: " أعدد من يقرأ عندي القرآن، فعدتهم ألفاً وستمائة ونيفاً، وكان لكل عشرة منهم مقرئ، وأبو الدرداء يكون عليهم قائماً، وإذا أحكم الرجل منهم تحول إلى أبي الدرداء ".

انتشرت دراسة القرآن العظيم بمسجد دمشق في أيام عبد الملك بن مروان، وهي قراءة الجماعة سبعاً من القرآن بالتكرار وراء قارئ في مجلس واحد بعد صلاة الصبح، ثم أطلق السبع على الموضع الذي يقرأ فيه السبع من القرآن، وكان موضع السبع في مسجد دمشق الجهة الشرقية، من مقصورة الصحابة، ولم تكن قراءة ذلك السبع تتعدى ذلك الموضع متصلة مع جدار القبلة إلى الجدار الشرقي، وتجاوزت في أيام يزيد بن عبد الملك قراءة الجماعة سبعاً من القرآن في مجلس واحد وتخطت ضبط النص القرآني ومعرفة أسباب النزول والإحاطة بالمعنى واستخلاص الأحكام.

ولم تعد تقتصر على الدراسة النظرية المجردة، فقد أصبحت مجالس الدراسة منتديات تبحث فيها مسألة الخلافة والإمامة، وصفات الخليفة والإمام العادل وشروط الحكم الإسلامي الصالح، وغدت حلقات تناقش فيها الأوضاع والمشاكل القائمة وتقوم فيها سيرة بني أمية وتنتقد الممارسات ويعرض بسياساتهم تعريضاً شديداً.

وتشتمل المصادر المختلفة على أسماء القراء من الصحابة والتابعين والشاميين في صدر الإسلام وعصر بني أمية، ومن أشهر القراء من الصحابة الشاميين معاذ بن جبل وعبادة بن الصامت وأبو الدرداء وفضالة بن عبيد، وواثلة بن الأسقع الكناني وكان أبو الدرداء أكثرهم نشاطاً في تعليم القرآن وأقواهم أثراً في بلاد الشام.

كان أكثر القراء التابعين الشاميين من أهل دمشق، وأقلهم من أهل حمص، وسائرهم من أهل فلسطين، وكان لقراء مسجد دمشق، وقراء مسجد حمص، نصيب وافر في تعليم القرآن ورواية حروفه، ففي المسجدين تجمع معظم قراء أهل الشام منذ صدر الإسلام، وفيهما تخرج أغلب التلاميذ، وكان بين شيوخ المسجدين وتلاميذهما تنازع في القراءة وتنافس فيها.

إذ كان كل فريق منهم يرى أن قراءته وحروفه أصح وأرجح من قراءة الفريق الثاني وحروفه، ولكن قراء مسجد دمشق كانوا أرفع مكانة، وكانت قراءاتهم وحروفهم أعلى رواية، ونشطت قراءة القرآن ورواية حروفه بمسجد بيت المقدس في الثلث الأخير من لاقرن الأول، وازدهرت ازدهاراً شديداً في القرن الثاني، وكان قراء مسجد بيت المقدس من أهل دمشق في أول الأمر، فقد كان بعض القراء من الصحابة والتابعين الدمشقيين ينزلون بيت المقدس ويعلمون القرآن بمسجدها، ومن أذكرهم واثلة بن الأسقع الكناني، وأم الدرداء الصغرى، وضمرة بن ربيعة، ثم أصبح في أهل فلسطين قراء علماء يدرسون القرآن بمسجد بيت المقدس ومن أشهره، إبراهيم بن أبي عبلة العقيلي الرملي، وجعل كثير من التلاميذ وطلاب العلم يرتحلون إلى مسجد بيت المقدس في القرن الثاني ليقرؤوا على شيوخه، وكان منهم من يأتي من أجناد الشام الأخرى، كدمشق وحمص ومنهم من يأتي من بقية الأمصار كمصر واليمن والحجاز والعراق وخراسان.

ساد خط المحقق في القرنين الثامن والتاسع الهجريين في كتابة المصاحف، وكان أغلبها قد كتب في دمشق والقاهرة، وفي القرن العاشر الهجري برزت مصاحف العهد العثماني وخطت بقلم النسخ الذي رست كتابته في المصاحف من ذلك الوقت إلى عصرنا هذا، وقد رأينا في الحلقات الماضية كيف بدأ الخط اللين في الظهور منذ القرن الرابع الهجري، وكانت المدرسة البغدادية هي التي حملت زعامة هذا الخط وهذا التحول في الكتابة، وابتدأت بابن مقلة ثم بن البواب وانتهت على يد ياقوت الستعصمي.

وفي أثناء ذلك تنوعت الخطوط في المصاحف المشرقية، وكانت هارات في بلاد فارس هي إشعاع فن حضاري كتابي جميل وقد أضافت مدرسة هارات لمسات من الجمال على مشق الحروف، وغدا المصحف الشريف في حلة بديعة أنيقة، وجاءت من بعد المصاحف المملوكية لتكمل مسيرة فن الخط في أحضان القرآن إذ اتسمت مصاحف هذه الفترة بضخامة حجمها وجلاء خطوطها وذلك لوقفها على المساجد والمدارس التي ازدهر بنائها في عهد المماليك، وامتازت بتطورها نحو الجودة، مع الاهتمام بتحليتها بالزخارف الفنية.

ويظهر في هذا القرن أول مصحف كتب بخط المحقق، وكان من وقف محمد بن قلاون سنة ثلاثين وسبعمائة هجرية، ويوجد في دار الكتب والوثائق المصرية، وكان قد حبسه لجامع القلعة، وأسماء سوره خالية من الزخارف، وهوامشه بلا طرر وفواصل الآيات تحمل علامة ميزان صغيرة مع سكون دائري إن جاز الوقوف بالسكون، وكتب في آخره: " أوقف هذا المصحف الشريف، مولانا السلطان المالك الملك الناصر محمد بن مولانا السلطان سيف الدين قلاون سقى الله عهدهما "

وجعل مقره بالجامع الكبير بالقلعة المنصورة، وشرط ألا يخرج من المسجد المذكور بوجه ما وقفاً صحيحاً شرعياً، ? فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ ? [سورة البقرة، الآية 181]

بتاريخ سنة ثلاثين وسبعمائة، وتمتاز سطور المصحف هذا بوضوحها وجلاء كتابتها لضخامة المصحف، وبحسن الربط بين الحروف وجمال التركيب في الكلمات، وفي الأوراق الثمانين التي يحتفظ بها متحف " توب قابي سراي " وهي جزء من القرآن الكريم بخط المحقق الجميل الرصين نلاحظ الوضوح في الحرف.

وقد أهمل الخطاط علامة الميزان التي استخدمت في الماضي فوق حروف " ر، س، د " ولم يستعملها إلا في كتابة البسملة، والمصحف الجميل هذا كتب بلونين يدلان على دقة الصنعة فيه إذ تناوبت سطوره فيما بين الكتابة بالذهب المصور ولون الازواردي الأزرق مع شكل باللون الأسود، وفيه من العناية الشديدة مما يدل على أن هذا المصحف قد كتب لسلطان أو أمير.

ويحتفظ متحف " مشهد " بمجموعة من المصاحف الجديدة كتبت بخط محقق منها أوراق من سورة " ص " إلى آخر المصحف، مع ترجمة الآيات باللغة التركية، كتبت بخط نسخ قديم مشكول.

والأوراق من خط محمد بن يوسف الآباري المعروف بالسيد الخطاط، وخطها في العاشر من شعبان سنة سبع وثلاثين وسبعمائة هجرية، وهي ست خمسون وثلاثمائة ورقة بعضها بسبعة أسطر وبعضها الآخر بأربعة عشر سطراً، بمقاس خمس وثلاثين ونصف لخمس وعشرين سنتيمتراً وفي هذا المصحف ترجمات إلى عدد من اللهجات التركية وهو نادر قيم متميز من هذه الوجهة، وجاء في أخر كل سورة فضلها وخصائصها ونظرة مجملة على تفسيرها، ولفظ الجلالة في هذا المصحف مكتوب بالذهب المسور بالأسود وأوائل السور نقوش مذهبة بتصميمات هندسية متنوعة تتداخل فيما بينها الرسوم النباتية المزهرة، وقد خطت أسماء السور بخط الرقاع باللون الأبيض، وعلامات الأحزاب والأجزاء والأعشار بأشكال لوزية مذهبة مع شمسات وقناديل مرصعة، والفواصل بين الآيات مذهبة مرضعة.

وعناوين السور وفضلها بنول الزنجفر، والفواصل بين العبارات التفسيرية مسورة بعلامات حلزونية مذهبة، وغلاف المصحف هذا من جلد الماعز القديم، كما يحتفظ متحف " مشهد " بإيران بنسخة من قرآن كريم بخط المحقق مع ترجمة فارسية بخط النسخ، وهو بخط " عبد الله مرواريد " ويعود لعام ثمانية وخمسين وسبعمائة هجرية، ويشتمل على واحد وأربعين وخمسمائة ورقة ذات تسعة أسطر بمقاس ثلاث وثلاثين بأربع وعشرين سنتيمتراً، والصفحتان اللتان تتضمنان الفاتحة وأوائل البقرة مذهبتان مرصعتان على طريقة مدرسة هارات وهما باليتان، والعلامات مدورة مذهبة وأسماء السور بخط الرقاع بالذهب، والفواصل على شكل نجوم، وغلاف المصحف من الجلد، وواقفه " الميرزا نظام الملك " سنة اثنتين وستين وألف هجرية.

وفي متحف " مشهد " أيضاً ستة عشر ورقة أيضاً من القرآن الكريم بخط محقق وثلث، للخطاط " إبراهيم سلطان ابن شاهيرخ بن تيمور كوركان " ويعود لسنة سبع وعشرين وثمانمائة، وفي كل صفحة ستة أسطر والصفحتان الأولتان مذهبتان ومرصعتان، الصدر والذيل مزينان بالكوفي التزيني وأوائل السور نقوش مذهبة مرصعة، وأسماء الصور بخط ثلثي وبالذهب، وهي ذات تحرير على قاعدة تعشيرية، والفواصل بين الآيات نجوم مرصعة ذات شرفة، والسطر الأول والأخير في كل صفحة مكتوبان بخط ثلثي جلي مع تحرير بالذهب، وسائر السطور بخط محقق بالذهب مع تحرير باللون الأسود، وعلامات الأخماس والأعشار والأحزاب والأجزاء على شكل مشكاوات مذهبة وحلقات شمسية وترنجات مذهبة، وعناوين السور بالخط الكوفي المورق، والغلاف من الجلد الفاخر، وبلون زيتي صرف عليه جهد كبير، وهو من عمل المذهبين في المكتبة الرضوية، وواقف المصحف هذا هو الكاتب نفسه وأهمية هذا المخطوط ترجع إلى كتابته بأقلام مختلفة، وقد يفيدنا ذلك أن هذا الأسلوب يشكل طوراً من أطوار الخط في مراحل انتقاله، فإن هذا الخلط سيفضي إلى الأشكال المستقرة، كما يضيف المخطوط رسوماً ستصبح فيما بعد قاعدة تتبع وأسلوباً يتحدى في قوانين الرسم الكتابي.

 
اقرأ أيضا

أضف تعقيبك

BoldItalicUnderlineStrikethroughSubscriptSuperscriptEmailImageHyperlinkOrdered listUnordered listQuoteCodeHyperlink to the Article by its id
Very HappySmileWinkSadSurprisedShockedConfusedCoolLaughingMadRazzEmbarrassedCrying or Very SadEvil or Very MadTwisted EvilRolling EyesExclamationQuestionIdeaArrowNeutralMr. GreenGeekUber Geek
اسمك:
بريد الكتروني:
العنوان:
تعليق: