المعلق:
رأينا في حلقات ماضية دور الخطاطين في بلاد ما وراء النهر في تزيين المصحف الشريف، وكيف كانت هارات معقل الفن والتذهيب والتجليد؟ وكيف نشأ فيها ما يمكن أن نسميه فنون المصحف من خط وتذهيب وتجليد؟ وكانت العلوم الجديدة في هذا المجال قد برهنت على الوحدة الفنية والخطية التي ربطت أقطار الأمة الإسلامية وإتباع نفس القواعد والمدارس وإن شطت الديار وبعدت المسافات.
ولقد رأينا الخطوط اليابسة الكوفية وكيف تطورت في بلاد ما وراء النهر، وأصبحت بديعة الشكل رائعة المنظر بهية المعالم، وأطلق عليها اسم الخطوط المشرقية دون الدخول إلى جورها، وقد أشار " ابن النديم " في الفهرست إلى أن الإيرانيين حين أرادوا كتابة القرآن كان لهم خط يدعى " بالأصفهاني " وأخر يدعى " بقيرموز " أو فيرموز ويرى الباحثون المعاصرون أن قيرموز أو فيرموز معربة عن ديرموز وتعني السهل بالفارسية، وأنهم استولدوا منه عدد من الخطوط التي تصدرت صفحات القرآن العظيم بجملة أشكالها الفنية حتى أطلق عليها العلماء اسم الكوفي المشرقي.
إن المُسَلم به أن الخط الكوفي كان متداولاً في بلاد النهر منذ صدور الإسلام وحتى القرون الخمسة التي تلت بعد، وكانوا يكتبون بـ " القيرموز " القرآن ويزينون به الأبنية.
ويؤكد " هومايون فرخ " أن خط فيرموز من الخطوط التي راجت في عهد الساسانيين وظل معروفاً في الإسلام حيناً من الزمن، وقد دون الإيرانيون به نسخ القرآن العظيم، وهو نوع من الكوفي المتطور، ولقد وصلتنا مصاحف جميلة من هذه الفترة ومن الفترة الأولى من بلاد ما وراء النهر، وكلها تشهد على رفعة ذوق الفنانين في تسطيرهم وتذهبيهم لكتاب الله عز وجل، وانخرط الخطاطون المسلمون في المشرق بتحويل الخط اليابس إلى لين، وهجران اليابس من المصاحف.
وتبعهم في ذلك خطاطو ما وراء النهر، وابتكروا لنفسهم خطاً نسخي يختلف تماماً عن النسخ الذي تطور في البلاد العربية، فطمسوا حرف الواو وابتعدوا عن التطورات الجمالية التي حدثت على يد الشيخ " حمد الله والحافظ عثمان ".
وكونوا لأنفسهم مدرسة خاصة في فن نسخ المصاحف، ومما يثير العجب أن أهل المشرق لم يكتبوا المصحف الشريف بخطهم الاعتيادي الذي يطلقون عليه اسم " النستعليق " ونطلق عليه في بلادنا " الخط الفارسي " إلا بشكل نادر.
وقد وصلنا مصحف بهذا النوع من الخط وهو لخطاط شهير يلقب " بالذهبي قلم " والمصحف محفوظ في خزانة خرقة السعادة في مكتبة سراي " توب قابو " وهي خزانة الآثار النبوية، كتب هذا المصحف الشاه " محمود النيسابوري " وقد أخذ الخط عن خاله " عبد النيسابوري " ثم عن السلطان " علي المشهدي "، وكان كاتب " الشاه إسماعيل " ولازم أيام شبابه الشاه " طهما سيد " ثم انتقل لمشهد ليعمل هناك.
إن كتابة مصحف بخط " النستعليق " مخالف للخطوط التي كتبت منذ الخط الرابع، سواء العربية أم الفارسية.
إن المصحف كبير الحجم ولم يخرج عن قواعد التصميم العادي للمصاحف المعروفة في زخرفة سورة الفاتحة وسورة البقرة وأوائل سور وطرر الهوامش.
وقد زيل المصحف في آخره بعبارة " على يد العبد الضعيف المحتاج إلى رحمة الله الملك الغني شاه محمود النيسابوري زرين قلم في يوم الأربعاء، الرابع عشر من شهر محرم الحرام سنة خمس وأربعين وتسعمائة هجرية "..
ويمتاز المصحف باتساع كلماته وحروفه والمسافة بين الأسطر، وخط التعليق هو القلم الوحيد الذي تميل صواعده نحو اليمين، كما أنه هو الذي يرسم بالقلم لكثرة الأجزاء الدقيقة في ثناياه، فتكتب حروفه بطرف القلم، كما أن التباين في حروفه ووصلاته تضفي عليه جمالاً يتجلى في الليونة والتنغيم في حروفه التي تتراوح بين الصغيرة المتناهية في الصغر والكبيرة الطويلة كالاستمدادات، ويكسبه هذا الاختلاف روحاً خاصة تنم عن الذوق وسمو الإبداع، ويخلو هذا القلم من الشكل لكنه ورد في هذا المصحف مشكولاً، بقلم دقيق حفظاً له من اللحن ولعل أهل فارس رأوا فيه فناً لا يناسب المصحف فسايروا عامة المسلمين في كتابة مصاحفهم بالخطوط المتداولة.
لقد انقطع كثير من الخطاطين لكتابة المصاحف واختصوا بها لكثرة الطلب وعدم وجود مطابع ولثواب الله عز وجل، وكانت المصاحف المذهبة للسلاطين وكبار القوم مرتفعة الأجر إلى حد الخيال.
وكان السلاطين يطلبون من خطاطي عصرهم كتابة مصاحف ليوقفوها على المساجد الشهيرة أو يهدونها في المناسبات العزيزة.
ويصرفون عليها المبالغ الطائلة، حتى وصل ما صرفه الملك الناصر على كتابة المصحف الذي كتبه له وذهبه وجلده " محمد بن محمد الهمزاني " أكثر من ستة ألاف دينار ذهبي، وكان السلاطين يقربون كاتبها ويعظمونه ويغدقون عليه النعم، وكان ذلك مشجعاً ودافعاً للانقطاع إلى كتابة المصاحف.
وقد حكي عن " أبي حمدون الطبيب " قال: (شهدت ابن أبي العتاهية وقد كتب عن أبي محمد اليزيدي المتوفى سنة اثنين ومائتين قريباً من ألف مجلد عن أبي عمر بن العلاء خاصة، فيكون ذلك عشرة ألاف ورقة؛ لأن المجلد عشر ورقات).
وحدَّث أبو النصر قال: (حدثني أبو القاسم قال: سمعت سيف الدولة يقول وقد عاد إلى حلب: هلك مني من عرض من كان في صحبتي خمسة ألاف ورقة بخط علي بن مقلة، فاستعظمت ذلك وسألت بعض شيوخ خدمة الخاصة عن ذلك فقال لي: كان أبو عبد الله منقطعاً إلى بني حمدان سنين كثيرة يقومون بأمره أحسن قيام، ويخط لهم الكتب والمصاحف).
ومن المصاحف التي تعد من التحف والنوادر العجيبة ما كتبه محمد روح اللاهوري حين كتب مصحفين، كلمة أولها حرف الألف، وكتب علي بن محمد مصحفاً في درج من الرق بقلم النسخ طوله سبعة أمتار، وعرضه ثمانية سنتيمترات تتخلله كتابات بيضاء بعضها بقلم الثلث والفارسي، وبعضها بالتعليق، وهو محلاً ومجدولاً بالذهب، وأوائل السور مكتوبة بالمداد الأحمر، كتب سنة أربعين وألف للهجرة ومحفوظ في دار الكتب المصرية بالقاهرة.
ويوجد في مكتبة الروضة المطهرة بالمدينة المنورة مصحف في ثلاثين ورقة في كل ورقة جزء من القرآن الكريم.
تناول علماؤنا الحديث عبر القرون عن القرآن العظيم وألفوا كتباً كثيرة في تاريخه منذ بدء الوحي وتنزل الآيات الأولى على النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- وحتى مماته وانتقاله إلى الرفيق الأعلى، ولم تكن كتب التاريخ هذه ومن ثم كتب علوم القرآن إلا منهج بحث ورصد، سرد فيه العلماء الصورة المثلى والمعنوية للقرآن العظيم، وقليل منهم تعرض بعض عدة قرون للجانب الجمالي من حيث جمال المبنى لهذا الكتاب العظيم الذي تفرد به المسلمون عن باقي أصحاب الديانات بدقة ضبطه والحفاظ على مشافهته، ومن ثم كتابته في أساليب وطرق شتى.
ففي قمة جبل النور غار حراء نزلت أولى الآيات ? اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ? [سورة العلق، الآية 1 – 5].
وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يعرف القراءة والكتابة، قال تعالى في سورة العنكبوت ? وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لاَّرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ? [سورة العنكبوت، الآية 48].
وتلقى النبي عليه الصلاة والسلام القرآن مشافهة من ملك الوحي جبريل..
? لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِه* إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ? [سورة القيامة،الآية 16، 17] .
نزل القرآن العظيم على مراحل واستغرق نزوله ثلاثة وعشرين سنة من بعثته حتى وفاته صلى الله عليه وسلم، وحرص على حفظه وتدوينه واتخذ كتاباً تحت إشرافه ورقابته.
يقول الصحابي زيد بن ثابت رضي الله عنه: " كنت أكتب الوحي عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يملي علي، فإذا فرغت قال: اقرأه فأقرأه، فإن كان فيه سقط أقامه ".
وكان جبريل عليه السلام يدارسه القرآن في كل سنة مرة، وفي عام وفاته مرتين، وحفظ بعض أصحابه رضي الله عنهم شفاهاً منه..
يقول ابن مسعود: " حفظت من فيِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعة وسبعين سورة ".
لم يكن التدوين بشكل عام أمراً شائعاً زمن البعثة، فرسمت الحروف الأولى للقرآن العظيم بيد كتاب في مكة وكتاب من الأنصار في المدينة، حتى بلغ عددهم ثلاثة وأربعين كاتباً، وكان ألزمهم به وأخصهم، " معاوية بن أبي سفيان، وزيد بن ثابت الأنصاري رضي الله عنهم جميعا ً ".
خطت الحروف الأولى ورسمت بالحبر على العظام والحجارة وسعف النخل وجلود الحيوانات والرقوق، وعلى ورق البردي وعى أشياء ومواد مختلفة وكتب بحرف يابس جاءوا به من بلاد الشام أثناء رحلة الشتاء والصيف، وكان للأنباط دور كبير في تطور بنيته وشكله، تولى النبي صلى الله عليه وسلم ترتيب القرآن الكتاب بعد اكتماله طبقاً لما أخبر به الوحي، يقول عثمان بن أبي العاص: " كنت جالساً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ شخص ببصره ثم صوبه ثم قال، أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية من هذا الموضع من هذه السورة ? إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى ? [سورة النحل، الآية 90].. إلى أخرها.. "
لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يملي القرآن على كتاب الوحي ويرشدهم إلى ترتيب الآيات والسور.
إن ترتيب السور على ما نراه اليوم وترتيب الآيات توقيف من الله عز وجل، بالرغم من أنه لم يجمع بين دفتي مصحف واحد زمن الرسول صلى الله عليه وسلم.
قال الزركشي: " إنما لم يكتب في عهد النبي صلى الله عليه وسلم مصحف ألا يفضي إلى تغييره في كل وقت؛ فلهذا تأخرت كتابته إلى أن كمل نزول القرآن بموته صلى الله عليه وسلم، كان كل ما يكتب يوضع في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينسخ الكتاب لأنفسهم نسخة منه فتعاون الحفظة والكتاب على حفظه وعدم ضياعه أو تحريفه، مصداقاً لقوله تعالى، ? إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ? [سورة الحجر، الآية 9]..
بعد غروب شمس النبوة لاقت خلافة " أبي بكر الصديق " مصاعب جمة، واستشهد سبعين حافظاً أثناء موقعة اليمامة في حروب الردة اقترح سيدنا عمر بن الخطاب على الخليفة أبي بكر جمع القرآن، وشرح الله صدر أبي بكر وأسند المهمة كاتب الوحي زيد بن ثابت، الذي شهد العرضة الأخيرة للقرآن في ختام حياة النبي صلى الله عليه وسلم، ونسخ زيد المصاحف في صحائف من الرق وربطها في خيط وأودعها بيت الخليفة عمر، ثم آلت إلى بيت أم المؤمنين حفصة بنت عمر رضي الله عنهم.
في زمن الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه جمع القرآن العظيم الجمع الثاني، بعد أن ألقى المهمة إلى عبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وزيد بن ثابت، وقامت هذه اللجنة الرباعية بإخراج النص المخطوط لأول مرة معتمدة على المصحف المحفوظ عند أم المؤمنين حفصة.
بعد سنة من العمل الجاد وأرسلت النسخ إلى الكوفة والبصرة والشام، واحتفظ الخليفة بنسخة، وتمر الأيام، ويدخل في الدين الجديد آلاف وآلاف من غير العرب اللذين لا يحسنون التكلم بالعربية، فتسرب اللحن وفشا الغلط في قراءة القرآن ؛ مما دفع " أبو الأسود الدؤلي " لشكل القرآن وإعرابه بطريقة النقط باللون الأحمر، فجعل النقطة الحمراء فوق الحرف للفتحة، وتحته للكسرة، وبين يدي الحرب للضمة، وأضيفت بعد ذلك النقط الصفراء والخضراء والبرتقالية، واللازاوردية لتدل على الهمز والتشديد والمدود، ولعبت الألوان بصورة نقاط للشكل والضبط فوق الحروف دوراً كبيراً في العناية برسط المصحف على مدى أربعة قرون، وكانت الغاية من ذلك ضبط القراءة حتى لا يخطئ قارئ القرآن في حرف صوتي، إلا أن الحروف المتشابهة كالباء والتاء والثاء والجيم والحاء والخاء بقيت مشكلة قائمة عند الأعجمي، إذ كثر التصحيف والتحريف، فتصدى لحل لهذه المشكلة نصر بن عاصم، ويحيى بن يعمر، بأمر من " الحجاج بن يوسف الثقفي "، ونقطت الحروف المتشابهة، وأمنت القراءة من التصحيف، كما جمع الحجاج فقهاء المسلمين وقرائهم وحفاظهم ومكثوا أربعة أشهر يصلون ليلهم بنهارهم حتى عدوا آيات القرآن العظيم وكلماته وحروفه، وقسموه إلى أجزاء وأحزاب وأرباع.
لم يكن المصحف الشريف يحمل رموزاً تشير إلى هذه التقسيمات الجديدة، وإنما كان مجرداً ليس فيه إلا الحرف، ثم استحب النساخ كتابة العناوين في رأس كل سورة، وحتى يميزوها عن جسم القرآن كي لا يعتقد الناس بأنها من القرآن، وكتبوها بالذهب وبلون مغاير وجعلوا لها خطاً مورقاً، كما وضعوا رموز الفاصلة عند رؤوس الآيات، فاستخدموا في البدء نقطة، ثم تطور لدائرة ثم لمجموعة من الدوائر على شكل مثلث، ثم تطور الشكل إلى دائرة زخرفية أدخلوا فيها حرفاً ليدل على رقم بطريقة حساب الجُمَّل.
استخدم المسلمون الأوائل حرف الهاء ضمن دائرة بعد كل خمس آيات للدلالة على الرقم خمسة، وسموا ذلك بالتخميس، ووضعوا عند رأس كل عشر آيات حرف ياء للدلالة على العشرة وسموا ذلك بالتعشير، ووضعوا حرف هاء مذهب عند كل آية فيها سجدة، ظل نقط أبي الأسود في شكل الحروف وضبطها متبعاً حتى ظهر الخليل بن أحمد الفراهيدي في القرن الثاني الهجري فابتكر أشكالاً جديدة ورموزاً وصوراً جعلها بدل نقط أبي الأسود الحمراء، وبدل النقاط الصفراء والخضراء وغيرها وأراح الناس من مشق الكتابة بالألوان، ورغم سهولة أشكال الخليل فقد بقي بعض الكتاب يستعملونها حتى نهاية القرن الخامس الهجري، لقد وضع الخليل ثماني علامات للرموز الصوتية أبدلها نبقط أبي الأسود وهي " الفتحة " التي رسمها ألفاً مبطوحة فوق الحرف، و" الخفضة " الكسرة ألفاً مبطوحة تحت الحرف، و" الضمة " واو صغيرة.
ووضع الخليل للتنوين العلامة ذاتها مكررة للضمة والفتحة والكسرة، كما رمز الفراهيدي برأس الحاء ليدل على السكون، وقد أخذه فعل خفيف، وقد يكون رأس جيم للدلالة على الجزم.
والميم أيضاً للسكون من فعل جزم، ورأس الشين للشدة من كلمة شديد، ورأس عين لهمزة القطع وحرف صاد لهمزة الوصل، وحرف ميم للمد، وابتكر النساخ علامة الميزان للحروف المهملة، ووضعوا حرف كاف صغير لحرف الكاف المفرد للتمييز بينه وبين اللام وتطورت هذه الأشكال حتى أن وصلت إلى ما هي عليه اليوم، إن هذا الإصلاح في طريقة رسم الحروف ونطق الكلمات كان الدافع إليه الرغبة الصادقة في الإعانة على تلاوة صحيحة، وفهم لكتاب الله عز وجل، وهكذا تحددت معالم السورة للمصحف الشريف كما نعرفه اليوم، إن معظم المصاحف التي وصلتنا من الفترة الزمنية في القرون الهجرية الأولى مكتوبة على الرق، وقد استخدمه الخطاطون المسلمون لسهولة الكتابة عليه، ودوام بقاءه مدة طويلة من الزمن.
وكان الرق من السلع الهامة التي يتاجر بها الفنيقيون من بلاد الشام إلى جميع أنحاء الأرض، منذ أن وضع القرآن العظيم الجمع الأول وربطه زيد بخيط، وأطلق عليه الخليفة أبو بكر اسم المصحف، بدأ التطور في فن صناعة الكتاب يرقى رويداً رويداً، فقد كانت غلافات المصاحف أول الأمر تصنع من الخشب، وتغلف بالقماش والحرير، خالية من أية مسحة فنية أو زخرف، إلا أن الكاتب لم يلبث أن أظهر إبداعاته على السطح الخارجي للقرآن، فامتدت يده إلى مساحة لوح الخشب أو البردي ليطعمه بالعاج والعظم ثم بالأحجار الكريمة في خيال هندسي باهر، ولم يلبث أن كفته بالذهب والفضة.
لقد ولدت صناعة التجليد في أحضان المصحف الشريف، ويذكر ابن النديم في الفهرست أسماء لسبعة من المجلدين المشهورين، وعلى رأسهم " بن ابي الحريش " الذي كان يجلد في خزانة الحكمة للمأمون، ويذكر المقدسي صاحب كتاب " أحسن التقاسيم " الذي كان مجلداً ماهراً أنه رحل لليمن وعلم أهلها الصنعة التي كان قد تعلمها من أهل الشام اللذين تفننوا وابتكروا صنع اللسان، لم يبلغ القرن الرابع الهجري مداه حتى كان تجليد المصاحف قد بلغ مبلغاً عظيماً من الإتقان والإحكام فازدان بزخارف لا تقل عن الزخارف الداخلية روعة وجمالاً.
وأدخل المسلمون لأول مرة في فن التجليد مادة " اللك " للحفاظ على الرسوم الملونة على سطح الغلاف أطول مدة ممكنة، ولتعطي الغلاف بريقاً ولمعاناً جميلاً، لم يكن المصحف الشريف خلال القرون الأولى، إلى جسماً لحرف مكتوب على الرق دون أن تكون عليه أية مسحة فنية وكان الصحابة رضي الله عنهم بداية يتحرجون من إدخال أي شيء على المصحف، وشيئاً فشيئاً تسللت الزخارف إلى المصاحف وحلت في الصفحات الأولى والأخيرة ووجدت في فواصل السور، وفي ونهايات الآيات ومواضع التخميس والتعشير والأجزاء والأحزاب.
ثم لم تلبث أن تجاوزت في القرن الخامس الهجري واتخذت شكل جداول وإطارات زخرفية تحيط بالمساحة المكتوبة من الصفحة، ويوجد في متاحف العالم مصاحف ترجع إلى القرون الأولى وفيها شتى ألوان الحلي الغنية بالزخارف المذهبة.
انتشر المصحف الشريف في أرجاء الأرض وكان الخطاطون والمذهبون قد برعوا في إتقان خطوطه وتذهيبه وإضفاء الحلة القشيبة على مظهره الداخلي والخارجي، وظلت الزخارف بالذهب واللون الأزرق توشح الصفحات وتكسوها مظهراً رائعاً، ولم يكتف المسلمون بذلك، بل ابتكروا فنوناً وحروفاً جديدة خدمة للقارئ والحافظ لكتاب الله، فصنعوا الرحلة كرسي المصحف، وابتكروا له شكلاً جميلاً وهو عبارة عن لوحين من الخشب يتادخلان من الوسط بطريقة التعشيق، وكأنهما كفان قد شبكت أصابعهما وزين الكرسي بزخارف هندسية عجيبة نجمية وهندسية ونباتية، ونجحوا نجاحاً منعدم النظير في حفر الزخارف بعدة طبقات بعضها فوق بعض، وطعموها بالعاج والصدف والقصدير والفضة والأبانوس.
ظلت المصاحف تكتب على الرق حتى ظهور الورق، وقد عرف الورق قديماً فاستعملوه في الكتابة إلا أنه لم ينتشر إلا بعد أن صنعوه بأيديهم، وقد أحدثت صناعته ثورة ثقافية نال منها المصحف الشريف الحظ الأكبر والأوفر، ورغم الأعداد الكبيرة التي كتبت في القرن الثاني والثالث الهجريين فإنه لم يصل سوى عدد قليل منها، ومنها مصحف " ابن البواب " من القرن الرابع الهجري، وتحتفظ به مكتبة " تشيستر بيتي " بدبلن بايرلندا.
إن ظهور الورق ساعد على تطور الكتابة والخط وكان لتطور الكتابة اللينة المذهل في الرسائل والدواوين كان له الفضل في ظهور خط نسخي شامي جميل، كتبت به المصاحف بعد أن غاب خط الكوفة الرصين، وكان " ياقوت المستعصمي " أحد الكتاب الذين طوروا في الخطوط اللينة وكتبوا المصاحف، وتبعه آخرون فسار المصحف يقف على قدر كبير من الإتقان والجمال.
وتضم متاحف العالم اليوم مجموعة كبيرة من المصاحف التي كتبت في القرون الخالية وفيها ما يدل على احترام وتقديس كلام الله عز وجل وإخراجه في أبهى زينة وأكمل منظر.