البحث

بحث مخصص

تأكد من صحة الحديث


بحث عن:


حلقات الشيوخ

فاضل السامرائي أحمد الكبيسي محمد متولي الشعراوي حسام النعيمي محمد هداية طارق السويدان خالد الجندي عمر عبد الكافيرقية العلوانيحميد بن مجول النعيمي

المتواجدون الآن

يوجد حالياً 80 زائر على الخط

عداد الزوار

free hit counter
القرآن الكريم وعلومه
السيرة النبوية والحديث
أسماء الله الحسنى
الإعجاز العلمي في القرآن والسنة
لمسات بيانية
برامج الدكتور أحمد الكبيسي
برامج الدكتور محمد هداية
الدكتور حميد بن مجول النعيمي
دكتورة رقية العلواني
حلقات برامج بعض العلماء
حلقات مترجمة
أركان الإسلام
قصص القرآن والأنبياء والصحابة
اللغة والأدب
مقالات
برامج وكتب
المتحف
أدعية وأذكار
كلمات مضيئة
محاضرات وصوتيات
دليل المواقع الإسلامية والبرامج
سجل الزوار

تسجيل الدخول



بسم الله الرحمن الرحيم



رحلة القرآن العظيم
رحلة القرآن العظيم - الحلقة 11 طباعة البريد الإلكترونى
تقييم المستعملين: / 1
فقيرأفضل 
كتب محررة الموقع   
الإثنين, 06 يوليوز 2009 08:32
رحلة القرآن العظيم (11)

المعلق:

ليس بين أشباه الجزر شبه جزيرة تنيف على شبه جزيرة العرب في المساحة، فهي أكبر شبه جزيرة في العالم، ويطلق عليها علماء العرب اسم جزيرة العرب، تحيط بها المياه من أطرافها الثلاثة، وقد قسم الإسلاميون جزيرة العرب على خمسة أقسام:

الحجاز..

والحجاز يمتد من أيلة العقبة إلى اليمن وسمي حجازًا لأنه سلسلة جبال تفصل تهامة وهي الأرض المنخفضة على طول البحر الأحمر عن نجد.

وتهامة واليمن، ونجد..

وهو الجزء المرتفع الذي يمتد من جبال الحجاز ويسير شرقًا إلى صحراء البحرين وهو مرتفع فسيح فيه صحراوات وجبال.

وأخيرًا العروض وتتصل بالبحرين شرقًا وبالحجاز غربًا وسميت بالعروض لاعتراضها بين اليمن ونجد، وتسمى باليمامة أيضاً.

لقد تغلبت الصحراوية على شبه الجزيرة وظهر الجفاف لعوامل طبيعية وحوادث جيولوجية وبسبب الموقع الجغرافي، فكان ذلك كله سببًا في قلة نفوس جزيرة العرب في الماضي والحاضر، وفي سبب عدم نشوء مجتمعات حضارية وحكومات مركزية، وفي سبب تفشي البداوة وغلبة الطبيعة الأعرابية على أهلها، وبروز روح الفردية وتقاتل القبائل بعضها مع بعض، لذلك انحصرت القبائل في الأماكن الممطورة والأماكن التي تفجرت فيها الينابيع، وصارت الحياة قاسية تمثلت في القبيلة التي هي الحكومة والقومية في نظر البدوي.

ومن ناحية أخرى كان العربي مخلصًا مطيعًا لقبيلته كريمًا في الضيافة يعشق الحرية ويتغنى بها، في تلك المواضع التي توافرت فيها المياه من مطر وعيون وآبار ظهرت الحضارة على شكل قرى ومستوطنات، ونشأت مجتمعات لها طبيعة خاصة وشخصية مستقلة، متأثرة بطبيعة الجو وطبيعة الحرف والصناعات وطرق العيش التي يمارسها المجتمع.

ففي مكة مجتمع خاص له طابع مميز وكذلك لأهل الحيرة ولأهل يثرب وكان المجتمع اليمني من أغنى المجتمعات حضارة ورقيًا، واتفق الرواة وأهل الأخبار على تقسيم العرب لعرب بائدة وعاربة ومستعربة.

ومن حيث النسب لقحطانية في اليمن وعدنانية في الحجاز، ويقسمون العدنانيين لفرعين كبيرين هما ربيعة ومضر.

وقد امتازت الجزيرة العربية على سعتها وترامي أطرافها وتشتت قبائلها بوحدة اللغة، وهذا ما كان سببًا في تيسير مهمة الدعوة الإسلامية وسرعة انتشار الإسلام فيها وفهم لغة القرآن العظيم.

تبين من الآثار القديمة أن بلاد العرب كانت مأهولة منذ العصور البليوثية أي الحجرة المتقدمة، ومن أقدم الآثار التي عثر عليها آثار من أدوار العصر الحجري، وفي كتب أجوسوس فلافيوس الذي عاش بين سنة 37 و 100 للميلاد معلومات ثمينة وأخبار مفصلة عن العرب الأنباط، كما وردت في الكتب اليونانية واللاتينية أخبار كبيرة الخطورة، وفيها أسماء قبائل عربية كثيرة ومن أقدم من كتب عن العرب أخيلوس من خمسمائة وخمس وعشرين إلى أربعمائة وست وخمسين قبل الميلاد، وهيرودوت من أربعمائة وثمانين إلى أربعمائة وعشرين قبل الميلاد، وغيرهم كثير.

والصلات بين العرب والهند قديمة ووفيرة وتقوم على أساس التبادل التجاري والثقافي، لقد قصد سيدنا إبراهيم –عليه السلام- مكة وهي في وادي محصور بين جبال جرداء فرارًا من الوثنية ورغبة في تأسيس نقطة انطلاق لدعوة التوحيد، واشترك مع ابنه إسماعيل في بناء بيت الله، ? وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ?127? رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ ? [البقرة: 127 : 128].

كما دعا إبراهيم ربه بعد بناء البيت فقال: ? رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأصْنَامَ ?35?? [الرعد: 35] كما قال: ? رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ?37?? [الرعد: 37].

وتحقق ما دعا به إبراهيم، وبارك الله في ذرية إسماعيل الذي صاهر قبيلة جرهم، حتى كان منه عدنان ومنه معدّ، ونبغ في أولاده مضر ونبغ من أولاد فهر بن مالك، وسمي أولاد فهر بن مالك بن النضر قريشًا وغلب الاسم فسميت القبيلة بقريش، وكانوا أصحاب سيادة وفصاحة اللغة ونصاعة البيان وكان من أولاد فهر قصي بن كلاب، ظل أمر مكة لجرهم حتى غلبهم خزاعة وكانت سدانة البيت فيهم، إلى أن عظم شأن قصي وانضمت له قريش وأجلوا خزاعة عن مكة وتم له أمر مكة وكان سيدًا مطاعًا إليه حجابة البيت وعنده مفاتيحه وتنبل في أولاد عبد مناف.

وكان هاشم أكبر أبناء عبد مناف وعنده السقاية والرفادة وهو والد عبد المطلب جد الرسول -صلى الله عليه وسلم- كان بنو هاشم واسطة العقد في قريش يتصفون بعلو الهمة والبعد عن الظلم وينصرون الضعيف ويدعون إلى مكارم الأخلاق بالرغم من مسايرة قومهم في عقائد الجاهلية وعبادتها.

بقيت قريش متمسكة بدين إبراهيم وإسماعيل، متمسكة بالتوحيد، وهذا ما سمي بالحنيفية، حتى كان عمرو بن لُحِيّ الخزاعي الذي جلب بعض الأصنام من بلاد الشام بعد أن فُتِنَ بها، ونصبها حول الكعبة وأمر الناس بعبادتها.

إلى جانب عبادة الأصنام ظهرت في بلاد العرب عبادة النجوم والكواكب وخاصة في حران والبحرين والبادية، وانتشرت هذه العبادة في قبائل لخم وخزاعة وعُبدتْ الشمس في بلاد اليمن، قال تعالى: ? إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ ?23?وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللهِ ? [النمل: 23: 24].

كما تسربت بعض فرق المجوسية الفارسية إلى بلاد العرب، يقول ابن قتيبة: وكانت المجوسية في تميم، منهم زرارة وحاجب كما أخذ بعض القرشيين الزندقة من الحيرة، وكان الأقرع بن حابس ممن دان بالمجوسية قبل إسلامه وتسربت إلى هجر من البحرين، ودخلت اليهودية بلاد العرب وخيبر ووادي قربى وفدك وتيماء بصفة خاصة عندما نزح اليهود إليها.

ووصلت اليمن ودان بها ذو نواس الملك الحميري وحاول حمل النصارى على اعتناقها وانتشرت كذلك في بني الحارس بن كعب وكندا وكنانة، ودخلت بعض القبائل العربية في المسيحية لقربها من مراكز الحضارة كالغساسنة والمناذرة.

ومن أشهر الأديرة في الحيرة دير هند ودير لجو ودير حارة مريم، وفي جنوب الجزيرة كنيسة ظفار وأخرى بعدن، ولنصارى نجران قصة مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- ومن القبائل التي دانت بالمسيحية بنو أسد بن عبد العزى واعتنقها امرؤ القيس من تميم وبنو تغلب من ربيعة وبعض قبائل قضاعة، وعدي بن حاتم الطائي، ومن أبرز الذين دانوا بالحنيفية دين إبراهيم زيد بن عمرو بن نفيل ويروى أن ورقة بن نوفل خرج معه يبحثان عن دين صحيح فتنصر ورقة وسار زيد على دين إبراهيم.

ومنهم قس بن ساعدة الإيادي وأمية بن أبي الصلت ولبيد بن ربيعة وغيرهم كثير.

يظن كثير من الناس أن مكة كانت قرية صغيرة والحياة فيها بدائية وهي أشبه بمسكن للقبائل فيه مضارب شَعر وتسود فيها الخيام ومعاطن الإبل ومرابط الخيل والغنم ويتبلغ أهلها ببلغة العيش ويلبسون الخشن من اللباس لا يعرفون الأناقة ولين العيش.

وهذه الصورة لا تتفق مع الواقع التاريخي والمتناثر في بطون كتب التاريخ ودواوين الشعر من وصف مكة وأهلها خلال منتصف القرن السادس الميلادي.

والحق أنها انتقلت من منتصف القرن الخامس الميلادي من طور البداوة إلى طور الحضارة وكان ذلك على يد قُصيٍّ جد الرسول -صلى الله عليه وسلم- الخامس، وكان عمرانها محصورًا في نطاق ضيق بين أخشبين هما جبل أبي قُبيس المشرق على الصفا وآخر يشرف على جهة قُعيقعان.

وكان لوجود البيت العتيق في هذا الوادي وما يتمتع به سكانه من شرف ومكانة وأمانة وطمأنينة سببًا في ازدياد العمران فحلت البيوت الحجرية والطينية، ونشأت مكة يحكمها القرشيون بما يملكون من حجابة وسقاية ورفادة.

وكانت لقريش رحلتان تجاريتان إحداهما للشام صيفًا وأخرى لليمن شتاء.

وأشهر الحج يعقدون فيها أسواقهم التجارية فكان منها سوق العطارين وسوق الفاكهة وسوق الرطب وأماكن لبيع الحنطة والسمن والعسل والحبوب، وأزقة للحذائين والحلاقين والحجامين.

وكانت اليمامة ريف مكة، ولأهلها منتجعات في الطائف، وكان سكان قريش يشتهرون بالأناقة في الملبس ويتجملون بالكسوة الفارهة، وكان تجار مكة ينشطون في إفريقية وآسيا ويحملون منها ما يستطرف ويستظرف فينقلون الصمغ والعاج والذهب وخشب الأبنوس ومن اليمن الجلود والبخور والثياب.

ومن العراق التوابل ومن حاصلات الهند الذهب والقصدير والأحجار الكريمة والعاج وخشب الصندل والتوابل والزعفران، من مصر والشام الزيوت والغلال والأسلحة والحرير.

وكانت من النساء تاجرات لهن نشاط في إرسال القوافل قال تعالى: ? لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ ? [النساء: 32]، لقد أثرى كثير من أبناء مكة فكانت قوافلهم تنوف على الألف جمل، وكانوا يتعاملون بالعملة الرومانية البيزنطية والإيرانية الساسانية.

كما استعملوا الموازين والمكاييل وعندهم علم بالحساب أقرهم عليه القرآن العظيم في ذكر السهام والفرائض، لقد اشتهرت بيوت وأسر مكة بالثراء وسعة المال ورقة العيش، يمتاز فيها بنو أمية وبنو مخزوم يشربون بآنية من ذهب وينفقون أموالهم في الترف ومجال اللهو وأندية الشراب، وعامة مجالس أشرافهم ينشد فيها الشعر ويقبل عليها كبار شعراء الجاهلية كـ لبيد بن ربيعة وغيره، وكانوا يحتقرون صناعات يستخدمون لها الموالي والأعاجم ويستعينون بعمال الروم والفرس لبناء دورهم وبهذا المركز الديني والمكانة الاقتصادية وقيادة النشاط التجاري والتقدم في المدنية والآداب أصبحت مكة كبرى مدن الجزيرة العربية وبدأت تنافس صنعاء اليمن في زعامة الجزيرة، بل إنها تفوقت عليها بعدما استولت الحبشة على اليمن وتملك الفرس في منتصف القرن السادس الميلادي وفقدت مملكة الحيرة ومملكة غسان الشيء الكثير من العظمة والأبهة وهكذا غدت مكة عاصمة جزيرة العرب الروحية والاجتماعية من غير منافس.

حل القرن السادس الميلادي والحرب قائمة بين نصارى الشام والدولة الرومانية ونصارى مصر لاختلافهم حول طبيعة السيد المسيح -عليه السلام- في الدولة الرومانية الشرقية ساءت أحوال وقامت فتن وثورات وهلك عام خمسمائة واثنين وثلاثين للميلاد في القسطنطينية وحدها ثلاثون ألف شخص.

وفي مصر البيزنطية ساد الاضطهاد الديني والاستبداد السياسي والبؤس والفقر ولم ينقذهم من ذلك إلا المسلمون كما جاء في كتابة غوستاف لوبون، وفي سورية البيزنطية سادت المظالم إلى حد كبير اضطر كثير من السوريين لبيع أبنائهم لوفاء ديونهم، وفي أوربا والغرب كانت الحروب الدامية من أجل فلسفات لا تسمن ولا تغني من جوع، وفي بلاد فارس إيران المجوسية فقد كانت الزرادشتية حربًا على العقائد القديمة وظهرت فرق مجوسية عبدة النار.

ولما غزا الإسكندر المقدوني إيران في القرن الرابع قبل الميلاد اختفت الزرادشتية ولم تظهر إلا بعد خمسة قرون، وفي القرن الثالث قبل الميلاد ظهر ماني بمذهبه المزيج، وقتله الملك بهران، وفي الصين كانت ديانة لاتسو وكونفوشيوس والبوذية وعبادة أرواح الآباء وتسربت لمنهج الحياة الأوهام وعبادة السحر، ثم ما لبثت أن قفلت بعد أن سادت ألف سنة.

اللغة العربية من أغنى اللغات وأعرقها وأخلدها وأعذبها منطقًا وأسلسها أسلوبًا وأغزرها مادة.

اللغة العربية هي إحدى اللغات السامية إلا أنها تمتاز عنهن جميعاً بأنها أقرب إلى السامية الأم، ويعود ذلك إلى أنها أحدث اللغات انفصالاً وإلى أنها كانت بعيدة عن مؤثرات الامتزاج والاختلاط بسبب هذا السياج الشائك المحرق الذي ضربته الصحارى والبحار من حول الجزيرة العربية، فامتنعت على المغيرين والغازين ومنعت العرب من الامتزاج العميق.

لقد امتازت اللغة العربية بأنها أرقى اللغات السامية وأفضلها، فقد اقتبست من أخواتها الساميات أفضل ما فيها من الألفاظ والمصطلحات وأخذت خير الخصائص والصفات فأصبحت لغة خصبة راقية، وكان لها من عوامل النمو ودواعي البقاء والرقي ما قلما يتهيأ لغير، وذلك لما فيها من اختلاف طرق الدلالة وغلبة التصريف والاشتقاق والنحت والقلب والإبدال والتعريب، وورود القرآن العظيم بلسانها، وما رواه لنا منها أئمة اللغة وجاء به القرآن العظيم والحديث النبوي هو نتيجة امتزاج لغات الشعوب التي سكنت الجزيرة العربية.

ولا يعلم بالضبط متى كان الوقت والزمن التي نضجت به واكتملت وأصبحت لغة السحر والبيان، ولكننا نعلم أن الله -سبحانه وتعالى- قد أحاطت عنايته بها فجعلها لسان رسالته، ولغة قرآنه وكان لذلك من الأثر الجليل الخطير فوق ما نتخيل ونتصور.

فلم يكتف القرآن أن كان في صدر الإسلام سبيلاً لوحدتها، وطريقًا لصفائها وعاملاً أقوى في لم شعثها وإنما كان فوق ذلك الولي الأمين وكان من أثر القرآن العظيم في اللغة العربية أن ساعد على مد نفوذها وانتشار رقعتها فحملها معه إلى كل قطر ودخل بها كل بلد وأتاح لها الأجواء الواسعة والعوالم الجديدة ومكن لها أن تتفاعل مع اللغات الأخرى فازدادت ثروة وغنى.

العربية هي لسان القبائل التي تمتد على رقعة شبه جزيرة العرب، ولكل قبيلة لهجة خاصة بها إلا أن أرقى هذه اللهجات وأعذبها هي لهجة قريش مع أن لكل قبيلة هِنَةً أو أكثر.

والقبائل هي قضاعة وقبائل اليمن وحمير وهذيل وتميم وأسد وربيعة وكلب وشيحر وعمان وطئ وسعد والأجد وقيس والأنصار وغيرهم.

لقد استعمل العرب لغتهم في جزيرتهم لأغراض الحياة البدوية ووصف مرافقها من حل وترحال ونتاج حيوان وانتجاع كلأ واستدرار غيث وفي إثارة المنازعات والمشاحنات من إدراك الثأر والتفاخر بالانتصار والتباهي بكرم الأصل والنجار وفي شرح أحوال المشاهدات والإخبار عن الوقائع والقصص وغير ذلك مما يلائم بيئتهم ويناسب طباعهم، ولغة التخاطب عند العرب بعد أن توحدت لهجاتها هي اللغة المستعملة في الخطابة والشعر والكتابة.

لقد كان الشاعر لسان القبيلة، عنها يدافع ومن أجلها يقول الشعر ويخوض الخصومات، وهو أحد أعضاء الوفود، ومنزلة الشاعر من أرفع المنازل في القبيلة والأخبار تدل على ذلك، ولم يكن الشعر مظهرًا فنيًا فحسب وإنما كان المجتمع يحس أن وراء الشعر وشعره قوة جذب خاصة لا يتمتع بها الأفراد العاديون في القبيلة.

وللشعر قوة لا يمكن الوقوف عليها بشكل واضح وإنما يمكن تمثلها حين نذكر أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رُميَ بأنه كاهن وساحر وشاعر، وبذلك رُميَ القرآن العظيم أيضاً فكأنما كان وراء هذه الكلمات إشارة إلى بعض هذه القوى الخفية والتي لم يستطع العربي إدراكها ولذلك جاء القرآن العظيم بلغة وكلام ظن فيها العرب السحر لما فيه من إعجاز وسحر بيان، وكذلك كانت الدعوة الإسلامية المتمثلة في القرآن العظيم المنعطف الأكبر في حياة العرب لقد كان العرب في جاهليتهم أممًا بدوية يعقدون الأسواق التجارية وفيها اللغة والجماعة والإذعان للأشراف والفصحاء والنبلاء من قريش وتميم وغيرهم.

وهذا ما هيأهم ليجتمعوا تحت لواء واحد ويتفاهموا بلسان واحد إن شيوع اللهجة القرشية واندماج سائر اللهجات العربية فيها بتأثير الأسواق والحج جعل القرآن بلغتهم والنبي فيهم وانتشار الدين على أيديهم.

لقد نزل القرآن العظيم: ? كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ?1?? [هود: 1] فيه آيات بينات ودلائل واضحات وأخبار صادقة ومواعظ وآداب وشرائع وأساليب، ? لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ?42?? [فصلت: 42].

وكان له الأثر البين في توحيد اللغة ونشرها وترقيتها من حيث أغراضها ومعانيها وألفاظها وأساليبها، وقد أثر القرآن العظيم في اللغة تأثيرًا لم يكن لكتاب ذلك على مر التاريخ، لقد أصبحت اللغة بفضل القرآن العظيم حية خالدة من بين اللغات القديمة التي انطمست آثارها وصارت في عداد اللغات التاريخية الأثرية.

كما أن القرآن العظيم قد أحدث فيها علومًا جمة لم تكن لولاه ولم تكن لتخطر على قلبه وهي علوم اللغة والنحو والصرف والاشتقاق والمعاني والبديع والبيان والأدب والرسم والقراءات والتفسير والأصول والتوحيد والفقه.

وطبيعة لغة القرآن هي من النثر الذي لم يجرِ على مألوف العرب في النثر والسجع، بل هو آيات وفواصل فيه الذوق السليم بانتهاء الكلام الذي يضم جوامع الكلم.

كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يخلو لنفسه في غار حراء وفي يوم الإثنين من شهر رمضان جاءه جبريل بغتة لأول مرة، تقول عائشة -رضي الله عنها-: ( فجاءه الملك فقال: اقرأ، فقال له النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني، -أي ضمني وعصرني - حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: ? اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ?1?? حتى بلغ ? مَا لَمْ يَعْلَمْ ? فرجع بها ترجف بوادره حتى دخل على خديجة فقال: زملوني زملوني فزملوه حتى ذهب عنه الروع فقال: يا خديجة مالي وأخبرها الخبر قال: قد خشيت على نفسي فقالت له: كلا أبشر فوالله لا يخزيك الله أبداً إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكل وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق، ثم انطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي وهو ابن عم خديجة أخو أبيها وكان امرأً تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العربي فيكتب بالعربية من الإنجيل ما شاء الله أن يكتب وكان شيخاً كبيراً فقالت له خديجة: اسمع من ابن أخيك فقال ورقة: ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- ما رأى فقال ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى، يا ليتني كنت فيها جذعًا أكون حيًا حين يخرجك قومك فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أومخرجي هم ؟ قال ورقة: نعم لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عودي وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزراً، ثم لم ينشب ورقة أن توفي).

إن ظاهرة الوحي معجزة خارقة للسنن الطبيعية، إذ تلقى النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- القرآن من جبريل -عليه السلام- وبالتالي فلا صلة لظاهرة الوحي بالإلهام أو التأمل الباطني، إن التحليلات التي قدمها المستشرقون في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين لظاهرة الوحي متناقضة لا يمكن الوقوف عندها إذ إنهم لم يقدموا التفسيرات الصحيحة وإنما قدموا الاتهامات القديمة التي سبق أن قالها عرب الجاهلة في مكة عند نزول الإسلام مما رده القرآن.

قال تعالى يحكي تلك الاتهامات: ? إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ? [النحل: 103] وقال: ? إِنْ هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ ? [الفرقان: 4] وفي القرن العشرين يقول المستشرقون: إن الرسول -صلى الله عليه وسلم- تعلم من ورقة بن نوفل ومرة يقولون: من بحيرى الراهب وأحياناً يرددون أنه تعلم من يهود مكة ونحن نعلم أن مكة لم يكن فيها يهود، وأن لقاءه ببحيرى لو ثبت لا يعود الساعة أو الساعتين وهو غلام في الثانية عشرة من عمره وأن التوراة والإنجيل لم يترجما إلى العربية إلى بعد عدة قرون.

إن التشابه بين القصص في القرآن والتوراة والإنجيل يرجع إلى وحدة المصدر الإلهي، بالرغم من أهواء بعض الدارسين الذين يقولون بأن القرآن قد اقتبس قصصه من التوراة والإنجيل، أما قصة بحيرى فهي أن أبا طالب عم النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قد اصطحبه في سفرة تجارية إلى الشام وكان النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- صغيراً لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره على اختلاف الروايات وقد دعا راهب يدعى بحيرى في مدينة بصرى رجال القافلة القرشية إلى طعام، حيث تعرف على النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- من خلال صفاته وأحواله فعرف أنه يتيم وأنه يحمل خاتم النبوة بين كتفيه ورأى الغمامة تظله من الشمس وفيء الشجر يميل عليه عندما ينام إليها.

وتختم الرواية القصة بتحذير الراهب لأبي طالب عم النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- من اليهود والروم.

لقد حاول بعض المستشرقين أن يبني على هذه القصة اتهامات فيها مجازفة علمية حين زعموا أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- تلقى علم التوراة عن بحيرى، فكيف يكون ذلك وهو لم يلتق به إلا في ساعة طعام ولم تكن التوراة قد نقلت إلى العربية وما بين بعثته -صلى الله عليه وسلم- ولقاءه ببحيرى أكثر من ثمانية وعشرين عاماً؟!!!

بالإضافة إلى أن المصادر لا تكاد تتفق على شيء بشأنه، وهي متضاربة في اسمه، فمرة هو جرجس وأخرى جورجوس ومرة أنه مشتق من الآرامية وأخرى من السريانية ومرة لعبد القيس ومرة هو نصراني وأخرى يهودي والأخبار متضاربة في هذه الرواية التي إن دلت على شيء فإنما تدل على أن هناك تلفيقًا وتطويرًا حولها لا يمكن أن يطمئن له الإنسان إن أخضعه للبحث والدراسة.

إن القرآن العظيم هو أساس الإسلام وكتاب العربية الأول والأكبر وعليه يتوقف دين المسلمين ودنياهم وقد عظم الله -سبحانه وتعالى- حال القرآن: ? تَنْزِيلاً مِّمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلا ?4?? [طه: 4]، وهو يعرض على الناس أحوال الأمم والفرق التي غبرت، وهو من الناحية الموضوعية يحرر الإنسان من ذل العبودية والخضوع للفرد إلى عبودية الله الواحد الجبار.

ولا ينافر العلم ولا يخاصمه ويعلي سلطان العقل ويحفز الناس للنظر والتفكير ليحفظهم من مزالق الخرافات والأوهام ويعتقهم من الجمود والرق، ويبث فيهم الشعور بالكرامة، وهو أطول الكتب السماوية التي تقدمت قال تعالى : ? وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ?4?? [الزخرف: 4].

 
اقرأ أيضا

أضف تعقيبك

BoldItalicUnderlineStrikethroughSubscriptSuperscriptEmailImageHyperlinkOrdered listUnordered listQuoteCodeHyperlink to the Article by its id
Very HappySmileWinkSadSurprisedShockedConfusedCoolLaughingMadRazzEmbarrassedCrying or Very SadEvil or Very MadTwisted EvilRolling EyesExclamationQuestionIdeaArrowNeutralMr. GreenGeekUber Geek
اسمك:
بريد الكتروني:
العنوان:
تعليق: