المعلق:
بزغت شمس الإسلام، وكان بزوغها إيذانًا بنهضة كتابية عظيمة تمثلت في حرص النبي -صلى الله عليه وسلم- على تعلم الصحابة الكتابة وتدوين القرآن العظيم منذ فجر البعثة النبوية، ولم تكن الكتابة قبل بعثة النبي -صلى الله عليه وسلم- منتشرة بين القبائل العربية وناضجة متطورة، وإنما كانت موجودة في الحواضر والمدن، وفيمن يسوس القوافل التجارية من القبائل كقبيلة قريش وبهذا يقول ابن فارس: " فإنا لم نزعم أن العرب كلها مدرًا ووبرًا قد عرفوا الكتابة كلها والحروف أجمعها وما العرب في قديم الزمان إلا كـ نحن اليوم فما كل يعرف الكتابة والخط والقراءة".
وتشير الرواية العربية أيضاً إلى ممارسات كتابية متعددة سواء في مدن الحجاز أو في الحواضر العربية في أطراف الشمال، ففي مكة حررت بعض العهود والمحالفات وفي أطراف الجزيرة العربية كانت الكتابة في إمارة المناذرة في الحيرة منتشرة وما قصة الشاعرين الملتمس وطرفة وكتاب ملك الحيرة للبحرين إلا دليل على ذيوع الكتابة في الحيرة والأنبار والبحرين.
وفي أطراف الشام كانت الكتب في أولاد جفنة الغساسنة وعمال قيصر معروفة.
وكذلك كتب النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى أهل أيلة وتيماء وجرباء وأذرح، وإلى ملوك حمير وإلى غيرهم وهذا كله يعطينا صورة واضحة على أن الكتابة في بلاد العرب ذائعة منتشرة بالرغم من قلتها لا من بداوتها.
إن أصل الكتابة العربية التي دُوِّنَ بها القرآن العظيم قد اختلف فيه الناس إلى عدة مذاهب، فمنهم من أوقفه إلى الله سبحانه وتعالى، ومنهم من نسبه لآدم وإلى شيث واعتبر "أبجد هوز حطي كلمن" أسماء قوم وضعوا العربية، ومنهم من سماه الجزم لأنه اقتطع من المسند الحميري، ومنهم من يرى انتقاله من اليمن للحيرة ثم إلى الطائف فقريش.
إن هذه الآراء لم تصمد أمام الدراسات البليوجرافية الحديثة التي نسختها، ومن ثم بينت بالبحث أن الكتابة العربية مشتقة من الكتابة الأنباطية وهي بدورها مشتقة من الآرامية.
إن الأبجدية العربية تشارك كثيرًا من الأبجديات السامية في ترتيب الحروف، وهناك دلائل تشير إلى أن العرب كانوا يسيرون على نهج أبجد هوز في الترتيب واستخدموها في أشعارهم وكذلك استخدموها قيمًا عددية في الحساب، وأما ترتيب الحروف العادي المألوف المتبع في زماننا الحاضر فهو ترتيب متأخر حدث في الإسلام ولذلك نجد أن الحروف الستة التي انفردت بها العربية عن أخواتها الساميات وسميت بالروادف وضعت في نهاية سلسلة أبجد، وهذا دليل على الرباط الذي يربط الكتابة العربية بالخطوط السامية الأخرى.
إن كثرة الكتب التي سطرها كتبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم – إلى الملوك والأمراء والوفود تثير الانتباه وتوضح بما لا شك فيه ذيوع وانتشار الكتابة العربية.
فقد ذكر ابن سعد أكثر من مائة وعشرة كتب، وذكر الدكتور محمد حميد الله في كتابه مجموعة الوثائق السياسية مائتين وستة وأربعين كتابًا ورسالة ترجع للعهد النبوي.
وكل هذا جزء يسير مما روي في أمر الكتابة، ويقال إن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- كان يحتفظ بصندوق مليء بالعهود والمواثيق وقد احترقت سنة اثنتين وثمانين للهجرة.
ويبدو أن عامل التلف الذي أصاب تلك الوثائق يوضح لنا ندرتها وعدم وصولها إلينا، ويكفي أن نأخذ فكرة عن الكتابة مما وصل من نقود العصور الإسلامية لنتبين وضوح تطور الحرف الذي سار على هدي كتابة القرآن والتي تمت في مكة المكرمة وبين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم –.
يقسم العلماء الأصوات اللغوية إلى قسمين: أصوات صامتة وأخرى متحركة وكان نظام الكتابة عند الفينيقيين يتكون من اثنين وعشرين رمزًا تكتب منفصلة وتشير إلى الصوامت دون الإشارة إلى صوت حركي قصير أو طويل واستخدمت الفينيقية اللغة الآرامية ومع مرور الزمن ظهرت الحاجة لتمثيل الحركات، وتمكن نساخ الآرامية في القرن التاسع والثامن قبل الميلاد استخدام رمزي الياء والواو الصامتين، وتطورت الآرامية خلال عدة قرون دون أن تخطو في تمثيل الحركات، وعندما استخدم الأنباط الآرامية ورثوا النظام الصامتي مع الضمة والكسرة بالواو والياء وهذا ما يشير إليه نقش النمارة التي وردت فيه الكلمات: أبوجي أبوها مقيم مقيم وألول أيلول. وفي نقش أم الجمال جزيمة وتنوخ وبنيه وروم وكل هذه الكلمات تشير إلى استخدام رمزي الواو والياء الصامتين للدلالة على الكسرة والضمة.
ونجد هذا أيضاً في جميع النقوش المكتشفة في بلاد الشام وفي ذلك دليل للرسم الإملائي القرآني الذي ورثته الكتابة الأنباطية عن الآرامية، وأما رمز الفتحة الطويلة فإن الكتابة الآرامية لم توفق كما هي في الضمة والكسرة لكن الكتابة الأنباطية استطاعت أن تستخدم رمز الألف للدلالة على الفتحة الطويلة في آخر الكلمات دون وسطها كحارثة ومالك وسلام ونزار ونجران وغير ذلك كما في النقوش.
وبذلك أخذت الكتابة العربية عن الأنباطية رموز تمثيل الحركات باستخدام رموز الصوامت الألف والواو والياء، نلاحظ ظاهرة أخرى في النقوش النبطية وهي ظاهرة كتابة التاء المبسوطة في حارثة وجزيمة وهي تاء تأنيث مما يؤكد ارتباط الكتابة العربية الوثيق بالأنباطية.
نتيجة لهذا الارتباط بين الكتابة العربية والكتابات السامية فقد حملت الكتابة العربية كثيرًا من ميزات وخصائص الكتابات السامية عامة والنبطية خاصة.
فهي تستعمل رمزًا واحدًا لعدة أصوات مختلفة، وقد ظل هذا الحال في الرسم ساريًا حتى منتصف القرن الهجري الأول حين استخدمت النقط للتمييز بين الرمز المتفقة في الرسم القرآني.
كان القرآن العظيم أهم شيء حمله المسلمون إلى البلاد التي وصلت إليها حركة الفتوح، وكانت تعلم القرآن وتلاوته أهم ما يشغل بال الداخلين في الدين الجديد فظهرت لذلك في الأمصار الإسلامية مدارس لتعليم القرآن وقراءته وازدادت حركة نسخ المصاحف ومرت سنوات والمصحف آخذ في تحسين الصورة الخارجية للكتابة العربية والرسم الإملائي، وكما اشتهر آمة بالإقراء في الأمصار كذلك كان من وجه عنايته للكتابة والرسم وضبط المصحف على ما جاء في المصحف الإمام.
وهكذا وصلتنا المصاحف المنسوخة من الأمهات كما هي في طريقة رسم الكلمات، وكان إمام الرسم الإملائي والكتابة في المدينة المنورة هو نافع بن عبد الرحمن بن أبي نُعيم المتوفى سنة تسع وستين ومائة هجرية وقد نقل عنه تلامذته ما رواه في رسم المصحف وكتبوه كما أشار.
وفي البصرة كان عاصم بن أبي الصباح الجحدري المتوفى سنة ثمان وعشرين ومائة هجرية، وفي الكوفة حمزة بن حبيب الزيات، وفي دمشق الشام كان أبو الدرداء الصحابي الجليل، وهؤلاء الأئمة هم عماد الرسم في كلمات المصحف العظيم.
لقد غَفِلَ بعض المستشرقين الذين تعرضوا لدراسة تاريخ القرآن العظيم عن حقيقة هامة حين درسوا مظاهر الكتابة هي أن القرآن العظيم لم ينزل كتابًا مخطوطا وإنما أنزل على النبي -صلى الله عليه وسلم- مشافهة، فكان يتلوه على الناس من حفظه لا من كتاب وهم يسمعونه ويحفظونه ولم تكن الكتابة هي الوسيلة في نشر القرآن وتعليمه رغم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- حرص منذ البداية على كتابته وتدوينه، وهو حين أراد أن يعلم أهل المدينة القرآن قبل الهجرة لم يعطهم مصحفًا مخطوطًا يقرؤونه وإنما أرسل معهم مقرئًا يقرأ القرآن فيسمعونه، وحين طلب يزيد بن أبي سفيان من الخليفة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- من يعينه على تعليم أهل الشام القرآن لم يرسل إليه عمر المصاحف مخطوطة يقرؤون فيها وإنما أرسل ثلاثة من كبار الصحابة.
والقراءة سنة يأخذها الآخر عن الأول، لقد غَفِلَ هؤلاء المستشرقون عن ذلك فظن بعضهم أن كثيرًا من القراءات جاءت نتيجة الرسم الإملائي العثماني وذلك لتجرده عن علامات الحركات وتمييز الحروف المتشابهة.
نشأت الدراسات العربية بفروعها المختلفة في أحضان القرآن العظيم، فكان المحور الذي دارت حوله الدراسات سواء التفسير منها أو ما يتعلق باللفظ وقامت دراسات لفهم مصدر التشريع والرسم الإملائي وكانت مظاهر أثر الإسلام على الكتابة العربية جليلة عظيمة نقلتها من كتابة محصورة في المعاملات التجارية لبضع جماعات من العرب إلى كتابة عالمية تخدم حاجات الدولة المترامية الأطراف وأصبحت خط أقوام انصهروا فيها لأنها كتابة القرآن واستبدلوها بكتاباتهم وخطوطهم وأصبح الخط العربي السيد المتربع على عرش الخطوط واللغات.
إن الرسم العثماني في الكتابة العربية يضع أمامنا النموذج الصادق لحال الكتابة والخط العربي في النصف الأول من القرن الهجري الأول، حين كان الناس لا يحسون بالفرق بين كتابتهم وما يجدونه في المصحف الشريف وكان أكثر الصحابة -رضوان الله عليهم - ومن وافقهم من التابعين وأتباعهم يوافقون الرسم العثماني المصحفي في جميع ما يكتبون ولو لم يكن قرآنًا ولا حديثًا.
واستمر ذلك حتى ظهر علماء البصرة والكوفة وأسسوا لفن الكتابة والخط ضوابط وروابط بنوها على أقيستهم النحوية وأصولهم الصرفية، وسموها علم الخط القياسي أو الاصطلاحي، وسموا رسم المصحف بالخط المتبع، وإن أكثر الظواهر الكتابية التي تظهر في الرسم العثماني مرسومة على قاعدتين قد مالت إلى التوحد.
وكان علماء العربية يرعون هذا الاتجاه ويضعون له القواعد والضوابط التي توضحه وتيسره.
إن ذلك الاتجاه أثر في ناحيتين واحدة في ظهور الكتب والرسائل التي توضح القواعد المتطورة لرسم الكلمات، والأخرى تصف كيفية رسم الكلمات في المصاحف كي يحافظ الناس في كتابتهم للمصاحف على صورة كتابة المدينة المنورة.
وقد ظهرت حركة التأليف في هذا الشأن منذ مطلع القرن الهجري الثاني ولعل التأليف في الرسم المصحفي سابق للتأليف في موضوع الإملاء يقول المستشرق بروكلمان: "بفضل القرآن بلغت العربية من الاتساع مدى لا تكاد تعرفه أية لغة أخرى من لغات الدنيا، والمسلمون جميعًا يؤمنون بأن العربية وحدها اللسان الذي أحل لهم أن يستعملوه في صلواتهم، وبهذا اكتسبت العربية منذ زمن طويل مكانة رفيعة فاقت جميع لغات الدنيا الأخرى التي تنطق بها شعوب إسلامية".
القرآن ولغته يصنعان وحدة وثيقة ممتدة هي وحدة الفكر والعقل والمشاعر بين مئات الملايين من المسلمين، لا في نطاق محلي أو قومي فحسب، ولكن في مختلف أرجاء الأرض، والحق أن القرآن ولغته يمكنان كل منهما للآخر، فهو يهذب العربية ألفاظاً وأغراضاً وعبارات وأفكاراً ويقوي سلطانها منطوقة ومكتوبة.
لقد وصل الخط العربي بفضل القرآن إلى أمم كثيرة فاستخدمته ونبذت حرفها، كما جرى في بلاد الفرس وأفغانستان وفي إفريقية في لغاتها البربرية والنوبية والسواحلية والحوسية والملجاشية والحبشية، وفي لغات الأتراك من عثمانية وتترية وقرمية وداغستانية، وفي الأردية الهندية والباكستانية والكشميرية، هذا هو القرآن قال تعالى: ? لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ ?103?? [النحل: 103].
اختار الله - سبحانه وتعالى- لكتابه أسماءً لم تكن على مألوف العرب ولم تكن لتجري على ألسنتهم جملة وتفصيلاً وحملت تلك الأسماء جملة من أسرار التسمية وموارد الاشتقاق.
ولقد اشتهر من الأسماء التي اختارها - جل شأنه- الكتاب والقرآن وفي تسميته بالكتاب تنويه إلى جمعه في السطور، فالكتابة جمع للحروف ورسم للألفاظ، وفي تسميته بالقرآن إيماءة إلى حفظه في الصدور فالقرآن مصدر القراءة وفي القراءة استذكار.
وهذا الوحي العربي قد كُتب له من العناية والحرص ما جعله في مأمن وحزر ونجوى من عبث العابثين وتلاعب المحرفين، ولم ينقل كغيره من الكتب بالكتابة وحدها، ولا بالحفظ وحده بل وافقت كتابته تواتر إسناده، لقد وردت كلمة الكتاب في كلام الله - سبحانه وتعالى- في قرآنه العظيم مائتين وثلاثين مرة، قال تعالى: ? نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ? [آل عمران: 3] وقال: ? وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ ? [النساء: 113] ووردت كلمة القرآن في كلامه - سبحانه وتعالى- سبعين مرة قال تعالى: ? وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ?6?? [النمل: 6] وقال أيضاً ? أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا?78?? [الإسراء: 78]، وقال تعالى: ? قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا ?1?? [الجن: 1].
إن كلمتي الكتاب والقرآن تعودان إلى أصل آرامي فالكتابة في الآرامية بمعنى رسم الحروف والقراءة بمعنى التلاوة وهذا يدل على امتياز الوحي بازدواجية الكتابة والقراءة في حفظ كلام الله - سبحانه وتعالى- المنقوش في السطور المحفوظ المجموع في الصدور.
لقد غلب لفظ القرآن على الكتاب وغيره من فرقان وذكر وتنزيل، وما ورد عن الزركشي في تعداد أسماء القرآن إذ بلغت خمسة وخمسين اسمًا لأن كلمة القرآن ٍأصبحت علمًا شخصيًا للكتاب العظيم.
ولابد أن نقف عندها لنعرف مصدر اشتقاقها ونردها إلى اللغة السامية الأم ونطلع على الألفاظ المشابهة لذات المعنى.
لقد ذهب العلماء في لفظ القرآن مذاهب شتى، فبعضهم يراه مهموزًا وبعضهم غير مهموز، كالشافعي والفراء والأشعري، فالقرآن عند الشافعي لم يؤخذ من قرأت ولكنه اسم خاص للقرآن مثل التوراة والإنجيل.
وعند الفراء مشتق من القرائن جمع قرينة، لآن آياته يشبه بعضها بعضاً، وعند الأشعري مشتق من قرن الشيء بالشيء إذا ضمه، لأن السور والآيات يضم بعضها بعضًا.
وممن رأى أن لفظ القرآن مهموز الزجاج واللحياني وجماعة غيرهم.
يقول الزجاج: لفظ القرآن مهموز على وزن فُعلان مشتق من القرء بمعنى الجمع.
ويقول اللحياني: إنه مصدر مهموز بوزن الغفران مشتق من قرأ بمعنى تلا، ورأي اللحياني هو الصائب فالقرآن هو مصدر القراءة قال تعالى: ? إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ?17?فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ?18?? [القيامة: 17: 18].
ولقد عرف العرب لفظ " قرأ " ولكنهم استخدموه بغير معنى التلاوة، فقولهم الناقة لم تقرأ أي لم تحمل ولم تلد ولداً، وأما " قرأ " بمعنى تلا فقد أخذها عرب الجزيرة عن الآرامية وتداولوها، والآرامية تركت في العربية آثارًا وألفاظًا لا تنكر، لقد كانت الآرامية في الألف الأول قبل ميلاد السيد المسيح لغة التجارة والدبلوماسية وكان للآراميين دور فريد في الثقافة في بلاد الشرق القديم ولغتهم أوسع اللغات انتشارًا، وقد أصبح لها مع الزمن مجموعة من اللهجات منها الإمبراطورية الدولية التي نشأت في الإمبراطورية الآشورية ثم البابلية الجديدة الكلدانية والفارسية، وآرامية العهد القديم في التوراة والآرامية الفلسطينية المسيحية والآرامية السامرية والآرامية البابلية التي كتب بها التلمود البابلي.
والآرامية النبطية والآرامية التدمرية وآرامية كتابات الحضر، وعبر الآراميين أيضاً انتشرت كتابات الأبجدية الفينيقية الكنعانية وفي الإمبراطورية الشرقية كانت الآرامية بجانب اليونانية وفي بلاد فارس كانت الآرامية اللغة الرسمية في العهد الإخميني، وفي العصر الساساني استعار الفرس الكتابة الآرامية لكتابة لسانهم البهلوي، وكانوا يكتبون الكلمات بالآرامية ويلفظونها بالفارسية ولم تزل الآرامية حية حتى اليوم وهي السريانية العامية وهي غير مكتوبة ويتكلمها سكان قرى معلولة وجبعدين ونجع قرب مدينة دمشق.
لقد قدم الآرميين إلى سورية من الجزيرة العربية حوالي الألف الثاني قبل الميلاد واستقروا فيما بين دمشق وجبال توروس، وأسسوا عددًا من الممالك منها مملكة دمشق وهي أقوى الممالك، ومملكة سوبا في البقاع ومملكة حماة وغيرها.
إن ظهور الآراميين على مسرح التاريخ قبل الإسلام كان له الأثر الأكبر في توحيد المنطقة العربية حضاريًا لغة وفنًّا وفكرًا ولم يدرس تاريخهم حتى يومنا هذا من خلال الوثائق، والوثائق توضح الجوانب المظلمة من تاريخنا الحضري الذي سبق الإسلام.
وإن معظم من كتب وأرخ للآراميين اعتمد في كتابته على مصدرين رئيسيين هما التوراة والمصادر الأشورية وكتاب التوراة والأشوريون هم ألد أعداء الأراميين إن اعتماد التوراة مصدرًا تاريخيًا سليمًا هو من أخطر المخاطر فأحداثه دونت بعد زمن وقوعها وفي وقت متأخر جدًّا، وما ورد فيه من نصوص هو وصف لجوانب عدة من تراث منطقتنا العربية قبل الميلاد، وهو جزء من تراثنا القديم فلابد من التمحيص والتدقيق فيما ورد فيه، ولابد أن نعلم أن صلات اليهود القديمة مغرقة في العداء للآراميين، ونشبت بين الطرفين معارك عسكرية طاحنة، وتزعمت مملكة دمشق الدفاع عن الأراضي السورية وألحقت الهزيمة بمملكة إسرائيل في عهد الملك الآرامي حزائيل.
لقد قدم الآراميين أعظم إنجاز في بناء صرح الحضارة العربية قبل الإسلام، وتمثل هذا الإنجاز في لغتهم التي غزت أقاليم المنطقة العربية في غرب آسيا وفي مصر أيضاً، ممهدة في ذلك إلى انتشار اللغة العربية.
إن التداول العربي قبل الإسلام في الجزيرة للألفاظ الآرامية ومعانيها لدليل على غنى الأرامية وعلى أن حكمة الله - سبحانه وتعالى- قد هيأت الآرامية والأنباطية تمهيدًا لكتابه العزيز.
ولئن استعمل العرب لفظ قرأ الآرامي بمعنى تلا فإن استعماله في تسمية الكتاب العظيم لكافٍ لئن يجعله عربي الجذر والنشأة.
ومن أسماء القرآن العظيم الفرقان قال تعالى: ? تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ?1?? [الفرقان: 1] لفظ القرآن في الأصل آرامي وتفيد مادته معنى التفرقة كأن في التسمية إشعارًا بتفرقة هذا الكتاب بين الحق والباطل.
ومن أسماء القرآن العظيم أيضاً الذكر، قال تعالى: ? وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ ? [الأنبياء: 50] ولفظ الذكر عربي خالص معناه الشرف، ومنه قوله تعالى: ? لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ ? [الأنبياء: 10] ومنها التنزيل: ? وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ?192?? [الشعراء: 192] وهو عربي خالص.
هذه الأسماء هي الشائعة المشهورة للقرآن العظيم والقرآن العظيم في الاصطلاح الشرعي: هو الكلام المعجز المنزل على الرسول -صلى الله عليه وسلم- المكتوب في المصاحف المنقول عنه بالتواتر المتعبد بتلاوته.
شاء الله تعالى أن يستمر الوحي مع النبي -صلى الله عليه وسلم- مدة بعثته يعلمه في كل مرة شيئًا جديًا ويرشده ويهديه ويثبته ويزيده اطمئنانًا وكان مظهر هذا التجاوب نزوله منجمًا بحسب الحاجة خمس آيات وعشر آيات وأكثر وأقل، ولذلك قسم القرآن إلى تخميس وتعشير ووضعت علامات لذلك، وقد صحَّ نزول عشر آيات في قصة الإفك جملة واحدة وقد صح نزول عشر من أول سورة المؤمنون جملة واحدة وصح نزول: ? غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ ? وحدها وهي بعض آية في سورة النساء في الآية الخامسة والتسعين في قوله: ? لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ ? [النساء: 95] بهذا الشكل وبهذه الطريقة ظل القرآن العظيم ينزل نجومًا ليقرأه النبي -صلى الله عليه وسلم- على مكث ويقرأه الصحابة شيئًا بعد شيء يتدرج مع الأحداث والوقائع والمناسبات الفردية والاجتماعية التي تعاقبت في حياة الرسول -صلى الله عليه وسلم- خلال ثلاثة وعشرين عامًا.
عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: ( بُعِثَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأربعين سنة، فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه، ثم أُمِرَ بالهجرة عشر سنين ومات وهو ابن ثلاث وستين)
بدأ نزول القرآن العظيم في رمضان في ليلة القدر، ثم نزل بعد ذلك منجمًا في أوقات مختلفة، قال تعالى: ? إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ?1?? [القدر: 1] وقال تعالى: ? وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ ? [الإسراء: 106]، وقال تعالى ? شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ? [البقرة: 185]، إن نزول القرآن العظيم تدرجًا كان مثار اعتراض المشركين الذين ألفوا وتعودوا أن يسمعوا القصيدة الشعرية جملة واحدة، وسمع بعضهم من اليهود أن التوراة نزلت جملة واحدة، فأخذوا يتساءلون عن نزول القرآن نجومًا وودوا لو ينزل كله مرة واحدة، قال سبحانه وتعالى: ? وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً ?32? وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا ?33?? [الفرقان: 32: 33].