البحث

بحث مخصص

تأكد من صحة الحديث


بحث عن:


حلقات الشيوخ

فاضل السامرائي أحمد الكبيسي محمد متولي الشعراوي حسام النعيمي محمد هداية طارق السويدان خالد الجندي عمر عبد الكافيرقية العلوانيحميد بن مجول النعيمي

المتواجدون الآن

يوجد حالياً 72 زائر على الخط

عداد الزوار

free hit counter
القرآن الكريم وعلومه
السيرة النبوية والحديث
أسماء الله الحسنى
الإعجاز العلمي في القرآن والسنة
لمسات بيانية
برامج الدكتور أحمد الكبيسي
برامج الدكتور محمد هداية
الدكتور حميد بن مجول النعيمي
دكتورة رقية العلواني
حلقات برامج بعض العلماء
حلقات مترجمة
أركان الإسلام
قصص القرآن والأنبياء والصحابة
اللغة والأدب
مقالات
برامج وكتب
المتحف
أدعية وأذكار
كلمات مضيئة
محاضرات وصوتيات
دليل المواقع الإسلامية والبرامج
سجل الزوار

تسجيل الدخول



بسم الله الرحمن الرحيم



رحلة القرآن العظيم
رحلة القرآن العظيم - الحلقة 13 طباعة البريد الإلكترونى
تقييم المستعملين: / 0
فقيرأفضل 
كتب محررة الموقع   
الإثنين, 06 يوليوز 2009 08:38
رحلة القرآن العظيم (13)

المعلق:

ورد في الأحاديث الصحيحة ما يفيد أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- صرح بنزول القرآن على سبعة أحرف، فقد روى البخاري أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: ( سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرأها على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فكدت أساوره في الصلاة فانتظرته حتى سلم، ثم لببته بردائي فقلت: من أقرأك هذه السورة؟ قال: أقرأنيها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قلت له: كذبت فوالله إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أقرأني هذه السورة التي سمعتك تقرأها فانطلقت أقوده إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقلت: يا رسول الله إني سمعت هذا يقرأ بسورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها وأنت أقرأتني سورة الفرقان، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أرسله يا عمر اقرأ يا هشام فقرأ هذه القراءة التي سمعته يقرأه قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: هكذا أنزلت، ثم قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرؤوا ما تيسر منه).

إن حديث نزول القرآن على سبعة أحرف مروي عن جمع كبير من الصحابة يصعب إحصاؤه ويميل جمهور العلماء إلى أن المصاحف العثمانية اشتملت على ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة وقد أشرنا من قبل في حلقة ماضية إلى أن الله -سبحانه وتعالى- قد هيأ الرسم الإملائي المتطور عن الأنباط لحكمة أرادها في وجوه الرسم.

وعبارة الأحرف وهي جمع حرف الواردة في الحديث تقع على معانٍ مختلفة، لا سبيل إلى استعراضها في هذا المجال، وهي تفيد حصر لفظ السبعة رقمًا لا مجرد الكثرة، ولا تعني القراءات السبع، وليست الأحرف السبعة لغات قريش وهزيل وتميم وأزد وربيعة وهوازن وسعد بن بكر وليست لغات قبائل مضر خاصة وهي هزيل وكنانة وقيس وضبة وتيم الرباب وأسد بن خزيمة وقريش ففي القرآن العظيم ألفاظ من لغات قبائل أخرى، وهي أكثر من أربعين لغة، فكلمة ? اخسؤوا ? بمعنى اخزوا بلغة عذرة وكلمة ?بئيس? بمعنى شديد بلغة غسان، وكلمة (لا تغلوا) بمعنى لا تزيدوا بلغة لخم، وكلمة (حسرت) بمعنى ضاقت بلغة اليمامة، وكلمة (هلوعا) بمعنى ضجرا بلغة خثعم، وكلمة (الودق) بمعنى المطر بلغة جرهم وغير ذلك كثير.

والمراد من الأحرف السبعة -والله أعلم- الأوجه السبعة التي وسع بها على الأمة فبأي وجه قرأ القارئ منها أصاب ولقد كان النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- يصرح بهذا حيث قال: ( أقرأني جبريل على حرف فراجعته فلم أزل أستعيده حتى انتهى إلى سبعة أحرف) فاللفظ القرآني مهما يتعدد أداؤه وتتنوع قراءاته لا يخرج فيه التغاير عن الوجوه السبعة التالية:

أولها: اختلاف في وجوه الإعراب سواء تغير المعنى كقوله تعالى : ? فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ ? [البقرة: 37]، فقد قرئ? فَتَلَقَّى آدَمَ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ ?

أم لم يتغير المعنى كقوله -عز وجل-: ? وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ ? [البقرة: 282]، فقد قرئ (ولا يضاره)

وثانيها: اختلاف في الحروف إما بتغير المعنى دون الصورة كاختلاف النقط في ( يعلمون وتعلمون ) أو في تغيير الصورة دون المعنى كما في ( الصراط ) ( والسراط ) (والمصيطرون) (والمسيطرون)

وثالثها: اختلاف الأسماء في الإفراد والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث، كقوله تعالى: ? وَالَّذِينَ هُمْ لأمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ?8?? [المؤمنون: 8]، قرئ ( لأمانتهم ) بالإفراد ورسمت في المصاحف العثمانية ( لأمانتهم ) لخلوها من الألف الساكنة، ومؤدى الوجهين واحد لأن في الإفراد قصدًا للجنس وفي الجنس معنى الكثرة، ولأن في الجمع استغراقًا للإفراد وفي الاستغراق معنى الجنسية فرعاية الأمانة كرعاية الأمانات تشتمل الكل والجزئيات.

ولأمر ما جاءت لفظة العهد مفردة على كلتا القراءتين وبكلا الحرفين فما قرئ ( والذين هم لأماناتهم وعهودهم راعون ) وما قرئ ( والذين هم لأمانتهم وعهودهم راعون ).

ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: ? إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا ? [البقرة: 70]، ذُكِّرَ في حرف قصدًا للجنس وأنث في حرف قصدًا للجماعة، تشابه بعد حذف التاء تخفيفا فأصله تتشابه.

ورابعها: الاختلاف بإبدال كلمة بكلمة كما قرئ ? وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ ?29?? [الواقعة: 29]، وطلع منضود.

وخامسها: اختلاف بتقديم وتأخير كقوله تعالى: ? إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ? [التوبة: 111]، قرئ (فيُقتلون ويَقتلون).

وسادسها: اختلاف بشيء يسير من الزيادة والنقصان جريًا على عادة العرب في حذف أدوات الجر والعطف كقوله تعالى: ? وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأنْهَارُ ? [التوبة: 100]، قرئ ( من تحتها الأنهار) وهما قراءتان متواترتان، وقد وافق كل منهما رسم مصحف الإمام.

ومن النقصان قوله تعالى: ? وَقَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا ? [البقرة: 116]، من سورة البقرة بغير واو كما في رسم المصحف الشامي.

وسابعها: اختلاف اللهجات في الفتح والإمالة والترقيق والتفخيم والهمز والتسهيل وكسر حروف المضارعة وقلب بعض الحروف وإشباع ميم الذكور وإشمام بعض الحركات من ذلك قوله تعالى: ? وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى ?9?? [طه: 9]، وقوله ? بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ ?4?? [القيامة: 4]، قرئ بإمالة: أتي وموسي وبلي.

وقوله تعالى ? خَبِيرًا بَصِيرًا ? [الإسراء: 17]، بترقيق الرائين، والصلاة والطلاق بتفخيم اللامين.

وقوله تعالى: ? قَدْ افْلَحَ ? بترك الهمزة وهو ما يسمى بالتسهيل، وقوله تعالى: ? لِقَوْمٍ يِعْلَمُونَ ?230?? [البقرة: 230]، ? نَحْنُ نِعْلَمُ ? [الإسراء: 47]، و? وَتِسْوَدُّ وُجُوهٌ ? [آل عمران : 106]، ? أَلَمْ اعْهَدْ ? [يس: 60]، بكسر المضارعة في جميع الأفعال، وقوله تعالى: ? حَتَّى حِينٍ ? [الصافات: 174]، فالهزليون يقرؤون عتى عين.

وقوله تعالى: ? عَلَيْهِمُ دَائِرَةُ السَّوْءِ ? [الفتح: 6]، ? وَمِنْهُمُ مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ ? [التوبة: 58]، بإشباع ميم جمع الذكور في كلتا الآيتين.

:وقوله تعالى: ? وَغِيضَ الْمَاءُ ? [هود: 44]، بإشمام ضمة الغين مع الكسر، والحق أن هذا الوجه السابع أهم الأوجه فهو يبرز الحكمة من إنزال القرآن العظيم على سبعة أحرف ففيه تخفيف وتيسير على الأمة التي تعددت قبائلها فاختلفت بذلك لهجاتها، وتباين أداؤها لبعض الألفاظ، فكان لابد أن تراعى لهجاتها وطريقة نطقها، لأن الله -سبحانه وتعالى- اصطفى في قرآنه ما شاء، وتمثل في لغة قريش التي أصبحت صفوة العرب.

والقرشية باعتراف جميع القبائل هي الأغزر مادةً والأرق أسلوبًا والأغنى ثروةً والأقدر على التعبير الجميل الدقيق حتى إن الشاعر في العرب كان يتحاشى لغة قبيلته ويستعمل القرشية في شعره لهجة وتركيب جملة وانتقاء كلمة.

وإذا كانت الأوجه السبعة هذه التي ذكرناها هي التي عَنى بها الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- فإنها اجتمعت من مختلف القراءات التي أقرهم عليها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وانتهى العلم بها إلينا، أحرف القرآن السبعة التي لم نعرفها إلا بطريق الاستنباط والاستقراء.

توه من كثيرون من القدامى والمحدثين أن الأحرف السبعة هي القراءات السبعة، ومصدر هذا الإيهام الإمام الكبير أحمد بن موسى بن العباس المشهور بابن مجاهد، حيث قام سنة ثلاثمائة للهجرة يجمع سبع قراءات في بغداد لسبعة من أئمة الحرمين والعراقين والشام وكان جمعه محض مصادفة واتفاق، وعبارة القراءات السبع لم تعرف من قبل في الأمصار وإنما بدأت تشتهر بإقبال الناس على قراءة بعض الأئمة دون بعض، فاشتهرت بمكة قراءة عبد الله بن كثير الداري المتوفى سنة عشرين ومائة هجرية ولقي من الصحابة أنس بن مالك وأبا أيوب الأنصاري وعبد الله بن الزبير، واشتهرت في المدينة قراءة نافع بن عبد الرحمن من أبي نُعيم المتوفى سنة تسع وستين ومائة هجرية وتلقى القراءة عن سبعين من التابعين أخذوا عن أبي بن كعب وعبد الله بن عباس.

وفي الشام قراءة اليحصبي المشهور بابن عامر المتوفى سنة ثمان عشرة ومائة للهجرة وتلقى القراءة من المغيرة المخزومي عن عثمان بن عفان، وفي البصرة قراءة أبي عمرو بن العلاء المتوفى سنة أربع وخمسين ومائة هجرية، وفي الكوفة قراءة كل من حمزة وعاصم وحمزة هو ابن حبيب الزيات المتوفى سنة ثمان وثمانين ومائة هجرية، وعاصم هو ابن أبي النجود الأسدي المتوفى سنة سبع وعشرين ومائة هجرية.

لقد حظيت قراءة هؤلاء السبعة من لدن ابن مجاهد بشهرة واسعة حتى توهم كثيرون أن المراد بالأحرف السبعة هي هذه القراءات، والحق أن ثمة ضابطاً إذا توفر في قراءة ما وجب قبولها، ويتوفر هذا الضابط في القراءات العشر والقراءات الأربع عشرة، وأما القراءات العشر فهي القراءات السبع مضافاً إليها قراءة يعقوب وخلف بن هشام ويزيد بن القعقاع والأربع عشرة فبزيادة الحسن البصري ومحمد بن محيصن ويحيى بن المبارك اليزيدي وأبي الفرج الشنبوذي، ولا تقبل قراءة مقرئ إلا إذا ثبت أخذه عمن أخذ بطريقة المشافهة والسماع حتى يتصل الإسناد بالصحابي الذي أخذ عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

كما عني بعض اللغويين والنحاة بتتبع القراءات الصحيحة منها والشاذة، فألف ابن خالويه المتوفى سنة سبعين وثلاثمائة وألف هجرية كتاباً في القراءات سماه المختصر في شواذ القراءات، وصنف ابن جني كتابه المحتسب في توجيه القراءات الشاذة، ووضع أبو البقاء العكبري كتاباً أوسع وأشمل سماه إملاء ما من به الرحمن من وجوه الإعراب والقراءات في جميع القرآن.

إن تنوع القراءات في الحقيقة هو السبيل إلى فهم النصوص القرآنية وما دام القرآن قد أُنزل على سبعة أحرف فنحن ندرسها جميعاً في كل قراءة تواترت محتوية على حرف منها، وعمادنا الأصح في النقل ولأننا نجعل القرآن العظيم حكماً على قواعد اللغة والنحو، ولا نجعل القواعد حكماً على القرآن، فما استمد النحاة قواعدهم إلا من القرآن بالدرجة الأولى ثم من الحديث بالدرجة الثانية ثم بكلام العرب.

لكل حادثة سبب ولكل حدث مقدمة سنة الله في خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلاً لا شيء كالتاريخ يشهد بصدق هذه السنة وانطباقها على الأحداث، ولا يمكن للمؤرخ أن يجهل أسباب الحوادث إذا أراد الوصول إلى الحقيقة من خلال الوثائق، ففي الأدب لابد من معرفة أسباب القصيدة حتى يمكن للأديب شرحها مهما حمل في زاده ثروة لغوية وتميز بحس ناقد واغتنى بالمعرفة لأسرار الألفاظ، فأسباب القول وسبب القصيدة يميط اللسان عن غوامض كثيرة في فهم النص وما يريده الشاعر والأديب.

ولئن كانت معرفة جو القصيدة تعين على الفهم فإن معرفة قصة الآية والأسباب التي اقتضت نزولها في القرآن الكريم أعون على دقة الفهم وأدنى لاستلهام أرجح التأويل وأصح التفسير.

ونحن من القرآن العظيم أمام شيء يفوق اللغة وقواعدها وآدابها، ونحن من القرآن أمام شيء يفوق التأريخ نفسه، فإن وقفنا على أسباب النزول التاريخي فستبقى أشياء أخرى كثيرة تفوتنا لفهم النص ولتفسير الحدث.

لقد حرم علماؤنا المحققون الإقدام على تفسير كتاب الله لمن جهل أسباب النزول، فقال الواحدي: " لا يمكن معرفة تفسير الآية دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها.

والتعبير عن سبب النزول في القصة ينم عن ذوق رفيع ويجعل القرآن في كل زمان ومكان يتلى بشغف وولوع، وكثيرًا ما يوقع جهل أسباب النزول في اللبس والإبهام، فتفهم الآيات على غير وجهها، ولا يصيب الحكمة من تنزيلها، كما حدث لمروان بن الحكم حين توهم أن قوله تعالى: ? لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلاَ تَحْسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ ? [آل عمران: 188]، ظنه وعيدًا للمؤمنين فقال لبوابه: اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقل: " لئن كان كل امرئ فرح بما أوتي وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبًا لنعذبن أجمعون" فقال ابن عباس: ومالكم ولهذه، إنما دعا النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- يهود فسألهم عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره فأروه أن قد استحمدوا إليه بما أخبروه عنه فيما سألهم، وفرحوا بما أوتوا من كتمانهم ثم قرأ ابن عباس: ? وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ ? حتى قوله: ? يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا ? [آل عمران: 187: 188]، فلم يُزَل الإشكال إلا بمعرفة سبب النزول، ولولا سبب النزول لظل الناس إلى يومنا هذا يبيحون تناول المسكرات وشرب الخمور أخذا بظاهر قوله تعالى في سورة المائدة: ? لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا ? [المائدة: 93]، فقد حكي عن عثمان بن مظعون أنهم كانوا يقولون الخمر مباحة ويحتجان بهذه الآية، وخفي عليهما سبب نزولها فإنه يمنع من ذلك، وهو ما قاله الحسن وغيره لما نزل تحريم الخمر قالوا كيف بإخواننا لذين ماتوا وهي في بطونهم وقد أخبرنا الله أنها رجس فأنزل الله تعالى ? لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا ?.

ولولا معرفة أسباب النزول لأباح الناس لأنفسهم التوجه في الصلاة إلى الناحية التي يرغبون عملاً بقوله تعالى: ? وَللهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ?115?? [البقرة: 115]، والذي يطلع على سبب نزول الآية سيدرك أن نفرا من المسلمين صلوا مع النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في ليلة مظلمة فلم يدروا كيف القبلة فصلى كل رجل منهم على حاله تبعًا لاجتهاده فلم يضع الله لأحد منهم عمله وأثابه، ولو لم يتجه إلى الكعبة لأنه لا سبيل لذلك في ليل بهيم وإذا كانت الآيات قد نزلت جوابا لسؤال أو حادثة أو واقعة فإن كثيراً منها جاءت للإخبار والعبرة أو لتصوير قيام الساعة ومشاهد القيامة وأحوال النعيم والجحيم من غير ما سؤال أو حادثة.

فسبب سورة الفيل هي الإخبار عن وقائع ماضية كخبر نوح وعاد وثمود وبناء البيت وكذلك ذكره في قوله: ? وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً ?125?? [النساء: 125].

وينقسم تعريف المصطلح بأسباب النزول إلى قسمة ثنائية لآيات القرآن العظيم، فالأول معرفة السبب، والثاني لا علاقة له بسبب أو حادثة.

إن الحديث في أسباب النزول يحتاج إلى التحقق من وقوع المشاهدة والسماع للحادثة والسؤال الذي كان سبب نزول شيء من القرآن.

لذا قال الواحدي: ولا يحل القول في أسباب نزل الكتاب إلا بالرواية والسماع ممن شاهدوا التنزيل ووقفوا على الأسباب وبحثوا عن علمها وجدوا في الطلب.

ولقد تعرضت تصانيف القدامى في أسباب النزول للتمحيص الشديد من قبل المحدثين بالرغم من ورع مؤلفيها وحذرهم العلمي.

إن كثيراً من آيات القرآن الكريم وقصصه نزلت من غير حادثة أو سبب، وإنما للعبرة والعظة والإرشاد، ولا يمنع أن يكون لها سبب ولكنها تفهم من غير سبب، وكذلك كثير من الأحكام في القضايا التشريعية.

وما أكثر الآيات التي وضعت في السطور حسب الحكمة ترتيبًا وحفظت في الصدور حسب الوقائع تنزيلاً.

إن قوله تعالى في سورة النساء: ? أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاَءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً ?51?? [النساء: 51]، قد نزل في كعب بن الأشرف وكان قد قدم إلى مكة وشاهد قتلى بدر وحرض الكفار على الأخذ بثأرهم وغزو النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- فسألوه: من أهدى سبيلاً المؤمنون أو هم؟ فتملق عواطفهم وقال: بل أنتم أهدى من المؤمنين سبيلا.

بعد هذه الآيات يتجه القرآن العظيم إلى نسق آخر يدور حول الأمانة وأدائها فيقول جل شأنه: ? إِنَّ اللهَ يَأمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ? [النساء: 58]، ويقول المفسرون: إن هذه الآية نزلت في شأن عثمان بن طلحة العبدري حاجب الكعبة لما أخذ منه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مفتاح الكعبة يوم الفتح ثم رده عليه.

وما دامت الآية هذه قد نزلت في الفتح وتلك نزلت في كعب عقب بدر فإن بينهما ست سنين، فلماذا جعلت الآية هذه إلى جانب تلك؟

إن موضوع الأمانة مشترك بين المقطعين، فأمانة المواثيق في أهل الكتاب خانها أصحابها وحالهم كحال الذين يحملون الأمانات ثم لا يحملونها.

عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: ( كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا يعرف ختم سورة حتى ينزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم)

وأخبر عبد الله بن مسعود قال: ( كنا لا نعلم فصل ما بين سورتين حتى نزل بسم الله الرحمن الرحيم ).

إن الابتداء ببسم الله الرحمن الرحيم في مطلع كل سورة من سور القرآن العظيم التي بلغ عددها مائة وأربع عشرة سورة حرك لدى القارئ بالهيبة من جلال ذكر اسم الله بإيقاع منتظم في حياته، فقد استحبها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهي آية من آيات القرآن العظيم نستفتح بها ولها ارتباط مباشر بسلوك المسلم اليومي، يرددها عند دخوله منزله وفي بدء طعامه وشرابه ويكتبها في مطلع رسائله وعقود بيعه وشرائه، كل ذلك شغل الخطاط على مدى أربعة عشر قرنًا من الزمان، فما إن خطت الحروف الأولى للقرآن العظيم وبدأت ببسم الله حتى استفاض خيال الكاتب والخطاط في رسم حروف البسملة فرسم في البدء الحرف وأبدع في دراسة المسافة بين الحروف وعانق وشبك حرف السين ومطط في طولها وأطال المسافة فيما بين الحاء والياء والميم، وأعطى الألف شكلاً رخيمًا يعبر فيه عن عظمة الله وجلاله في الحرف الأول من اسمه جل شأنه.

ولم يمضِ القرن الهجري الأول حتى خُطت البسملة في المصاحف بأشكال وأفانين مختلفة، وأخذت أبعادًا فنية تحول فيه الخط من أسلوب كتابي إلى فن تشكيلي، وبالإضافة إلى الأشكال التزيينية التي رافقت كتابة اسم السورة بالذهب لتمييزها عن كتابة كلمات القرآن العظيم التي طور فيها الخطاط المسلم أشكال الحروف وأرسل لخياله العنان، فإن كتابة بسم الله الرحمن الرحيم أخذت أشكالاً لم تكن لتخطر على بال لولا عناية المسلمين بكتابهم العظيم.

لقد ظل المصحف الشريف يسير على نهج الكتابة اليابسة حتى القرن الخامس الهجري، ولم تكن الحروف على هذا المدى الطويل لتقف بجمود دون تطور، وإنما اتخذت فيها البسملة أشكالاً عديدة، ومن الخط اليابس الكوفي اشتقت خطوط ومن البسملة صيغت مئات الهيئات والأشكال في رسوم متناغمة متشابكة معشقة توحي بإبداع وخصب الخطاط المسلم الذي استمده من قرآنه العظيم الذي وجد فيه مادة غنية تعينه على فهم حياته وسر وجوده، فكان أن انطلق من روح شفافة ليكتب كلام الله في وحدات مبتكرة لم تكن موجودة من قبل.

لقد جاء القرن الخامس الهجري وتطورت الخطوط والكتابات ولم يعد للخط اليابس الكوفي شأن يذكر في كتابة المصاحف، وتحولت الخطوط اليابسة إلى خطوط لينة، فاستفاض خيال الخطاط المسلم ليبتكر من جديد في هيئات الحروف، ويضع النسب والمقاييس في كتابة البسملة وليحدد الأطوال والأبعاد والانضجاعات في تقعير النون وغير ذلك من الحروف، وتولدت خطوط لينة في العصر الأموي والعباسي والسلجوقي والزنكي والأيوبي والفاطمي والمملوكي والعثماني وجنح الخطاطون بخطوطهم لابتكار الأنواع والهيئات، فكان أن ولد الخط النسخي والثلث بحققه وجليه والمسلسل والإجازة والرقعة والتعليق وغير ذلك، وبهذه الأنواع توجت البسملة بأنواع لا حصر لها وأشكال لا عد لها، وحين وصل الخطاط إلى هذا القدر وهو يكتب كلام ربه - جل وعلا- ابتكر مجموعة من التركيبات حل بها البسملة فإذا هي مجموعة تارة مبسوطة أخرى، وفي كل ذلك تعبير عن روعة الحرف وعن قدسية وقداسة اسم الله في تركيب الخطوط.

 
اقرأ أيضا

أضف تعقيبك

BoldItalicUnderlineStrikethroughSubscriptSuperscriptEmailImageHyperlinkOrdered listUnordered listQuoteCodeHyperlink to the Article by its id
Very HappySmileWinkSadSurprisedShockedConfusedCoolLaughingMadRazzEmbarrassedCrying or Very SadEvil or Very MadTwisted EvilRolling EyesExclamationQuestionIdeaArrowNeutralMr. GreenGeekUber Geek
اسمك:
بريد الكتروني:
العنوان:
تعليق: