رحلة القرآن العظيم
رحلة القرآن العظيم - الحلقة 16 طباعة البريد الإلكترونى
تقييم المستعملين: / 1
فقيرأفضل 
كتب محررة الموقع   
الإثنين, 06 يوليوز 2009 08:45
رحلة القرآن العظيم (16)

المعلق:

تناول القرآن العظيم بين دفتيه مجموعة من الأخبار والأنباء والقصص كما بينَّا في الحلقة الماضية، وقد قص علينا أحوال شعوب سادت ثم بادت، منها ما بقيت آثاره ومنها ما اندثر وفني ولم يعد له وجود.

وقد أمرنا الله -عز وجل- لنسير في أرجاء الأرض نستكشف العوالم ونأخذ العبرة من الماضي الذي بقيت بعض شواهده، ومن ذلك أن عرب مدين الذين كانوا يسكنون أرض معان من أطراف الشام كانوا يعبدون الأيكة، الغابة من الشجر، ويشركون ويكفرون بالله الواحد القهار وكانوا يبخسون الناس أشياءهم وإذا اكتالوا على الناس يستوفون، وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون، حتى بعث الله فيهم شعيبًا رسولاً وآزره بالمعجزات وأيده بالبينات.

فدعاهم لعبادة الله وترك الشرك، وأمرهم بالعدل ونهاهم عن الظلم وذكرهم بنعمة الله عليهم وخوفهم نقمته وعذابه فاستهزءوا به وتهكموا وقالوا له: يا شعيب لن نترك ما تعودنا عليه ونتبعك وما تدعونا إليه وما أنت إلا مشعوذ ساحر كذاب، وإن كنت صادقًا فيما تدعيه فاطلب من ربك أن ينزل العذاب لنرى.

استجاب الله دعاء شعيب الذي دعاه، وآزره الله بنصره فابتلاهم بارتفاع درجات الحرارة فلم يروهم ماء ولم يمنعهم ظل ففروا من ديارهم هاربين مسرعين من هول ما رأوه من العذاب، ورأوا سحابة فظنوها أنها ستقيهم من حر الشمس اللاهبة، واجتمعوا تحتها فجاءتهم الصيحة منها ورمتهم بشرر وشهب فأصبحوا أثرًا بعد عين، وقال: ? يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ ? [الأعراف: 93].

ويطوف القرآن العظيم في سرد أخبار الأنبياء من الرسل، ويذكر بالتفصيل قصة سيدنا موسى -عليه السلام- وعناءه وتعبه مع قومه من بني إسرائيل في سورة القصص، يقول تعالى: ? طسم ?1? تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ ?2? نَتْلُو عَلَيْكَ مِن نَّبَأِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ?3? إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ?4?? [القصص: 1- 4]، ويذكر القرآن العظيم مولد موسى -عليه السلام- وخوف أمه عليه فتلقيه في اليم وتقص أخته أثره، ويحرم الله -سبحانه وتعالى- عليه المراضع فترضعه أمه ويتكفل فرعون بتربيته، ولما بلغ أشده آتاه الله العلم والحكمة، واتجهت إليه أنظار المستضعفين ليكون لهم نصيرًا.

ويخرج لأرض مدين بعد أن ائتمر به القوم ليقتلوه، وهناك يلقى الاطمئنان والاستقرار ويتزوج، ثم يجمع متاعه مع زوجه ويعود لمسقط رأسه ويلقى في طريقه نارًا من جهة الطُّور، وهناك يكلم رب العزة فيصبح كليم الله ويخصه الله بكرامة النبوة والخوارق والمعجزات، وكانت عصاه أولى الخوارق، ويدخل الأرض التي نشأ بها ليبدأ حوارًا مع فرعون وليدعوه لعبادة الله الواحد القهار، ويلقى ما يلقى من فرعون والسحرة، ويعاند فرعون أمام المعجزات والحقائق التي يراها، ويقرر البطش بموسى وقومه.

ويخرج موسى مع قومه فارًّا بدينه ويفرق الله له البحر وينطبق البحر على فرعون وتستقر عصا التسيار بموسى ومن معه بطور سيناء، وهناك يأخذ الألواح ويتبع قومه السامري فيعبدون العجل ثم يستغفرون ربهم ويتبعون موسى ويتيهون في الصحراء، ويمتحنهم الله سبحانه بذبح البقرة، ويلتقي موسى مع صاحب العلم الذي يصحبه في رحلة فيها من الأسرار ما يخفى على موسى الذي يتعلم من خلالها أن العلم واسع لا يمكن الإحاطة به مهما أوتي من نصيب، ? ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا ? [الكهف: 82].

ويختار القرآن العظيم قصة قارون من قوم موسى فيحدثنا عما حل به، وكيف ينتهي الظالم المتكبر الذي يذل العباد إلى قرار الجحيم، كما ينبئنا القرآن العظيم عن خبر طالوت في سورة البقرة ولقائه مع داود الذي ألان الله له الحديد، قال تعالى: ?وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ? [الأنبياء: 80].

وفي سورة الأنعام يأتينا خبر سليمان وبلقيس، وفي سورة ص والأنبياء يأتينا نبأ أيوب، وفي الصافات ذكر يونس -عليه السلام- وفي مريم ذكر زكريا ويحيى وفي سورة آل عمران والنساء ومريم والأنبياء والتحريم أخبار للسيدة مريم والمسيح عليهما السلام، إذ أنطق الله المسيح وهو طفل في المهد ليبين حقيقته وخلق أمه التي لم تأت بفاحشة ولم تك بغيًا ? قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ?30? وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَمَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ?31? وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا ?32? وَالسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ?33?? [مريم: 30- 33].

نشأ سيدنا عيسى -عليه السلام- في الناصرة، ورحل إلى القدس مع أمه في الثانية عشرة، وسعى ليرد اليهود عن زيغهم وضلالهم بعد أن حرفوا شريعة موسى السمحة وجعلوا همهم المال، وانغمسوا في ملذات الحياة الدنيا، فوجه دعوته إليهم ولم يجد أذنًا صاغية فحقدوا عليه وعقدوا العزم على قتله ولما فاجأه الجند رفعه الله إليه، وأمسكوا شبيهًا له ذاك الذي دلهم على مخبئه، فاستاقوه وصلبوه بين الصخب والضجيج.

قال تعالى في قرآنه العظيم: ? وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا ?157? بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ?158?? [النساء: 157، 158].

لقد صور القرآن العظيم في آياته ذلك الغازي الفاتح المحارب الملقب بذي القرنين، وسرد بعضًا من سيرته وصلاحه وصنعه السد من قطع الحديد وذائب نحاس.

وصور أصحاب الكهف في سورة سميت باسمهم، وأصحاب الأخدود في سورة البروج التي جرت أحداثها على أرض نجران ولاقى فيها النصارى إبادة دينية عرقية كاملة على يد "دينواس".

وفي مجال تاريخ الحضارات القديمة تناول القرآن العظيم بين جنبيه قصة دولة سبأ التي قامت على أطلال دولة مَعِين باليمن، وقصة سد مأرب الذي أحال الله به البلاد اليمنية جنة خضراء، ثم تهدم بعد استكبار أهلها وكفرهم للنعمة التي أنعم الله عليهم، وأصبحت يبابًا بعد النعيم والخير الوافر، قال تعالى: ? وَهَلْ نُجَازِي إِلاَّ الْكَفُورَ ? [سبأ: 17].

وفي سورة قصيرة أشار القرآن العظيم ببلاغته الموجزة وبيانه الرائع لأصحاب الفيل، حيث شد أبرهة الرحيل بجيشه لهدم البيت العتيق فأرسل الله إليه عذابًا من فوقه وجعل طير الأبابيل وسيلة من وسائل تشتت جمعه وعودته لليمن خائبًا.

ومن الأحداث التي جرت في حياة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تناول القرآن العظيم عدة أمور أهمها الإسراء، سورة سميت بالإسراء، قال تعالى: ?سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ?1?? [الإسراء: 1].

وتناول القرآن العظيم حدث الهجرة في سورة الأنفال والتوبة قال تعالى: ? وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ?30?? [الأنفال: 30].

?وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا ?157? بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ?158?? [النساء: 157، 158].

وتحدث القرآن العظيم عن غزوة بدر في سورة البقرة والأنفال، وعن غزوة أحد في آل عمران قال تعالى: ? وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنْكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ?152?? [آل عمران: 152].

وفي سورة الحشر حديث عن جلاء يهود بني النضير، وفي سورة الأحزاب تفصيل ذلك الحدث قال تعالى: ? وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا ?26? وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَؤُوهَا وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا ?27?? [الأحزاب: 26، 27].

وفي سورة النور تناول القرآن العظيم قصة الإفك التي رميت بها زوج النبي -صلى الله عليه وسلم- السيدة عائشة -رضي الله عنها- وقد برأها الله من إفك رميت به وهي الحَصَان.

حصان رزان ما تزن بريبة ** وتصبح غرثى من لحوم الغوافل

عقيلة حي من لؤي بن غالب ** كرام المساعي مجدهم غير زائل

مهذبة قد طيب الله خيمها ** وطهرها من كل سوء وباطل

? إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ ?15?? [النور: 15]

وصور القرآن العظيم في آيته وسوره المنافقين والفاسقين والمشركين في سورة المنافقين وسورة الحجرات.

وبشر في سورة الفتح بفتح مكة والنصر على العدو وسيادة الإسلام على أرض الجزيرة العربية وفي سورة التوبة عرض القرآن العظيم أحداث غزوة حنين وأشار إليها، والمسلمون بين الهزيمة والنصر، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- بين خاصته وأهل بيته الذين يهتفون بالمسلمين ويحثونهم على القتال.

? وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ ?25? ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ?26?? [التوبة: 25، 26].

هذا هو القرآن العظيم الذي وقف أمامه العرب مشدوهين في جديده وقصصه وتعبيره وتأويله، جاءهم بجديد في الأفكار والأساليب والأداء ليس هو بالشعر الذي عرفوه ولا النثر الذي ألفوه، إنه كلام عميق الدلالة بعيد الأفق واضح بين قصير الجمل، والجملة القصيرة فيه تختزن على قدرة كبيرة من الجزئيات، إنه الكتاب المعجز الذي تحدى الإنس والجن على أن يأتوا بآية من مثله فوقفوا عاجزين.

في العام العاشر الهجري أعلن النبي -صلى الله عليه وسلم- عزمه على الحج إلى بيت الله الحرام، وهي المرة الوحيدة التي حج فيها بعد الهجرة، وكانت حجته هذه هي خاتمة الرسالة، وكان الوداع للمسلمين الذين تقاطروا من أرجاء الجزيرة العربية للحج معه، وفي عرفة نزلت عليهم آية كريمة ? الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا ? [المائدة: 3].

واستمع المسلمون إليه -صلى الله عليه وسلم- وهو يقول: (إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا) وسمعوه في خطبته يوصيهم خيرًا بالنساء فيقول: (اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتن فروجهن بكلمة الله) وينتهي ليقول: (وإني قد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله، وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت رسالات ربك وأديت ونصحت لأمتك وقضيت الذي عليك، فقال وهو يرفع سبابته إلى السماء: اللهم اشهد، اللهم اشهد).

وبعد عودته من حجة الوداع بثلاثة أشهر ألم به المرض عشرة أيام وانتقل إلى الرفيق الأعلى في يوم الاثنين في الثاني عشر من ربيع الأول وهو ابن ثلاث وستين سنة، لقد انقطع الوحي وختم القرآن العظيم وتمت آياته، وغدا الدستور الخالد للأمة يحفظه الله على تعاقب الأزمان واختلاف السكان.

وقد استمر علماء المسلمين طيلة قرون يبذلون جهودًا عظيمة في خدمة المصحف، فنقطوه وأعربوه وعرفوا بمواضع الوقف والابتداء، ووضعوا العلوم المتنوعة لخدمته، وتكونت مكتبة نفيسة في علومه.

وقد أثار حفظه وتدوينه إعجاب المنصفين من علماء الغرب، قال "لوبلوا": من ذا الذي لم يتمن لو أن أحدًا من تلاميذ عيسى الذين عاصروه قام تدوين تعاليمه بعد وفاته مباشرة، لقد ظل القرآن العظيم يغذي عقول وأرواح المسلمين ويذكي فيهم الطموح إلى المعرفة والاندفاع لبناء الحضارة وتشييد المدنية، ويبين لهم أسباب ذلك بما حواه من قوانين الأخلاق ومبادئ الاجتماع وإقرار العدل وتحقيق السلام، قال دكتور "موريس بوكاي": إن القرآن أفضل كتاب أخرجته العناية الإلهية الأزلية لبني البشر.

لم يكن القرآن العظيم إلا كتاب فيه إرث ثقافي عظيم، إن أربع آيات من القرآن العظيم تبسط ما جاء به من إصلاح ثقافي وتربوي، قال تعالى في سورة البقرة: ? رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الحَكِيمُ ?129?? [البقرة: 129].

وقال أيضًا: ? كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ?151?? [البقرة: 151].

وفي سورة آل عمران: ? لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ?164?? [آل عمران: 164].

وفي سورة الجمعة: ? هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ? [الجمعة: 2].

وتنص هذه الآيات الأربع على أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بعث ليتلو القرآن العظيم عليهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم.

لقد أنشأ النبي -صلى الله عليه وسلم- أول جامعة علمية هي مسجده في المدينة المنورة وأُجيز منها تلامذته وهم من الخلفاء الراشدين والعشرة المبشرة بالجنة، وآلاف الصحابة الذين نشروا الدعوة.

وكان مسجد الكوفة والبصرة ومسجد دمشق وبيت المقدس والفسطاط والقيروان موائل علم وثقافة في آسيا وإفريقية وأوروبا، ولما ضاقت المساجد بما رحبت كان لابد من إنشاء مدارس ودور للتعليم، وكانت بلاد ما وراء النهر أسبق البلاد الإسلامية في تأسيس المدارس الفقهية المنفصلة عن المساجد، فظهرت في حدود سنة 290 هجرية أقدم مدرسة منفصلة.

وبعدها كانت مدرسة النيسابور التي أسسها "حسان بن محمد الأموي"، وظهرت بعد ذلك أكثر من مائتي مدرسة في الشرق الإسلامي والعراق والجزيرة والأناضول، وازدهرت دمشق بمدارس القرآن العظيم والحديث وغير ذلك وتفردت من بين بغداد والقاهرة والقدس وجميع مدن العالم الإسلامي بكثرة المدارس ودور القرآن العظيم، إن أول مكان منفصل عن المسجد كانت تلقى فيه الدروس بدمشق ويخصص له المدرسون والأوقاف كان دار القرآن الرشائية، في أوائل القرن الخامس الهجري، وبذلك انفك الطلبة من الحلقة التي كانت تعقد في المسجد أمام سارية من سواريه أو في طرف من أطرافه.

وأول مدرسة بنيت في القاهرة هي المدرسة الناصرية المؤسسة سنة 566 هجرية، وأما بغداد فقد أسست فيها المدرسة النظامية سنة 459 هجرية، أي إن دمشق سبقت بغداد بنحو 60 سنة، وسبقت القاهرة بـ 166 سنة، وسبقتها بلاد ما وراء النهر بأكثر من 100 سنة.

إن مدارس القرآن العظيم التي أسست في دمشق كانت تنمو وتزداد كلما خطا الزمان خطوته، وبلغت الذروة في القرن التاسع أي في زمن المماليك، وقد عرضنا في حلقة ماضية كيف أن يزيد بن أبي سفيان أرسل للخليفة عمر كي يعينه بقراء يقرءون القرآن العظيم.

إلا أن التدريس للقرآن العظيم بمفهوم التدريس لم يكن إلا في عهد عبد الملك بن مروان في الجامع الأموي قبل أن يُبنى، وكان موضع الجامع أيام الآراميين في الألف الثاني قبل ميلاد المسيح -عليه السلام- هيكل إله المزعوم "حدد" وكانت مساحته 380 بـ 300 متر، واتخذه اليونانيون معبدًا لآلهتهم الباطلة في العصر الهلنستي، وجاء الرومان فاتخذوه معبدًا لإلههم الخرافي "جوبيتر" وتهدم بعض المعبد أيام قيصر روما "تيدورز" فأقام فيه كنيسة ماريو حنا المعمدان.

ولما كان الفتح الإسلامي اتخذ المسلمون القسم الشرقي من المعبد مسجدًا، يقول الرحالة الفرنسي "أركولف" الذي زار دمشق سنة 50 هجرية أيام معاوية إن المسلمين والمسيحيين كانوا يدخلون من باب واحد ولكل معبده الخاص.

لقد قدم هشام بن إسماعيل المخزومي على عبد الملك فحجبه، فجلس هشام في مسجد دمشق بعد الفجر فقرأ القرآن وقرأ أهل المسجد بقراءته، فأقبل عليهم الضحاك بن عبد الرحمن أمير دمشق منكرا، وقال: إن هذا شيء ما سمعته ولا رأيته ولا سمعت أنه كان من قبل.

واستمرت بعد ذلك قراءة القرآن العظيم وتعليمه في الجامع الأموي قرونًا طويلة.

وذكر الأسدي أن الشيخ إبراهيم الصوفي كان مثابرًا على قراءة القرآن بالأموي بالرواق الثالث مقابل باب الخطابة، بكرة وعشية وحلقته مشهورة يحضرها خلق كثير يلقنون القرآن ويقرءونه، وختم القرآن في حلقته خلق كثير منهم ألف شخص اسم كل منهم "محمد" وفي مدارس القرآن العظيم كان يشترط بعضهم أنه إذا لم يحفظ الطالب القرآن العظيم غيبًا في مدة أقصاها ثلاث سنوات يقصى من المدرسة ويُؤتى بغيره، وكان أهل الشام يقرءون بقراءة ابن عامر تلاوة وصلاة وتلقينًا قريب الخمسمائة سنة، وكان ابن عامر إمام الأموي وشيخ القراء وقاضي دمشق في عصر بني أمية وقد توفي سنة 118 هجرية.

إلى جانب دور القرآن التي خصصت لحفظه وقراءته وعلومه في دمشق وعواصم العالم الإسلامي كان ضرب من دور الحديث والفقه لتعليم القرآن معًا، وكان نفر من الأغنياء يجعلون أوقافًا دورًا للقرآن أيضًا يبتغون من وراء ذلك نشر القرآن ونوال الثواب.

وكانوا يشترطون أن يقرأ فيها القرآن ويعلم بها، وإن لم تسم دارًا للقرآن، وكان وقف الملك الأشرف الأيوبي في دمشق مكانًا يُتَعلم فيه، وكان مشيخة الإقراء فيه أبو شامة، وكان من شرط التدريس أن يكون الشيخ المقرئ أعلم أهل البلد بالقراءات.

إن دور القرآن العظيم التي انتشرت في أنحاء العالم الإسلامي لم يكن منشأها الحكام والملوك والأمراء كما حدث في مدارس الفقه والحديث، وإنما كان العلماء والتجار هم الذين بنوا دور القرآن، كدار القرآن الدولمية التي بناها أحد بن زيد الدين دولامة البصري، أحد أعيان وتجار مدينة دمشق في منطقة الصالحية، والمدرسة أو دار القرآن كان لها مخطط معماري يحتوي إيناوات أربعة وباحة وقبة، وهي مستوحات من الفن الرافدي.

إن القرآن العظيم كان يدرس في كل مكان تقريبًا وليس في دور خاصة فحسب لشرف وعظمة القرآن ولكي يتخصص علماء القراءات في التفرغ لخدمة كتاب الله العظيم.

كان القرآن العظيم يدرس في المدارس الفقهية والخوانق والربط والزوايا، ولم يكن أحد من العلماء أو الطلاب يجهل القرآن العظيم مهما كانت المدرسة التي تخرج منها.

ولو استعرضنا جوانب المنشآت المعمارية عبر التاريخ الإسلامي بدمشق لشاهدنا أن عدد المدارس في عصر السلاجقة لم يتعد السبعة عشرة مدرسة وفي عصر نور الدين بلغت المدارس اثنتين وثلاثين، وفي القرن السابع صار العدد أكثر من تسعين، وفي القرن الثامن بلغت المدارس خمس عشرة ومائة مدرسة، وفي القرن التاسع وصل العدد إلى خمسين ومائة.

إن هذا العدد من المدارس ودور القرآن لم يجتمع لأية مدينة في الشرق الإسلامي كله، ونظرًا لأهمية دور القرآن العظيم في رحلة القرآن العظيم فإننا نعرض صورة مختصرة لوقفية توضح نظام التعليم في عصر المماليك.

أولاً: توزيع الحجرات، الإيوان القبلي مسجد لجميع المسلمين، ولا يحرم منه أحد، يخصص بيت غرفة ضمن المدرسة للإمام الشيخ، يخصص بيت لكل فقير من المتلقين للقرآن في المدرسة.

المعلمون والإداريون وطرق التدريس

قارئ، إمام، ومؤذن، رجل مسلم حافظ للقرآن، يكون شيخًا للقراء يعلمهم ذلك في كل يوم من بعد صلاة الصبح إلى وقت الضحى، ومن بعد صلاة العصر إلى الغروب وعليه ملازمة هذين الوقتين في كل يوم، يلقن القراء ويسمع من كل منهم.

يأخذ كل فقير ثلاثين درهمًا في الشهر، وعلى كل فقير الحضور في الوقتين المذكورين، يشترط أن يكون الفقراء بالغين بذقون، بحيث لا يكون فيهم أحد أمرد ويقيمون في غرف المدرسة ليلاً ونهارًا.

مدة الدراسة ثلاث سنوات لحفظ القرآن العظيم، فمن حفظه من الطلاب في هذه المدة يعطى خمسين درهمًا مكافأة ويغادر الدار، ومن لم يحفظه يفصل منها بدون مكافأة ويؤتى بغيره.

يقيم في المدرسة أيضًا خمسة عشر يتيمًا في الطابق العلوي، يتعلمون القرآن العظيم على يد شيخ حافظ قارئ، ولكل منهم إجازة يوم واحد في الأسبوع وأيام العيدين والمواسم، تزاد المصاريف في الدار في أيام المواسم، يخصص قارئ للحديث الشريف يكون أهلاً لميعاد على الكرسي، ويشترط عليه الحضور في كل يوم سبت وأن يعمل ميعادًا يشتمل على شيء من التفسير والعلم، ويعين قارئ آخر ليومي السبت والثلاثاء.

لقد انتشرت قراءات القرآن العظيم في دور القرآن بدمشق، وكانت عناية الدماشقة بقراءة ابن عامر حتى ما بعد الخمسمائة، سائدًا حتى قدم سبيع بن المسلم إليها، فانتشرت قراءة أبي عمرو، ثم ظهرت الشاطبية فحفظها الناس، وفي العصر العثماني انتشرت في الشام رواية حفص عن عاصم وعندما انتشرت طباعة القرآن العظيم طبع بها في معظم أنحاء العالم الإسلامي وهي الرواية الغالبة اليوم.

 
اقرأ أيضا

أضف تعقيبك

BoldItalicUnderlineStrikethroughSubscriptSuperscriptEmailImageHyperlinkOrdered listUnordered listQuoteCodeHyperlink to the Article by its id
Very HappySmileWinkSadSurprisedShockedConfusedCoolLaughingMadRazzEmbarrassedCrying or Very SadEvil or Very MadTwisted EvilRolling EyesExclamationQuestionIdeaArrowNeutralMr. GreenGeekUber Geek
اسمك:
بريد الكتروني:
العنوان:
تعليق: