البحث

بحث مخصص

تأكد من صحة الحديث


بحث عن:


حلقات الشيوخ

فاضل السامرائي أحمد الكبيسي محمد متولي الشعراوي حسام النعيمي محمد هداية طارق السويدان خالد الجندي عمر عبد الكافيرقية العلوانيحميد بن مجول النعيمي

المتواجدون الآن

يوجد حالياً 82 زائر على الخط

عداد الزوار

free hit counter
القرآن الكريم وعلومه
السيرة النبوية والحديث
أسماء الله الحسنى
الإعجاز العلمي في القرآن والسنة
لمسات بيانية
برامج الدكتور أحمد الكبيسي
برامج الدكتور محمد هداية
الدكتور حميد بن مجول النعيمي
دكتورة رقية العلواني
حلقات برامج بعض العلماء
حلقات مترجمة
أركان الإسلام
قصص القرآن والأنبياء والصحابة
اللغة والأدب
مقالات
برامج وكتب
المتحف
أدعية وأذكار
كلمات مضيئة
محاضرات وصوتيات
دليل المواقع الإسلامية والبرامج
سجل الزوار

تسجيل الدخول



بسم الله الرحمن الرحيم



رحلة القرآن العظيم
رحلة القرآن العظيم - الحلقة 19 طباعة البريد الإلكترونى
تقييم المستعملين: / 0
فقيرأفضل 
كتب محررة الموقع   
الإثنين, 06 يوليوز 2009 08:52
رحلة القرآن العظيم (19)

المعلق:

منذ أن نسخ القرآن العظيم على الرق، وعلى الورق كانت الحاجة إلى التغليف حفظاً لصفحات القرآن العظيم من التلف والضياع، واختلاط الصفحات مع بعضها.

والتجليد هو أسبق الفنون التي ولدت في أحضان القرآن العظيم وأولها ظهوراً، وقد مر معنا من قبل أن أبا بكر الصديق -رضي الله عنه- هو أول من جمع القرآن العظيم وربطه بخيط.

ومعنى هذا أن بذور الصناعة التجليد العربية وجدت منذ عهد أبي بكر -رضي الله عنه- وأن المصحف أو القرآن العظيم هو أول كتاب عربي مخطوط جلد بما تعنيه هذه الكلمة.

والتجليد مشتق من الجلد، ولم تكن الجلود قد استعملت في التغليف بعد، ولذلك عنينا بما تعنيه هذه الكلمة بمفهومها الواسع.

وكان التجليد أو طريقة الحفظ من قبل هي أن يوضع المخطوط بين لوحين من الخشب مثقوبين في مكانين متباعدين من ناحية القاعدة، ويمر بكل ثقب منهما خليط من ليف النخيل، وتثقب الأوراق وتعقد، وقد أخذ العرب هذه الطريقة البدائية عن الأحباش، وما زالت بعض المكتبات تحتفظ لنا بمخطوطات عربية وحبشية قديمة مجلدة بنفس الطريقة.

يقول القلقشندي في صبح الأعشى: وسمي المصحف مصحفاً لجمعه الصحف، والسبب في انفراد المصحف بهذا الشكل هو أن القرآن العظيم كان أول نص عربي قديم طويل يكتب، فلم تكن الكتابات قبل القرآن وحتى بعد نزوله بقرن أو أكثر سوى تآليف صغيرة على شكل رسائل يسهل طيها على هيئة لفافة أو درج.

والقرآن العظيم يحتاج في كتابته إلى عدد ضخم من اللفائف والدروج، خاصة كما شاهدنا في مصاحف القرون الأولى الكلمات وهي تكتب متباعدة وبحروف كبيرة، ففي الصفحات الواحدة لا تتجاوز الكلمات عن العشر، ولم تكن تجزئة القرآن العظيم مأمونة العواقب، فقد تختلط اللفائف، ويضطرب النص القرآني، ولذلك كان ظهور التجليد ضرورةً لحفظ نص القرآن العظيم.

ثم عممت الدفاتر بعد ذلك في سائر الكتابات التي تعالج شئون الحياة.

وفي الحبشة أتيح للعرب والمسلمين الذين هاجروا إليها من أن يطلعوا على كتب في شكل دفاتر وكراريس، فلم يكن غريباً أن يطوروا ويحسنوا في تجليد كتابهم الأقدس القرآن العظيم.

لقد نسخ المصحف زمن الخلفاء الراشدين وبقيت الدروج تستعمل في شكل دفاتر وكراريس في التآليف الصغيرة حتى زمن العباسيين، وحتى منتصف القرن الهجري الثاني، وليس للعرب من كتاب إلا القرآن العظيم.

لقد خرجت نسخ المصحف الشريف من المدينة المنورة إلى الأمصار، وكل واحدة منها بين لوحين بسيطين من الخشب لا فن فيهما ولا حلية ولا زخرفة، ثم لم يلبث العرب أن وجدوا عند أقباط مصر رقياً وازدهاراً في هذا الفن، فلم يجدوا بأساً في أن يقتبسوا من فنهم بعد أن دخلت مصر تحت راية الإسلام.

وكان أهل مصر يستعملون البردي كخامة جيدة للتجليد، وتغليف المصاحف الصغيرة منها والمتوسطة.

أما المصاحف كبيرة الحجم التي تنسخ للمساجد فلا مجال لاستخدام البردي لها.

منذ أواخر القرن الهجري الثاني على وجه التقريب، بدأ الجلد يدخل في صناعة التجليد العربية على استحياء، فاستعملت منه شرائط في لصق الكعبين، ثم كانت مرحلة التوسع والتفنن والزخرفة بحيث اكتسب قيمةً جمالية.

إن صناعة التجليد وجدت في بلاد العرب تربة خصبة تمدها بأسباب النمو والازدهار، ومع كثرة النساخ للقرآن العظيم، وكثرة النسخ تقدمت صناعة التجليد تقدماً مذهلاً.

يقول المقدسي في أحسن التقاسيم: وكذلك كانت الأدم تجلب من اليمن في عصر الجاحظ وقبل عصره، وكانت اليمن معدن العصائب والعقيق والأُدم والرقيق، واشتهرت مدن زبيد وصعدة بدباغة الجلود منذ العصر الجاهلي، وكانت الطائف بلد الدباغ، وامتازت عدن بجلود النمور التي كانت تجلب من إفريقية.

لقد استطاع المسلمون أن يتفوقوا على ما صنعه المسيحيون والمانوية والزردشتية في هذا المضمار.

وفي العراق وبلاد الشام ودمشق خاصةً وبلاد الأندلس كان الاهتمام بتجليد القرآن العظيم والكتب بالغاً وعظيماً، وقد حض أمراء المسلمين وسلاطينهم على ذلك، ودفعوا الجوائز والمكافئات للنسخ الجميلة بسخاء منقطع النظير، وإذ لم يبقى من تجليدات القرون الأولى للهجرة شيء ذا بال، إلا أنه من غير المعقول كما يقول جروهمن أن تزدان صفحات المصاحف الأولى والفواصل بين السور والآيات ومواضع السجدات بالزخارف الملونة، في حين تبقى جلودها عارية من الحلي والزخارف.

وبين أيدينا مصادر ونماذج ونصوص وأخبار تدل على أن التجليد العربي كان قد وصل إلى درجة عالية من التقدم والرقي على مشارف القرن الرابع الهجري، وفي المصاحف جميعاً.

فالخطيب البغدادي يذكر أن المصاحف كانت مبطنة بالحرير والديباج، مجلدة بالأديم الجيد ويحدثنا المقدسي أنه حين رحل إلى اليمن في القرن الرابع وجد الناس هناك يلسقون الدروج ويبطنون الدفاتر بالنشاة.

أما هو فكان قد تعلم الصنعة على يد أهل الشام، الذين كانوا يستعملون الأشراس بدل النشاة، والذين كانت صنعتهم أدق وأرقى، بدليل ما يذكره من أن أمير عدن بعث إليه مصحفاً يجلده له، وأن أهل اليمن كان يعجبهم التجليد الحسن، ويبذلون فيه الأجرة الوافرة، حتى لقد كان يعطى على تجليد المصحف الواحد ديناران.

وهكذا كان لأهل الشام طريقتهم في التجليد، ولأهل اليمن طريقتهم، ولا شك أن كل إقليم كانت له طريقته الخاصة في فن التجليد، ونستطيع أن ندرك جيداً إلى أي حد من الرقي وصل فن التجليد الإسلامي في المصاحف في تلك الفترة المبكرة إذا رجعنا إلى جلدتين من جلود المصاحف محفوظتين في مكتبة "ألبرتين" بفينا ضمن مجموعة الأرشدوق "رينر".

وهما من القرن الرابع الهجري، غنيتان بالزخرفة النباتية والهندسة الدقيقة، وتدلان على ما وصل إليه المسلمون من إتقان الصنعة منقطعة النظير.

إن الشرائط الزخارف النباتية كانت تشكل إطاراً لا غنى عنه في زخرفة جلود المصاحف، ولعلنا لا نبالغ إن قلنا إنها كانت أساس جماليات المصحف.

وإنما يعرف بلسان المصحف الذي وجد ليقي المصحف من التمزق والبلى كان من صنع أهل الشام، وأصبح خاصة من خصائص التجليد في القرن الثالث الهجري.

وبدراسة الزخارف الموجودة على بطانات جلود المصاحف التي يمكن إرجاعها إلى القرنين الرابع والخامس نلاحظ أن بعض الأشكال كان يتكرر بحيث يملأ المساحة كلها.

لم يقنع المجلدون المسلمون برسم الزخارف والأشكال الهندسية والنباتية على الوجوه الداخلية للمصاحف، وإنما استعملوا طريقة أخرى تقوم على تخطيط المساحة أولاً، ثم عمل الزخارف على أوراق منفصلة، وقصها ولصق كل جزء منها في مكانه من الوجه الداخلي.

ولم يكد القرن الرابع الهجري يصل مداه حتى كانت صناعة التجليد قد بلغت من التقدم مبلغاً عظيماً وزخرفت الأغلفة من الخارج ومن الداخل وما زال العرب والمسلمون يتفنون ويبتكرون حتى وصلوا إلى درجة عالية من الأصالة الفنية.

وانتقلت صناعة التجليد إلى أوروبا في العصور الوسطى، فاقتدى المجلدون الأوروبيون بالمسلمين وجعلوهم النموذج الأعلى فمضوا يقلدون حيناً ويقتبسون حيناً آخر.

وكانت إيطاليا أول الدول الغربية التي تجاوبت مع التيار العربي الإسلامي بحكم العلاقات التجارية بينها وبين الشرق، وبحكم مجاورة بلاد الأندلس وبحكم الطبيعة الفنية التي كانت غالبةً عليها، ومن أجل هذا ظهرت مسحة شرقية على كتب القرن الخامس عشر للميلاد التي تم تصنيعها في البندقية.

وصلت الأغلفة التي حوت كلمات القرآن العظيم أوجها في العصر المملوكي، وعرف المجلدون في هذا العصر طرقاً مبتكرة في الرسوم الناثرة والغائرة على الجلد، حتى بدا غلاف المصحف لوحة فنية يعجز اللسان عن وصفها.

ولقد ورث العثمانيون فن التجليد عن الفرس، لا عن المماليك بعد القضاء على دولتهم.

يقول الدكتور زاره: إن العثمانيين تتلمذوا في فن التجليد على الإيرانيين الذين قدموا واستقدموا إلى اسطنبول وأدرنة، والواقع أن فن التجليد العثماني قام على أكتاف المجلدين الإيرانيين والشاميين، وفن التجليد العثماني ما هو إلا استمرار لما كان عليه في الأمم الإسلامية السابقة، فاستعمل العثمانيون صفائح الذهب أو الفضة في كسوة الأغلفة الثمينة، كما زينوا هذه الأغلفة بالأحجار الكريمة، وكانت هذه النسخ عادةً والمصاحف للسلاطين.

وفي متحف طوبقابي سراي مجموعة من أغلفة المصاحف تمثل النمط العثماني في التجليد الذي أخذوه عن بلاد الشام ومصر، واستخدم فنانو بني عثمان شرائح الجلد في كسوة الأغلفة الورقية، وزينوا وزخرفوا الشرائح الجلدية بالضغط، والختم أو التنقيب.

كما استخدموا طريقة القطع، ومن الطرق التي ورثها العثمانيون عن زملائهم المسلمين في هراة وبلاد ما وراء النهر هي طريقة القالب وطريقة الورق المضغوط المدهون باللك.

وتختلف الشرائح الجلدية المستعملة في تغليف الكتب والمصاحف في ألوانها، فبعضها يكون لونها أحمر قالم، أو أحمر قاتم، وبعضها يكون لونها أصفر في لون الحمص المقشور، وبعهضا يكون زيتونياً، ويعتبر استعمال هذه الألوان الثلاثة بمثابة تقدم في صناعة التجليد العثماني وتطور عما كانت عليه الكتب سابقاً.

إن تطور العثمانيين بفن التجليد لم يقف عند حد الإكثار من الألوان بل لقد ابتكروا طريقة جديدة استبدلوا فيها الجلد بالحرير وبالمخمل المطرز بالألوان المختلفة، فقد يستعمل في التطريز خيوط الذهب، وفي هذه الحالة يطلق على الغلاف في التركية كلمة "فردوز".

أما الزخارف التي تستعمل في التطريز سواء بخيوط الحرير أو الذهب فكانت آية من آيات الجمال الفني.

وأقدم جلود المصاحف العثمانية التي وصلت إليها واحدة محفوظة في متحف "طوبقابي" بسراي، وهي غلاف مصحف السلطان محمد الفاتح، وهي غير كاملة، ولم يبقى إلا جزء واحد، والغلاف مكسو بشريحة من الجلد تزدان بزخارف بسيطة تتوسطها سرة مستديرة، مكونة من أقواس متصلة ومملوءة بالزخارف النباتية، ويتصل بهذا الجزء رابط يتصل بدوره باللسان، واللسان امتداد لأحد الجزئيين الرئيسيين للغلاف في الاتجاه الأفقي، وزين بزخارف بسيطة.

ومن خصائص الفن الإسلامي الإكثار من الزخرفة والهروب من الفراغ، وفي عهد السلطان سليمان القانوني اشتهرت بفن التجليد أسرة كانت تعيش في اسطنبول منها: محمود شلبي، وسليمان ومصطفى، ومن خلال التجارب والمقارنة بينهم وبين الفرس نلاحظ أن أعمالهم تفوق أعمال الرسول -صلى الله عليه وسلم- جمالاً ومتانةً وحسن صنعة.

ومن عصر السلطان محمد الثالث أي أوائل القرن السابع عشر وصلت إلينا مخطوطة من مصحف جميل ومما يلفت النظر أن السرة الوسطى مملوءة بالزخارف النباتية التي تبدوا فيها الزهرة الصينية "بوني بال ميت".

وفي الزوايا الأربع لمتن الغلاف نرى الزخرفة الشبيهة بالسرة، وأما الربط فقط قسم الصفحة إلى أربعة أقسام متساوية، وفي أجزاءها وأطرافها الأربعة زخارف وأزهار جمالية من نبتة التوليب.

لم يكن محمد بن عبد الله أول نبي خاطب الناس باسم الوحي وأخبرهم بحديث السماء، وإنما كان من قبله أخيار اصطفاهم الله منذ نوح ليبلغوا رسالته، ويزرعوا الخير في الأرض وكان الوحي متماثلاً عند جميع الأنبياء فالمصدر والغاية واحدة ، قال تعالى في سورة النساء:

? إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا ?163? وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ?164?? [النساء: 163، 164].

إن ما صرحت به الآية من أسماء أشهر أنبياء بني إسرائيل كان بسبب شهرتهم بين أهل الكتاب المجاورين لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الحجاز، ولذلك حرص القرآن العظيم على تسمية ما نزل على قلب محمد -صلى الله عليه وسلم- وحيًا؛ ليشبه لفظ الوحي عند جميع النبيين.

قال تعالى: ? وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى ?1? مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ?2? وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى ?3? إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى ?4?? [النجم: 1: 4].

وقال: ? قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ ? [يونس: 15].

وقال: ? وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلاَ اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِن رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِن رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُّؤْمِنُونَ ?203?? [الأعراف: 203].

لقد سمى القرآن العظيم هذا الدرب من الإعلام الخفي السريع وحيًا، ولم يبتعد عن معنى الأصل اللغوي لمادة الوحي والإيحاء، ومن معاني الوحي الإلهام الفطري للإنسان كقوله تعالى: ? وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ ? [القصص: 7]، وقوله: ? وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ ?111?? [المائدة: 111].

ومنه الإلهام الغريزي للحيوان كالذي في قوله تعالى: ? وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ?68?? [النحل: 68]، ومنه الإشارة السريعة على سبيل الرمز والإيماء، كما في قوله عن زكريا: ? فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ?11?? [مريم: 11].

وعبر القرآن العظيم بالوحي عن وساوس الشيطان وتزيينه خوطر الشر للإنسان فقال: ? وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا ?31?? [الفرقان: 31].

وقال: ? وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ ? [الأنعام: 121].

وعبر بالوحي عما يلقيه الله إلى الملائكة من أمره ليفعلوه كقوله: ? إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ? [الأنفال: 12].

أما تعبيره -سبحانه وتعالى- بالوحي عما يكلف الله الملك حمله إلى النبي من آية كتبه المنزلة فهو شديد الصلة بتعبيره بالوحي إلى النبي نفسه وما بين مدلولي التعبير من اختلاف لا يعدوا الوظيفة التي يتحملها ملك الوحي بالنقل الأمين، ويتحملها النبي -صلى الله عليه وسلم- بالوعي والحفظ والتبليغ.

قال تعالى: ? فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ?10?? [النجم: 10].

ومدلول الوحي في هذه الآية كمدلول النزيل الصريح في الآية الأخرى في قوله تعالى: ? وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ?192? نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ ?193? عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ?194?? [الشعراء: 192: 194].

والقرآن العظيم عند مراعاته المعنى اللغوي الأصلي للإيحاء حين سمى ذلك وحيًا لم يقصر ذلك على الاتصال الغيبي الخفي بين الله وأصفيائه على تنزيل الكتب السماوية بوساطة ملك وحي بل أشار إلى صور ثلاث في آية واحدة:

إحداها: إلقاء المعنى في قلب النبي أو نفثه في روعه.

والثانية: تكليم النبي من وراء حجاب، كما نادى الله -عز وجل- نبيه موسى من وراء الشجر وسمع نداءه.

والثالثة: ما يفهمه الناس حين يلقي ملك الوحي المرسل من الله إلى نبي من الأنبياء ما كلف إلقاءه إليه سواء أنزل عليه في صورة رجل أم في صورته الملكية.

وبهذا نطقت الآية الكريمة: ? وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ?51?? [الشورى: 51].

إن ظاهرة الوحي في القرآن العظيم تختلف عن جميع مظاهر الوحي اللفظية التي استعملت قديماً وحديثاً، ولابد لنا من أن نستخدم الألفاظ كما هي في مدلولها، ولا نحور ما يشابه أو يشتبه بها، كالإلهام والحدس الباطني، واللاشعور، الشعور الداخلي، وطبيعة الحقائق الدينية والأخبار الغيبية في ظاهرة الوحي تأبى الخضوع لأساليب اللاشعور والحدس والفراسة.

لقد وصف النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- فيما صح من حديثه طريقة نزول الوحي على قلبه فقال: (أحياناً يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي، فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحياناً يتمثل لي الملك رجلاً فيكلمني فأعي ما يقول).

لقد كشف النبي -صلى الله عليه وسلم- صراحةً عن صورتين من الوحي، إحداهما: عن طريق إلقاء القول الثقيل على قلبه، وعندها يسمع صوتاً متعاقباً كصوت الجرس المجلجل، والثانية: عن طريق تمثل جبريل له بصورة إنسان يشابهه في المظهر ولا ينافره، ويطمئنه في القول ولا يرعبه، ولا شك أن الصورة الأولى أشد وطأة كما قال الله -تعالى-: ? إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلاً ?5?? [المزمل: 5]، وكان يصحب ذلك رشح الجبين عرقاً كما قالت السيدة عائشة أم المؤمنين: (ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقاً).

بل كانت وطأة الوحي في هذه الصورة تبلغ أحياناً أشد ثقلاً فتبرك راحلته للأرض إذا كان راكبها.

وأما الصورة الثانية فهي أخف وطأً وألطف وقعاً، فلا رشح ولا جلجلة، وفي الصورتين يحرص النبي -صلى الله عليه وسلم- على وعي ما أوحي إليه، فقال في الأولى: (فيفصم عني وقد وعيت ما قال)، وفي الثانية: (فيكلمني فأعي ما يقول).

بهذا الوعي الكامل لم يخلط -عليه السلام- مرة واحدة بين شخصيته المأمورة المتلقية، وشخصية الوحي الآمرة المتعالية طوال مراحل التنزيل.

فهو واعٍ أنه إنسان ضعيف بين يدي الله، يخشى أن يحول الله بينه وبين قلبه، فيبتهل لربه: (اللهم يا مصرف القلوب صرف قلبي على طاعتك، اللهم يا مقلب القلوب ثبتي قلبي على دينك).

وكان أول عهده بالوحي يعجل بالقرآن مخافة النسيان، فيسر الله عليه حفظه وطمأن قلبه فقال: ? لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ?16? إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ?17? فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ?18? ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ?19?? [القيامة: 16: 19].

ونهاه عن العجلة التي لا مسوغ لها فقال: ? وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا ? [طه: 114].

إن صورة النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- في القرآن هي صورة العبد المطيع الذي يخاف عذاب ربه إن عصاه، فيلتزم حدوده، ويرجو رحمته، ويعترف بعجزه المطلق عن تبديل حرف من كتاب الله: ? وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ?15? قُل لَّوْ شَاءَ اللهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ?16? ? [يونس: 15، 16].

إن في هذه الآيات فرقاً بين صفة الخالق وصفة المخلوق، وهذا المعنى كثيراً ما يتكرر في القرآن العظيم، وأن النبي -صلى الله عليه وسلم- بشر مثل سائر البشر لكنه يوحى إليه، ليس عليه إلا البلاغ، ولا يزعم لنفسه صفةً ملكية تغاير صفة الإنسان، ولا يعلم الغيب، ولا يملك خزائن الأرض، قال تعالى في فصلت: ? قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ? [فصلت: 6]، وفي الأعراف: ? قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ? [الأعراف: 188]، وفي الأنعام: ? قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ ? [الأنعام: 50].

ولتصدير الآيات بعبارة "قل" مغزاً لطيف يفهمه العربي بالسليقة، وهو توجيه الخطاب للرسول -صلى الله عليه وسلم- وتعليمه ما ينبغي أن يقول، فهو لا ينطق عن هواه، بل يتبع ما يوحى إليه.

ولذلك تكررت عبارة "قل" في القرآن العظيم أكثر من ثلاثمائة مرة، ليعلم القارئ أن محمد -صلى الله عليه وسلم- لا دخل له بالوحي، فلا يصوغه بلفظه ولا يلقيه بكلامه وإنما يلقى إليه الخطاب إلقاءً.

ويأتي الفرق واضحاً في الآيات التي يعتب فيها الله -سبحانه وتعالى- على نبيه، ففي غزوة تبوك يعاتبه بشأن من أذن لهم بالقعود فيقول جل شأنه في سورة التوبة: ? عَفَا اللهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ ?43?? [التوبة: 43]، والعتاب الشديد نقرأه في آيات الفداء في سورة الأنفال وقد جاء عنيفاً صادعاً منذراً متوعداً إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- وصحابته الذين أشاروا عليه بأخذ الفداء من أسرى بدر، مؤثرين عرض الحياة الفاني على نصرة الدين في أول معركة، وقد صيغ العقاب صياغة عامة تحدد صفات الأنبياء والرسل.

قال: ? مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الآَخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ?67? لَوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ?68?? [الأنفال: 67، 68].

ويقرب من هذا العتاب ما أدب الله -سبحانه وتعالى- نبيه -صلى الله عليه وسلم- حين جاءه الأعمى عبد الله بن أم مكتوم -رضي الله عنه- والنبي -صلى الله عليه وسلم- يدعوا أكابر قريش للإسلام، ظناً منه بالاستجابة والإعلاء لدين الله بهم، ونزلت الآيات: ? عَبَسَ وَتَوَلَّى ?1? أَن جَاءَهُ الأعْمَى ?2? وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ?3? أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى ?4? أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى ?5? فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى ?6? وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى ?7? وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى ?8? وَهُوَ يَخْشَى ?9? فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى ?10? كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ ?11?? [عبس: 1: 11].

وأشد من ذلك كله ما يوجه للرسول -صلى الله عليه وسلم- من الإنذار والتهديد في مثل قوله تعالى في سورة الإسراء: ? وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً ?74? إِذًا لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا ?75?? [الإسراء: 74، 75].

وهذا الإنذار يبلغ القمة فيصغر بعده كل تهديد وكل وعيد حين يقول جل شأنه: ? وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقَاوِيلِ ?44? لأخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ?45? ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ ?46? فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ ?47?? [الحاقة: 44: 47].

يتبين لنا من خلال هذه الآيات المتوعدة المنذرة والعاتبة المؤدبة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان كامل الوعي للفرق بين ذاته المأمورة وذات الله الآمرة، وبوعيده الكامل كان يفرق بين الوحي الذي ينزل عليه وبين أحاديثه الخاصة التي كان يعبر عنها بإلهام من الله.

قال تعالى: ? وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى ?3? إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى ?4?? [النجم: 3، 4].

 
اقرأ أيضا

أضف تعقيبك

BoldItalicUnderlineStrikethroughSubscriptSuperscriptEmailImageHyperlinkOrdered listUnordered listQuoteCodeHyperlink to the Article by its id
Very HappySmileWinkSadSurprisedShockedConfusedCoolLaughingMadRazzEmbarrassedCrying or Very SadEvil or Very MadTwisted EvilRolling EyesExclamationQuestionIdeaArrowNeutralMr. GreenGeekUber Geek
اسمك:
بريد الكتروني:
العنوان:
تعليق: