الرحمن علّم القرآن
سؤال : يقول المولى عز وجل " يا أيها الذين آمنوا إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم" فما هي معايير التقوى وتوصيفها وتطبيقاتها؟
الدكتور محمد هداية: التقوى منهج من مناهج حياة المسلم بل هي حياة المسلم.التقوى هي أن تجعل بينك وبين الله تبارك وتعالى وقايةٌ أو أن تجعل بينك وبين النار وقايةٌ لأنّ القرآن جمع هذين الأمرين فثمّة آياتٌ تقول "اتقوا النار" وأخرى تقول "اتقوا الله" ولو فكّرنا في الأمرين سنجد أنّ النتيجة واحدةُُُُ، فإن أنت صنعت بينك وبين محارم الله وقاية فجزاؤك الجنة وإن أنت اتقيت النار فجزاؤك الجنة . فالتقوى أمرٌ عاش عليه المسلمون وفهموه وحتى لمّا تدرّجت الآيات في مسألة التقوى جاءت آية آل عمران تختلف عن آية التغابن في قضية قدْر التوبة "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتنّ إلاّ وأنتم مسلمون" فحق التقى قضيةٌ لا يستطيع أي مخلوق أن يصل إليها، الصحابة أنفسهم حصل لهم شيء من القلق فذهبوا إلى الرسول عليه السلام يسألونه من منّا يعرف الله حقّ التقى ، نزلت بعدها آية في سورة التغابن افتكر الناس أنّها نزلت لتخفّف والحقيقة أنها نزلت لتضع العلاقة في يديك "اتّقوا الله ما استطعتم" . لمّا أفهم الآيتين على الوجه الذي أراده المولى سبحانه وتعالى أجد أن الآيتين لا تختلفان لانّ ظاهر الآية أنّها تخفيف. لنفترض أنّ أحدنا وقف أمام المولى سبحانه وتعالى يوم القيامة يعترف أنّه لم يكن يعرف حق التقى فلمّا نزلت آية "اتقوا الله ما استطعتم" عمل ما في وسعه،في هذه الحال المولى وحده سبحانه وتعالى قادر على أن يقول أنّه كان بوسعه أن يفعل أكثر مما فعل. الإستطاعة مسألة مفتوحة بينك وبين المولى سبحانه وتعالى والصيام يوضّح قضية "حق التقوى" أو "ما استطعتم "، يقول المولى جلّ وعلا في حديث قدسي بديع " كلّ عمل ابن آدم له الحسنة بعشر أمثالها إلاّ الصوم فإنّه لي وأنا أجزي به "، ويمكن أن نفهم ذلك من خلال هذا المثال: لو أنّ أحدهم تعمّد الأكل والشرب والناس صيام في رمضان ثم جلس مع جماعة هل يمكن لأحدهم أن يجزم أنّه لم يصم ؟ من أجل ذلك يقول المولى سبحانه إلاّ الصوم فإنه لي وأنا أجزي به لأنّه الوحيد الأوحد سبحانه الذي يعلم من صام على الوجه الصحيح .
وقد يتبادر إلى ذهن المرء لماذا "اتقوا الله ما استطعتم"؟ الجواب أنّ إستطاعة كلّ واحد منّا تختلف عن الآخر فثمّة من يصلي ركعتين في جوف الليل فيتعب لكنّ الثاني يقدر أن يصلي6 ركعات وهكذا. لكن ما تجدر الإشارة إليه هنا أنّ الذي تعب بعد ركعتين كان عليه أن لا ينام وإنما يقرأ ما تيسر من القرآن أو يحاول أن يحفظ حديثاً للرسول عليه السلام أو يتذكر الأعمال الصالحة فنلحظ أن المسألة ليس لها حدود. الآية لا تعفينا من حق التقى لأنّ آية " اتقوا الله ما استطعتم" مفتوحة في مقدار الاستطاعة بيننا جميعا فكلّ واحد منّا لا يملك القدرة نفسها.
سؤال: فما رأيك في الآية التي تقول"لا يكلّف الله نفساً إلا وسعها" ؟
الدكتور محمد هداية: ضع أمامها مباشرة "لا يكلّف الله نفساً إلا ما آتاها"
سؤال: وكيف ذلك؟
الدكتور محمد هداية : لأنّ المسألة لا تؤخذ بظاهر الآية ومن أجل ذلك يكون علم التأويل في بعض الآيات أقوى من علم التفسير وتدبّروا جيّدا في مسألة التأويل "لا يعلم تأويله إلا الله" فأنت تجتهد فحسب فلا تكتفي بآية "لا يكلّف الله نفساً إلا وسعها وإنما تضع نصب عينيك الآية التي تقول"لا يكلّف الله نفسا إلا ما آتاها"،
فإن اشتغلت الآية الأولى مقابل الثانية كما فعلنا سابقا مع"حق التقى" و "ما استطعتم" تجد أنّ المسألة مفتوحة أيضا على أنّك تجتهد على قدْر ما تقْدر عليه فاسْتطاعتك مفتوحة والآية التي يقول فيها ربّ العزة " وان عليكم لحافظين * كراما كاتبين * يعلمون ما تفعلون" تبيّن لنا ذلك، المولى سبحانه سمّى نفسه "يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور" فظاهر العمل يسجّله الملك أمّا خائنة الأعين وما تخفي الصدور فبينك وبين الحق تبارك وتعالى . ولنضرب مثلاً لذلك: صفّر أحدهم فآختصمها ملك العذاب وملك الرحمة ، الأول يريد أن يكتبها سيّئة والثاني يريدها حسنة فأرسل المولى جلّ جلاله ملكاً ليحكم بينهم فقال : تكتب (بضم التاء وكسر الكاف ) صفير وعلى الله يوم العرض التفسير . فهي تكتب وسيحسبها يوم القيامة من يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور لذلك التقوى مثل الصيام فهي بينك وبين الحق تبارك وتعالى. يقول المولى عزّ وجلّ" يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتنّ إلا وأنتم مسلمون" فإن اتقيت الله حق التقى أكون قد أسلمت إسلاماً غير إسلام العقيدة وإنما إسلام الوجه لله تبارك وتعالى.
سؤال: يقول الرسول عليه السلام " إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم" فما المقصود بالضبط من الصورة؟
الدكتور محمد هداية: الصورة هي الظاهر فقد تبتسم في وجه إنسان وأنت تدبّر له مكيدة فالله لا يحاسبك على الظاهر وإنما على المكيدة.
سؤال: ولكنه يقول أيضا في الحديث "إلى أجسامكم"
الدكتور محمد هداية: صحيح ولكن حتى وأنت متزيّن لكنّك لا تتقي تنتفي قيمة الصورة، فإن جملت الصورة(بفتح الجيم وضم الميم) فالمولى سبحانه يعاملك بالباطن لأنّه الوحيد الأوحد الذي يعلمه لأنّه هو الذي يتولّى السرائر.
وأريد أن أعود إلى مسألة الاستطاعة وأهمية الاجتهاد فيها ويمكن أن نتبيّن ذلك جلياً في مسألة الحج يقول المولى عزّ وجلّ " ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا" . الناس أخذت الحج على أنّه فريضة على التراخي لكنهم لم ينتبهوا إلى أنّ على حرف يفيد الإلزام ، وإن كان المولى جل وعلا هو الذي يلزمنا بكلّ شيء فانّه أتى بآية يلزم نفسه بشيء وإن كان لا يلزمه شيئ سبحانه يقول رب العزة والملكوت: "وإن من دابّة الا على الله رزقها" فلماذا فهمنا في الآية الثانية أنّ (على) حرف يفيد الإلزام ولم نفهمه في آية الحج؟ إن الاستطاعة تفسّر (بضم التاء وفتح الفاء وضم الراء) مع على ، فمن استطاع منا بمعنى أول ما تقدر وليس عندما تقدر، فأول ما تستطيع تقوم بالفريضة والإنسان يسعى لتوفير هذه الاستطاعة وكلّ هذا سيكون بينك وبين المولى سبحانه يوم القيامة.
سؤال: ماذا قال الرسول عليه السلام لصحابته الذين جاءوا يسألونه في الآية التي نزلت عليه "وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله"
الدكتور محمد هداية: في هذا الموقف وضّح الرسول عليه السلام للصحابة رضوان الله عليهم محلّ التقوى فقال: " التقوى ها هنا وأشار الى قلبه" لماذا؟ الجواب لأنّ التقوى فعلٌ وليست كلاماً ، التقوى أداءٌ وعملٌ ولأنّ الانسان في علاقته مع ربه يقدر أن تكون كلّ أعماله خشيةً من الله تبارك وتعالى وهذا هو معنى الوقاية . فالوقاية بينك و بين الله (محارمه) وأنت في هذه غير محتاج للاستطاعة لأنّ الحلال بيّنٌ والحرام بيّنٌ والحسم فيها فوريٌ إنما الاستطاعة تكون في العبادات كأن لا أصلّي صلاة المسيء صلاته مثلاً فألتزم الجماعة .التقوى تدفعك للكمالات فنحن نسعى لدرجة الكمال لذلك جاءت الآية "اتقوا الله ما استطعتم" أي فإن التبس عليكم حق التقى فلتكن "اتقوا الله ما استطعتم"
وما أريد أن أؤكد عليه هو أنّ الجدال يقلّل التقوى لذلك يقول الرسول عليه السلام " لا تكثر الجدال وإن كنت محقا" فعندما تسأل مثلا أحد شيوخك تعمل بالإجابة فوراً ولا تدخل في الجدال لأن المفروض أنّك سألت لتعمل لا لتناقش .فالتقوى تدفعك إلى السؤال والى العمل بالإجابة، التقوى توضّح السعي والعمل، يقول الرسول عليه السلام" إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان " فحتى الذي يذهب إلى المسجد نفاقاً فإمكانية أنّ عمله سيقوده إلى التقوى تبقى قائمة.
جاء الصحابة إلى رسول الله عليه السلام وقالوا له: فلان يصلّي ولكنّ صلاته لم تنهه عن المنكر فقال دعوه صلاته ستنهاه (ثلاث مرات) فلما سألهم عنه بعد فترة قالوا لقد تاب إلى الله.
واعلم أنك إذا تقدمت الى المولى درجة يتقدم اليك درجتين . عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: يقول الله تعالى " أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأٍ ذكرته في ملأٍ خير منهم وإن تقرب إلي بشبر تقربت إليه ذراعاً وإن تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً وإن أتاني يمشي أتيته هرولة".
وقول الرسول عليه السلام "التقوى هاهنا" مشيراً إلى قلبه دليل أنّه محلّ التقوى وهو الذي يحرّكك في اتّجاهات تجلب لك الوقاية إمّا من الله وإمّا من النار والنتيجة واحدةٌ.
سؤال: قال الله تعالى" ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون" فما معنى أن يرجو الإنسان رحمة ربه وما هي أهمية أن يكون لنا رجاء في رحمة الله سبحانه وتعالى؟
سؤال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الإيمان بضع وستون شعبة والحياء شعبة من الإيمان" فما هو معنى الحياء؟ وكيف يصل الإنسان إليه؟
الدكتور محمد هداية: الحياء خلقٌ وغريزةٌ يجب أن يحرص عليها المرء وأن يحاول الوصول إليها وقد تعارض القول بين أهل اللغة وأهل الفقه مع تفسير حديث الرسول عليه السلام" الإيمان بضع وستون شعبة والحياء شعبة من الإيمان" فقالوا كيف يكون الحياء شعبة من الإيمان والحياء غريزة والإيمان اكتساب ؟ أهل التحقيق فضوا هذا الاشتباك وقالوا إنّ الحياء غريزة أو طبيعة لكنّ المسلم الحق الذي لا يجد في نفسه فضيلة الحياء يحاول أن يستحي حتى تكون عنده وبيّنوا أنّ هذا ما أراد الرسول عليه السلام وهو الذي كان فاهما لغة وحديثا وفقها أن يعلّمنا إيّاه في هذا الحديث: أنّ الذي لا يجد في نفسه حياء يسلك مسالك المؤمنين ليكتسبه وطبعا كل إنسان أدرى بنفسه فمثلا لمّا يسمع قصة سيدنا موسى كيف مشى أمام ابنة سيدنا شعيب ولم يمش خلفها يحاول أن يكتسب هذه الصفة من الإيمان ويجتهد في ذلك أو عندما يستمع لنصائح شيخ من الشيوخ لا يكتفي بالاستماع وإنّما يقلده عملا وفعلا ، فعن طريق الإيمان يكتسب المرء الحياء .
"الإيمان بضع وستون شعبة والحياء شعبة من الإيمان" يعني أنّ الإيمان شعبه كثيرة والحياء شعبة، إن كنت تفتقدها فآعمل واجتهد لتكتسبها كما اكتسبت الإيمان أي افعل ذلك ليَكْمُلَ إيمانك .
قد تقف على امرئ لا يجد في نفسه حياء فتراه يدخل مجتمعاً فيه نساء لكنّه حالما يخرج يشعر أنّ ما عمله كان خطأ وهذه أولى مراحل الاكتساب، حيث عرف مواطن النقص فيه، المهم أن يحاول إصلاحها بأن لا يدخل عليهنّ في المرّة القادمة حتى لا يجرح حياءهنّ علماً أنّ الرسول عليه السلام قد أمر الرجال قبل النساء بغض البصر .
وما تجدر الإشارة إليه أنّ الحياء غير الخجل لأنّ الخجل هو الكسوف لكن الحياء هو الخجل والعكس غير صحيح بعبارة أخرى أنّ الذي عنده حياء من الممكن أن يكون عنده خجل لكن قد يكون الإنسان خجولا لكن ليس عنده حياء فيقوم بتصرفات ليس فيها إيمان فيحاول أن يصل بسلوك الإيمان إلى الحياء وحتى أهل اللغة يقولون من ليس عنده حياء فليستحي يعني يفتعل الحياء فيحاول أن يعمل إلى أن يصل إليه.
والرسول عليه السلام كان اشد الناس حياء كان عنده حياء جمّ لذلك يجب أن يكون الرسول أسوة نتأسى بها ، كيف كان يمشي ؟كيف كان يعامل النساء؟ كيف كان يتصرّف عندما يدخل على مجتمع فيه نساء ورجال ؟كل هذا يوضح لنا أنّ الحياء يمكن أن يكون اكتساباً كالإيمان.
سؤال: " الإثم ما حاك في صدرك وخشيت أن يطلع عليه الناس" فما الذي يفعله الإنسان حتى يستحي من الله قبل أن يستحي من الناس؟
الدكتور محمد هداية: ليصل إلى ذلك عليه أن يضع الأمر كله على ميزان الله ورسوله وعلى ميزان الحديث الذي تفضلت به، يقول الرسول عليه السلام"البر حسن الخلق والإثم ما حاك في صدرك وخشيت أن يطلع عليه الناس" ومدلول هذا الحديث أنّ الحاجة التي تريد أن يطّلع عليها الناس تفعلها وأنت تشعر أنّها حلال لكن العمل الذي تحاول أن تخفيه فذاك هو الإثم ، فشتّان بين سارق يتخفى عن أعين الناس ومن هو في طريقه إلى صلاة الفجر . فإذا كان الإنسان يقدر أن يعرف إن كان يخشى الناس فالمولى سبحانه وتعالى أحق أن يخشاه ..
والحياء من الله أهم من الحياء من الناس ولو أننا ضبطنا الحياء من الله فان الحياء من الناس سيصبح شيئاً عادياً ولذلك يقال"من عرف الله خافه ومن خاف الله امتثل أوامره ومن امتثل أوامره اجتنب نواهيه " فمن كان خُلُقُهُ ذلك صار أحسن الناس ومن كان ذلك ذلك أَحبَّ لأخيه ما يحبه لنفسه ليكون أتقى الناس .
يحكى أنّ النعمان بن المنذر كان في طريقه إلى منزله فوجد تفاحة ملقاة على الأرض فأخذ منها قضمة واحدة لكن لأنّه عمل بما كنّا نتحدث عنه من وضع كل الأمور على ميزان الله ورسوله جال بخاطره أنّ ما قام به قد لا يرضي المولى جل وعلا .فطرق باب البستان فخرج له رجل فأخبره بما وقع له طالباً العفو والسماح فقال له الرجل إنّ صاحب البستان يسكن في مكان آخر ودلّه على الطريق وكان يسكن على بعد أميال فلمّا وصل إليه وأخبره بأمره تعجّب صاحب البستان وأيقن في نفسه أنْ ليس لهذا الرجل مثيلٌ وكانت له بنتٌ على درجة عاليةٍ من الحياء فقال له : أسامحك على شرْط أن تتزوج ابنتي فأجابه النعمان على الفور: أوافق إن كنت ستسامحني فقال: لكن عليك أن تَعْلَم أنّ ابنتي عمياء بكماء صماء مُقْعَدَة ٌفأجابه ثانيةً دون ترددٍ: أوافق. كتبوا العقد وصعد لِيَبْنِي بها ولمّا دخل الغرفة وكان يعلم حالها قال : السلام لله ،وإذا بها تردُّ عليه وتتحرك نحوه ممّا يدل على أنها كانت تسمع وتنظر وتمشي وتتكلم فقال لها ولكن أباك أخبرني عكس ما أرى وأسمع فقالت صدق أبي فأنا صمّاء عمّا يغضب الله، بكماء لا أتكلم إلاّ بما يرضي الله، عمياء لا أنظر إلى ما حرّم الله، مُقْعَدةٌ لا أتحرّك إلاّ في سبيل الله. وبنى بها وأنجبا الإمام أبي حنيفة النعمان.
وكما أنّ هذه القصة كان نتيجتها أبو حنيفة فالحكاية الثانية التي سأوردها كان نتيجتها الخليفة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وهي حكاية ابنة بائعة اللبن
روى ابن زيد عن جد "أسلم" قال: بينما كنت مع عمر بن الخطاب - وهو يعّس بالمدينة - إذا هو قد أعيا فاتكأ على جانب جدار في جوف الليل فإذا امرأة تقول لابنتها: يا بنتاه قومي إلى اللبن فامذقيه (أي اخلطيه) بالماء، فقالت لها ابنتها: يا أُمتاه، أما علمت ما كان من عزمة أمير المؤمنين اليوم، ألا يُشاب اللبن بالماء، فقالت الأم: قومي إلى اللبن فامذقيه بالماء، فإنك في موضع لا يراك فيه عمر ولا منادي عمر، فقالت البنت لأمها: والله ما كنت لأطيعه علانية وأعصيه سراً، وكان أمير المؤمنين - في استناده إلى الجدار - يسمع هذا الحوار فالتفت إليّ يقول: يا أسلم، ضع على هذا الباب علامة، ثم مضى أمير المؤمنين في عسه، فلما أصبح، ناداني: يا أسلم إمض إلى البيت الذي وضعت عليه العلامة، فانظر من القائلة، ومن المقول لها؟ انظر هل لهما من رجل؟ يقول أسلم: فمضيت، فأتيت الموضع فإذا ابنة لا زوج لها، وهي تقيم مع أمها وليس معهما رجل، فرجعت إلى أمير المؤمنين عمر فأخبرته الخبر، فدعا إليه أولاده، فجمعهم حوله ثم قال لهم: هل منكم من يحتاج إلى امرأة فأزوجه؟ لو كان بأبيكم حركة إلى النساء، ما سبقه أحد منكم إلى الزواج بهذه المرأة التي أُعرف نبأها، والتي أحب لأحدكم أن يتزوجها. فقال عاصم يا أبتاه تعلم أن ليس لي زوجة فأنا أحق بزواجها، فبعث أمير المؤمنين من يخطب بنت بائعة اللبن لابن أمير المؤمنين عاصم، فزوجه بها، فولدت له بنتاً تزوجها عبد العزيز بن مروان، فولدت له خامس الخلفاء الراشدين الخليفة الزاهد عمر بن عبد العزيز رضوان الله عليهم أجمعين.
سؤال: هل الحياء صفة للمخلوقات فقط أم إنّها صفة للخالق جل وعلا ، ألم يقل الرسول عليه السلام " إن الله حيي كريم، يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفراً"؟
الدكتور محمد هداية: إن الله لا يستحي هنا بمعنى يستبقي فهو قادرٌ على أن لا يردّ يد الداعي خائبةً وهذا ليس الحياء بالمفهوم الذي نتحدث عنه لأنّ المولى سبحانه ليس كمثله شيء .والقرآن واضح في هذه المسألة (إنّ الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها) الحياء خلق يمنع صاحبه أن يضع نفسه في الخجل لكن بالنسبة للمولى سبحانه هو بمعنى لا يرضى . ومن تعاريف أهل اللغة في الحياء انه الإحتشام أو إنّه التوبة والحشمة فإذا أخذنا كلمة التوبة نسأل التوبة لمن؟ هي لله بدليل قوله ( فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه) فالتوبة في مرجوعها لله لذلك فمعنى لا يستحي أي لا يرضى أن يرد يد الداعي خائبة.
الدكتور محمد هداية: في الحقيقة المسلم أو المؤمن لا بدّ وأن يطبّق في حياته حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه "الايمان بضع وسبعون شعبة والحياء شعبة من الإيمان" . كفانا أن نعلم أنّ الحياء شعبة من شعب الإيمان، يعني أنّه لا يتم الإيمان إلا بهذا الخُلُق وقلنا في المرة السابقة أن الإنسان لو أخذ الحياء كمنهج حياة لا يصل إلى درجة الخجل أو إلى أفعال تُوجب له الخجل. أخص الخصائص في هذا الموضوع علاقة العبد بالله تبارك وتعالى فلو أنا عندي حياء أستحي من الله تبارك وتعالى أن يؤذّن الظهر فلا أصلي ، كما أستحي من الله تبارك وتعالى أن يأتي شهر رمضان فلا أصوم.
والإنسان يقدر على تحديد درجة الحياء لذلك الرسول عليه السلام ضرب لنا أمثلة في حياتنا العملية قال :" إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان" أي اشهدوا له بالإيمان الكامل والحياء شعبة من الإيمان، إذاً هذا الرجل استحى من الله تبارك وتعالى أن يؤذن المؤذن فلا يدخل إلى المسجد. إلا أن الذي نراه اليوم هو عكس ذلك تماما فتسمع المؤذن ينادي إلى الصلاة لكن الكثير في غفلة والمساجد خاوية على عروشها تشكو لربها ظلم العباد.
الله تعالى ضرب أمثلة كثيرة عن رضائه عمن يتقرب إليه بما افترضه عليه. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن الله تعالى قال: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب ، وما تقرب إليّ عبدي بشيءٍ أحب إلي مما افترضته عليه ، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته ، كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها وإن سألني لأعطينه ، ولئن استعاذني لأعيذنه )) رواه البخاري
أخص الخصائص الصلاة يليها الصيام يليها الزكاة (رجل أعطاه الله من المال ما أعطاه ، ألا يستحي من الله سبحانه فيذهب إلى الفقير أينما كان ويزكي عن هذا المال ، والذي لا يفعل ذلك هو لا يستحي من الله تبارك وتعالى ولذلك بعض الصالحين يقول كيف أسمع الآذان ينادي الله اكبر الله اكبر حي على الصلاة حي على الفلاح ولا أذهب ، فإذا كنت لا استحي من المولى سبحانه فما بالك بالناس.فإذا لم أصلح ما بيني وبين المولى تبارك وتعالى بالقطع سيفسد ما بيني وبين الناس وهذا سر الآية التي يقول فيها المولى عز وجل (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر )
الحياء إذا تم فلا فحشاء ولا بذاءة ولا جفاء ،لما أسمع أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ويؤكدها بقوله (ولذكر الله اكبر)، إذا أنا أصلحت ما بيني وبين الحق تبارك وتعالى وأعملت الحياء فيما بيني وبين الله كان لزاماً على الله أن يصلح ما بيني وبين الناس .
خذ لذلك مثالاً لرجل يصلي الصلاة في وقتها في المسجد، يصوم الشهر والنوافل ،يؤدي ما عليه من صدقات وزكاة ، ستجد معاملاته مع الناس مضبوطة ذلك لأنه استحى من الله تعالى فإذا كان الأمر كذلك أصبح الحياء عنده طبعٌ ومنهجٌ وبالتالي فلن ينظر إلى عورات الناس ولا يتكلم في أعراضهم و لا يمشي إلى ما حرّم الله و لا يدبّر المكائد لغيره لأنّ الحياء ضد كل هذه الأمور ولذلك إذا أصبح الإنسان بالحياء ما بينه وبين الحق تبارك وتعالى أصبح الله بالحياء ما بينه وبين الناس.
سؤال: ماذا يمكن أن نقول في فضيلة الاستئذان؟
الدكتور محمد هداية: لليهود حق في أن يحسدونا وكيف لا يحسدوننا ومحمد عليه السلام يعلّم أصحابه كلّ شيء سواء كان ذلك في الآداب أو في الزيارات أو في عيادة المريض ،كان عليه السلام إذا عاد مريضاً ومعه بعض الصحابة لا يمكث إلاّ دقائق، يرقيه ويدعو له بالشفاء ويدعو لنفسه وللصحابة وللمؤمنين وينصرف.
عندما ذهب الشيخ محمد عبده إلى فرنسا قال وجدت إسلاماً ولم أجد مسلمين، يقصد بذلك انه وجد طباع الاسلام، لأنه نادرا ما تجد أحدهم هناك يذهب إلى قريبه أو صديقه من قبْل أن يتصل به ويستأذنه في القدوم وهذا ما كان يعلمنا إياه القرآن عندما كان الرسول عليه السلام يستحي أن يطلب من الصحابة الانصراف، ينزل القرآن يعلمهم أن حياء الرسول يمنعه والأجدر أن يكون لهم حياءٌ ووعيٌ يمنعهم من الاستمرار والجلوس فتراتٍ طويلةٍ أكثر من اللازم حتى وان كان سبب بقاؤهم هو التعلم منه صلى الله عليه.
سؤال: ما الفرق بين الخجل والحياء؟
الدكتور محمد هداية: إنْ كان يجب للرجل حياء فيجب أن يكون للمرأة حياءٌ مضاعفٌ. عندما حاولوا وصف حياء الرسول عليه السلام قالوا" إنّه أشد حياءً من العذراء في خدرها".معنى ذلك أنّ الحياء صفة من صفات الأدب للرجل والمرأة، فحين يُؤذَّنُ للصلاة فحياء الرجل وحياء المرأة من الله واحد في إقامة الصلاة.الاختلاف الوحيد نجده في وجوب ذهاب الرجال إلى المسجد في حين تصلي المرأة في بيتها لكن الاثنين يلبيان النداء استحياء من الله سبحانه وتعالى.
عندما أسمع الله اكبر حي على الصلاة حي على الفلاح أسأل :من الذي يناديني؟ وإذا لبيت من ألبي؟ إنّه نداء المولى جل وعلا فحياء المرأة أن تصلي في بيتها ولا تفعل مثل بعض النساء التي تفضلن إتمام أشغال البيت لتتراكم الصلوات وتكون مدعاة للكف عنها والعياذ بالله. إنما إنْ قطعن الأمر وصلّين في الوقت الذي يؤذن فيه استحياء من الله يكون الأمر أخفّ وأيْسَرَ.مثل ذلك مثل التلميذ الذي تتراكم عليه الواجبات إلى أنْ يصبح حمْلاً ثقيلاً. لذلك علينا أن نبدأ الحياء من الصلاة ولا فرق في هذا بين الرجل والمرأة ونفس الشيء في الصلاة و الزكاة و الصيام.
لكن ثمة أمور يتّضح فيها الفرق بين الرجل والمرأة وللمرأة حياء مضاعف فيها فخروجها مثلا للشارع يستلزم عليها حياء وزيّاً مُعيّنًا ًيمنعها من الفجور والسفور.وهذه الأمور واضحة غير محتاجة لأيّ توجيهات بنص حديث الرسول عليه السلام "الحلال بَيّنٌ والحرام بيّنٌ" إنما الرجل مثلا يستطيع أن يسهر إلى وقت متأخر من الليل أما المرأة فالخير كل الخير أن تمكث في بيتها . لكن هناك أمور مشتركة كالعبادات نفعلها جميعا نساءً ورجالاً استحياءً من الله.
سؤال: ما هي الحكمة من بداية الأذان بالله اكبر؟
الدكتور محمد هداية: هذا السؤال يمكن أن نجيب عليه بسؤال آخر هو: ما الحكمة في أن المولى سبحانه قال الله أكبر ولم يقل الله كبير؟ قد تكون بصدد قراءة القرآن لكن ساعة يؤذن للصلاة فاعلم أنّ الله اكبر. قد تجد من يفسّر القرآن للناس ويعلّمهم دينهم لكن ساعة النداء عليه أن يلبي ويقوم للصلاة ثم يعود إلى ما كان يقوم به ،فالتفسير والتعليم أعمال كبيرة لكن الله اكبر .
وعلينا أن نؤكد هنا على أهمية الآية التي يقول فيها رب العزة (إنّ الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً) لنلاحظ انه سبحانه قال "كتاباً" ولم يقل كتباً، كتاباً واحداً موقوتاً . الرسول عليه السلام كان يصلي بالمسلمين الجماعة الأولى لكن الذي يتأخر سيصلي الجماعة الثانية والثالثة وهكذا، لكن بالتأكيد إنها لن تكون في نفس درجة الجماعة الأولى. قد يقول أحدهم هناك من لا يقدر على الصلاة في الوقت الأول كالطبيب الجرّاح مثلاّ، أقول: فعلا الضرورات تبيح المحضورات لكن أقول أيضاً: إنّ الذي يقدر على تأخير العمليات الجراحية غير المستعجلة يفعل ذلك ويصلي لأنّ الصلاة ستفتح له الأمر كلّه وسيفتح الله بها عليه.
الصبر ربع الإيمان يعني أنّه ركن ركين في حياة المسلم لله ،والصبر له وَقْعٌ في القرآن فتجد أنّه يتوسط الصفات التي اتصف بها كل من تَدَيَّنَ لله تبارك وتعالى. وأُلْفِتُ الأنظار إلى آية في القرآن لو عِشْنَاهََا نَفْهم ما هو المعنى من الصبر يقول المولى عز وجلّ (واستعينوا بالصبر والصلاة وإنّها لكبيرة إلاّ على الخاشعين). بعض المفسرين قالوا إنّ الهاء تعود على الصلاة لكن الحقيقة أنَّ هذا التفسير فيه بَتْرٌ للمعنى العام للآية. فلمّا يقول الحق تبارك وتعالى واستعينوا بالصبر والصلاة نجد وَقْعٌ للصلاة و وَقْعٌ للصبر لكن حين نعتمد التفسير الذي يقول إن الهاء عائدةٌ على الصلاة يكون معنى الصبر قد ضاع. الذين فسروا هذا التفسير نَسُوا أن هناك ضمير الشأن وضمير القصة في اللغة. فمثلا عندما يقول المولى سبحانه "قل هو الله أحدٌ الله الصمد"كان يَقْدِرُ أن يقول قل الله احد فهو هنا ضمير الشأن أيْ شَأنُهُ أنّهُ أَحَدٌ ، لكن في معنى أهل التحقيق، المولى سبحانه يريد أن يقول واستعينوا بالصبر والصلاة وإنّ الاستعانة بهما لكبيرة إلاّ على الخاشعين فالهاء تعود على الاستعانة بهما الاثنين الصبر والصلاة .
إن الصبر لو دققنا في معناه من جماع الآيات نجده وإن لم يكن في أركان الإسلام إنما هو باطن كل ركن، فالشهادتان هما الركن الركين للإسلام ، لكن بعد الشهادتان أيُّ رُكْنٍ من الأركان يحتاج عملاً سوف يكون بالأكيد في باطنه صبر، فالذي لا يصبر في الصلاة ويستعجل سوف يقرأ الفاتحة بسرعة ويركع بسرعة ويسجد بسرعة ليكون كالمسيء صلاته فيضيع معنى الصلاة الحقيقي بالصبر عليها . والذي لا يصبر في الصوم لا يمكن أن يكون قادراً . حتى الزكاة ،قد نتساءل كيف يمكن أن يكون في الزكاة صبر ؟
للإجابة على هذا السؤال سأعطي مثلاً: يأتيك أحدهم ويعطيك مَبْلغًا من المال طالبا منك أن تتصدق به على من يحتاجه من الفقراء والمساكين فهذا الشخص لم يصبر على الركن إنما أراد أن يتخلص من مسؤولية البحث والتحري عن ذاك الفقير إن كان محتاجا فعلا أم لا ، وألقى بالعبء على غيره فهو استثقل الحمل وكان الأجدر أن يصبر عليه. قابض الزكاة نفسه، عليه أن يصبر على الاحتياج الذي يعيش فيه ويتحمّل فقره فلا يسرق، ولقد قلنا سابقاً إن الذي يسرق ألف جنيه ، لو أنّه صبر، لأتاه نفس المبلغ من الحلال بما انه مكتوب له في الرزق، خلاصة القول أن قابض الزكاة ومخرجها يلزمهما صبرٌ .
سؤال: يقول الحق تبارك وتعالى (فاصبر صبرا جميلا) هل هناك أنواع من الصبر ؟ صبر جميل وصبر غير جميل وما هو الفرق بينهما ؟
الدكتور محمد هداية: الصبر جميل بإضافة الكل على الجزء أو العام على الخاص . فالصبر لا بُدَّ وأن يكون جميلا فصبر جميل هنا بمعنى صبر هو الجميل فلا يمكن أن يكون هناك صبر غير جميل ، لكن هناك صبر يَصْبرُهُ الإنسان إمّا مُجْبَرًا أو بحبٍّ
فالتدرج مهمّ في هذا المجال بمعنى أنّه حتى ولوْ بدأت بصبر أنت مُكْرَهٌ عليه ستصل بإذن الله إلى الصبر الجميل . ولْنَضرِبْ مثلا حتى تتبين المسألة أكثر:
فالموت مثلا لمّا يحصل لا بُدََّ وأنْ يكون للإنسان ضيقٌ وأزمة لأنّ القرآن نفسه سمَّى الموت مصيبة (أولما أصابتكم مصيبة الموت قلتم أنّى هذا قل هو من عند أنفسكم إنّ الله على كلّ شيء قدير) فلمّا يصبر الإنسان إتباعا لمنهج الله جلّ شأنه تراه في البداية يصبر وهو مُكْرَهٌ لكن بعملية التدرج سيجد نفسه يصل الى مرتبة الصبر وهذه هي القناعة التي تأتي مع الصبر لتجعله صبرا جميلا بما أنّه قام به عن حب وثقة بالله. (إنّ المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات اعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما)
وهذا الترقي الذي تكلمنا عنه نجده حتى عند أقرب الناس إلى الرسول صلى الله عليه وسلم "أبو بكر وعمر رضي الله عنهما . يقول عليه السلام "أول من يتناول كتابه بيمينه عمر ابن الخطاب قال احد الصحابة وأبو بكر؟ فقال صلى الله عليه وسلم هيهات هيهات هيهات حينما يكون عمر يتناول كتابه بيمينه يكون ابو بكر قد زف الى الجنة بغير حساب"، يعني أنّ الصديق سيخرج من القبر إلى الجنة بغير حساب، (إنّما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب)
سؤال: كيف يمكن أن نصبر على النعمة؟
الدكتور محمد هداية: حياتك إمّا نعمة أو ابتلاء، إنْ صبرت على الابتلاء فذلك نصف الإيمان ،النصف الثاني تعمل الطاعة في النعمة، فأولادي وأموالي لا تصرفني عن طاعة الله تبارك وتعالى (إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده اجر عظيم )، فتنة في ماذا؟ فتنة في هل ستتقي الله بهذه النعم لتصل إلى درجة الاستقامة أم ستنصرف عن طاعة الحق سبحانه؟ وهذه من ضمن الصبر على الطاعة والصبر على الطاعة هي الاستقامة. أبو حنيفة كان يصلي الفجر بوضوء العشاء فهو في طاعة من صلاة العشاء إلى صلاة الفجر يقرأ القرآن ويذكر ربّه بكل الأشكال.
لكن ما أود الإشارة إليه أنّ تقسيمة أنواع الصبر ومعانيه ليست توقيفية بعبارة أخرى ليست مُلزمة لأنّ أي سؤال سيفتح لنا إجابات عديدة ، والرسول عليه السلام عندما يريد أن يُبْدِي توجيهًا معيّنًا في عبادة معيّنةٍ فهذه النقطة تفتح نقاطا أخرى للعمل والطاعات. فجزئية الصبر مثلا ، نلاحظ أننا نصوم في رمضان عن الحلال ولمّا نسمع قوله سبحانه (يا أيها الذي آمنوا كُتب عليكم الصيام كما كُُتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون). كلمة لعلّ في كلامنا تحتمل التمني ولكن في كلام الله لا يمكن أن تكون كذلك لانّ التمني يفيد الجهالة والجهالة تستحيل على الحق تبارك وتعالى، لعلكم تتقون هنا بمعنى غايتي من فرض الصيام أن تخرجوا من شهر الصيام متّقين . قد نتساءل كيف يكون ذلك؟
الإجابة أنّه إن كنت قد صبرت على الحلال في رمضان فمن باب أَوْلَى أنْ تُمسِْكَ نفسك عن الحرام بعد الشهر . وهذه أهمّ جزئية قالها الرسول في الحديث: يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج وإلاّ فَلْيصُمْ فإنّ الصوم له وِجَاءٌ"
لماذا اختار الرسول عليه السلام الصوم؟ لأنّ الصوم سيعلّمك الصبر ، فلو صبرت على الحلال في الصيام تقدر أن تصبر على الحرام بعد رمضان .
سؤال: كيف يكون الصبر على الابتلاء؟
الدكتور محمد هداية: أنا مخلوقٌ لأُبْتَلَى ، قال الله تعالى ( الذي خلق الموت والحياة ليَبْلُوَكُمْ أحسن عملا وهو العزيز الغفور) فالموت والحياة خُلِقا للإبتلاء ، فكأنّ الموت حاجة مترقبةٌ كلّ حيٍّ، والذي يموت يكون ابتلاء لمن هو حيّ وهكذا.
في حديث الرسول عليه السلام "عن عمر ابن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال بينما نحن جلوس عند رسول الله إذْ دخل علينا رجل شديد بياض الثياب,شديد سواد الشعر,لا يُرَى عليه أثر السفر و لا يعرفه منّا أحد فجلس الى النبي فأسند ركبتيه الى ركبتيه,ووضع كفيه على فخذيه ثم قال:يا محمد أخبرني عن الاسلام , فقال النبي :الاسلام هو أن تشهد أن لا اله الا الله و أن محمد رسول الله, و تقيم الصلاة و تؤتي الزكاة و تصوم رمضان و تحج البيت ان استطعت اليه سبيلا , قال:صدقت , فعجبنا له يسأله و يصدقه , قال:فأخبرني عن الايمان , قال:الايمان هو أن تؤمن بالله و ملائكته و كتبه و رسله و بالقدر خيره و شره ,قال:صدقت,قال:فأخبرني عن الاحسان , قال:الاحسان هو أن تعبد الله كأنك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك , قال:فأخبرني عن الساعة , قال : ما المسؤول عنها بأعلم من السائل , قال : فأخبرني بأماراتها , قال:أن تلد الامة ربتها و أن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاة يتطاولون في البنيان .ثم أنطلق فلبث مليا ثم قال:أتدرون من السائل , قلت:الله و رسوله أعلم ,قال:هذا جبريل أتاكم ليعلمكم أمور دينكم "
سيدنا جبريل يسأله ما الإيمان وإجابة الرسول تعني أن المسلم الذي لم يؤمن بموسى أو بعيسى أو بنوح كرسل من عند الله لا يكون قد أسلم (والمؤمنون كل آمن بالله بالله وملائكته وكتبه ورسله) "قال: فأخبرني عن الاحسان , قال:الإحسان هو أن تعبد الله كأنك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك" وهذه هي المراقبة (يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور) فالملائكة الكتبة يعلمون ما يفعل العبد لكن ما هو بداخل العبد فلا شأن لهم فيه (وإنّ عليكم لحافظين كرامًا كاتبين يعلمون ما تفعلون) يعلمون في الظاهر فقط . إنّما المولى جلّ شأنه قال عن نفسه (يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور) وقال ايضاً (ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن اقرب إليه من حبل الوريد) تعبد الله كانك تراه يعني: من الذي قال لك (وبالوالدين إحسانا) ؟ من الذي قال لك أحسن إلى الفقير؟ من الذي قال لك أكرم الجار ؟ عبادة الله تتمثل في هذا كله ،أي في أن تُحْسن أنْ تعبد الله كأنك تراه لتخافَهُ.
لنأْخُذْ مثالاً لذلك: هل كان السارق ليدخل البيت الذي سيسرقه لو علم أنّ في البيت أحد؟ الإجابة ستكون قطعا أنه لن يدخل . نفس الشيء لو أنا وصلتُ بعقيدتي أنّ الله مطّلعٌ عليَّ في كل أعمالي، لن أفعل شيئا سيغضبه جلّ وعلا ، إنّما الشيطان يُنسِي الإنسان أنّ الله مطّلعٌ عليه آناء اليل وأطراف النهار. والأحاديث كثيرة في هذا المجال كذاك الذي أراد أن يزني بامرأة فقالت غلّق الأبواب ففعل وقال لن يرانا أحد فقالت الله يرانا ، عندها رجع إلى الله. فالإنسان لو أنّه صاحٍ بضمير المراقبة من نفسه على نفسه أو من الله على نفسه ، لو استحضر عظمة الله كأنه يراه آناء الليل وأطراف النهار لا يمكن أن يعمل معصيةً. الصيام مثلا وهو من أعلى صنوف المراقبة لماذا يقول فيه المولى سبحانه "كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشر أمثالها إلاّ الصيام فانه لي وأنا أجزي به" ؟ الاجابة : لأنه الوحيد سبحانه المُطّلع على صِحَّة صيام العبد.
الإسلام هو الرسالة وهو الشرع العام للديانات والإيمان هو تطبيق الإسلام. فالأركان الخمسة للإسلام ليست هي الإسلام بدليل أنّ الحديث يقول" بُنِيَ الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان"
ما افهمه من الحديث أنّ الإسلام غير هذه الأركان الخمسة لأنّه كان يقدر أن يقول الإسلام خمس لكنه قال "بُنيَ الإسلام على خمس" إنْ أنا طبقت القواعد الخمس أصبحت مسلما لله إسلام العقيدة أو إسلام الرسالة. التطبيق العملي لما جاء به محمد في القرآن (افعل كذا ولا تفعل كذا، انته عن كذا ،اعمل كذا ) هو الإيمان، فالإيمان هو تطبيق الإسلام.
أما الإحسان فهو تطبيق الإيمان، ففي القرآن يقول المولى عزّ وجلّ (وبالوالدين إحسانا) فإن أنا أحسنت يعني أنّي طبَّقْتُ إيماني وإنْ لم أُحْسِنْ يَعْني أنّي رَجَعْتُ بدرجةٍ ونزلت من الإحسان إلى الإيمان إلى الإسلام، فمن لم يحسن إلى والديه خسر الدنيا والآخرة وضيّع نفسه ولذلك الحديث يقول "رغمت انف من أدرك والديه ولم يغفرا له" فبلوغ الوالدين سنّ الكبر عند المسلم ابتلاء وفرصة لا يجب أن يُضَيِّعها المرء وهو قادر أن ينجح في هذا الابتلاء بمنتهى البساطة في حين يكون الذي لم ينجح قد ضَيَّعَ على نفسه الفرصة.
صعد الرسول عليه السلام المنبر وأمر الصحابة بالاقتراب وقال آمين في الدرجة الأولى وآمين في الدرجة الثانية وآمين في الدرجة الثالثة ثم جلس وخطب في الناس وبعد ان انتهى قال :أوَتدرون على ما أمّنتُ؟ جاءني جبريل وقال رَغُمَتْ أنف(وجاءت بَعُدَتْ انف في رواية اخرى) من أدركه رمضان ولم يدخله الجنة فقلت آمين (وآمين اسم فعل أمر بمعنى استجب) رغمت أنف من أدرك والديه ولم يغفرا له قلت آمين قال جبريل رغمت أنف من ذُكِرْتَ عنده يا محمد ولم يصلّ عليك قلت آمين.
يكون ذلك بالإسلام والانقياد والانصياع لوجه الله تبارك وتعالى وهذه من أعلى مراتب المراقبة ،فحالتي وأنا خارج من بيتي وأنا ذاهب إلى شغلي وأنا عائد منه كلي يقين في "باسم الله ، توكلت على الله، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ، حسبنا الله ونعم الوكيل" فالإحسان درجة تصل بك إلى إسلام الوجه الذي هو أعلى مراتب المراقبة.
الدكتور محمد هداية: عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال : قلت يا رسول الله أخبرني عن عمل يدخلني الجنة و يباعدني عن النار ؟ قال - لقد جئت تسأل عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله تعالى عليه : تعبد الله لا تشرك به شيئاً وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت , ثم قال : ألا أدلك على أبواب الخير ؟ الصوم جُنة والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار , وصلاة الرجل في جوف الليل ثم تلا - تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُون*فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونََ - ]السجدة16-17]... ثم قال ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه ؟-قلت : بلى , يا رسول الله قال " رأسٍ الإسلام , وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد " ثم قال : ألا أخبرك بملاك ذلك كله ؟ " فقلت بلى يا رسول الله , فأخذ بلساني وقال -كف عليك هذا-فقلت : يانبي الله , و إنا لمؤاخذون بما نتكلم ؟ فقال- ثكلتك أمك , وهل يكب الناس في النار على وجوههم- أو قال - على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم ؟! -رواه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح .
ما نفهمه من إستفسار سيدنا معاذ عندما قال له الرسول صلى الله عليه وسلم"كف عليك هذا" أنّ اللسان آفة الجسم أو نتاج عمل الجسم، فيسأله سيدنا معاذ "و إنا لمؤاخذون بما نتكلم ؟ فقال- ثكلتك أمك , وهل يكب الناس في النار على وجوههم- أو قال - على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم ؟ يعني أنّ هذه مسألة المفروض أنها لا تغيب عن إنسان وأنّ كل ما يتلفظ به سيحاسب عليه، فإذا وجدت أقواما في النار كالنمامين والمتكلمين في الأعراض والمشائين بالنميمة بين الناس فاعلم أن اللسان هو سبب وجودهم في ذلك المكان. لذلك علينا أن نعمل أن لا يكون لساننا سبباً في أن نُكب على وجوهنا في النار . وشهر رمضان تدريب لنا إلى بقية العام ، إن أمسكتُ نفسي فيه عن الحلال فالأَوْلَى أن أُمسك بعده عن الحرام و إلاّ وكما قال الرسول صلى الله عليه وسلم" من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه"
والإجابة على سؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم "وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم ؟" نقول صدقت يا رسول الله نحن نعي تماما هذا الذي بين فَكَّيْنَا (اللسان) ، نسأل الله العليَّ العظيم أن يَقِيَنَا شرّ ألسنتنا .