وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ 205 وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ 206
وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ 207
قوله تعالى ومن الناس من يشري نفسه الآية أخرج الحرث بن أبي أسامة في مسنده وابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب قال أقبل صهيب مهاجرا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأتبعه نفر من قريش فنزل عن راحلته وانتشل ما في كنانته ثم قال يا معشر قريش لقد علمتم أني من أرماكم رجلا وأيم الله لا تصلون الي حتى أرمي كل سهم معي في كنانتي ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شيء ثم افعلوا ما شئتم
وإن شئتم دللتكم على مالي بمكة وخليتم سبيلي قالوا نعم فلما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم المدينة قال ربح البيع أبا يحيى ربح أبي يحيي ونزلت وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ 207 واخرج الحاكم في المستدرك نحوه من طريق ابن المسيب عن صهيب موصولا وأخرج أيضا نحوه من مرسل عكرمة وأخرجه أيضا من طريق جاد بن سلمة عن ثابت عن أنس وفيه التصريح بنزول الآية وقال صحيح على شرط مسلم وأخرج ابن جرير عن عكرمة قال نزلت في صهيب وأبي ذر وجندب ابن السكن أحد أهل أبي ذرمن كتاب أسباب النزول
|
فى دعاء إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام فى سورة البقرة، وردت هذه الآيات بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(( وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ {البقرة/127} رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ {البقرة/128} رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ {البقرة/129} ))
لاحظ الإعجاز البيانى فى الآيات
لاحظ نغمة المد فى هذه الكلمات بما يناسب جو الدعاء (منا إنك) ((ومن ذريتنا أمة)) ((وتب علينا إنك ) ثم لاحظ تغير النغمة بما يوحى بانتهاء الدعاء : ((ويزكيهم إنك ))
إن حركات المد فى العبارات الأولى تشعرك بالاستغراق فى الدعاء، والرغبة فى التعبير عن مشاعر عميقة تملأ قلبيهما وهما يتوجهان هذا التوجه الخاشع بين يدى الله وهما يقيمان قواعد البيت،
بينما الياء فى كلمة (ويزكيهم) توحى بأن الدعاء قد وصل إلى غايته، وأنه يوشك أن ينتهى، بعد أن بثا مشاعرهما لله العلى العظيم. وحين تصور الكلمات – وهى مجرد كلمات – مشهداً كاملاً جياشا على هذا النحو، وتعطى صورة الأكف المرفوعة بالضراعة، ثم حركة الأكف وقد أوشكت أن تفرغ من الدعاء هابطة إلى أسفل.. يكون هذا من الإعجاز ******************************* من كتاب لا يأتون بمثله الشيخ محمد قطب |
ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ
قال ابن جريج قال ابن عباس ذلك الكتاب أي هذا الكتاب وكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والسدي ومقاتل بن حيان وزيد بن أسلم وابن جريج أن ذلك بمعنى هذا والعرب تعارض بين اسمي الإشارة فيستعملون كلا منهما مكان الآخر وهذا معروف في كلامهم وقد حكاه البخاري عن معمر بن المثنى عن أبي عبيدة وقال الزمخشري ذلك إشارة إلى "الم" كما قال تعالى " لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك" وقال تعالى " ذلكم حكم الله يحكم بينكم" وقال "ذلكم الله"
وأمثال ذلك مما أسير به إلى ما تقدم ذكره والله أعلم.
والكتاب القرآن
قال السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا ريب فيه" لا شك فيه
وقال أبو الدرداء وابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وأبو مالك ونافع مولى ابن عمر وعطاء وأبو العالية والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان والسدي وقتادة وإسماعيل بن أبي خالد - وقال ابن أبي حاتم لا أعلم في هذا خلافا وقد يستعمل الريب في التهمة واستعمل أيضا في الحاجة كما قال بعضهم: قضينا من تهامة كل ريب وخيبر ثم أجمعنا السيوفا ومعنى الكلام هنا أن هذا الكتاب هو القرآن لا شك فيه أنه نزل من عند الله كما قال تعالى في السجدة "الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين"
وقال بعضهم هذا خبر ومعناه النهي أي لا ترتابوا فيه. ومن القراء من يقف على قوله تعالى "لا ريب" ويبتدئ بقوله تعالى "فيه هدى للمتقين" والوقف على قوله تعالى "لا ريب فيه" أولى للآية التي ذكرناها ولأنه يصير قوله تعالى "هدى" صفة للقرآن وذلك أبلغ من كون فيه هدى. وهدى يحتمل من حيث العربية أن يكون مرفوعا على النعت ومنصوبا على الحال وخصت الهداية للمتقين كما قال "قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد" "وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا" إلى غير ذلك من الآيات الدالة على اختصاص المؤمنين بالنفع بالقرآن لأنه هو في نفسه هدى ولكن لا يناله إلا الأبرار كما قال تعالى "يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين"
وقد قال السدى عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم "هدى للمتقين" يعني نورا للمتقين
وقال أبو روق عن الضحاك عن ابن عباس قال هدى للمتقين قال هم المؤمنون الذين يتقون الشرك بي ويعملون بطاعتي وقال محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس "للمتقين" قال الذين يحذرون من الله عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى ويرجون رحمته في التصديق بما جاء به وقال سفيان الثوري عن رجل عن الحسن البصري قوله تعالى للمتقين قال: اتقوا ما حرم الله عليهم وأدوا ما افترض عليهم
وقال أبو بكر بن عياش سألنى الأعمش عن المتقين قال فأجبته فقال لي سل عنها الكلبي فسألته فقال الذين يجتنبون كبائر الإثم قال فرجعت إلى الأعمش فقال يرى أنه كذلك ولم ينكره.
وقال قتادة للمتقين هم الذين نعتهم الله بقوله "الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة" الآية والتي بعدها واختيار ابن جرير أن الآية تعم ذلك كله وهو كما قال.
وقد روى الترمذي وابن ماجه من رواية أبي عقيل عبدالله بن عقيل عن عبدالله بن يزيد عن ربيعة بن يزيد وعطية بن قيس عن عطية السعدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به بأس" ثم قال الترمذي حسن غريب وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا عبدالله بن عمران عن إسحاق بن سليمان يعني الرازي عن المغيرة بن مسلم عن ميمون أبي حمزة
قال: كنت جالسا عند أبي وائل فدخل علينا رجل يقال له أبو عفيف من أصحاب معاذ فقال له شقيق بن سلمة يا أبا عفيف ألا تحدثنا عن معاذ بن جبل قال بلى سمعته يقول يحبس الناس يوم القيامة في بقيع واحد فينادي مناد أين المتقون؟ فيقومون في كنف من الرحمن لا يحتجب الله منهم ولا يستتر. قلت من المتقون قال قوم اتقوا الشرك وعبادة الأوثان وأخلصوا لله العبادة فيمرون إلى الجنة. ويطلق الهدى ومراد به ما يقر في القلب من الإيمان وهذا لا يقدر على خلقه في قلوب العباد إلا الله عز وجل قال الله تعالى "إنك لا تهدي من أحببت" وقال "ليس عليك هداهم" وقال "من يضلل الله فلا هادي له" وقال "من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا" إلى غير ذلك من الآيات ويطلق ويراد به بيان الحق وتوضيحه والدلالة عليه والإرشاد إليه. قال الله تعالى "وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم" وقال "إنما أنت منذر ولكل قوم هاد" وقال تعالى "وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى" وقال "وهديناه النجدين" على تفسير من قال المراد بهما الخير والشر وهو الأرجح والله أعلم وأصل التقوى التوقي مما يكره لأن أصلها وقوى من الوقاية
وقد قيل إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل أبي بن كعب عن التقوى فقال له أما سلكت طريقا ذا شوك؟ قال بلى قال فما عملت قال شمرت واجتهدت قال فذلك التقوى.
وقد أخذ هذا المعنى ابن المعتز فقال:
خل الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقــى
واصنع كماش فوق أر الشوك يحذر ما يرى
لا تحقرن صغيـــرة إن الجبال من الحصـى
وأنشد أبو الدرداء يوما:
يريد المرء أن يؤتى منـاه ويأبى الله إلا مـــا أرادا
يقول المرء فائدتي ومالي وتقوى الله أفضل ما استفادا
وفي سنن ابن ماجه عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما استفاد المرء بعد تقوى الله خيرا من زوجة صالحة إن نظر إليها سرته وإن أمرها أطاعته وإن أقسم عليها أبرته وإن غاب عنها حفظته في نفسها وماله".
من تفسير بن كثير
(ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ)2 سورة البقرة
التقوى :أي اعملوا بينكم وبين النار وقاية . احترسوا من أن تقعوا فيها .. ومن عجيب أمر هذه التقوى أنك تجد الحق سبحانه وتعالى يقول في القرآن الكريم ـ والقرآن كله كلام الله ـ "اتقوا الله" ويقول: "اتقوا النار".
كيف نأخذ سلوكا واحدا تجاه
الحق سبحانه وتعالى وتجاه النار التي سيعذب فيها الكافرون؟!
الله تعالى يقول: "اتقوا النار". أي لا تفعلوا ما يغضب الله حتى لا تعذبوا في
النار .. فكأنك قد جعلت بينك وبين النار وقاية بأن تركت المعاصي وفعلت الخير.
وقول تعالى: "اتقوا الله" كيف نتقيه بينما نحن نطلب من الله كل النعم وكل الخير
دائما. كيف يمكن أن يتم هذا؟ وكيف نتقي من نحب؟
نقول أن لله سبحانه وتعالى صفات جلال وصفات جمال .. صفات الجلال تجدها في القهار
والجبار والمذل .. والمنتقم. والضار. كل هذا من متعلقات صفات الجلال .. بل إن
النار من متعلقات صفات الجلال.
أما صفات الجمال فهي الغفار والرحيم وكل الصفات التي تتنزل بها رحمات الله
وعطاءاته على خلقه. فإذا كنت تقي نفسك من النار ـ وهي من متعلقات صفات الجلال ـ
لابد أن تقي نفسك من صفات الجلال كلها. لأنه قد يكون من متعلقاتها ما أشد عذابا
وإيلاما من النار .. فكأن الحق سبحانه وتعالى حين يقول: "اتقوا النار". و:"اتقوا
الله" يعني أن نتقي غضب الله الذي يؤدي بنا إلي أن نتقي كل صفات جلاله .. ونجعل
بيننا وبينها وقاية.
فمن اتقى صفات جلال الله أخذ
صفات جماله ..
<ولذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
إذا كانت آخر ليلة من رمضان تجلى
الجبار بالمغفرة>
وكان المنطق يقتضي أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (تجلى الرحمن
بالمغفرة) ولكن مادامت هناك ذنوب، فالمقام لصفة
الجبار الذي يعذب خلقه بذنوبهم. فكأن صفة
الغفار تشفع عند صفة الجبار .. وصفة
الجبار مقامها للعاصين، فتأتي صفة الغفار
لتشفع عندها، فيغفر الله للعاصين ذنوبهم، وجمال المقابلة هنا حينما يتجلى الجبار
بجبروته بالمغفرة فساعة تأتي كلمة جبار .. يشعر الإنسان بالفزع والخوف والرعب.
لكن عندما تسمع (تجلى الجبار بالمغفرة) فإن السعادة تدخل إلي قلبك. لأنك تعرف أن
صاحب العقوبة وهو قادر عليها قد غفر لك.
من تفسير الشيخ / محمد متولى الشعراوى رحمه الله
|
قوله جل جلاله "يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء" أي ظاهرون بادون كلهم لا شيء يكنهم ولا يظلهم ولا يسترهم ولهذا قال "يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء" أي الجميع في علمه على السواء. وقوله تبارك وتعالى "لمن الملك اليوم لله الواحد القهار" قد تقدم في حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه تعالى يطوي السموات والأرض بيده ثم يقول أنا الملك أنا الجبار أنا المتكبر أين ملوك الأرض؟ أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ وفي حديث الصور أنه عز وجل إذا قبض أرواح جميع خلقه فلم يبق سواه وحده لا شريك له حينئذ يقول لمن الملك اليوم؟ ثلاث مرات ثم يجيب نفسه قائلا "لله الواحد القهار" أي الذي هو وحده قد قهر كل شيء وغلبه وقد قال ابن أبي حاتم حدثنا محمد بن غالب الدقاق حدثنا عبيد بن عبيدة حدثنا معتمر عن أبيه حدثنا أبو النضر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ينادي مناد بين يدي الساعة يا أيها الناس أتتكم الساعة فيسمعها الأحياء والأموات قال وينزل الله عز وجل إلى السماء الدنيا ويقول "لمن الملك اليوم لله الواحد القهار". من تفسير بن كثير |
|
من ظلال
سورة الفرقان وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا . قدر حجمه وشكله . وقدر وظيفته وعمله . وقدر زمانه ومكانه. وقدر تناسقه مع غيره من أفراد هذا الوجود الكبير . وإن تركيب هذا الكون وتركيب كل شيء فيه , لمما يدعو إلى الدهشة حقا , وينفي فكرة المصادفة نفيا باتا . ويظهر التقدير الدقيق الذي يعجز البشر عن تتبع مظاهره , في جانب واحد من جوانب هذا الكون الكبير . وكلما تقدم العلم البشري فكشف عن بعض جوانب التناسق العجيب في قوانين الكون ونسبه ومفرداته اتسع تصور البشر لمعنى ذلك النص القرآني الهائل: (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ). . يقول [ أ . كريسي موريسون ] رئيس أكاديمية العلوم بنيويورك في كتابه بعنوان:"الإنسان لا يقوم وحده" . "ومما يدعو إلى الدهشة أن يكون تنظيم الطبيعة على هذا الشكل , بالغا هذه الدقة الفائقة . لأنه لو كانت قشرة الأرض أسمك مما هي بمقدار بضعة أقدام , لامتص ثاني أكسيد الكربون الأوكسجين , ولما أمكن وجود حياة النبات . " ولو كان الهواء أرفع كثيرا مما هو فإن بعض الشهب التي تحترق الآن بالملايين في الهواء الخارجي كانت تضرب جميع أجزاء الكرة الأرضية , وهي تسير بسرعة تترواح بين ستة أميال وأربعين ميلا في الثانية . وكان في إمكانها أن تشعل كل شيء قابل للاحتراق . ولو كانت تسير ببطء رصاصة البندقية لارتطمت كلها بالأرض , ولكانت العاقبة مروعة . أما الإنسان فإن اصطدامه بشهاب ضئيل يسير بسرعة تفوق سرعة الرصاصة تسعين مرة كان يمزقه إربا من مجرد حرارة مروره ! " إن الهواء سميك بالقدر اللازم بالضبط لمرور الأشعة ذات التأثير الكيميائي التي يحتاج إليها الزرع , والتي تقتل الجراثيم وتنتج الفيتامينات , دون أن تضر بالإنسان , إلا إذا عرض نفسه لها مدة أطول من اللازم , وعلى الرغم من الانبعاثات الغازية من الأرض طول الدهور - ومعظهما سام - فإن الهواء باق دون تلويث في الواقع , ودون تغير في نسبته المتوازنة اللازمة لوجود الإنسان . وعجلة الموازنة العظيمة هي تلك الكتلة الفسيحة من الماء - أي المحيط - الذي استمدت منه الحياة والغذاء والمطر والمناخ المعتدل , والنباتات . وأخيرا الإنسان نفسه . . . " . ويقول في فصل آخر: " لو كان الأوكسجين بنسبة 50 في المائة مثلا أو أكثر في الهواء بدلا من 21 في المائة فإن جميع المواد القابلة للاحتراق في العالم تصبح عرضة للاشتعال , لدرجة أن أول شرارة من البرق تصيب شجرة لا بد أن تلهب الغابة حتى لتكاد تنفجر . ولو أن نسبة الأوكسجين في الهواء قد هبطت إلى 10 في المائة أو أقل , فإن الحياة ربما طابقت نفسها عليها في خلال الدهور . ولكن في هذه الحالة كان القليل من عناصر المدنية التي ألفها الإنسان - كالنار مثلا - تتوافر له" . ويقول في فصل ثالث . " ما أعجب نظام الضوابط والموازنات الذي منع أي حيوان - مهما يكن من وحشيته أو ضخامته أو مكره - من السيطرة على العالم , منذ عصر الحيوانات القشرية المتجمدة ! غير أن الإنسان وحده قد قلب هذا التوازن الذي للطبيعة بنقله النباتات والحيوانات من مكان إلى آخر . وسرعان ما لقي جزاءه القاسي على ذلك , ماثلا في تطور آفات الحيوان والحشرات والنبات . " والواقعة الآتية فيها مثل بارز على أهمية تلك الضوابط فيما يتعلق بوجود الإنسان . فمنذ سنوات عديدة زرع نوع من الصبار في استراليا . كسياج وقائي . ولكن هذا الزرع مضى في سبيله حتى غطى مساحة تقرب من مساحة انجلترا , وزاحم أهل المدن والقرى , وأتلف مزارعهم , وحال دون الزراعة . ولم يجد الأهالي وسيلة تصده عن الانتشار ; وصارت أستراليا في خطر من اكتساحها بجيش من الزرع صامت , يتقدم في سبيله دون عائق ! " وطاف علماء الحشرات بنواحي العالم حتى وجدوا أخيرا حشرة لا تعيش إلا على ذلك الصبار , ولا تتغذى بغيره , وهي سريعة الانتشار , وليس لها عدو يعوقها في استراليا . وما لبثت هذه الحشرة حتى تغلبت على الصبار . ثم تراجعت , ولم يبق منها سوى بقية قليلة للوقاية , تكفي لصد الصبار عن الانتشار إلى الأبد . "وهكذا توافرت الضوابط والموازين , وكانت دائما مجدية . " ولماذا لم تسيطر بعوضة الملاريا على العالم إلى درجة كان أجدادنا يموتون معها , أو يكسبون مناعة منها ? ومثل ذلك أيضا يمكن أن يقال عن بعوضة الحمى الصفراء التي تقدمت شمالا في أحد الفصول حتى وصلت إلى نيويورك . كذلك البعوض كثير في المنطقة المتجمدة . ولماذا لم تتطور ذبابة تسي تسي حتى تستطيع أن تعيش أيضا في غير مناطقها الحارة , وتمحو الجنس البشري من الوجود ? يكفي أن يذكر الإنسان الطاعون والأوبئة والجراثيم الفاتكة التي لم يكن له وقاء منها حتى الأمس القريب , وأن يذكر كذلك ما كان له من جهل تام بقواعد الوقاية الصحية , ليعلم أن بقاء الجنس البشري رغم ذلك يدعو حقا إلى الدهشة ! . . . " إن الحشرات ليست لها رئتان كما للإنسان ; ولكنها تتنفس عن طريق أنابيب . وحين تنمو الحشرات وتكبر , لا تقدر تلك الأنابيب أن تجاريها في نسبة تزايد حجمها . ومن ثم لم توجد قط حشرة أطول من بضع بوصات , ولم يطل جناح حشرة إلا قليلا . وبفضل جهاز تكوين الحشرات وطريقة تنفسها لم يكن في الإمكان وجود حشرة ضخمة . وهذا الحد من نمو الحشرات قد كبح جماحها كلها , ومنعها من السيطرة على العالم . ولولا وجود هذا الضابط الطبيعي لما أمكن وجود الإنسان على ظهر الأرض . وتصور إنسانا فطريا يلاقي دبورا يضاهي الأسد في ضخامته , أ |