يقول تعالى فى سورة النور :
(( الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح فى زجاجة الزجاجة كأنها كوكب درى يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضىء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدى الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شىء عليم(35) فى بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال (36) رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار(37) ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب(38) والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب(39) أو كظلمات فى بحر لجى يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور))([1])
إشراقة النور، ونضرة النعيم وهناك ظلمات مدلهمة تحيط بالكفار، تنعدم فيها الرؤية تماما، وتحيط بهم الأعاصير، والموج الرهيب يقلب أجسادهم وأفئدتهم وهم فى الظلام لا يرون من أين تأتيهم الأخطار، ولكنها تتناوشهم من كل جانب
لا يوجد أنًور من هذا النور، ولا أظًلم من هذا الظلام! ولا يوجد أروع من هذا التقابل الذى ترسمه اللوحتان المتقابلتان، اللتان ترسمان بالألفاظ ما تعجز عن تصويره كل أدوات التصوير وفى سياق واحد تتقابل الصورتان جنبا إلى جنب، فتنجذب القلوب إلى النور، ثم تفزع من الظلام فتستدير إلى النور، تستروح فيه الطمأنينة والأنس والإشراق
ويختم السياق بهذه الحقيقة الهائلة: (ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور) فكل مصدر يلتمس فيه النور غير المصدر الربانى لا ينير، وكل شىء غير نور الله ضلال، بل عبث وانقطاع، ووهم وخداع، ينتهى بصاحبه إلى الضياع فى لجة الظلام ألا إنه إعجاز
--------------------------------------------------------------------------------
[1] سورة النور : 35 – 40
من الكتاب الرائع لا يأتون بمثله للشيخ / محمد
(فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا) الكهف 6 ومعنى: {باخع نفسك .. "6"} (سورة الكهف)
أي: تجهد نفسك في دعوة قومك إجهاداً يهلكها، وفي الآية إشفاق على رسول الله؛ لأنه حمل نفسه في سبيل هداية قومه ما لا يحمله الله ويلزم ما لا يلزمه، فقد كان صلى الله عليه وسلم يدعو قومه فيعرضوا ويتولوا عنه فيشيع آثارهم بالأسف والحزن، كما يسافر عنك حبيب أو عزيز، فتسير على أثره تملؤك مرارة الأسى والفراق، فكأن رسول الله لحبه لقومه وحرصه على هدايتهم يكاد يهلك نفسه (أسفاً). والأسف: الحزن العميق، ومنه قول يعقوب عليه السلام: {يا أسفي على يوسف .. "84"} (سورة يوسف)
وقوله تعالى عن موسى لما رجع إلى قومه غاضباً من عبادتهم العجل: {فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفاً .. "86"} (سورة طه)
وقد حدد الله تعالى مهمة الرسول وهي البلاغ، وجعله بشيراً ونذيراً، ولم يكلفه من أمر الدعوة ما لا يطيق، ففي الآية مظهر من مظاهر رحمة الله برسوله صلى الله عليه وسلم
من تفسير شيخنا الجليل / محمد متولى الشعراوى رحمه الله
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاء أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىَ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ البقرة 235
و"عرضتم" مأخوذة من التعريض. والتعريض: هو أن تدل على شيء لا بما يؤديه نصا، ولكن تعرض به تلميحا. إن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يجعل للعواطف تنفيسا من هذه الناحية، والتنفيس ليس مجرد تعبير عن العاطفة، ولكنه رعاية للمصلحة، فمن الجائز أنه لو حزم التعريض لكان في ذلك ضياع فرصة الزواج للمرأة، أو قد يفوت ـ هذا المنع ـ الفرصة على من يطلبها من الرجال؛ لذلك يضع الحق القواعد التي تفرض على الرجل والمرأة معا أدب الاحتياط، وكأنه يقول لنا: أنا أمنعكم أن تخطبوا في العدة أو تقولوا كلاما صريحا وواضحا فيها، لكن لا مانع من التلميح من بعيد. مثلا يثنى الرجل على المرأة؛ ويعدد محاسنها بكلام لا يعد خروجا على آداب الإسلام مثل هذا الكلام هو تلميح وتعريض، وفائدته أنه يعبر عما في نفسه قائله تجاه المطلقة فتعرف رأيه فيها، ولو لم يقل ذلك فربما سبقه أحد إليها وقطع عليه السبيل لإنفاذ ما في نفسه، ومنعه من أن يتقدم لخطبتها بعد انتهاء العدة، وقد يدفعه ذلك لأن يفكر تفكيرا آخر: للتعبير بأسلوب وشكل خاطئ. إذن فالتعريض له فائدة في أنه يعرف المطلقة رأي فلان فيها حتى إن جاءها غيره لا توافق عليه مباشرة. وهكذا نرى قبساً من رحمة الله سبحانه وتعالى بنا، بأن جعل العدة كمنطقة حرام تحمي المرأة، وجعل التعريض فرصة للتعبير عن العاطفة التي تؤسس مصلحة من بعد ذلك. إن الحق يقول: "ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء" والخطبة مأخوذة من مادة "الخاء" و"الطاء" و"الباء" وتدل على أمور تشترك في عدة معالم: منها خطبة بضم الخاء، ومنها خطب وهو الأمر العظيم، ومنها المعنى الذي نحن بصدده وهو الخطبة بكسر الخاء. وكل هذه المعالم تدل على أن هناك الأمر العظيم الذي يعالج، فالخطب أمر عظيم يهز الكيان، وكذلك الخطبة لا يلقيها الخطيب إلا في أمر ذي بال، فيعظ المجتمع بأمر ضروري. والخطبة كذلك أمر عظيم؛ لأنه أمر فاصل بين حياتين: حياة الانطلاق، وحياة التقيد بأسرة وبنظام. وكلها معان مشتركة في أمر ذي بال، وأمر خطير. وهو سبحانه وتعالى يقول: "ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم" أي لا جناح عليكم أن وضعتم في أنفسكم أمرا يخفى على المرأة، وللمسلم أن يكنن ويخفي في نفسه ما يشاء، ولكن ما الذي يدري ويعلم المطلقة أنها في بالك يا من أسررت أمرها في نفسك؟ إنك لابد أن تلمح وأن تعرض بأسلوب يليق باحترام المرأة. ويقول الحق: "علم الله أنكم ستذكرونهن"، إن الذي خلقك يعلم أنها مادامت في بالك، ومات زوجها عنها أو طلقها فقد أصبحت أملا بالنسبة لك، فلو أنه ضيق عليك لعوق عواطفك، ولضاعت منك الفرصة لأن تتخذها زوجة من بعد ذلك، ولهذا أباح الحق التعريض حتى لا يقع أحدكم في المحظور وهو "لا تواعدوهن سرا" بأن تأخذوا عليهن العهد ألا يتزوجن غيركم، أو يقول لها: تزوجيني. بل عليه أن يعرض ولا يفصح ولا يصرح. إن المواعدة في السر أمر منهي عنه، لكن المسموح به هو التعريض بأدب، "إلا أن تقولوا قولا معروفا" كأن يقول: "يا سعادة من ستكون له زوجة مثلك". ومثل ذلك من الثناء الذي يطرب المرأة. ونعلم جميعا أن المرأة في مثل حال المطلقة أو المتوفى عنها زوجها تملك شفافية وألمعية تلتقط بها معنى الكلام ومراده. ويتابع الحق: "ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله" وهكذا نرى أن مجرد العزم الأكيد أمر نهى عنه. والعزم مقدم على الفعل فإذا نهى عنه كان النهي عن الفعل أقوى وأشد وأنهى، فلك أن تنوى الزواج منها وتتوكل على الله، لكن لا تجعله أمرا مفروغا منه، إلا بعد أن تتم عدتها، فإن بلغ الكتاب أجله وانتهت عدتها فاعزموا النكاح. فكأن عقدة النكاح تمر بثلاث مراحل: المرحلة الأولى: وهي التعريض أو التلميح. والمرحلة الثانية: هي العزم الذي لا يصح ولا يستقيم أن يتم إلا بعد انتهاء فترة العدة. والمرحلة الثالثة: هي العقد. والمقصود بهذه المراحل أن يأخذ كل طرف فرصته للتفكير العميق في هذا الأمر الجاد، فإن كان التفكير قد هدى إلى العزم فإن للإنسان أن يعقد بعد انتهاء العدة، وإن كان التفكير قد اهتدى إلى الابتعاد وصرف النظر عن مثل هذا الأمر فللإنسان ما يريد. ويريد الحق من هذه المراحل أن يعطي الفرصة في التراجع إن اكتشف أحد الطرفين في الآخر أمرا لا يعجبه. وكل هذه الخطوات تدل على أن العقد لا يكون إلا بعزم، فلا يوجد عقد دون عزم، إن الحق يريد من المسلم ألا يقدم على عقدة النكاح إلا بعد عزم. والعزم معناه التصميم على أنك تريد الزواج بحق الزواج وبكل مسئولياته، وبكل مهر الزواج، ومشروعيته، وإعفافه؛ فالزواج بدون أرضية العزم مصيره الفشل. ومعنى العزم: أن تفكر في المسألة بعمق وروية في نفسك حتى تستقر على رأي أكيد، ثم لك أن تقبل على الزواج على أنه أمر له ديمومة وبقاء لا مجرد شهوة طارئة ليس لها أرضية من عزيمة النفس عليها. ولذلك فإن الزواج القائم على غير روية، والمعلق على أسباب مؤقتة كقضاء الشهوة لا يستمر ولا ينجح. ومثل ذلك زواج المتعة؛ فالعلة في تحريم زواج المتعة أن المقدم عليه لا يريد به الاستمرار في الحياة الزوجية، ومادام لا يقصد منه الديمومة فمعناه أنه هدف للمتعة الطارئة. والذين يبيحون زواج المتعة مصابون في تفكيرهم؛ لأنهم يتناسون عنصر الإقبال بديمومة على الزواج، فما الداعي لأن تقيد زواجك بمدة؟ إن النكاح الأصيل لا يقيد بمثل هذه المدة. وتأمل حمق هؤلاء لتعلم أن المسألة ليست مسألة زواج، إنما المسألة هي تبرير زنى، وإلا لماذا يشترط في زواج المتعة أن يتزوجها لمدة شهر أو أكثر؟ إن الإنسان حين يشترط تقييد الزواج بمدة فذلك دليل على غباء تفكيره وسوء نيته؛ لأن الزواج الأصيل هو الذي يدخل فيه بديمومة، وقد ينهيه بعد ساعة إن وجد أن الأمر يستحق ذلك، ولن يعترض أحد على مثل هذا السلوك، فلماذا تقيد نفسك بمدة؟ إن المتزوج للمتعة يستخدم الذكاء في غير محله، قد يكون ذكيا في ناحية ولكنه قليل الفطنة في ناحية أخرى. إن على الإنسان أن يدخل بعزيمة بعد تفكير وروية ثم ينفذ العزم على عقد. حذار أن تضع في نفسك مثل هذا الزواج المربوط على مطامع وأهداف في نفسك كعدم الديمومة أو لهدف المتعة فقط، فكل ما يفكر فيه بعض الناس من أطماع شهوانية ودنيوية هي أطماع زائلة. اصرف كل هذه الأفكار عنك؛ لأنك إن أردت شيئاً غير الديمومة في الزواج، وإرادة الإعفاف؛ فالله سبحانه يعلمه وسيرد تفكيرك نقمة عليك فاحذره. إن الله سبحانه لا يحذر الإنسان من شيء إلا إذا كان مما يغضبه سبحانه. لذلك يذيل الحق هذه الآية الكريمة بقوله: "واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه واعلموا أن الله غفور حليم". وهو سبحانه يعلم ضعف النفس البشرية وأنها قد تضعف في بعض الأحيان، فإن كان قد حدث منها شيء فالله يعطيها الفرصة في أن يتوب صاحبها لأنه سبحانه هو الغفور الحليم.
رحم الله شيخنا الجليل / محمد متولى الشعراوى
يقول تعالى فى سورة يوسف :
((اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ )) يوسف 93
((يأت)).. من أين يأتى؟!
إن المقصود أنه يعود مبصرا فى التو واللحظة. ولكن الفعل ((يأتى)) يظل له إيحاؤه .. فما دلالته؟ إن يعقوب عليه السلام لم يكن غائبا فيأتى! فهو جالس مكانه لا يريم! ولكنه كان كالغائب.. فحين فقد بصره لم يكن ((حاضراً)) فيما حوله، يراه، ويتفاعل معه كما يتفاعل المبصرون!
إنما كان ((غائبا)) ببصره عنه.. وحين يرتد بصيرا فإنه ((يأتى)).. يأتى من غيبته التى كان فيها، ويصبح ((حاضراً)) فيما يحيط به من أشخاص وأشياء.. وكلمة واحدة تعطى هذا المعنى العميق كله، وتجعل المشهد يتحرك بحركة ((المجئ)) بعد ((الغياب))!
--------------------------------------------------------------------------------
من كتاب لا يأتون بمثله للشيخ محمد قطب
والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب (الرعد"21")
وأول ما أمر به الله أن يوصل هو صلة الرحم؛ أي: أن تصل ما يربطك بهم نسب.
والمؤمن الحق إذا سلسل الأنساب؛ فسيدخل كل المؤمنين في صلة الرحم؛ لأن كل المؤمنين رحم متداخل؛ فإذا كان لك عشرة من المؤمنين تصلهم بحكم الرحم؛ وكل مؤمن يصل عشرة مثلك، انظر إلى تداخل الدوائر وانتظامها؛ ستجد أن كل المؤمنين يدخلون فيها. ولذلك نجد الحق سبحانه يقول في الحديث القدسي:
"أنا الرحمن؛ خلقت الرحم، واشتققت لها اسماً من اسمي؛ فمن وصلها وصلته؛ ومن قطعها قطعته".
وقد رويت من قبل قصة عن معاوية رضي الله عنه؛ فقد جاء حاجبه ليعلن له أن رجلاً بالباب يقول: إنه أخوك يا أمير المؤمنين. ولابد أن حاجب معاوية كان يعلم أن معاوية بن أبي سفيان لا إخوة له، لكنه لم يشأ أن يتدخل فيما يقوله الرجل؛ وقال معاوية لحاجبه: ألا تعرف إخوتي؟ فقال الحاجب: هكذا يقول الرجل. فأذن معاوية للرجل بالدخول؛ وسأله: أي إخوتي أنت؟ أجاب الرجل: أخوك في آدم. قال معاوية: رحم مقطوعة؛ والله لأكون أول من يصلها.
والتقى الفضيل بن عياض بجماعة لهم عنده حاجة؛ وقال لهم: من أين أنتم؟ قالوا: من خراسان. قال: اتقوا الله، وكونوا من حيث شئتم.
وقد أمرنا سبحانه أن نصل الأهل أولاً؛ ثم الأقارب؛ ثم الدوائر الأبعد فالأبعد؛ ثم الجار، وكل ذلك لأنه سبحانه يريد الالتحام بين الخلق؛ ليستطرق النافع لغير النافع، والقادر لغير القادر، فهناك جارك وقريبك الفقير إن وصلته وصلك الله. ولذلك يأمر الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم ومن خلاله يأمر كل مؤمن برسالته: {قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى .. "23"} (سورة الشورى)
وقال بعض من سمعوا هذه الآية: قرباك أنت في قرباك. وقال البعض الآخر: لا، القربى تكون في الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن القرآن قال في محمد صلى الله عليه وسلم: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم "6"} (سورة الأحزاب)
وهكذا تكون قرابة الرسول أولى لكل مؤمن من قرابته الخاصة. يستمر قول الحق سبحانه في وصف أولي الألباب:
{ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب "21"} (سورة الرعد)
والخشية تكون من الذي يمكن أن يصيب بمكروه؛ ولذلك جعل الحق هنا الخشية منه سبحانه؛ أي: أنهم يخافون الله مالكهم وخالقهم ومربيهم؛ خوف إجلال وتعظيم. وجعل سبحانه المخاف من سوء العذاب؛ وأنت تقول: خفت زيداً، وتقول: خفت المرض، ففيه شيء تخافه؛ وشيء يوقع عليك ما تخافه. وأولو الألباب يخافون سوء حساب الحق سبحانه لهم؛ فيدعهم هذا الخوف على أن يصلوا ما أمر به سبحانه أن يوصل، وأن يبتعدوا عن أي شيء يغضبه. ونحن نعلم أن سوء الحساب يكون بالمناقشة واستيفاء العبد لكل حقوقه؛ فسبحانه منزه عن ظلم أحد، ولكن من يناقش الحساب فهو من يلقي العذاب؛ ونعوذ بالله من ذلك، فلا أحد بقادر على أن يتحمل عذاب الحق له.
من تفسير الشيخ محمد متولى الشعراوى
بسم الله الرحمن الرحيم
بيوت الله تقبل عليها ليفيض منها نور الحق على الخلق قال تعالى : ((فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَال، رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُِ)) (النور:37،36)
كأن النور على النور يأتي من مطالع الهدى إلى المساجد، فهي بيوت الله تقبل عليها ليفيض منها نور الحق على الخلق. و الإنسان الصادق لا تلهيه تجارة عن ذكر الله، و ليكن الله على بال المؤمن دائما، فعندما يكون الإنسان على ذكر الله فالله يعطيه من مدده. فأنت حين تذهب إلى المسجد لتلقى الله، فذلك النور، و تصلى له فذلك النور، و تخرج من هذا النور بنور يهبط عليه في بيته. و كل هذا نور على نور، فمن أن أراد أن يتعرض لهذا لنفحات نور الله عزوجل فليكثر من الذهاب إلى بيت الله. و للمساجد مهابة النور لأنها مكان للصلاة، و نعلم أن الصلاة هي الخلوة التي بين العبد و ربه، و كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا حزبه أمر قام إلى الصلاة. و أنت إذا ما اتبعت حضرة النبي صلى الله عليه و سلم وتصلى ركعتين لله إن حزبك أمر، و عزت عليك مسألة و كانت فوق أسبابك، ثم ذهبت بها إلى الله، فلن يخرجك الله إلا راضياً: ((فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ)) (النور:36) و الغدو و الآصال، هي أزمنة النهار، و أزمنة الليل. و لماذا أزمنة أول النهار، و أزمنة أول الليل؟ لأن هذه الأزمنة هي التي يطلب فيها الذكر، فقبل أن تخرج للعمل في أول النهار أنت تحتاج لشحنة من العزيمة تقابل بها العمل من أجل مطالب الحياة. و في نهاية النهار، أنت تحتاج أن تركن إلى ربك ليزيح عنك متاعب هذا اليوم. لذلك إياك أن تشغلك الحياة عن واهب الحياة، و لك أن تذكر ربنا و أنت تعيش مع كل عمل تؤديه و تقوم به. و أن تقابل كل نتيجة للعمل بكلمة: الحمدلله. و عندما ترى شيء جميل من الوهاب- سبحانه وتعالى- يجب عليك أن تقول: ( ما شاء الله) و عندما ترى أي شيء يعجبك تقول: (سبحان الله) إن الحق سبحانه و تعالى يجزيك من فيض كرمه من ساعة تنوي زيارته في بيته، فأنت في صلاة و ذكر منذ أن تبدأ في الوضوء في بيتك استعداداً للصلاة في المسجد؛ لأنه سبحانه و تعالى يريد أن يطيل عليك نعمة أن تكون في حضرته. و بيت الله مفتوح دائماً، فهو سبحانه يلقاك في أي وقت، و تدعوه بما تشاء و تطيل في حضرته كما تريد.
من كتاب شرح الأحاديث القدسية للشيخ محمد متولى الشعراوى
وَإِن مّن شَيْءٍ إِلاّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزّلُهُ إِلاّ بِقَدَرٍ مّعْلُومٍ *سورة الحجر 21
يخبر تعالى أنه مالك كل شيء وأن كل شيء سهل عليه يسير لديه, وأن عنده خزائن الأشياء من جميع الصنوف {وما ننزله إلا بقدر معلوم} كما يشاء وكما يريد, ولما له في ذلك من الحكمة البالغة والرحمة بعباده لا على جهة الوجوب بل هو كتب على نفسه الرحمة قال يزيد بن أبي زياد عن أبي جحيفة عن عبد الله: ما من عام بأمطر من عام, ولكن الله يقسمه بينهم حيث شاء عاماً ههنا وعاماً ههنا, ثم قرأ {وإن من شيء إلا عندنا خزائنه} الاَية, رواه ابن جرير, وقال أيضاً: عن الحكم بن عتيبة في قوله: {وما ننزله إلا بقدر معلوم} قال: ما عام بأكثر مطراً من عام ولا أقل, ولكنه يمطر قوم ويحرم آخرون بما كان في البحر, قال: وبلغنا أنه ينزل مع المطر من الملائكة أكثر من عدد ولد إبليس, وولد آدم يحصون كل قطرة حيث تقع وما تنبت. و عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خزائن الله الكلام, فإذا أراد شيئاً قال له كن فكان»
من تفسير بن كثير
خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِهَا وَصَلّ عَلَيْهِمْ إِنّ صَلَوَاتَكَ سَكَنٌ لّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ 103* أَلَمْ يَعْلَمُوَاْ أَنّ اللّهَ هُوَ يَقْبَلُ التّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصّدَقَاتِ وَأَنّ اللّهَ هُوَ التّوّابُ الرّحِيمُ 104 سورة التوبة
أمر تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يأخذ من أموالهم صدقة يطهرهم ويزكيهم بها وهذا عام وإن أعاد بعضهم الضمير في أموالهم إلى الذين اعترفوا بذنوبهم وخلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً, ولهذا اعتقد بعض مانعي الزكاة من أحياء العرب أن دفع الزكاة إلى الإمام لا يكون, وإنما كان هذا خاصاً بالرسول صلى الله عليه وسلم, ولهذا احتجوا بقوله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة} الاَية,
وقد رد عليهم هذا التأويل والفهم الفاسد, أبو بكر الصديق وسائر الصحابة وقاتلوهم حتى أدوا الزكاة إلى الخليفة كما كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, حتى قال الصديق: والله لو منعوني عناقاً ـ وفي رواية عقالاً ـ كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأقاتلنهم على منعه,
وقوله {وصل عليهم} أي ادع لهم واستغفر لهم كما رواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتي بصدقة قوم صلى عليهم فأتاه أبي بصدقته فقال: «اللهم صل على آل أبي أوفى» وفي الحديث الاَخر أن امرأة قالت: يا رسول الله صل عليّ وعلى زوجي, فقال «صلى الله عليك وعلى زوجك»
وقوله: {إن صلاتك سكن لهم} قرأ بعضهم صلواتك على الجمع وآخرون قرأوا إن صلاتك على الإفراد {سكن لهم} قال ابن عباس: رحمة لهم, وقال قتادة وقار, وقوله: {والله سميع} أي لدعائك {عليم} أي بمن يستحق ذلك منك ومن هو أهل له, قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع, حدثنا أبو العميس عن أبي بكر بن عمرو بن عتبة عن ابن حذيفة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دعا لرجل أصابته وأصابت ولده وولد ولده,
قال مسعر: وقد ذكره مرة عن حذيفة إن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم لتدرك الرجل وولده وولد ولده.
وقوله {ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات} هذا تهييج إلى التوبة والصدقة اللتين كل منهما يحط الذنوب ويمحصها ويمحقها, وأخبر تعالى أن كل من تاب إليه تاب عليه, ومن تصدق بصدقة من كسب حلال, فإن الله تعالى يتقبلها بيمينه فيربيها لصاحبها حتى تصير التمرة مثل أحد, كما جاء بذلك الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال الثوري ووكيع كلاهما عن عباد بن منصور عن القاسم بن محمد, أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه قيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم مهره, حتى أن اللقمة لتكون مثل أحد»
وتصديق ذلك في كتاب الله عز وجل {ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات} وقوله: {يمحق الله الربا ويربي الصدقات} و قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه, إن الصدقة تقع في يد الله عز وجل قبل أن تقع في يد السائل, ثم قرأ هذه الاَية {ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات}
من تفسير بن كثير
وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (22) سورة الذاريات
وهي لفتة عجيبة . فمع أن أسباب الرزق الظاهرة قائمة في الأرض , حيث يكد فيها الإنسان ويجهد , وينتظر من ورائها الرزق والنصيب . فإن القرآن يرد بصر الإنسان ونفسه إلى السماء . إلى الغيب . إلى الله . ليتطلع هناك إلى الرزق المقسوم والحظ المرسوم
. أما الأرض وما فيها من أسباب الرزق الظاهرة , فهي آيات للموقنين . آيات ترد القلب إلى الله ليتطلع إلى الرزق من فضله ; ويتخلص من أثقال الأرض وأوهاق الحرص , والأسباب الظاهرة للرزق , فلا يدعها تحول بينه وبين التطلع إلى المصدر الأول الذي أنشأ هذه الأسباب .
والقلب المؤمن يدرك هذه اللفتة على حقيقتها ; ويفهمها على وضعها ; ويعرف أن المقصود بها ليس هو إهمال الأرض وأسبابها . فهو مكلف بالخلافة فيها وتعميرها . إنما المقصود هو ألا يعلق نفسه بها , وألا يغفل عن الله في عمارتها . ليعمل في الأرض وهو يتطلع إلى السماء . وليأخذ بالأسباب وهو يستيقن أنها ليست هي التي ترزقه , فرزقه مقدر في السماء , وما وعده الله لا بد أن يكون .
بذلك ينطلق قلبه من إسار الأسباب الظاهرة في الأرض ; بل يرف بأجنحة من هذه الأسباب إلى ملكوت السماوات . حين يرى في الأسباب آيات تدله على خالق الأسباب ويعيش موصولا قلبه بالسماء , وقدماه ثابتتان على الأرض . فهكذا يريد الله لهذا الإنسان . هكذا يريد الله لذلك المخلوق الذي جبله من الطين ونفخ فيه من روحه فإذا هو مفضل على كثير من العالمين .
والإيمان هو الوسيلة لتحقيق ذلك الوضع الذي يكون فيه الإنسان في أفضل حالاته . لأنه يكون حينئذ في الحالة التي أنشأه الله لها . فطرة الله التي فطر الناس عليها . قبل أن يتناولها الفساد والانحراف.
من تفسير الإمام / سيد قطب
قال الله تعالى: { وإذ قال إبراهيمُ ربِّ أَرِنِي كيف تُحْيي الموتى قال أَوَ لَم تُؤمِن قال بلى ولكن لِيَطمَئِنَّ قلبي قال فَخُذ أربَعَةً منَ الطَّيرِ فَصُرهُنَّ إليكَ ثمَّ اجعل على كلِّ جبلٍ منهُنَّ جُزءاً ثمَّ ادعُهُنَّ يَأتِينَكَ سَعياً واعلَم أنَّ الله عَزيزٌ حَكِيمٌ 260البقرة
ومضات:
ـ تكوَّن لدى إبراهيم الخليل عليه السَّلام شعورٌ مُلِحٌّ غزا قلبه وفكره في بداية معرفته لله وإيمانه به، فكان يتطلَّع بشغف إلى أن يرى بعينه صورةً من صور القدرة الإلهية.
ـ لم يكن سؤال إبراهيم عليه السَّلام ناشئاً عن شكٍّ أو ريب في قدرة الله على الإحياء، بل كان الدَّافع الَّذي حمله على ذلك، هو رغبته في مشاهدة صورة من صور الإعجاز الإلهي ليصل إلى كمال اليقين. فأجابه الله لطلبه، وأراه عياناً ما سأل، فسكن فؤاده بعد هذه الرؤية وازداد بالله يقيناً واطمئناناً.
في رحاب الآيات:
تتحدَّث هذه الآيات عن إبراهيم، الإنسان المفكِّر، ذي العقل الناضج، الَّذي تأمَّل ظواهر الكون، بُغْيَةَ الوصول إلى معرفة خالقه، وأدرك بقوَّة بصيرته، استحالة نسبة الألوهيَّة لكوكب ما أو شمس أو قمر، فما هذه المخلوقات إلا دلائل على وجود الخالق وعظمته.
ولمَّا أُكْرِمَ هذا الإنسان بالنبوَّة، بقي عقله في حالة توقُّد فكري، فكان يسعى لشهود واقعة إعجازيَّة تروي ظمأه، وتجيب عن تساؤلات كثيرة كانت تدور في خَلَدِه، فكان بينه وبين الله عزَّ وجل ذلك الحوار العذب، الَّذي بدأه إبراهيم عليه السَّلام أوَّلاً بالتقرُّب والتحبُّب إلى مولاه بقوله: {ربِّ} فاختار هذه الكلمة وناجى بها ربَّه، لأنها تعبِّر عن صدق الشعور بالولاء