(إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (96) مريم)
ماذا تقول لعبد جعل الله تعالى له ودا؟ إذا وده الله تعالى ودّه جبريل u وإذا وده جبريل ودّته الملائكة ثم وده الصالحون من الناس. وفي الحديث القدسي: إذا أحبّ الله عبداً نادى جبريل إني أحبّ فلاناً فأحِبّه ثم ينادي جبريل في الملائكة إن الله يحب فلاناً فأحبوه فتحبه الملائكة ثم يوضع له القبول في الأرض.
مودة الله تعالى أولاً ثم مودة جبريل ثانياً ثم مودة الملائكة ثالثاً ثم مودة الناس. كل من آمن بالله وعمل الصالحات وصار بطلاً في هذا وهناك فرق بين أن يكون عمل الصالحات وأن يكون دخل في الصالحين (وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (9) العنكبوت) هؤلاء متخصصون في الصلاح وانتقلوا من عمل الصالحات الى أن صار الصلاح ديدنهم فهؤلاء يحبهم الله تعالى. وهناك فرق بين الحب والودّ فالحب يكون لعمل ما مثلاً تحب شخصاً لشجاعته أو كرمه أو دينه هذا الحب يترقّى ويتعمق في قلبك حتى يصبح حباً لذات هذا الانسان وليس لأجل عمله يصبح وداً مثلاً رجل صنع لك معروفاً فأحببته بهذا المعروف ثم زاد الحب في قلبك يوماً يعد يوم فأصبحت تحبه لذاته ونسيت معروفه ومهما فعل فإنك تحبه حتى لو أساء إليك فانقلب الحب ودّاً. قال تعالى في أهل بدر بعد أن امتدحهم لصبرهم وبلائهم : اعملوا ما شئتك فقد غفرت لكم. انقلب حب الله تعالى ودّاً. وهذا ينطبق على كل الذين جاء في القرآن ذكر أن الله تعالى رضي عنهم ورضوا عنه وهم الأنصار والمهاجرون والرضوانيون الذين اتّبعوه باحسان.
هذا هو الحب وكل من عمل الصالحات حتى صار صالحاً هذا الانسان يحبه الله تعالى لصلاحه ثم ينقلب هذا الحب إلى أن يودّه الله تعالى لذاته. وفي الحديث: إن من عباد الله عز وجل من رزقهم ويعافيهم ولا يبتليهم وإذا ماتوا أدخلهم الجنة. هؤلاء أحبهم الله تعالى لذواتهم لأمر ما وهو أعلم بهم ولا يُسأل عمّا يفعل . فكما يحب هذا العبد لصلاحه إذا أحبّه لذاته صار ودّاً (سيجعل لهم الرحمن ودا) والجعل هو تغيير الصيرورة شيئ لم يكن ثم صار إذن هكذا هي مودة الله عز وجل (اعمل ما شئت فقد غفرت لك) وفي الحديث القدسي: إن عبدي أذنب ذنباً فقال يا رب اغفر لي فيقول الله عز وجل علم عبدي أن له رباً يغفر الذنوب قد غفرت لعبدي. وفي حديث آخر: من استغفرني وهو يعلم أني قادر على أن أغفر له غفرت له كل ذنوبه. فليفعل عبدي ما شاء إذا كلما أذنب ذكرني واستغفر.
أما حب جبريل u والملائكة: حملة العرش مولعون بالصالحين (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (7) غافر) هذه الآية تدل على حب الملائكة لعباد الله . أصحاب المساجد وأأصحاب الأعمال الصالحة تعشقهم الملائكة ويتفقدونهم إذا غابوا ويستبشرون إذا عادوا. " إن للمساجد أوتاداً الملائكة خُلّتهم" هؤلاء يصبحون حديث الملائكة إذا مانوا من زوار المسجد الذين تعودوا على المساجد (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ (11) الرعد) (إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (4) الطارق).
حينئذ إن كنت صالحاً تستغفر لك الملائكة ليل نهار حتى وأنت نائم تدخل بين ثوبك وجسدك. فإا اكتمل حب الله تعالى وحب جبريل u والملائكة وهذا من السهولة فما عليك إلا أن تكون من أصحاب الأعمال الصالحة مهما أذنبت ومن العمال الصالحة أن تستغفر كلما أذنبت وتنوي التوبة حتى وإن عدت تجدد التوبة والاستغفار. إذا أحبك الله تعالى وجبريل u والملائكة يجعل الله تعالى لك القبول في الأرض بين الناس فيحبونك ويقتدون بك ويسرون برؤيتك ويتشرفون بزيارتك ويصبح ذكرك على ألسنتهم ثم كما قال r: يوضع له القبول في الأرض" ويقول تعالى في الحديث القدسي: ما أقبل علي عبد بقلبه إلا أقبلت عليه بقلوب المؤمنين. فإذا أقبلت على الله تعالى بقلبك وفرّغته من هموم الدنيا ومشاغلها يُقبل عليك الله تعالى ومعه جميع قلوب المؤمنين. وفي الحديث: تفرّغوا من هموم الدنيا ما استطعتم وما أقبل عبد بقلبه الى الله عز وجل إلا جعل الله قلوب المؤمنين تفِد اليه بالود والرحمة وكان الله بكل خير أسرع إليه.
وهذه خاتمة العبادات العظيمة ولو قرأنا النصوص تعلمنا كيف تكون محباً ومحبوباً بين الناس ويقول تعالى في الحديث القدسي: وجبت محبتي للمتحابين فيّ. ويقول تعالى : يوم القيامة أين المتحابين في جلالي اليوم أظلهم بظلي يوم لا ظل إلا ظلي. أن تحب عبداً لله لا لمصلحة دنيوية وإنما فقط لاعجابك بصلاحه وكرمه وأخلاقه ليس لك عنده مصلحة ولا حاجة فهذه عبادة لا تسبقها عبادة يوم القيامة.
جاء أعرابي الى رسول الله r فسأله: متى الساعة؟ فقال r ماذا أعددت لها؟ فقال ما أعددت لها لا كثير صلاة ولا كثير صيام إلا إني أحبك فقال r المرء مع من أحبّ. فما فرح الصحابة بحيث كما فرحوا بهذا الحديث. وفي الحديث: أقرب الناس مجلساً من الله يوم القيامة المتحابون في الله.
******************************
الغربة موجعة والغربة موحشة ولو كنت ملكاً وأنت غريب فإن أُنسك بهذا الملك لا يكتمل إلا إذا كان معك أهلك فإذا بقيت فرداً فإن اغتباطك يكون ناقصاً مهما كان معك من اسباب السرور وهكذا هو الأمر يوم القيامة إن من عباد الله تعالى من يتم عليه نعمته ويجمع له أهله مهما كانوا أقل منه في الدرجة إكراماً له. فالسفير مثلاً الذي يمثل بلده في دولة أخرى يكون له من الامتيازات ما يعطى أهله مثلها فقط لأنهم أهله ومعه لا لأنهم في مستواه الوظيفي فمن أجله يكرمون زوجته وأولاده وعائلته التي ترافقه. هكذا يوم القيامة (وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24) الرعد) هذه حالة خاصة وبشارة عظيمة يستطيع كل مسلم ذو همّة أن يكون من هذا النوع. أن تكون أنت صالحاً والله تعالى يدخل أهلك المقصرين في مرتبتك من الصلاح إذا كانوا موحدين فيمكن أن تكون أنت تستحق الفردوس الأعلى وأهلك في درجات أخرى في الجنة وقلنا أن الجنان مئة كوكب وبين كل كوكبين ما بين السماء والأرض لكن الله تعالى لصلاحك يجمع معك أهلك في نفس مرتبتك اكراماً لك. هذه طبقة أو شريحة من المؤمنين يجمع الله تعالى لهم كل أهلهم ما داموا صالحين لدخول الجنة أي أن يكونوا موحدين ويضعهم في نفس الدرجة التي أنت فيها (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ). شخص واحد في العائلة صالحاً قد يكون أباً أو أماً أو ابناً أو بنتاً أو زوجاً أو زوجة إذا كان صالحاً يجمع الله تعالى أهله معه في مكانه في الجنة.
ما هي الشروط التي تجعلك من هؤلاء الصالحين؟
أن تكون موحداً يصل الرحم ويوصل الأمانة ويشكر النعمة باستخدامها في طاعة الله تعالى وأن تخشى الله تعالى هيبة ويؤدي العبادات بهيبة عالية من خشية الله تعالى وأن يخاف سوء الحساب فالذي يخشى الله تعالى يُحسّن عباداته والذي يخافه يبتعد عن المعاصي فالخوف يمنعك عن المعاصي والخشية تحسّن العبادات. وأن تصبر على الطاعات (صيام في يوم حار قتال، انفاق،) وتصبر على البلاء والمرض وتصبر على الشهوات فتصبر على النعمة إذا طغت وعلى البلاء إذا استشرى وعلى العبادات إذا صعبت. وأن تقيم الصلاة وأن تنفق مما رزقك الله تعالى سراً (صدقات) وعلانية (زكاة), إن كانت فيك هذه الصفات تكون من الذين قال تعالى فيهم (أولئك لهم عقبى الدار) وهذه الصفات التسع تضمنتها آيات سورة الرعد التي ذكرناها (أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (19) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (20) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (21) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22)).
عليك أن تحاول أن تكون من هؤلاء فإن لم تستطع فعليك أن تحرص على أن يكون أحد من أولادك أو أهلك يتصف بصفات أولو الألباب الذين لهم عقبى الدار. وقلنا في لقاء سابق أن الملائكة تبقى مع الذين تحبهم الى ساعة الاحتضار وفي القبر وعند المحشر وعند الصراط وعند دخولهم الجنة ويدخلون معهم يخدمونهم في الجنة. هذا فضل عظيم من الله تعالى أن تسعى لهذه الآيات وتحاول تطبيقها وتطبيقها سهل لمن سهلها الله تعالى عليه ورحمةت وسعت كل شيء ودليل أن تسعك رحمة الله تعالى أن تكون منهؤلاء. ويبقى الأمل والأمنية والطموح أن تأنس بأهلك جميعاً وهم في جوارك وكما دعوت لهم في الدنيا تجدهم أمامك فليكن واحد من العائلة على هذا النسق لعله يكون هو السبب في أن يجمع الله تعالى كل عائلته في منزلته اكراماً له هذا إذا كانوا صالحين للجنة أي موحدين وهذه منة من منن الله تعالى على عباده الصالحين وأسأل الله تعالى أن يجعل في كل عائلة من المسلمين سبباً في دخول الفردوس الأعلى.
****************
(ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32) فاطر)
آية تجعلنا نطمئن قليلاً ولا نأمن من مكر الله تعالى أننا سننجو يوم القيامة. النظام أن نأتي يوم القيامة ازواجاً ثلاثة كما جاء في سورة الواقعة (السابقون، أصحاب اليمين، أصحاب الشمال). أما السابقون فهم الأنبياء والصدّيقن والشهداء والصالحين وهؤلاء لا يحاسبون أبداً وأصحاب الشمال هم الكافرون. نحن في هذا العصر لسنا بالتأكيد من السابقين ولسنا بحمد الله من أصحاب الشمال نحن وسط من أصحاب اليمين. وأصحاب اليمين ينقسمون الى ثلاثة أقسام فيما بينهم كما جاء في آية سورة فاطر: هناك من يأتي يوم القيامة وقد زادت حسناته على سيئاته ومنهم من تساوت حسناته وسيئاته ومنهم من زادت سيئاته على حسناته. من أصحاب اليمين من تزيد حسناته على سيئاته فهؤلاء سابقون في أصحاب اليمين وهؤلاء سابقون بالخيرات بإذن الله ويدخلون الجنة بغير حساب ولا يأتون لساحة العرض كما قال r. كل من يأتي يوم القيامة وقد رجحت كفة حسناته على سيئاته يدخل الجنة بغير حساب. أما من تساوت حسناته وسيئاته فيقول r فيهم : فذاك الذي يحاسب حساباً يسيراً وينقلب الى أهله مسرورا، قالت عائشة رضي الله عنها: ما الحساب اليسير يا رسول الله؟ قال r: العرض. (وعرضوا على ربك صفاً) فينظر الله تعالى في صحيفتهم يوم القيامة ثم يقول اذهبوا بعبدي الى الجنة لأنه اذا تساوت حسنات وسيئات العبد، رحمة الله سبقت غضبه فيدخله الجنة برحمته لكنه يُعرض على الله تعالى وهذا يسبب له شيء من الحزن لأنه سيكون بين يدي الله تعالى إن شاء رحمه وإن شاء عذّبع. أما النوع الثالث فهم الذين زادت سيئاتهم على حسناتهم كما قال r : " وذاك الذي أثقل ظهره وأوبق كاهله وذاك الذي أشفع له" وقال r: شفاعتي حق لأهل الكبائر من أمتي. وأصحاب الكبائر ما زالوا من أمة محمد r إذا كانوا مصلّين. فإذا كان أحد هؤىء يصلي ولكنه مات وهو عاق لوالديه أو أكل ربا أو قذف امرأة أو فرّ من الزحف (ونحن جميعاً فارون من الزحف من بعد ان احتلّت فلسطين) فهذا الذي يشفع له الرسول r أما من زادت سيئاته على حسناته ولم يكن من المصلين فلا يشفع له النبي r لأنه ليس من أمته (قالوا ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين) وهو مفصول منها كما أن الخائن لوطنه مفصول من الرعيّة. فعلى كل مسلم أن يعلم أن الحدّ الأدنى بينه وبين نجاته يوم القيامة أن يكون من المصلين فإن كان صالحاً فبها وإن لم يكن صالحاً فبصلاته ينتمي لأمة محمد r وهذا يجعله مؤهلاً لشفاعة النبي r يوم القيامة.
نحن إذن إما ظالم لنفسه وهو من زادت سيئاته على حسناته وإما مقتصد حسناته تساوت مع سيئاته وسابق بالخيرات وهم من زادت حسناتهم على سيئاتهم فإما أن تكون من أصحاب الفضل الكبير بأن تكون حسناتك أكثر من سيئاتك وإما إن كنت ممن كثرت سيئاته على حسناته لا بد أن تحرص على أن تكون مصليّاً لأنك بها تدخل في نظام السفاعة والتي هي لأهل الكبائر من أمة محمد r. وأسأله تعالى أن نكون من السابقين بالخيرات.
*******************
(وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (136))
آية تتيح للعصاة المغالين في عصيانهم باباً من أبواب الفوز والرحمة والمغفرة بل جعلهم الله تعالى من ضمن المتقين ومن هؤلاء المتقين الذين اذا فعلوا فاحشة او ظلموا انفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم. فلم يبق لأحد عذر بعد هذه الآية فقد أعذر الله تعالى لعباده ما دام فتح لهم باباً للتوبة.
فإذا فعلت فاحشة اي ذنباً من الذنوب العظام التي توفر لك مصلحة او شهوة كالزنا والسرقة واكل الربا وشرب الخمر كل ما تستفيد منه في الدنيا ويحقق لك شهوة من الشهوات وهي حرام حرمة مطلقة وكل ذنب تفعله من أجل غيرك وليس لك فيه مصلحة فهذا ظلم للنفس كأن تشهد زوراً لشخص ما هذه كبيرة من الكبائر العظام لكنك فعلتها من أجل غيرك أو أن تُعين حاكماً ظالماً يقتل شعبه ويفرّق بين الناس فأنت تكون قد بعت دينك بدنيا الآخرين والشقي من باع دينه يدنيا الآخرين. فإذا ظلمت نفسك من أجل غيرك فقد أثقلت كاهلك وأوبقت ظهرك بالذنوب وذهبت النار من أجل الآخرين. وسواء من فعل فاحشة او ظلم نفسه فهم من العصاة الذين يفعلون الفاحشة او يذنبون ذنوباً عظيمة من أجل الآخرين إذا ذكروا الله تعالى على الذنب واستغفروه ولم يصرّوا على الذنب يغفر الله تعالى لهم. بعد أن زنى أحدهم مثلاً تذكر الله تعالى وهو على الذنب وأن الله تعالى يراه ويراقبه فحدّث نفسه بهذا الأمر ثم لام نفسه ثم ندم ثم شعر بالخزي ثم استغفر يغفر الله تعالى له مهما كان ذنبه عظيماً لأنه (ومن يغفر الذنوب الا الله). يقول r عن ربه: من استغفرني وهو يعلم اني ذو قدرة ان اغفر له غفرت له ذنوبه ولا أبالي. ابليس يقول (فبعزتك لأغوينهم أجميعن الا عبادك منهم المخلصين) ويقول تعالى (وعزّتي وجلالي لأغفرنّ لهم ما استغفروني). فالله تعالى يهيب بنا أن نستغفره ولشد حبه للمستغفرين جعل مكافأتهم ان الاستغفار ليس لأجل المغفرة فقط وإنما يُصلح لهم دينهم ودنياهم. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال r : من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجا ومن كل هم فرجاً ورزقه من حيث لا يحتسب. ويقول r: من سرّه أن يرى صحيفته يوم القيامة فليُكثر من الاستغفار. وهناك صيغة للاستغفار علّمنا إياها الرسول r وعن شداد بن أوس رضي الله عنه عن النبي r قال: سيّد الاستغفار ان يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. من قالها في النهار موقناً بها فمات من يومه قبل ان يمسي فهو من اهل الجنة ومن قالها من الليل وهو موقن بها فملت قبل ان يصبح فهو من اهل الجنة (رواه البخاري).
افتح الله تعالى هذا الباب فما عُذرك إن لم تدخل الجنة؟ وفي حديث عن النبي r ما معناه أنه ما من عبد أذنب ذنباً ثم قام فتوضأ وصلى ركعتين ثم استغفر الله الا غفر له.
رب العلمين من رحمته يمهل المذنب فيطلب من الملائكة أن تمهل العاصي ساعات فإن تاب واستغفر لا تكتب الذنب فهذه بشارة عظيمة أن كل الخطائين والمذنبين مفتوح لهم الباب ليتوبوا. ويقول تعالى في الحديث القدسي: إن العبد ليعصيني يتذكرني على المعصية لا يستغفرني أغفر له.
******************
(وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (60) غافر)
رب العالمين يأمرك أن تدعوه لكي يستجيب لك فماذا بعد هذا من بشارة؟! تأمل لو أن ملكاً من ملوك الأرض أحبّك فأعطاك رقم هاتفه الخاص وطلب منك أن تتصل به في أي وقت تحتاجه وفي أي أمر تحتاجه ليقضيه لك مهما كان طلبك عظيماً ماذا يمكن أن يكرمك الملك أكثر من ذلك؟ هكذا فعل ملك الملوك في قوله تعالى لعباده (وقال ربكم ادعوني استجب لكم) قدرٌ كتب تعالى على نفسه أنه من دعاه لا بد أن يستجيب له وقد يقول البعض دعوت الله ولم يستجب لي. في الحديث القدسي ينادي بالعبد يقول تعالى يا عبدي لقد أمرتك بالدعاء ووعدتك بالاستجابة فهل كنت تدعوني فيوق نعم يا رب فيقول له الرب أولم تكن دعوتني في يوم كذا بغَمٍّ نزل بك فكشفته عنك أولم تكن دعوتني في يوم كذا بغمٍّ نزل بك فلم تر استجابة فيقول العبد نعم يا رب فيعدد الله تعالى له كل ما دعاه من ساعة ما أصبح مميزاً الى ساعة موته ز هذا الدعاء دعوتني فاستجبت وهذا الدعاء دعوتني فلم استجب ويريه كل ادعيته فيقول تعالى للعبد انظر فوقك فإذا به يرى الأدعية التي لم تستجب في الدنيا وإذا بالله قد ادّخر لم من النعيم ما لا يمكن وصفه ولا يقاس بما استجاب الله تعالى له في الدنيا بهذا النعيم العظيم.فيقول العبد في نفسه ليته لم يستجب لي في الدنيا دعاء.
قوله تعالى (ادعوني استجب لكم) الدعاء هو العبادة والدعاء مخ العبادة كما قال r لأنه اتحاد بين الله تعاى وعبده فأنت تتحد مع الله عز وجل. عندما يُضام الطفل يصيح لوالده وعندما تضام الطفلة تصيح لأمها وأحب الناس اليها فما بالك بمن يستغيث بالله تعالى والله وليّ المؤمنين. من أجل ذلك قد تصل يوم القيامة بالدعاء الى ما لا تصله بالعمل. في الحديث أن من عباد الله عبدين أخوين كان احدهما أشدّ صلاحاً من الآخر فلما بُعث ودخل الجنة رأى لصالح أن أخاه قد سبقه وهو في جنة أعلى من جنته فتعجب الصالح بم شبقه فيقول يا رب لقد كنت خيراً منه في الدنيا فبم سبقني؟ فيقول الرب أبخستك من حقك شيء؟ فيقول لا هذا مكاني الذي استحقه بعملي. قال تعالى هذا جزاؤك بعملك وهذا كان يدعوني الفردوس الأعلى فأعطيته الفردوس.
يقول r: سلوا الله الفردوس الأعلى فإنها مقصورة الرحمن. إذا كانت اعمالك لا توصلك الفردوس الأعلى لقِصرك عن ذلك فقد تصلها بالدعاء وقد أوصاني الرسول r بالدعاء من حيث أنه مخ العبادة (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) وداخرين أي أذلاء والداخر والمدخور هو المهزوم بذُلٍ وهوان. يقول r فيما يحدث به عن ربه" يا عبادي كلكم ضالّ الا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أُطعمكم، يا عبادي كلكم عارٍ إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم. يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجِنّكم جاءوني على صعيد واحد وسألني كل واحد مسألة وأعطيت كل واحد ما سأل ما نقص ذلك من ملكي الا كما ينقص المخيط من البحر. وهذا كم كرم الله تعالى فالله تعالى يحب الدعاء ويحب دعاء الصالحين وجاء في الأثر أن الطالحين إذا دعوا الله تعالى يقول سبحانه لبريل u أجِبهم فإني لا أحب أن اسمع صوتهم وإذا دعاه الصالحون يقول لجبريل أخِّره فإني أحب سماع صوته. وإذا لاحظنا في القرآن جاءت كلمة التضرع أي التذلل في الدعاء فعليك أن تسأل الله تعالى بذُلِّك ودعائك وتوسّلك كما علّمنا r فواتح الدعاء المستجاب التي يحبها الله تعالى وهي أن تنادي الله تعالى بـ (يا ذا الجلال والاكرام، يا ذا الجلال والاكرام، يا ذا الجلال والاكرام) تقول الملائكة إن ذا الجلال والاكرام التفت لك فاسأله. وكذلك يستفتح الدعاء بدعاء ذي النون في بطن الحوت (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) إذا قدمتها في الدعاء يكون الدعاء مستجاباً بإذن الله تعالى ومناط الاستجابة معروفة عند فِطر الصائم وفي الثلث الأخير من الليل وعند نزول المطر ورؤية البرق أو حصول الآيات من خسوف وكسوف ونحوها وبين الأذان والإقامة وبين الحيعلتني وكذلك الدعاء الجماعي فعليك أن تجتهد في الدعاء فإنه فيه وصولاً لا يوفّره لك العمل مهما كان عظيماً.
ندعو الله تعالى بحسن الخاتمة والنصر والتوفيق وأن يملأ بلادنا بالعدل والحرية والأمن والأمان اللهم آمين.
************************
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (42) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (43) الاحزاب)
شلن مُفرِح للنفس أن يمدحك مادح فما بالك إن كان هذا المادح شاعراً يجيد الشعر ويمدحك مدحاً يُجلّي فيه صفاتك الكريمة أو ما بالك إن كان هذا المادح وجيهاً من وجهاء الأمة أو وزيراً أو ملكاً. تخيّل إذا كان الملك هو الذي يمتدحك أمام كل جلسائه وشعبه كله والشعب كله يسمع الملك وهو يمتدحك ويُثني عليك وخاصة إذا امتدحك الملك أمام عِلية القوم هكذا يقال صلّى الملك على فلان أي امتدحه أمام أرقى حاشيته ووجهاء قومه هكذا هي صلاة الملوك.
فرب العالمين يُثني عليك (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (42) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (43) الاحزاب) أيُّ مجدٍ هذا أن يذكرك الله تعالى في الملأ الأعلى؟! جعل الله تعالى لكل العبادات سقفاً وزمناً وحدّاً تنتهي اليه كالصلاة محددة والحج محدد والزكاة محددة وهكذا كل العبادات حددها الله تعالى كمّاً وكيفاً ونُهينا عن الإفراط فيها إلا الذِكر هذه العبادة العظيمة لم يجعل الله تعالى له حدّاً معلوماً بل قال ادعوني حتى يقال مجانين (الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم) بالسِرّ والعلن مطلق الفعل بالكمّ والكيف.
هذه العبادة هي مدح الله تعالى وإذا امتدحت الله يمدحك وإذا مدحك الله تعالى وهي صلاته عليك يسّر لك أسباب الهداية وأخرجك من ظلمات الشرك والجهل والغفلة والضلال. وأصبحت من عباد الله الصالحين وأصبحت فيمن عنده سبحانه ويكفي أن تعلم أن الله تعالى يقول كما جاء في حديث الرسول r (عن ابي هريرة) : يقول الله عز وجل أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حين يذكرني إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم وإن تقرب اليّ شبراً تقربت اليه ذراعاً وإن تقرب مني ذراعاً تقربت اليه باعاً وإن أتاني يمشي أتيته هرولة . حيثما ذكرت الله تعالى بالكمّ والكيف فهو يُثني عليك مثل ذلك (هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْ