من البشائر التي يبشر الله تعالى بها المتقين قوله تعالى (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156) الاعراف) فالرحمة الواسعة إنما هي للمتقين وهناك فرق بين الرأفة والرحمة فالرأفة هي للمؤمنين فلا يعذبهم أما الرحمة فهي للصالحين فيضاعف لهم الأجر أضعافاً لا يمكن للعقل البشري أن يحيط بها من قريب أو بعيد ولذا جاء في الحديث: ليرحمنّ الله الناس رحمة يوم القيامة يتطاول لها ابليس. ونحن نعلم أن لله تعالة مئة رحمة أنزل الى الأرض منها رجمة واحدة وبقي تسع وتسعون رحمة فتأمل ما هو حجم هذه الرحمات يوم القيامة؟
قال تعالى (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156) الاعراف) التقوى أنواع منها التقوى الشخصية وهي ما بينك وبين ربك كالصلاة والصيام والعبادات وهناك التقوى العسكرية كتقوى الجيوش المقاتلة والثبات والصمود وتقوى سياسية وهي تقوى الحُكّام وأهمها وأوسعها التقوى الاجتماعية وهي التقوى التي تتحكم في سلوك الناس مع بعضهم أي التوقى في مدى تعاملك مع الآخر أياً كان هذا الآخر حيوانياً كتلك التي سقت كلباً يلهث فغفر الله تعالى له أو شجراً أو طريقاً "رأيت رجلاً في ربض الجنة بشوكة نحّاها عن طريق المسلمين"
وهناك أصناف من الناس يحبهم الله تعالى لتقواهم الاجتماعية أي بسلوكهم مع الآخر فيسبغ عليهم من النِعم ما لا يمكن تصوره (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156) الاعراف)
ومن المتقين في باب التقوى الاجتماعية: الذين يزورون المرضى وكلكم تعلمون كيف أنهم يُغفر لهم كل ذنوبهم بحيث يخرجون من ذنوبهم كيوم ولدتهم أمهاتهم، وإكرام الجار "إذا مات الرجل وشهد له سبعة من جيرانه بخير إلا شفّعهم الله فيه" ، والفقير المتعفف ذو العيال لا يسأل الناس فسلوكه مع الناس (يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف لا يسألون الناس إلحافا) نظرته للمجتمع من حيث أنه لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه بالسؤال فيعطيه الله عطاء عظيماً هذا الذي يموت وحاجته في صدره، كذلك الرفق بالحيوان وبالمرضى والمراجعين إذا كنت موظفاً وقِس على ذلك مما لا حصر له ولكن من الشرائح العظيمة المكرّمة من المتقين منهم البارّ بولديه والبر بالوالدين أعجوبة "ثلاث لا يضر معها ذنب من ضمنها البر بالوالدين" كذلك الاحسان الى البنات إذا كان لك بنت أو بنات وأحسنت لهن احساناً متميزاً وأدّبتهن فأحسنت تأديبهن إلا كُنّ وجاء لك من النار وصبّ عليك الرحمات حباً يوم القيامة بحسن تربيتك لهن وحفظك لهن.
كذلك حفظة القرآن الكريم وهذه شريحة مقدسة يوم القيامة"إن لله أهلين من الناس قالوا من هم يا رسول الله؟ قال أهل القرآن أهل الله وخاصته" وكذلك أصحاب البلاء الصابرين "إن الله يكره مساءة عبده المؤمن فإذا أصابك سوء أو بلاء فصبرت فإنك تكون من شريحة عظيمة من المتقين تسعك رحمة الله تعالى يوم القيامة التي تسع كل شيء. كذلك الراحمون إذا كان قلبك رقيقاً "أكثر أهل الجنة رقاق القلوب" أما قسوة القلوب فهو أمر يبغضه الله تعالى بغضاً عظيماً ويحاسب عليه قاسي القلب كما كلن هو يحاسب الناس من قسوة قلبه ولذلك الراحمون يرحمهم الله عز وجل. كذلك من الشرائح التي يحبها الله تعالى المتحابون في الله والمتحابون في الله في ظل الله تعالى يوم القيامة، كثير من هذه الشرائح التي تُحسن التعامل الاجتماعي مع الآخر كالكاظمين الغيظ وأهل الكرم والسخاء والضيافة حتى ان الله تعالى أوحى الى موسى أن لا يقتل السامري مع أنه جعل قومه يرتدون واستحق القتل قال تعالى لموسى لا تقتله فإنه سخيّ.
رب العالمين ادّخر تسعاً وتسعين رحمة الى يوم القيامة ورحمة واحدة هي التي شملت هذه البشرية كلها فماذا ستفعل هذه الرحمات التسع والتسعون لا تبقي على ذي سلوك حسن مع الآخر ذنباً ويكفي أن تعلم أن امرأة كانت تصوم النهار وتقوم الليل إلا أنها كانت تؤذي جيرانها فقال هي في النار لمجرد ان سلوكها مع الآخر كان سيئاً.
إذن التقوى الاجتماعية هي موقفك مع الآخر بائع ومشتري، حاكم ومحكوم، عالم ومتعلم، جار وجار، ابن وأب، أخ وأخت وكل علاقة مع الآخر هي التي تجعلك من شريحة التقوى الاجتماعية العظيمة تلك التي قال فيها r "خياركم خياركم لأهله" وقال r "خير الناس أنفعهم للناس" الى آخر هذه النصوص التي تبين أن التوقى القاسية الصعبة التي تخالف النفس وتخالف الشيطان والعِزّة الجاهلية والكبرياء هذه هي التي تجعلك من المتقين المتقدمين يوم القيامة من حيث ما بلغت فيها من مخالفة النفس (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35) فصلت) فإذا كنت من هؤلاء أصحاب هذا الحظ العظيم فأبشر بسعة رحمة الله تعالى التي لايمكن أن تتصور مدى سعتها.
************************
من البشائر العظيمة التي تُعدّ نفحة من نفحات الله تعالى والنفحة هي الهدية الثمينة الخاصة التي نفعها عظيم قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222) البقرة) كيف؟ بهذه السهولة أن تتوضأ في الماء البارد المنعش ثم يعطيك الله عز وجل على هذا الوضوء عطاء قد لا تجده في أي عبادة أخرى. وفي الحديث عن الرسول r :" إذا توضأ المؤمن فغسل وجهه خرج من وجهه كل الذنوب التي نظر اليها مع الماء فإذا غسل يديه خرجت منه كل الذنوب التي بطش بها بيديه مع الماء فإذا غسل قدميه خرجت منه كل الذنوب التس مشى اليها برجليه مع الماء." فما عليك إلا أن تتوضأ بهذا الماء المنعش بسهولة ثم تأخذ كل هذا العطاء وهناك فرق بين آيتين: (ويحب المتطهرين) وقوله تعالى (ويحب المطّهرين) فالمتطهرون هم الذين إذا أحدثوا توضأوا للصلاة هذا المتطهر أما المطّهر فهو الذي يبقى على طهور دائم من ساعة ما يستيقظ الى ساعة ما ينام هو على وضوء كما قال r: ولا يحافظ على الوضوء الا مؤمن. فالمحافظة على الوضوء عبادة جليلة إذا تعوّد عليها العبد صعب عليه أن يتركها بل إذا تعوّد عليها العبد المؤمن فلا يلذّ له طعام أو حديث أو سلام إلا إذا كان متوضأً. وفضل الوضوء يوم القيامة قال r: دخلت الجنة فسمعت خشخشة نعال بلال قبلي في الجنة فسألته بم سبقتني قال ليس بشيء إلا أني كلما أحدثت أحدثت وضوءاً قال r ذلك هو ذلك هو. وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه بعد أن توضلأ وضوءاً جيداً قال: رأيت النبي r يتوضأ في هذا المجلس وقال من توضأ مثل وضوئي هذا غفر الله له مل تقدم من ذنبه. وأحاديث الوضوء الصحيحة تنتهي بنهايات متعددة فهناك حديث : ما توضأ بمثل هذا الا رفع الله درجاته وحديث : إلا عاد من ذنوبه كهيئة ولدته أمه. وأحاديث كثيرة في هذا الباب تدل على أن هذا الوضوء نفحة من نفحات الله تعالى يعطيها للمتوضئين الذين يحافظون على وضوئهم بوضوء طاهر نقي يستعدون به إما لصلاة فهم المتطهرون وإما على الدوام فهم المطهّرون.
أي بشارة هذه؟ ما عليك إلا أن تتوضأ وتحسن الوضوء بالكامل ثلاث مرات غسل يدين واشتنشاق ومضمضة وغسل وجه ورجلين ولا تترك سُنّة إلا وتفعلها بشرط أن تسمي على الوضوء فإذا بدأت الوضوء بدون تسمية تكون حُرمت من هذا الفضل. بشارات عظيمة أن المسلم يتوضأ خمس مرات في اليوم جبراً للصلاة وقد يتوضأ أكثر من ذلك وهؤلاء يدخلون فيمن أدخل الوضوء على الوضوء. هذا الدين يحثك على الطهارة والنظافة حقاً وقد أجزل الله تعالى العطاء حتى لا تجد في نفسك تقاعساً عن ذلك من أحسن وضوءه سواء كان المتكرر مع أوقات الصلاة أو الدائم فليعلم أن الله تعالى وهبه كرماً عظيماً وقد اشترط النبي r بقوله "ولا يغترّ أحدكم" هذه العبارة هي الفيصل في الأمر وعندما تسمع أن الوضوء يعطيك كل هذا الفضل من درجات رفيعة وذنوب تغفر وخطايا تخرج وترجع كهيئة ولدته أمه فعليك أن لا تغترّ معنى هذا أن هذا العطاء الإلهي اللامتناهي الذي وهبه الله تعالى للمتطهرين والمطهرين لا ينبغي أن يدفعك بغباء أو سذاجة لتفعل ما تشاء من معاصي ما دمت متوضأً وضوءاً جيداً وتقول أن الله تعالى يغفر لك هذا ليس المقصود والمقصود أن الله تعالى يعطيك ثواباً عظيماً ويغفر لك الذنوب غير المتعمّدة أما إذا حدث بك شيئاً من السذاجة والغباء فتقول أفعل ما أشاء ثم أتوضأ وضوءاً جيداً فتغفر ذنوبي حينئذ تكون قد أخطأت الطريق والسبيل وبقيت عليك خطاياك ولا ينفعك وضوءك في هذه الحالة لأنك قصرت به مقصداً ليس على وجهه. فلنعلم أن هذه البشائر للمتوضئين الملتزمين الذين لا يبيّتون المعصية ولا يتحدّون الله عز وجل ولكن إذا وقعت منهم الذنوب عرضاً وكل ابن آدم خطّاء لا يبقى مع هذا الوضوء ذنب.
************************
من البشائر قوله تعالى (يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (109) طه) إذن من هؤلاء الذين سوف يأذن لهم الرحمن فيشفعون للآخرين حتى يدخلونهم الجنة؟ أنت تستحق النار ولكن بشفاعة معينة تدخل الجنة وأنت لا تستحقها. والاستحقاق جاءك عن طريق وساطة أحد الناس فشع لك عند الله تعالى فأدخلك الجنة يا لها من بشارة عظيمة! صاحب الشفاعة العظمى هو الرسول r كما ذكرنا في حلقة سابقة (فبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم) وشفاعته هي لأهل الكبائر من أمته وكما يقول r في الحديث:" لا أرضى وواحد من أمتي في النار" ولكن هناك آخرون يأذن الله تعالى لهم أن يشفعوا للآخرين والهدف من الشفاعة أنها رحمة من رحمات الله تعالى التسع والتسعون فمن رحمة الله تعالى أن يشفع أحد الناس الصالحين للطالحين وما أكثر هذه الشفاعة، وعندما يكون الأمر على ذلك الهول وذلك الفزع الأكبر ثم يقوم أناس على مشهد من الناس فيقول لهم الله تعالى اشفع لمن تحب فيسمي فلاناً وفلاناً فينقذهم من العذاب ويذهب بهم الى الجنة. في هذا المشهد يحدد تعالى سمات الملوك في الجنة وسبق أن قلنا أن فيها ملايين الملوك وسعتها شيء لا يدركه العقل وفيها الدول والزعماء والقادة والحكام والملوك ولكي تسعد بملكك وقائدك يشفع لك على ملأ من الناس ويتلذذ الناس بالانتماء الى ملوكهم. وشفاعة الأنبياء معروفة ولكل نبي شفاعة لقومه وشفاعة الرسول r متجلية. وهناك شفاعة العلماء الصالحون الأتقياء ويقول تعالى لهم قم فاشفع لهم كما أحسنت تأديبهم. وكذلك شفاعة الشهداء وكل من مات شهيداً سواء كانوا شهداء دنيا (في الحروب) أو شهداء الآخرة (كل من مات بحادث أو بمرض أو غرق أو هدم أو موت غير اعتيادي) هؤلاء يشفعون لأهل بيتهم وفي رواية يشفعون لعشرة من أهل بيتهم كلهم وجبت لهم النار. إذن الشفاعة هي لمن وجبت لهم النار فتأمل هذا الموقف الهائل حُكِم عليك بالنار ثم يأذن الله تعالى لأحد أن يشفع لك فتدخل الجنة. ومن الذين يشفعون حملة القرآن يشفعون لأهلهم وكذلك لكل صديق شفاعة وكل من عملت له معروفاً يشفع لك في الآخرة وفي الحديث أن رجلاً كان على الصراط ذاهب الى الجنة وآخر مقيّد الى النار فناداه ألا تعرفني فقال لا فقال له أنا الذي وهبتك وضوءاً يوماً من الأيام فيطلب منه أن يشفع له عند رب العالمين فيشفع له فيقول تعالى خذ بيد أخيك الى الجنة. ولهذا مصانع المعروف تقي مصارع السوء. وكذلك ممن يؤذن لهم بالشفاعة يوم القيامة كل مسلم تجاوز التسعين من عمره يُشفّعه رب العالمين في أهل بيته جميعاً ممن وجبت لهم النار وسمي عتيق الرحمن في الأرض. وإذا شهد لك سبعة من جيرانك يوم القيامة إلا شفّعهم الله تعالى فيك حتى على ما كان منك وبهذه الشهادة تنجو من النار. وكذلك إذا صلى عليك أربعون في الجنازة وشهدوا لك بالخير شفّعهم الله تعالى بك على ما كان عليك من الذنب. وكذلك القرآن يشفع لصاحبه والبقرى وآل عمران تشفعان يوم القيامة وعلى كل مسلم أن يستظهرهما وكذلك الصوم يشفع لصاحبه. وهناك بعض الناس وبعض العبادات رب العالمين إذِن لهم أن يشفعوا فعلينا أن نُحسِن الى الناس ونقضي حاجاتهم ونحسن علاقتنا مع الجيران وأن ندعو الله تعالى أن يوفقنا لحفظ القرة وآل عمران وأن يجعلنا من أهل الشفاعة يوم القيامة اللهم آمين.
******************************
ومن البشائر الجليلة في كتاب الله تعالى تلك الوظيفة التي أناطها الله عز وجل بحملة العرش ومن حوله وحملة العرش ومن حوله هم أقرب الملائكة الى الله تعالى فتأمل ما هي الوظيفة؟ وظّفهم تعالى بأن يستغفروا للذين تابوا من المؤمنين الخطائين المذنبين الين ملأت ذنوبهم الدنيا ثم تابوا، الملائكة يستغفرون لهؤلاء منذ أن خلقهم الله تعالى الى يوم القيامة. الذين يحملون العرض ثمانية (وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (17) الحاقة) والذين حول العرش 120 صف من الملائكة. تخيل كم نحتاج من الملائكة لكي نرصّ 120 صفاً حول الكرة الأرضية؟ فما بالك بكم نحتاج لنرص 120 صفاً من الملائكة حول العرش والكرة الأرضية ما هي الا كحلقة بالنسبة للعرش فكم عظمة هذا العرش؟ حوله 120 صفاً من الملائكة فتخيل كم نحتاج من الملائكة وكم عددهم؟ لذلك يقول r في الحديث : أطّت السماء وحُقّ لها أن تئطّ. وأقرب الملائكة هم حملة العرش والذين حوله ومهمتهم فقط وتسبيحهم الاستغفار للذين تابوا من كل الموحدين من هذه الأمة ومن كل الأمم السابقة من عهد آدم الى أن تقوم الساعة كل من آمن بالله ومهما بلغت ذنوبه ثم تاب فالملائكة يستغفرون لهؤلاء التائبين (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (7) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (8) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (9) غافر) والسيئات هنا هي العرض على الحساب فالملائكة يدعون ربهم أن يتوب على الذين تابوا ويغفر لهم ولا يحاسبهم لأنهم بالحساب يُعرضون على الله تعالى والعرض فيه خجل فإذا عُرِض العبد المذنب على ربه يشعر بألم شديد من شدة خجله من هذا الموقف لأنه بين كلمة من الله تعالى (خذه إلى الجنة أو الى النار).
هذا القلق النفسي هي السيئات التي تطلب الملائكة من ربهم أن يقيهم الحساب والعرض فلا يعذبهم ويغفر لهم. فماذا تقول بكَرَم الله تعالى وما هي ارادته إذا هذا معنى (والله يريد أن يتوب عليكم) وهناك فرق بين المشيئة والارادة فالارادة لا بد أن تتحقق (إن الله فعّال لما يريد) وهو تعالى يريد أن يتوب عليهم فيهيئ أسباب التوبة ومن اسبابها تسخير الملائكة العظام وحملة العرش وهم اقرب الملائكة أمرهم تعالى أن يستغفروا للتائبين. وما أمرهم بذلك إلا وهو يريد سبحانه أن يتوب على من تاب من هذه الأمة وكل تائب من أم التوحيد السابقة وهذه البشارة تدفعك للتفاؤل وإحسان الظنّ بالله تعالى كما قال r: "لا يموتنّ أحدكم إلا وهو يُحسِن الظنّ بالله" هذا الظن بالله العظيم وهذا يجعلك تحبه وجعلك تعبده حتى لو لم يخلق جنة ولا ناراً ويقول تعالى في الحديث القدسي: هَبْ أني لم أخلق جنة ولا ناراً ألا أستحق أن اُعبَد؟. بهذا الكرم والعطاء والجمال (إن ربك واسع المغفرة) تأمل إذن كنت بدعاء السوق يحط الله تعالى عنك مليون سيئة ويعطيك مليون حسنة، تزور مريضاً فلا يبقى عليك ذنب تستغفر فلا يبقى عليك ذنب فعليك أن تتأمل أن هؤلاء الملائكة الذين هم أقرب الملائكة لله عز وجل وشغلهم الشاغل الذي كلفهم تعالى به أن يستغفروا للمؤمنين وأن يجمع الله تعالى هؤلاء التائبين مع كل أهلهم إذا كانوا صالحين للجنة (ومن صلح من آبائهم وأزواجهم). بهذا الكرم وقد هيّأ تعالى أسباب التوبة لكي يتوب علينا (ويريد الله أن يتوب عليكم) وهيأ أسبابها ومن اسبابها هؤلاء الملائكة العظام.
*********************************
(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (56) الاحزاب) لو علِم المسلمون ماذا أعد الله تعالى لهم بهذا الأمر إذا صلّوا على النبي r (صلوا عليه وسلموا تسليما) لعلموا كم هي عظيمة هذه البشارة. يقول r: " أولاكم بي يوم القيامة أكثركم عليّ صلاة" ولِعِظم هذه الصلاة وكبرها ما جمع الله تعالى بينه وبين أحد من خلقه إلا بهذا العمل فعل واحد لله تعالى وملائكته (‘ن الله وملائكته يصلون على النبي) في حين أن الله تعالى يختص بفعل واحد (هو اذي يصلي عليكم) هذه صلاة خاصة و(ملائكته) صلاة خاصة بالملائكة ففعل لله تعالى واحد في القرآن إلا في هذه الآية (إن الله وملائكته يصلون على النبي) بصلاة واحدة حتى أن بعض المفسرين قال في قوله تعالى (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى) أنها الصلاة على النبي r لشدة ما جاء فيها من آثار. يقول r: " صلّوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني" (من صلّى علي صلاة صلى الله بها عليه عشراً ومن صلى علي عشراً صلى الله بها عليه مئة" " من صلى على النبي صلاة واحدة صلى الله وملائكته عليه سبعين صلاة". " من صلّى عليّ لم تزل الملائكة تصلي عليه فليُقِلّ عبد من ذلك أو يُكثِر" وقال الصحابي لرسول الله r: إذن أجعل لك صلاتي كلها؟ قال r إذن تُكفى همّك ويغفر ذنبك. فالصلاة على النبي r بهذه العظمة بحيث جعل الله تعالى كل دعاء محجوب ما لم يُبدأ بالصلاة ويُختم بالصلاة على التبي r كما قال r: لا تجلوني كقدح الراكب وإنما افتتحوا دعاءكم بي واختموه بي. وبما أن الله تعالى وعد بأن يقبل أول الدعاء وآخره (كل صلاة على النبي مقبولة) فعندما تدعو وتصلي على النبي r في أوله وآخره فقد ضمنت أن يكون أول الدعاء وآخره مقبو إذن الله تعالى أكرم من أن يُهمِل ما بينهما إكراماً لأول الدعاء وآخره فيستجيب ما بينهما. من أجل هذا جاءت النصوص في فضل الصلاة على النبي توصي بأن من حُرِمها فقد حُرِم الخير كله. وقال r: البخيل من ذُكِرت عنده ولم يصلي غليّ".
والصلاة عليه r جزء من محبته وبقدر ما تحبه تكون صلاتك عليه. قال احد الصحابة متى الساعة يا رسول الله؟ قالr وماذا أعددت لها؟ قال ما أعددت لها كثير صلاة ولا كثير صيام إلا إني أحبك فقال r المرء مع من أحبّ. فما فرح الصحتبة بحديث كما فرحوا بهذه البشارة. ومن أحب شيئاً أكثر من ذِكره وكلما كان حبك له عظيماً كانت صلاتك عليه عظيمة كمّاً وكيفاً ونوعاً. ولهذا جاءت الصيغ العديدة في الصلاة على النبي r منها:
الصلاة الابراهيمية: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على ابراهيم وآل ابراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على ابراهيم وعلى آل ابراهيم إنك حميد مجيد.
وهناك صيغة: اللهم اجعل صلواتك ورحماتك وبركاتك على سيد المرسلين وإمام المتقين وخاتم النبيين محمد عبدك ونبيك ورسولك رسول الخير إمام الخير إمام الرحمة وابعثه مقاماً محموداً يغبطه عليه الأولون والآخرون.
اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وأزواجه وذرياته النبي الأمي كما صليت على ابراهيم اللهم أنزله المقعد المحمود المقرّب عندك يوم القيامة.
فعلينا أن نُحسِن الصيغ التي نصلي فيها على النبي r وأن نصلي عليه بها بأدب وخشوع ووقار وخاصة يوم الجمعة فإنما يسمعها r والله تعالى وكّل أحد الملائكة بقبر النبي r وأعطاه أسماء الخلائق وكلما سلّم عليه أحد من الناس أبلغه باسمه واسم أهله.
***************************
بشارة البشائر حيث يضمن المؤمن بفضل الله تعالى أن حسناته أكثر من سيئاته هي ليلة القدر (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5)) أفضل من أن تعبد الله ألف شهر أو 84 سنة في كل عام يضاف لرصيدك من الحسنات حسنات 84 عاماً صيام نهارها وقيام ليلها. وقال r في الحديث الشريف: من قام ليلة القدر ايماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه. معنى ذلك أنك عندما تسمع أحاديث :"ليس على أهل لا إله إلا الله بأس" وحديث "من قال لا إله إلا الله حُرّمت عليه النار" وحديث " إن أمتي هذه أمة مرحومة لا عذاب عليها في الآخرة" هذه الأحاديث العجيبة التي توقف عندها العلماء يحاولون وضع معنى لها يزيل الدهشة والاستغراب لكن بهذه البشارة (بشارة ليلة القدر) تُحلّ المعادلة. قلا سابقاً أن من زادت حسناته على سيئاته فذلك الذي يدخل الجنة بغير حساب (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32) فاطر) . كيف يمكن أن تضمن أن حسناتك تزيد على سيئاتك؟ الضمان هو بليلة القدر. كل عام ليلة القدر تضيف الى رصيد حسناتك حسنات 84 عام والله تعالى يقول أن ليلة القدر خير من ألف شهر ونحن سنفترض الحد الأدنى (84 سنة) وهي خير من ألف شهر كما قال تعالى لكن لو فرضنا الحد الأدنى ففي كل عام يزيد الى حسناتك كأنك صمت وقمت 84 عاماً. وكل حسناتك وسئياتك في كتاب عند الله تعالى (كِتَابٌ مَرْقُومٌ (20) المطففين) وهناك عداد حسنات وعداد سيئات والذي يحصل أن عداد السيئات يُصفّر كل يوم من الجمعة الى الجمعة ومن رمضان الى رمضان ومن الصلاة الى الصلاة والبلاء والاستغفار وزيارة المريض والحج والمصيبة وكثيرة هي اسباب تصفير السيئات فمن قال سبحان الله وبحمده مئة مرة غفرت ذنوبه والأحاديث في تصفير السيئات عديدة كثيرة. وفي الوقت نفسه فإن عدّاد الحسنات يزيد ويتصاعد تصاعداً خيالياً أكثر مما تتوقعه. فإن ما تفعله أنت في حياتك كلها من حسنات من عمل أو عبادة لا يساوي شيئاً نسبياً لما سيمنحك الله تعالى إياه في ليلة القدر فالحسنات أكثر مما جمعته في عبادتك بملايين المرات وهنا تضمن أن حسناتك أكثر من سيئاتك.
هؤلاء السابقون في الفضل وهؤلاء هم الذين يدخلون الجنة بغير حساب فلنتحرّى هذه الليلة المباركة ايماناً واحتساباً ولنحُسن معاملة الناس ونستغفر الله تعالى من كل الذنوب حتى نكون ممن يصافحه جبريل u في هذه الليلة المباركة ومن علامات مصافحة جبريل u أنك تشعر برقّة وقُرب دمعة وخشوع وأسأل الله تعالى أن يجنبنا العُجب والزلل وأن يجعلنا من عتقاء هذه الليلة المباركة.
********************************
ومن البشائر ما يحمله حرف الجرّ في هذه الآية (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (104) التوبة) (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (25) الشورى). جاء في القرآن قوله تعالى (قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) المائدة) وجاء قوله تعالى (وهو الذي يقبل التوبة عن عباده) فما الفرق بين أن يتقبل الله تعالى من عباده وأن يتقبل عن عباده. إذا تاب العبد بنفسه فالله تعالى يتقبل منه هذا إذا باشر العبد التوبة وتاب واستغفر من ذنوبه.
أما (عن عباده) فتعني أن الله تعالى يتقبل التوبة بالنيابة (أحد الناس تاب عنك). قال تعالى (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ) وهذا كرم آخر ونفحة من نفحاته سبحانه وتعالى. فقد تدخل الجنة بحسنات لا تعرفها وإنما جرت على يد غيرك وكان ثوابها لك والأحاديث في هذا كثيرة. الدعاء للمؤمن بظهر الغيب فكم من الناس يدعون لك كل ليلة وكل ساعة وما من دقيقة إلا وفيها صلاة تقام من مشرق الأرض الى مغربها على مدى الأربع والعشرين ساعة هناك أذان يُرفع وصلاة تُقام والكل يقول اللهم اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين والمؤمنات. والدعاء مستجاب ومن الملائكة من هم مخصوصون للتأمين على دعاء المؤمن لإخوانه بظهر الغيب. قال r: " من استغفر للم