سورة الأنعام:
(الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ (1)) لم اختيرت كلمة (خلق) للسموات والأرض واختيرت كلمة (جعل) للظلمات والنور؟ وهل يختلف المعنى إن قلنا "وخلق الظلمات والنور"؟ خص ربنا عز وجل السموات والأرض بالخلق دون الجعل لأن الخلق فيه معنى التقدير وخصّ الظلمات والنور بالجعل لأن الفعل جعل فيه ملاحظة معنى الانتساب والدخول في الآخَر فالظلمات والنور مخلوقة لتتكيف بهما موجودات السموات والأرض وهي تكملة لخلق السموات والأرض ولذلك اختير لفظ الجعل للظلمات والنور.
(وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ (1)) ما الحكمة من إيثار الظلمات والنور بالذكر دون غيرهما من أعرض السموات والأرض؟ خص الله بالذكر من أعراض السموات والأرض عرضين عظيمين وهما الظلمات والنور وذاك لاستواء جميع الناس في إدراكهما والشعور بهما وفي الاقتصار عليهما تعريض بحاليّ المخاطبين في الآية فالظلمات تماثل الكفر لأنه انغماس في الجهالة والحيرة والإيمان يشبه النور لأنه استبانة الهدى والحق.
(وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ (7)) اللمس يكون باليد خاصة فلِمَ حدد الله اللمس بقوله (بأيدهم) مع أن هذا معلوم بداهة من قوله (فلمسوه)؟ إن اللمس هو وضع اليد على شيء ما للتأكد من وجوده أو لمعرفة ظاهره وكلمة اللمس تدل على استعمال اليد ولكن الله قيد اللمس باليد ليؤكد معنى اللمس حتى لا يتوهم أنه أراد المجاز فيُصرف اللمس إلى التأمل، لا بل هو اللمس باليد وفي هذا تأكيد على معاندتهم ومكابرتهم.
(وَلَقَدِ اسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ (10)) حاق بمعنى أحاط به وأصابه وأنما خص الله إصابتهم بالفعل أحاط دون أصابهم لأن فعل حاق يعبر عن الإحاطة وهذا يصور تمكن العذاب منهم حيث لا يقدر أحد على الإفلات من العذاب فهو محيط بهم إحاطة السوار بالمعصم.
(قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ (14)) الفاطر هو المبدع والخالق وأصله من الفطر وهو الشق وقال ابن عباس رضي الله عنه "ما عرفت معنى الفاطر حتى اختصم إليّ أعرابيان في بئر فقال أحدهما أنا فطرتها". ولذلك اختير هذا الوصف (فاطر) من بين صفات الله وأسمائه لدحض دعوى اتخاذ أيّ ولي دون الله فالله هو الولي وهو الخالق والفاطر.
(قُلْ إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15)) تأمل هذا التحذير الإلهي فقد أضاف الهله العذاب إلى يوم عظيم فقال (عذاب يوم عظيم) فما الهدف من هذه الإضافة؟ ولِمَ لمْ يوصف العذاب بالعظمة دون ذكر يوم أي لِمَ لمْ يقل إني أخاف عذاباً عظيماً؟ أضاف الله العذاب إلى كلمة يوم لما لهذا الاسم من الدلالة عند العرب لأنهم اعتادوا أن يطلقوا اليوم على يوم المعركة الذي ينتهي بنصر فريقٍ وانهزام آخر فيكون هذا اليوم نكالاً على المنهزمين لأنه يكثر فيهم القتل ويُسام المغلوب سوء العذاب فذكر يوم يثير عند العرب من الخيال مخاوف مألوفة ويبث الهول في جوانحهم وزاد هذا الهول بوصف اليوم والعذاب بالعظيم حيث قال (عذاب يوم عظيم).
(وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ (18)) انظر إلى هذه الآية ألا ترى أن الظرف (فوق) في هذا الموضع لا يدل على جهة العلو كما يستعمل عادة فأنت تقول المصحف فوق الطاولة فتقصد جهة العلو فعلام يدل الظرف (فوق) في هذه الآية؟ في الظرف هنا استعارة تمثيلية لحالة القاهر وتشبيه له بالذي يأخذ المغلوب من أعلاه حتى يستسلم لأنه لا يقدر على الحراك والمقاومة.
(وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ (19)) يعالج الله عباده بأسلوبي الإنذار والتبشير لكن هذه الآية اقتصرت على الإنذار فما حكمة ذلك؟ اقتصر ربنا على جعل علة نزول القرآن بالإنذار دون البشارة لأن المخاطبين كانوا في حالة مكابرة وهذه الحال والمقام لا يناسبه إلا الإنذار.
(أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللّهِ آلِهَةً أُخْرَى (19)) هذا هو كلام الله تعالى كلامه المعجز اذي يفحم أرباب البيان ويرغمهم على لوقوف أمامه مشدوهين. انظر كيف يصور هذا الإستفهام المشركين ويسبغ عليهم جلباب الاستهانة والحماقة فقد جعل ربنا الاستفهام في الآية (أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ) داخلاً على إنّ المؤكدة ولام التأكيد ولم يكتف بأداة الاستفهام (أتشهدون أن مع الله آلهة أخرى) لأن دخول همزة الاستفهام (أئنكم) يفيد أن شهادتهم هذه مما لا يكاد يصدق السامعون أنهم يشهدونها لاستبعاد صدورها من عقلاء. فأنت لو سألت صديقك عن أمر تستبعده فتقول (أئنك لتغدر بي) فإذا أردت الإثبات أجابك بالأسلوب نفسه (نعم إنني لأغدر بك) فأدخل في الإجابة (إنّ واللام) ليؤكد ما تستبعده وكذلك الآية تحتاج إلى التأكيد في الإجابة (نعم إنهم ليشهدون أن مع الله آلهة أخرى).
(وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ (31)) أطلق العنان لخيالك لتعاين هذا المشهد الصوري الذي تضفيه هذه الآية على المشركين فالمرء إذا حمل شيئاً على ظهره أنهك قواه فكيف بهم وهم يحملون أوزاراً وليس ذنوباً؟ لأن الوزر هو الحِمل الثقيل ليصور لنا ثقل ما يحملون من الذنوب والجنايات التي ينوء عن حملها الرجال. فيوم القيامة تراهم يقفون في عرصات الآخرة مثقلين متعبين بما كسبوا من الأوزار.
(وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ (32)) أراد الله أن يصغر الحياة الدنيا في نظرك فبماذا شبهها؟ جعل الله الحياة الدنيا لعباً ولهواً فكأنه قال الحياة الدنيا لعب، الحياة الدنيا لهو، فلِمَ شُبهت الدنيا بهذين الأمرين اللعب واللهو؟ وقع هذا التشبيه والقصر لأن الأعمال الحاصلة في الحياة كثيرة وأغلب أعمال الناس تقع تحت إطاري اللعب واللهو إلا من آمن وعمل صالحاً.
(وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ (32)) لم مثّل الله الدنيا باللعب واللهو معاً ولم يقتصر على أحدهما؟ اللعب هو عمل أو قول في خفة وسرعة وطيش ليست له غاية مفيدة بل غايته إراحة البال وتقصير الوقتةواستجلاب العقول في حالة ضعفها كعقل الصغير وأكثره أعمال صبيان. ولذلك فهو مشتق من اللعاب وهو ريق الصبي السائل. وأما اللهو فهو ما يشتغل به الإنسان مما ترتاح إليه نفسه ولا يتعب بالاشتغال به عقله فلا يطلق إلا على ما فيه استمتاع ولذة وشهوة.
(وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (32)) لم سمى ربنا يوم القيامة بالدار ولم يقل عنها والآخرة خير للذين يتقون دون كلمة الدار وفي هذا اختصار وإيصال للمعنى؟ سمى ربنا الحياة الآخرة بالدار لأن الدار هي محل إقامة الناس وهي مكان بنائهم ومنازلهم وفي هذا إيماء لك أيها المؤمن بأن دارك الحقيقية التي تود إشادتها هي الدار الآخرة وأما الدنيا فهي ممر لا مقر.
(إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (36)) إقرأ الآية ثم تأمل العطف فيها. فقد عطف الله جملة (وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللّهُ) على جملة (إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ) وقد وصف الله الفريق الأول بالسامعين فكان السياق يؤذن بأن يسمى الفريق الثاني بالصُمّ أو الذين لا يسمعون فلم سماهم موتى؟ في هذا تعريض بأولئك المعاندين المعرضين بأنهم ولشدة إصرارهم على غيّهم ولرفضهم للحق أصبحوا كالأموات لا ترجى منهم استجابة. وهذا أشد من الأصم أو الذي لا يسمع فالأصم لا يسمع ولكنه قد يشعر ويعي ما يدور حوله أما الميت فقد فَقََدَ كل إدراك وشعور.
(وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ (39)) لنا مع هذه الآية وقفتان، الوقفة الأولى: لم قال الله (صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ) ولم يقل (صم بكم عمي) كما في سورة البقرة؟ وصفهم الله بالأصم والأبكم التائه في الظلمات ليبين لنا ربنا حالهم فهم أصموا آذانهم عن سماع الحق وتلقي الهدى وأخرسوا ألسنتهم عن الاستفسار عن الهداية وابتعدوا عن الاسترشاد بمن يمر بهم واستمروا في ذلك فتاهوا في الضلال الذي خيّم عليهم وعماهم عن الحق وتلقي الهدى. فهم يعلمون أنهم في ظلمات ولكنهم لا يريدون الخروج منها. أما الأعمى فقد لا يعلم أين يمشي وأين يمكث.
الوقفة الثانية: لم قال (فِي الظُّلُمَاتِ) ولم يقل صم وبكم في الظلام؟ في هذا إشارة إلى تعدد تاظلمات بينما النور واحد وهو الإسلام أما الظلمات فهناك ظلمة الكفر وظلمة العناد وغيرها. فلنسلك مسلك النور الواضح حتى نبلغ النهاية السعيدة
(فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ (44)) في كلمة فتحنا قراءتان: قراءة الجمهور فتحنا وقرأ ابن عمر وأبو جعفر ورويس عن يعقوب فتّحنا التشديد للمبالغة في الفتح فالتشديد يدل على المضاعفة في العمل وقد جمع الله أبواب ولم يقل باب كل شيء ليصور لك كثرة الخيرات وأنواعها التي عمّت حياتهم.
(فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45)) ختمت الآية بالحمد وذاك قوله تعالى (وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) وهذه الخاتمة تلفت نظر القارئ فما توجيه هذه النهاية ولم لم تكن والله عزيز حكيم وهذا يناسب العقاب كما قال تعالى (فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ)؟ في هذا تنبيه لك أيها المؤمن على حمد الله عند النِعم فقد وقع قبل الحمد نعمة من نعمه تعالى ومن لوازم الحمد أن يكون على نعمة ولعلك تسأل أين هي النعمة؟ فكأنه قد قيل لك (فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ) وتلك نعمة من نعم الله تقتضي حمده أوليس هلاك الظلمة نعمة. فهلاكهم صلاح للناس والصلاح أعظم النعم وشكر النعمة واجب.
(وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ (49)) انظر إلى هذه الآية فقد ختمت بقوله (بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ) فاستعمل الفعل (كان) والفعل (يفسقون) ولم يقل بما فسقوا بالماضي للفتة لطيفة وهي أن العذاب نزل بهم لإصرارهم على الفسق فالفعل المضارع (يفسقون) يدل على التجدد والاستمرار.
(وَإِذَا جَاءكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ (54)) السلام هو سمت للداخل على الآخرين يلقي عليهم تحية الإسلام فكيف طلب الله تعالى من النبي r أن يحييهم تحية الإسلام مع أنهم هم الداخلون؟ هذه كرامة من الله تعالى للمؤمنين المستضعفين فقد أمر الله النبي r أن يبدأهم بالسلام حين الدخول عليه إشارة لشأنهم عند الله وقد نزل النبي r في هذه الآية منزلة القادم عليهم لأنه زفّ إليهم بشرى رضوان الله عنهم.
(قُل لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَاءكُمْ (56)) أمر النبي r بهجران المشركين وأعمالهم فلِمَ قال هنا (لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَاءكُمْ) ولم يقل على الأصل لا أتبعكم؟ هذه نكتة لطيفة فالأهواء جمع هوى وهو المحبة المفرطة التي تعمي عن الحق ولذلك قال (لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَاءكُمْ) للإشارة إلى أنهم في دينهم تابعون للهوى نابذون لدليل العقل وفي هذا تجهيل لهم في إقامة دينهم على أصل هش لا أساس له سوى التشهي والهوى.
(وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ (59)) هذه الجملة من الآية فيها تقديم وتأخير وهو تقديم جائز أي لو كان السياق مفاتيح الغيب عنده لكان التركيب صحيحاً. فلِمَ قدّم الظرف (عنده)؟ هذا التقديم فيه إفادة التخصيص أي مفاتح الغيب عنده وحده لا عند غيره.