إنجيـل برنابــا 

كثيراً ما يتردد على الألسنة ذكر هذا الإنجيل المثير، والذي ينسب لأحد أخص تلاميذ المسيح، وهذا الإنجيل يخالف سائر الأناجيل الأربعة في أمور جوهرية ، منها نقضه لدعوى ألوهية المسيح، وتأكيده نجاة المسيح من الصلب، وتنديده ببولس، ورفضه لتبشيره، وكذا تصريحه ببشارة عيسى عليه السلام بالنبي صلى الله عليه وسلم في مرات عديدة.

من هو برنابا ؟
برنابا هو أحد حواريي المسيح ، واسمه يوسف بن لاوي بن إبراهيم ، يهودي من سبط لاوي من قبرص ، باع حقله وجاء ووضعه عند أرجل تلاميذ المسيح ( انظر أعمال /36 – 37 )، عرف بصلاحه وتقواه ، ويسميه سفر الأعمال" يوسف الذي دعي من الرسل برنابا " ( أعمال 4/36 ).
ولما ادعى بولس أنه رأى المسيح وعاد إلى أورشليم يتقرب إلى التلاميذ تولى برنابا تقديمه إلى التلاميذ ( انظر أعمال 9/27 ) وقد ذهب برنابا للدعوة في أنطاكية .. "ووعظ الجميع أن يثبتوا في الرب بعزم القلب ، لأنه كان رجلاً صالحاً وممتلئاً في الروح القدس والإيمان ، فانضم إلى الرب جمع غفير " ( أعمال 11/22 – 24 ).
ثم خرج إلى طرسوس ودعا فيها مع شاول ( بولس ) سنة كاملة ( أعمال 11/25 - 26)، ثم تشاجر مع بولس وافترقا ( أعمال 15/29 ) وبعد هذا الشجار اختفى ذكر برنابا من العهد الجديد .
وذكر المؤرخون أن وفاته كانت سنة 61م في قبرص، حيث قتله الوثنيون رجماً بالحجارة ودفنه ابن أخته مرقس الإنجيلي .

ثبوت وجود رسائل وإنجيل منسوب لبرنابا
وتنسب المصادر التاريخية إلى برنابا إنجيلاً ورسالة وكتاباً عن رحلات وتعاليم الرسل ، وقد عثر العالم الألمانى تشندروف ( 1859 م ) على رسالة برنابا ضمن المخطوطة السينائية التي عثر عليها ، مما يشير إلى اعتبارها رسالة مقدسة فترة من الزمن .
لكن أياً من رسائله وكتاباته لم تعتبر مقدسة ، وهنا نعجب كيف اعتبرت رسائل بولس ولوقا اللذين لم يريا المسيح؟ ولم تعتبر أقوال برنابا الذي سبقهم بالإيمان وبصحبة المسيح !!
وقد صدر عام 366م أمر من البابا دماسس بعدم مطالعة إنجيل برنابا ، ومجلس الكنائس الغربية عام 382م، كما صدر مثله عن البابا أنوسنت 465م، كما وقد حرّم البابا جلاسيوس الأول عام 492م مطالعة بعض الاناجيل، فكان منها إنجيل برنابا .

العثور على نسخة من إنجيل برنابا
واختفى ذكر إنجيل برنابا قروناً طويلة حتى عثر الراهب الإيطالي فرامينو في أواخر القرن السادس عشر على نسخة منه في مكتبة البابا سكتس الخامس في الفاتيكان ، فأخفاها وخرج بها ثم أسلم ، وانقطع ذكر هذه النسخة.
وفي عام 1709م عثر كريمر أحد مستشاري ملك روسيا على النسخة الوحيدة الموجودة اليوم من إنجيل برنابا والتي استقرت عام 1738م في البلاط الملكي في فيينا ، وتقع في 225 صحيفة سميكة مجلة بصحيفتين ومكتوبة بالإيطالية.
وقد ترجمت إلى العربية في مطلع هذا القرن على يد الأستاذ خليل سعادة ، وقدم للترجمة بمقدمة نستعين بها في معرفة أصول هذه النسخة ، وقد ذكر وجود ترجمة أسبانية تناقلها عدد من المستشرقين في أوائل القرن الثامن عشر ، وانتهت إلى يد الدكتور هوايت الذي ذكر بأنها مترجمة عن نسخة البلاط الملكي الإيطالية ، وأن مترجمها للأسبانية مسلم يدعى مصطفى العرندي ، واختفت هذه النسخة عند الدكتور هوايت .
فمن هو كاتب نسخة البلاط الملكي الوحيدة ؟ ومن هو كاتب الإنجيل ؟

وصف المخطوطة الوحيدة للإنجيل
أما بخصوص النسخة الوحيدة فإنها كما يصفها خليل سعادة مجلدة بصحيفتين عليهما نقوش ذهبية..ويرى المحققون أن ناسخ هذه المخطوطة من أهالي البندقية في القرن 15 - 16 أو أوائل القرن السابع عشر ، وأنه أخذها من نسخة توسكانية أو بلغة النبدقية ، وتطرقت إليها اصطلاحات توسكانية .
ويذهب الكاتبان " لو تسدال " و " لو راواغ " إلى أن النسخ تم عام 1575م تقريباً ، وأنه من المحتمل أن يكون الناسخ فرامينو الراهب .
ويوجد على هوامش النسخة ألفاظ وجمل عربية بعضها صحيح العبارة وبعضها ركيك لا يتصور سعادة أن " يفعله كاتب عربي تحت الشمس ".
ويرجح سعادة أن الكاتب لهذه الهوامش واحد، وأنه عربي، وأن الناسخ بدل وغير في النسخة ، فنتج هذا الاضطراب في العبارات العربية ، ويجزم سعادة أن هذه النسخة نسخة منقولة عن أصل آخر لها .

موقف المسلمين من إنجيل برنابا وعلاقتهم بتأليفه
وبخصوص كاتب الإنجيل، أراد النصارى إلصاق هذا الإنجيل بالمسلمين ، من غير أن يكون لديهم دليل واحد يثبت ذلك، أو يحدد اسم هذا المسلم الألمعي العارف باليهودية وكتبها.
وبعد قراءة سعادة للإنجيل رجح – من غير أن يقدم أدلة شافية - أن كاتبه " يهودي أندلسي اعتنق الدين الإسلامي بعد تنصره واطلاعه على أناجيل النصارى ، وعندي (أي سعادة) أن هذا الحل هو أقرب إلى الصواب من غيره " .

واستند في زعمه إلى أمور :
1 ) أن للكاتب إلماماً عجيباً بأسفار العهد القديم " لاتكاد تجد له مثيلاً بين طوائف النصارى إلا في أفراد قليلين من الأخصائيين ... والمعروف أن كثيرين من يهود الأندلس كانوا يتضلعون بالعربية .. فيكون مثلهم في الاطلاع على القرآن والأحاديث النبوية " .
2 ) أن الإنجيل يؤكد على أهمية الختان وغيره من الأحكام التوراتية ، وفيه من الكلام الجارح ما يستحيل صدوره من نصراني ، كما يتضمن تقاليد تلمودية يتعذر على غير اليهودي معرفتها .
ويتضمن أيضاً أساطير وقصص عربية مما يتناقله العامة في البيئة العربية ، فدل ذلك على أنه يعيش في البيئة العربية.
3 ) أن هذا الإنجيل يوافق القرآن والسنة في مواضع عدة أهمها إنكار ألوهية المسيح أو أنه ابن الله ، وإنكار صلب المسيح ، والقول بصلب يهوذا ، وكذا يصرح  هو المسيا
rالإنجيل ويؤكد على أن الذبيح إسماعيل لا إسحاق ، ويذكر أن محمداً  المنتظر في أكثر من موضع .
4 ) أن هذا الإنجيل يباين الأناجيل الأربعة بما فيه من أدب راقٍ ومسائل فلسفية وعلمية .
واستدل لذلك بما في الإنجيل من مباحث فلسفية تشبه فلسفة أرسطو طاليس التي كانت شائعة في القرون الوسطى ، كما يحوي الإنجيل تشبيهات واستعارات أدبية تشبه ما نقل عن الشاعر دانتي في العصور الوسطى .
والنتيجة أن النصارى لا يعترفون بصحة نسبة الإنجيل لبرنابا ، ويؤكدون أنه منحول ، وأن كاتبه مسلم في القرون الوسطى .
وقد صدرت في ذلك كتابات نصرانية أكدت أن الإنجيل مزور مستدلة بما سبق وبأمور أخرى أقل أهمية مثل مخالفة الإنجيل لبعض حقائق الجغرافيا والتاريخ ، وأيضاً أنه حوى أموراً تكذبه بها الأناجيل الأربعة ومنها قوله: " أن الله اعتبر الكذب في سبيل الحمد فضيلة " ( برنابا 161/60 ) ، ومنها أن قوله بصلب يهوذا بدلاً عن المسيح فكرة غير ناضجة ، لأن الله لو أراد إنقاذ المسيح لأنقذه بمعجزة ، وليس عن طريق الغش والخداع الذي يلجأ إليه الضعفاء .

موقف علماء الإسلام من إنجيل برنابا
على الرغم من موافقة إنجيل برنابا لمعتقدات المسلمين في الجملة، فإن أحداً من المسلمين لا يعتبره الإنجيل الذي أنزله الله على المسيح ..
ولم يلجأ المسلمون إلى الاستشهاد بهذا الإنجيل إلا نادراً ، وكان استشهادهم به أقرب إلى الاستئناس منه إلى الاستدلال ، فالمسلمون لا يرون في هذا الإنجيل إنجيل المسيح ، لكنه أقرب إلى طبيعة المسيح وتلاميذه من سائر الأناجيل .
ورفض المسلمون نسبة هذا الإنجيل إلى المسلمين ، فلقد وجد في بيئة مسيحية صرفة كما سبق بيانه ، وقد سبق ذكره قبل الإسلام بقرون عدة مما يدل على براءة المسلمين منه .
وأما التعليقات العربية الموجود على نسخته الإيطالية فهي من عمل الناسخ عن الأصل أو قارئ للنسخة لا يجيد العربية ، ولعله فرامينو الراهب الذي أسلم ، وتكون هذه النسخة هي التي عثر عليها في مكتبة البابا.
ثم من ذا المسلم الذي سيصنع هذا الإنجيل، ولا يستشهد به هو ولا من بعده في مناظرة النصارى ؟ وكيف له أن يوصله إلى مكتبة البابا بالفاتيكان ؟ فجهل المسلمين به وعدم استشهادهم به دليل برائتهم منه .
وأما تصريحه باسم النبي صلى الله عليه وسلم واعتباره دليلاً على أنه من وضع المسلمين ، وأن المؤلف المنتحل - كما يقول سعادة – "بالغ وجاوز في الغرض ولو أشار من غير تصريح باسم النبي لكان ذلك أبلغ" .
فهذا نراه دليلاً على صحة نسبة الإنجيل وبراءة المسلمين منه ، إذ لا يمكن أن يفوت كاتب الانجيل ، وهو الذي يصفه سعادة بالذكاء البارع - مثل هذه الأمر ، فلو كان منتحلاً لأشار للنبي ولم يصرح باسمه ، فتصريحه مع ذكائه وبراعته دليل أصالته.
وأما تكذيب الإنجيل لألوهية المسيح ، وتشنيعه الشديد على من ترك الختان فهو دليل على نصرانية كاتبه لا يهوديته، إذ ترك الختان ليس من دين المسيح، بل هو من تغيير بولس بعد المسيح ، ومثله القول بألوهية المسيح.
وقد كتب برنابا إنجيله ليكشف ما صنعه بولس كما جاء في مقدمته " إن الله العظيم العجيب قد افتقدنا في هذه الأيام الأخيرة بنبيه يسوع المسيح برحمة عظيمة للتعليم والآيات التي اتخذها الشيطان ذريعة لتضليل كثيرين بدعوى التقوى ، مبشرين بتعليم شديد الكفر ، داعين المسيح ابن الله ، ورافضين الختان الذي أمر الله به دائماً مجوزين كل لحم نجس ، الذين ضل في عدادهم أيضاً بولس الذي لا أتكلم معه إلا مع الأسى ، وهو السبب الذي لأجله أسطر ذلك الحق الذي رأيته..." ( برنابا : مقدمة /2 - 8 ) .

مخالفة الإنجيل لمعتقدات المسلمين
ومما يدل على براءة المسلمين من هذا الإنجيل اختلافه في طريقة صياغته وأسلوبه عن طريقة العرب وأسلوبهم ، فليس في المسلمين من يذكر الله ولا يثني عليه. أو يذكر الأنبياء ولا يصلي عليهم .
كما يخالف المعتقدات الإسلامية في مسائل منها قوله بأن الجحيم للخطاة السبعة: المتكبر والحسود والطماع والزاني والكسلان والنَهِم والغضِب المستشيط ، ( انظر برنابا 135/4 - 44 ) وقد ترك ذنوباً أكبر كالشرك والقتل، كما أن الكسل والنهِم لايستحقان النار.
ومثله قوله: " دعوا الخوف للذي لم يقطع غرلته ، لأنه محروم من الفردوس " ( برنابا 23/17 ) فمثل هذا لا يوافقه عليه مسلم .
ومثله تسمية الله " العجيب " ( برنابا 216/3 )، وهو ليس من أسماء الله الحسنى.
وكذا قوله عن الله: " إن الله روح " ( برنابا 82/6 ) والأرواح عندنا مخلوقة.
ويتحدث عن الله ، فيصفه أنه " المبارَك " ( برنابا 71/16 )، ولا يمكن لمسلم أن يقول عن الله ذلك ، إذ هو الذي يبارِك ، ومن ذا الذي يبارك الله جل وعلا !!! فتبارك الله أحسن الخالقين .
ومما يرد أيضاً انتحال مسلم لإنجيل برنابا قوله: " أقول لكم إذاً: إن السماوات تسع "( برنابا 105/3 ) ولا يقول بهذا مسلم قرأ القرآن .
وأيضاً يذكر برنابا تسميات للملائكة لم يقل بها المسلمون ، وفي ذلك ذكر اسم رفائيل وأوريل في قوله: " أمر جبريل وميخائيل وأوريل سفراءه أن يأخذوا يسوع من العالم … فجاء الملائكة الأطهار " ( برنابا 215/4-5 ) .
ثم قد ورد اسم الرسول " محمد " مرات عدة في إنجيل برنابا، ولم يرد اسمه " أحمد " مرة واحدة ، ولو كان الكاتب مسلماً لعمد إلى كتابته - ولو مرة واحدة ليحقق التوافق الحرفي مع ما جاء في سورة الصف { ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد } . (الصف: 6)
ثم لو كان كاتبه مسلماً لكتب معجزة كلام المسيح في المهد التي ذكرها القرآن وأغفلتها الأناجيل ، وغير ذلك من المسائل التي تثور في وجه من يقول بانتحال مسلم لهذا الإنجيل .
وحين يدفع المسلمون القول بأن إنجيل برنابا منحول ، ليس لجزمهم بصحة نسبة الإنجيل إلى برنابا ، بل لجزمهم بأن هذا الإنجيل لا يقل حاله بحال من الأحوال عن سائر أسفار العهد القديم والجديد .
ويوافق المسلمون النصارى في اعتراضهم على هذا الإنجيل، ودعواهم بأنه لم يصل بطريق موثق ، وأنه لا يعلم أصله، لكن الحال الذي ينكرونه هو حال كل صحيفة من صحائف الكتاب المقدس.
بل إن لإنجيل برنابا مزية على سائر الأناجيل، فقد صرح فيه الكاتب أنه برنابا، ويقول عن نفسه في سائر صفحات الإنجيل: فقال لي برنابا ، وقلت للمسيح .... ، بينما لا تجد مثله في سائر الأناجيل ( انظر متى 9/9 ) و( يوحنا 21/24 ) .
وأما عن أخطاء الإنجيل التاريخية أو ذكره تسمية "جبل طابور" ( برنابا 42/20 ) وهي تسمية غير معهودة أيام المسيح ، فهذا لا يختلف أبداً عن ذكر حبرون في عهد موسى ، وقد سميت بعده ( انظر التكوين 13/18 ) .
ولعل هذه التسمية الجديدة - إن صحت جدتها - من عمل الناسخ وتدخله في النص .
ثم إن أسلوب الكاتب ومعلومات الإنجيل يؤكدان بأن الكاتب ضليع في علوم الكتاب المقدس، متصف بعمق واسع يليق بمثل برنابا داعية النصرانية في الجيل الأول ، فليس بمستغرب أن يكون قد كتب إنجيلاً، ومنع قراءته دليل وجوده بل واشتهاره .
وأما مخالفة الإنجيل للحقائق التاريخية فلكونه عملاً بشرياً ، ولا حرج في ذلك، إذ أن النصارى ينسبون مثل هذه المخالفات إلى أسفار الوحي .
وقول برنابا: " الكذب فضيلة " لا يختلف كثيراً عن قول بولس عن نفسه بأنه روماني كذباً (انظر أعمال 23/25)، ثم قوله: " فإنه إن كان صدق الله قد ازداد بكذبي لمجده " ( رومية 3/7 )، فصدور هذا الاعتراض من النصارى لا يقبل .
وأما التشابه بين أقوال الشاعر دانتي وإنجيل برنابا فهو لا يعني جزماً بأن كاتب الإنجيل وجد بعد دانتي ، بل قد يكون دانتي هو المستفيد من برنابا .
ثم إن التشابه لا يعني بالضرورة نقل اللاحق عن السابق دائماً ، وإلا لزم أن نقول بأن أسفار التوارة التشريعية منقولة عن قوانين حمورابي للتشابه الكبير بينهما .
وأخيراً، فإنه لو كان كاتب الإنجيل في العصور الوسطى لما وقع بتلك الأخطاء في الإحالة إلى أسفار التوارة، ولكان أيضاً قد اهتم بالتنديد بالأناجيل الأخرى ، ولكنه لم يصنع لسبب بسيط ، وهو أنه كتب إنجيله قبل انتشار هذه الأناجيل.
ولو كان الإنجيل منحولاً لندد مؤلفه بالتثليث وكتب في إبطاله ، لكنه لم يتحدث عنه ، فدل ذلك على أن زمن الكتابة سابق على دعوى التثليث التي ظهرت في القرن الرابع .
وهكذا نرى أن إنجيل برنابا لا يختلف من ناحية الإسناد كثيراً عن الأناجيل الأربعة ، لكنه الإنجيل الوحيد الذي صرح فيه كاتبه باسمه وبأنه شاهد لما يكتب ، وأما متنه فكان أكثر اتساقاً من جميع الأناجيل ، متميزاً بترابطه وجمال أسلوبه ومعرفته الكبيرة بالعهد القديم وأسفاره، وهو ما يليق حقاً بداعية النصرانية في الصدر الأول : برنابا .
وقد كانت مضامين هذا الإنجيل متفقة إلى حد بعيد مع ما يعهد في رسالات الله إلى أنبيائه ، وحُقَّ لتولاند 1718م في كتابه " الناصري " أن يقول عند ظهور هذا الإنجيل : " أقول على النصرانية السلام " . وقوله " إن مد النصرانية قد وقف من ذلك اليوم .. إن المسيحية ستتلاشى تدريجياً حتى تنمحي من الوجود ".


كتبه: د. منقذ بن محمود السقار
مكة المكرمة – شوال 1423هـ


قيل الكثير عن إنجيل برنابا، من حيث كونه يتفق مع ما ورد في القرآن الكريم حول التوحيد وكون المسيح عليه السلام بشراً رسولاً ونبياً فمن هو القديس برنابا؟  أنقل في هذه المقالة بعض المعلومات من موقع: الإجابة عن الإسلام

ولد برنابا لأسرة يهودية في جزيرة صقلية, وكان اسمه الأصلي جوزيس أو جوزيف.  وكان من أكبر حواريي المسيح عليه السلام مكانة واحتراماً، كما كان رفيقاً قريباً منه عليه السلام. 

والمعروف أن المسيح عليه السلام كان يجيد القراءة والكتابة، ولكنه لم يدون الإنجيل بيديه، ولا نعلم السبب في ذلك، إلا أن إيماننا بالمسيح عليه السلام رسولاً أميناً يجعلنا لا نشك أن قيامه أو عدم قيامه بتدوين الإنجيل إنما كان بأمر من الله سبحانه وتعالي، فالرسول الأمين لا يتصرف في أمر بهذه الأهمية من تلقاء نفسه، وكلنا يعلم قصة يونس عليه السلام لم خالف أمر ربه وخرج مغاضباً في سفر لم يأمره الله سبحانه وتعالى به. 

وقد كتبت الأناجيل الحالية خلال مائة عام بعدما رفع الله سبحانه وتعالى المسيح عليه السلام إليه، ومن تلك الأناجيل إنجيل برنابا.  وبعد رفع المسيح، اشتدت المنافسة بين أتباعه، حيث كان بعضهم، ومنهم برنابا، يؤمن بضرورة اتباع تعاليم المسيح وأعماله ومبادئه بحذافيرها دون أي تغيير، فيما كان آخرون، وعلى رأسهم القديس بولس، يفضلون التضحية ببعض تلك التعاليم والمبادئ من أجل نشر الديانة الجديدة وجعلها مرغوبة ومقبولة من الشعوب التي لم تدخلها بعد، وخاصة الإغريق الرومان.

ومن أمثلة ذلك أن المسيح عليه السلام قال فيما يتعلق بقوانين وأنبياء العهد القديم: "لم آت لألغيها وإنما لأنفذها" (متى، 5 : 17)، وهو نفس ما ورد في القرآن الكريم في قوله تعالى على لسان المسيح "ومصدقاً لما بين يدي من التوراة.." (آل عمران - 50)، وعندما سأله رجل عن كيفية تحقيق الخلود أمره باتباع أوامر العهد القديم (مرقس 10 : 17 - 19).  ولكن القديس بولس بادر بإلغاء تلك القوانين فور تمكنه من تثبيت أقدامه بين الحواريين بقوله : "لأن كل من يعملون بمقتضى القوانين ملعونون" (الجلاتيون: 3 : 10) وقوله: "وأنتم يا من تتبعون القوانين قد حرمتم من الرحمة الإلهية" (الجلاتيون: 5 : 4)، رغم أنه عندما رغب في إسكات النساء احتمى بالقانون قائلاً: "أسكتوا نساءكم في الكنائس، لأنه لا يحق لهم الكلام، ولكن عليهم الطاعة كما يقول القانون" (الكورنثيون، 14: 34-35). 

واستمرت المنافسة بين الطائفتين لعدة قرون، وأدت إلى مقتل الكثيرين.  وفي عام 325 تمكن أتباع بولس من السيطرة على المجمع الكنسي المنعقد في نيسيا، وعلى الفور أمروا بإحراق الأناجيل الإغريقية الأربعة، ومنها الإنجيل الوحيد الذي كتب باللغة الآرامية لغة المسيح عليه السلام.

واعتمد مجمع نيسيا الكنسي عقيدة التثليث (التي ابتدعها الكاهن السكندري أثناسيوس) عقيدة أساسية للديانة المسيحية، كما قام بتغيير يوم ميلاد المسيح عليه السلام إلى يوم 25 ديسمبر، ليتفق مع يوم ميلاد إله الشمس ميثراس، وغير يوم العبادة الأسبوعي من السبت إلى الأحد.

ويعد إنجيل برنابا أصح الأناجيل الموجودة اليوم، فقد كان برنابا مرافقاً للمسيح، وكانت تملؤه الروح القدس.  أما بالنسبة للأناجيل الخمسة الأخرى المعتمدة من الكنائس المسيحية، فإن معظم الخبراء يتفقون على أن أسماء مؤلفيها الحقيقيين غير معروفة، فقد كتبت هذه الأناجيل بيد أتباع القديس بولس، ثم ألصقت بها أسماء شهيرة لإكسابها مصداقية واحتراماً.

أحمد مختار

Hit Counter