موضوع الحلقة: الروح والنفس والموت
ما هو الموت والحياة ؟ وهل هما مخلوقات من مخلوقات الله تعالى؟
الموت مخلوق كسائر مخلوقات الله تعالى وإن تدبرنا آيات القرآن الكريم لوقفنا عند بعض الكلمات التي يجب تدبر معانيها فقد قال تعالى في سورة تبارك الملك (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ {1} الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ {2}) فكأنما يريد الله تعالى أن يقول تبارك الذي خلق الموت وخلق الحياة. والفرق بين المسلم وغير المسلم أن للمسلم قرآن قال تعالى عنه أنه روح فيجب أن يحيا المسلم بالقرآن حياة تختلف عن حياة الآخرين على سبيل المثال الموت في القرآن هو بداية الحياة للمسلم فتوصيف الموت على هذا النحو في القرآن يجعل المسلم يتفاعل مع الموت على أنه بداية لحياة جديدة هي الحياة الآخرة والله تعالى كتب الموت على كل نفس ووصف تعالى الحياة الدنيوية بـ (الدنيا) ووصف الآخرة بـ (الحيوان) وهي دلالة على أنها ممتلئة والتي لا موت بعدها أو الحياة الحقيقية، وصيغة فعلان في اللغة تدل على الإمتلاء وليس لها مثيل مثل صفة رحمن وهذه صفة لا تطلق إلا على الله تعالى على عكس صفة رحيم فهي قد تطلق على البشر وقد أطلقها تعالى على الرسول r في قوله (بالمؤمنين رؤوف رحيم) . والحيوان واحد وهي الحياة الآخرة.
ويوم القيامة الذي بعده خلود دائم لا يجب أن يكون فيه موت ولذلك فإن الله تعالى يُجسّد الموت على الصراط ويسأل أهل الجنة إذا كانوا يعرفونه فيجيبون بنعم ويسأل أهل النار إن كانوا يعرفونه فيجيبون بنعم ثم يُذبح على الصراط فلا موت بعد اليوم إما خلود في الجنة أو خلود في النار. والموت ينقل من دار الفناء إلى دار الخلود والبقاء ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة وهو شيء محتوم. وعلى المسلم الحقّ أن لا يفزع أو ينهار إذا سمع بموت أحد الناس حتى لو كان من أقرب أقاربه لأنه إذا كان يقرأ القرآن ويفهمه لعرف أن وراء هذا الموت للمسلم حياة نعيم وخلود أبدي وأن الله تعالى يجازي الصابرين كما في الحديث القدسي "قبض ولد العبد المؤمن" "يسأل الله تعالى ملائكته هل قبضتم ولد عبدي فيقولون نعم فيقول ماذا قال عبدي يقولون حمدك واسترجع فيقول تعالى ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة سمّوه بيت الحمد" وورد في الأحاديث أنه إذا قُبض صفيّ العبد فصبر فلا جزاء له إلا الجنّة. وإنما الصبر عند الصدمة الأولى والموت إنما هو ابتلاء من الله تعالى للمسلم فإذا عرف المسلم معنى قوله تعالى (خلق الموت والحياة) لقال الحمد لله إنا لله وإنا إليه راجعون. والصبر هو ركن من كل أركان الإسلام فالصلاة والصيام والحج كلها تحتاج لصبر فالصبر هو الأساس في كل هذه الأركان.
ومما يجب التنبيه له أنه عادة ما يسأل المسلم عن عذاب القبر والأولى أن يسأل عن حساب القبر لأنه بمجرد أنه ذكر عذاب القبر فقد افترض الأسوأ والمسلم لإيمانه برحمة الله وعدله ولطفه قوي جداً والمسلم الذي هو على يقين بكل ما جاء في القرآن والسنّة يعلم أن في القبر حساب يعقبه نعيم أو عذاب. ومن المؤسف أن نرى كثيراً من الدعاة يرهبون الناس بعذاب القبر ويوردون الأحاديث الضعيفة عن عذاب القبر وأهوال القبر حتى وكأنما يظهر للناس أن الله تعالى يتشفّى من عباده وحاشا لله أن يكون هكذا فهو رؤوف رحيم رحمن الدنيا والآخرة. إذن على المسلم أن يسأل عن حساب القبر.
ولنبدأ بمراحل الخلق. أول ما خلق الله تعالى القلم فقال له اكتب فكتب مقادير الخلائق قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة ومن تقدير الله تعالى أن تكون هناك حياة يترقبها موت فكل مخلوق من مخلوقات الله تعالى يترقب الموت (وقضى أجلاً وأجل مسمى عنده) وخلق الله تعالى الخلق وقضى آجالهم وحدد وقت القيامة. ومع اختلاف الفلاسفة حول أمور كثيرة إلا أنهم جميعاً اتفقوا على أن الحقيقة الواحدة هي الموت. ولمّا خلق الله تعالى آدم كتب الموت والفناء والهلاك على جميع خلائقه وأوجب الوجود لجلاله وأوجب الوجود لعظمة ذاته كما جاء في قوله تعالى (قل يتوفاكم ملك الموت الذي وُكّل بكم ثم إلى ربكم تُرجعون) وقوله تعالى (إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة) (كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) (كل شيء هالك إلا وجهه). فهو تعالى الحيّ الذي لا يموت وما غيره يموت حتى الموت نفسه فما من مخلوق إلا ويموت أو يفنى أو يهلك بطريقة ما. فكلمة الحياة تختص بكل مخلوق على حدة فالإنسان له قوام حياة تُسمّى الروح والحيوان له قوام حياة والجماد أيضاً له قوام حياة. فالإنسان يموت وكل المخلوقات على وجه الأرض يفنى فلو جبلنا بعض الإسمنت بالماء وبنينا به جداراً ثم وقع هذا الجدار لا يمكننا أن نعيد جبل الجدار المنهار مرة أخرى لأنه بكل بساطة مات.
ننتقل الآن إلى موضوع الروح ودلالاتها في القرآن الكريم حتى نفهم معنى الروح والموت بشكل أوضح. وعندما نتكلم عن الموت فإننا نتكلم عن نقض الحياة وقد أجمع علماء اللغة أن الموت هو نقض الحياة. ولو نظرنا إلى سهم الحياة لوجدناه يسير على الشكل التالي:
ماء + تراب ¬ طين لازب ¬ صلصال من حمأ مسنون ¬ صلصال من فخّار ¬ ينفخ الله تعالى الروح
وإذا نظرنا إلى سهم الموت لوجدنا أنه عكس سهم الحياة:
الروح ¬ صلصال من فخّار ¬ صلصال من حمأ مسنون ¬ طين لازب ¬ ماء + تراب
فالروح هي آخر ما يدخل في الجسد في مرحلة الخلق والحياة وهي أول ما يخرج من الجسد في مرحلة الموت أو نقض الحياة .
وردت الروح في القرآن الكريم بستة معاني وهي :
الروح التي هي قوام الحياة وهي الروح الوحيدة التي نٌسبت إلى الله تعالى كما في قوله تعالى (فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين) وقوله تعالى (ثم سواه ونفخ فيه من روحه).
الروح بمعنى عيسى u كما في قوله تعالى (إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه).
الروح بمعنى جبريل u كما في قوله تعالى (نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين)
الروح بمعنى السكينة والنصر والتأييد كما في قوله تعالى (وأيّدهم بروح منه).
الروح بمعنى الوحي كما في قوله تعالى (يُلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده) وهو الوحي الذي يعطيه الله تعالى للأنبياء الذين اصطفاهم وهذا الوحي قد يكون عن طريق الإلهام أو جبريل أو غيره. إذن الروح هنا هي بمعنى الوحي على الإطلاق.
الروح بمعنى القرآن خاصة لأن القرآن يُسمى روحاً كما في قوله تعالى في سورة الشورى (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ {52}) وهذه الآية في سورة الشورى حلّت الإختلاف بين المفسرين حول آية سورة الإسراء (يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي) لأن بعض المفسرين فسروا الروح هنا على أنها القرآن ولكنها في الحقيقة هي قوام الحياة. فالروح التي هي من أمر الله إما أن تكون الوحي (يُلقي الروح من أمره) وإما أن تكون القرآن (أوحينا إليك روحاً من أمرنا). وسُمّي الوحي روحاً وسُمي القرآن روحاً لأنهما يجعلان للمسلم أو المتّبع عامة حياة جديدة مصداقاُ لقوله تعالى (استجيبوا للرسول إذا دعاكم لما يحييكم) بمعنى يحييكم بالقرآن وكذلك في قوله تعالى (نزل به الروح الأمين على قلبك) الضمير (به) يعود على القرآن. وفخر لكل عربي أن القرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين فيجب علينا أن نتلقى منه الروح التي تنقلنا إلى حياة جديدة. وللمسلم حياتان الحياة الأولى بالروح التي هي قوام الحياة والثانية بالقرآن ومن عظمة القرآن أن الوحي كلّه سُمّي روحاً والقرآن وحده سُمّي روحاً. أما الروح التي هي قوام الحياة فهي سر من عند الله تعالى وهي كما أسلفنا الروح الوحيدة التي نُسبت إلى الله تعالى في القرآن الكريم.
الفرق بين الموت والوفاة:
ننتقل الآن إلى تعريفات الموت في القرآن. فقد ورد في القرآن أمثلة على الموت وأراد تعالى أن يُعلمنا كُنه الموت وحقيقة الوفاة. وحتى نفهم الموت يجب أن نستعرض القرآن الكريم. فهل قبض الروح هو بداية الموت؟ يقول تعالى (الله يتوفّى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمّى) فالموت شيء والوفاة شيء آخر. والوفاة قد تكون موتاً وقد لا تكون. وفي الآية وردت حالتان للوفاة (حين موتها) و (التي لم تمت في منامها) فالنوم إذن وفاة وليس موتاً مع أنه يُسمى الموتة الصغرى لأن فيه شِقّ موت. ملك الموت يقبض الروح بعد هذا فيه وفاة الروح نفسها أي خروجها من الجسد. ساعة الموت وخروج الروح يقبض ملك الموت الروح والله تعالى يتوفّى النفس (وهنا عُبّر عن النفس بالروح مجازاً) إذن تخرج الروح بالموت والنائم روحه متوفاة عند الله تعالى وسمّاها الرسول r الموتة الصغرى لأن روح النائم هي متوفاة عند الله تعالى كما يشير إليه دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم قبل النوم "باسمك اللهم وضعت جنبي وبك أرفعه إن أمسكت روحي ارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين" وكذلك الدعاء الذي ورد عنه r عند الإستيقاظ من النوم "الحمد لله الذي ردّ علي روحي" ولهذا جاء في الحديث أنه على المسلم أن ينام على وضوء. فكل موت وفاة وليست كل وفاة موتاً.
إذن تكون الوفاة قبل الموت هي النوم والوفاة ساعة الموت هي بعد قبض الملك للروح.
النفس:
النفس جاءت في القرآن الكريم بثلاثة أوصاف: نفس لوّامة ونفس أمّارة بالسوء ونفس مطمئنة. والنفس الأمارة بالسوء واللوامة تستخدم في الكلام عن النفس التي تمثّل الحياة وليس الموت، أما النفس المطمئنة فهي لا تكون إلا بعد الموت لأن النفس لا تطمئن إلا ساعة الموت لأنها لو اطمأنت في الدنيا لضاعت (وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد) وهذا مصداقاً لقوله تعالى في سورة الفجر (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ {27} ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً {28} فَادْخُلِي فِي عِبَادِي {29} وَادْخُلِي جَنَّتِي {30}) هذه هي النفس التي توفّت ساعة الموت وعند الوفاة لأن الوفاة تكون للنفس وليس للروح. ولهذا قال تعالى (ارجعي) ولم يقل اعملي فهذا دليل على أن النفس المطمئنة هي النفس بعد الموت.
بُثت هذه الحلقة بتاريخ 22/2/2004م
الروح والنفس (2)
تحدثنا في الحلقة السابقة عن الروح ومعانيها المختلفة كما وردت في القرآن الكريم وعن الخلق والحياة ونؤكّد في هذه الحلقة على هذه المعاني. الروح وردت في القرآن في أكثر من موضع وإنما اجتماع المواضيع يعطي ستة معاني مختلفة لكلمة الروح وهذا ما تتميز به اللغة وما يتميز به القرآن وأن الكلمة الواحدة قد يكون لها أكثر من معنى. أخذنا الروح كمثال لنؤكد ما فيها من معاني عميقة لمعنى الروح فجاءت كما قلنا في الحلقة السابقة بمعنى عيسى u وُصف بأنه روح بحدّ ذاته (إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه) وبمعنى جبريل سُمي روحاً وهذا توصيف لجبريل في القرآن (نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين) وبمعنى السكينة والنصر والتأييد (وأيّدهم بروح منه) والمعنى العام لكلمة الروح والمشهور عند الناس هو قوام الحياة (فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين) وهنا أحب أن أشدد على أنه يجب أن نأخذ اللغة من باطن الفصحى لا من باطن العامّية لأن بينهما فرق كبير. وقلنا أن آية سورة الشورى حلّت الإشكال الذي وقع فيه بعض المفسرين في تفسيرهم لكلمة الروح التي جاءت في سورة الإسراء (يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي) وقالوا إنها قوام الحياة لكن الآية الوحيدة التي نُسبت فيها الروح لله تعالى (فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين) وهي الروح التي أقام الله تعالى بها حياة آدم u. وبقي معنيان آخران للروح وهما الروح بمعنى الوحي مطلقاً (يُلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده) وبمعنى القرآن خاصة (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) الشورى) فالوحي مطلقاً سُمي روحاً والقرآن خاصة سُمي روحاً والملك المكلّف بتبليغ الوحي على الرسول r سُمي روحاً أيضاً. وعندما نزلت الآيات واستقر القرآن في سورة الاسراء (يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي) الغالب على المفسرين أنهم يقولون بأنها قوام الحياة لكن منهم من يقول إنها القرآن لأن ما قبلها وما بعدها يدل على ذلك وأكّد ذلك كما قلنا في سورة الشورى الآية 52. فالروح من أمر الله تعالى هي الوحي والقرآن والروح عموماً بمعنى عيسى u لأما الروح قوام الحياة فهي من أسرار الله تعالى.
أما النفس فهي جِماع الروح والبدن في الغالب ويجب أن نقف عند توصيف النفس في القرآن لنؤدّي مُراد الله تعالى في الحياة. والنفس أنواع : النفس الأمّارة والنفس اللوامة والنفس المطمئنة. وقلنا في الحلقة السابقة أن النفس إذا اطمأنّت في الدنيا ضاعت لأنه إذا اطمئن الإنسان لإيمانه لن يصلي ولن يصوم ولن يعمل صالحاً. النفس على إطلاقها أمّارة فإذا رضي الله تعالى عنها جعلها لوّامة لذا أقسم تعالى بها (وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2) القيامة) أما النفس المطمئنة يشرحها المفسرون في بعض التفاسير أنها النفس التي صاحبها عمِل صالحاً هذا كلام جيد لكننا ننتبه إلى قول الله تعالى (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) الفجر) قال تعالى ارجعي ولم يقل اعملي وهذا يدلنا على أن النفس المطمئنة هذه لا تكون مطمئنة إلا ساعة الموت. فالنفس اللوامة تطمئن ساعة الموت (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (19) ق) سكرة الموت تأتي بالحق فالنفس اللوامة التي كانت تلوم صاحبها تطمئن ساعة الموت (فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30)) ويمكن أن نأخذ حلقة كاملة في النفس المطمئنة. النفس الأمارة على الإطلاق واللوامة للمؤمنين والمتقين والمحسنين هؤلاء هم أصحاب النفس المطمئنة ساعة الموت. فلو قلنا أن النفس المطمئنة هي في الدنيا تأتي الآيات في القرآن لتعطينا عكس هذا المفهوم قال تعالى في سورة الفجر (فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16)) فلو كان المقصود بالنفس المطمئنة تلك التي اطمأنت في الدنيا لركن الغني إلى الغنى واطمئن وركن الفقير إلى الفقر واطمئن وجاء الرد من الله تعالى بعد هذه الآية (كلا) وفيها الإجابة و(كلا) هذه كلمة زجر وردع لأنه لا الفقر دليل الإهانة ولا الغنى دليل الكرم إنما حلّ القضية قوله تعالى (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) ويكون المتّقي في الدنيا صاحب النفس المطمئنة عند الموت بدليل كلمة (ارجعي) في الآية ولم يقل (اعملي).
والغنى والفقر هما من الابتلاءات في الحياة من الله تعالى (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2) الملك)، والإبتلاء يأخذ أشكالاً كثيرة كالإبتلاء في الصحة والمال والولد والغنى والفقر وغيرها.
ويسأل المقدم حول صحة ما يقال عن أن الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء فيردّ الدكتور أن هذه مسألة غير مطلقة فقد يكون هناك فقراء غير مسلمين وأغنياء مسلمين وصالحين والمهم هنا أن نسأل هل سننجح في هذا الاختبار وهل يصبر الفقير على فقره وهل يشكر الغني على غناه؟ وكل لفظ في القرآن له دافع لأدائه فالفقر يوجب الصبر والغنى يوجب الشكر والصحة تحتاج لتلقي سليم. وساعة الهجرة هاجر الفقير والغني والفرق بينهما أن الفقير يحتاج لمن يساعده ليهاجر والغني يدفع ليهاجر والرسول r عندما كان في المدينة قال لعبد الرحمن بن عوف وكان من أغنياء المسلمين "أولِم عنهم" بعد أن كان يقول لكل من تزوج "أولم بشاة" وهذه الوليمة هي لاشهار الزواج والمعنى أن الرسول r طلب من عبد الرحمن بن عوف ممازحاً إياه أن يولِم عن الباقين لغناه. وعلينا أن نغتنم الأيام فبل انقضائها كما جاء في حديث الرسول r " اغتنموا خمساً قبل خمس" لأن اليوم الذي ينقضي لا يعود كل فجر يقول يا ابن آدم أنا فجر جديد على عملك شهيد فاغتنمني فإني لن أعود إلى يوم القيامة. فالصبر إذن هو ركن ركين في كل عمل من أعمال المسلم.
نعود إلى مسألة الخلق ويسأل المقدم الدكتور أن يتحدث عن موضوع بداية الخلق خلق السماوات والأرض والبشر والقرآن وهنا يقطع الدكتور على المقدم ليبيّن خطورة القول بخلق القرآن ويقول: حاول الكثيرون أن يعتبروا أن القرآن مخلوق وهو ليس مخلوق ومات من أجل هذه القضية علماء كُثُر وعُذّب علماء كثر منهم الإمام أحمد ابن حنبل ونقول أن القرآن إنما هو كلام الله تعالى باقٍ ببقاء الله عز وجل. والذين افتعلوا هذه الفتنة أرادوا أن يصلوا منها إلىأن كل الخلق سيموتون وبما أن القرآن مخلوق سيموت أيضاً وهذا كلام لا يليق فقد رفضه علماء كثيرون وماتوا لاجل الدفاع عن هذا الأمر فالقرآن باق إلى يوم القيامة والله تعالى ينادي به (يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (16) غافر) فالقرآن ليس بمخلوق وإنما هو كلام الله باقٍ ببقاء الله تعالى.
وقبل أن نبدأ الحديث عن الخلق وكيف بدأ الخلق نقول أن الموت مخلوق لله وطالما نتحدث عن الموت نتحدث عنه كنقض للحياة ويجب أن نتكلم عن الحياة لنستوعب قدرة الله تعالى في الخلق حتى إذا تكلمنا عن الموت يكون أهون علينا مما هو الآن لأن بعض الناس أو معظمهم يخاف من الموت ويجب أن ننظر إلى الموت على أنه السبيل للقاء الله عز وجل "من أحبّ لقاء الله أحبَّ الله لقاءه". وأُحذر نفسي والمشاهدين من أمور يفتعلها الشيطان حتى نسرح بخيالنا من سؤالنا عمن خلق السماوات وخلق الأرض إلى السؤال من خلق الله؟ والرسول r يعلّمنا أن تقف عند حدّ معين عندما نتفكر ونتدبر في الخلق هذا الحدّ هو الله تعالى ونهانا الرسول r عن إطلاق التفكّر. وأذكر أنه جاء أناس من اليمن للرسول r فقالوا: جئنا نسألك عن هذا الأمر (أي الخلق) فأجابهم الرسول r إجابة بليغة حاسمة فقال: كان الله ولم يكن شيء قبله (في رواية أحمد) وكان الله ولم يكن شيء غيره (في رواية البخاري). ومن هذا الحديث يعلّمنا الرسول r أن الله تعالى هو البداية فالله تعالى هو الأول ليس قبله شيء وهو الآخر فليس بعده شيء وهو الظاهر فلا شيء وقه وهو الباطن فلا شيء دونه وقد علمنا الدكتور رمضان عبد التواب أن نأخذ بينهما أيضاً فالله تعالى هو الأول والآخر وما بينهما وهكذا. فالله تعالى هو كل بداية كل شيء ويتعالى أبو هريرة ويباهي الصحابة على الحديث الذي قال فيه: "أخذ رسول الله r بيدي وقال خلق الله عز وجل التُربة يوم السبت وخلق الجبال يوم الأحد وخلق الشجر يوم الاثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء (المكروه هو كل ما يكرهه الانسان) وخلق النور يوم الأربعاء وبثّ الدوابّ يوم الخميس وخلق آدم يوم الجمعة في آخر ساعة من ساعات الجمعة من العصر إلى الليل". وللأسف أن العوام من الناس يتناقلون حديثاً أنه في يوم الجمعة ساعة نحس وهذا القول يُخرج من المِلّة لأنه في الحديث الصحيح عن رسول الله r أنه قال:"خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة فيه خُلِق آدم وفيه أُدخِل الجنة وفيه أُخرِج منه وفيه تقوم الساعة" رواه أحمد. وعلينا أن نأخذ الكلام من فم رسول الله r .
وحديث أيام الخلق الستة يوضح أن الله تعالى خلق كل شيء بقدر وحكمة وكأن الحديث يقول أن الله تعالى خلق كل الكائنات لأجل آدم ومسخّر له. وفي حديث آخر عندما خلق الله تعالى الأرض جعلت تميد فألقى الله تعالى الجبال لتثبيتها وتعجبت الملائكة فقالوا أهناك شء أشد من الجبال فقال تعالى الحديد فسألوا أهناك شيء أشد من الحديد فقال النار ثم النار تُذيب الحديد ثم الريح تُطفئ التار ثم ابن آدم إذا تصدّق بيمينه ما لم تعلمه شماله.
يسأل المقدم عن خلق الله تعالى لآدم وأنواع الخلق فيجيب الدكتور أن الله تعالى خلق آدم من دون ذكر وأنثى، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى (من آدم)، وخلق البشر جميعاً من ذكر وأنثى وبقي هناك نوع من الخلق وهو الخلق من أنثى بلا ذكر فكان عيسى ابن مريم وأمه وبهذا يثبت الله تعالى لعباده أن قدرته الرباعية على الخلق بكافة أشكاله مكتملة وقال تعالى (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59) آل عمران) يضرب الله تعالى المثل في عيسى ثم تأتي الآية بعدها بخلق آدم من تراب وكأننا بالله تعالى يقول يا من حاججتم في خلق عيسى من أم بلا أب كان يجب أن تحتجوا على خلق آدم الذي خُلق بدون ذكر ولا أنثى فعيسى كان له أمٌ تحمله أما آدم فلا فإن لم تسألوا عن خلق آدم فلِمَ تسألون عن خلق عيسى؟ فالذي لا يستوقف في خلق آدم ويستوقف في خلق عيسى فكلامه مردود عليه والقادر على الخلق بلا ذكر وأنثى قادر على أن يخلق من أنثى بلا ذكر وقادر على أن يبعث الخلق من جديد يوم القيامة (كما بدأنا أول خلق نعيده).
خلق آدم:
لمّا قضى الله تعالى الخلق خلق القلم فقال له اكتب فكتب مقادير الخلائق وعندما قال تعالى (إتي جاعل في الأرض خليفة) هذا الأمر كان مقضياً به ساعة خلق القلم. يقول الرسول r أن الله تعالى أخذ قبضة من الأرض فجاء الناس على قدر الأرض فيقول الرسول r فجاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك وجاء منهم السهل والحزن وبين ذلك. ومعنى على قدر الأرض أنه عندما تحلل التربة نجدها تتكون من عناصر كثيرة مختلفة وليست كلها من مادة واحدة وكذلك البشر ليسوا سواء ولكل إنسان طبعه وشكله ونشاهد في الحج كل ألوان البشر وكل الطباع. والمفروض أن يغيّر الاسلام طباع البشر فيصبح الإنسان المسلم راضياً صابراً تعلوه السكينة والسلام وهذا يبيّن قدرة الله تعالى في الخلق.
قلنا في الحلقة السابقة أن سهم الحياة (تراب + ماء تعطي طيناً هذا الطين وصفه تعالى بأنه طين لازب وهذه المرحلة محددة بدقة وهي بين المرحلة السائلة والمرحلة الصلبة تماماً ثم نجد أن الحمأ المسنون لا يكون إلا بعد الطين اللازب (صلصال من حمأ مسنون) وهنا تظهر كلمة لا يقولها الله تعالى بعد من صلصال كالفخار هذه الكلمة هي (فسوّيته) ولو استعرضنا القرآن كله نجد أن كلمة سوّيته لا تأتي إلا بعد ذكر صلصال كالفخار وهذه هي آخر مرحلة وهي مرحلة التصوير. وهناك فرق بين الخلق والتصوير كما في قوله تعالى (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (11) الأعراف) فالخلق هو ما كان من ماء وتراب ثم أصبح طيناً لازباً ثم صلصال من حمأ مسنون أما التصوير فهو عند الفخار وهذه هي التسوية.
ثم بعد أن سوّى الله تعالى آدم تركه أربعين سنة جثة كما يقول البخاري ستون ذراعاً طول وفي رواية انفرد بها الإمام أحمد ستون ذراعاً طول في سبعة أذرع عرض، هذا الخلق تركه الله تعالى لحكمة وهي استعراض الملائكة لهذا المخلوق واستعراض ابليس له. والملائكة كانت ترى هذا المخلوق ولا تقول شيئاً رهبة من الله تعالى أما ابليس فهو الذي تساءل عن هذا المخلوق وهذا يعلّمنا أن العداء بين ابليس وابن آدم قديم لأن الشيطان كان يدور حول آدم ويقول : من أجل أمر ما خُلِقت. ثم زال خوف ابليس من هذا المخلوق لمّا وجده أجوفاً لأنه علِم أنه لن يتمالك بمعنى أن الشهوة تغلِب عليه (شهوة البطن والفرج) فيسمع كلام ابليس. فقال ابليس للملائكة لا تخافوا من هذا فإنه أجوف وربّكم صمد. والصمّد في اللغة الشيء المُصمد هو الشيء الذي لا جوف له. وفي قوله تعالى (الله الصمد) قال بعض المفسرين أنها تعني المصمود إليه في الحوائج وهذا المعنى لا يشفي الغليل من اللفظ ولكن الصمد هو الذي لا يحتاج إلى ولد أو زوجة وهذه الكلمة (الصمد) لم تأت في القرآن إلا مرة واحدة وهي من الكلمات الفريدة. وفي بعض البلاد العربية يسمون الصمد المكان الذي ليس فيه