عنوان الحلقة: الصوم حالة وجدانية

تقديم علاء بسيوني

نبدأ الحديث عن مشكلة تحصل كل سنة مع بداية شهر رمضان وهي اختلاف في مطالع القمر وتحديد الهلال وتوحيده بين الدول الاسلامية.

في البداية نريد أن نوضح الحق في هذه النقطة لأن الكثير من الدعاة وخطباء المساجد يخطئون في هذا الموضوع. الرسول r قال في الحديث "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غّم عليكم فصوموا ثلاثين يوماً" ونفهم من كلمة غُمّ أنه سيغم على البعض لا على الكل. ونقول أن لكل بلد مطلع وفإذا أردنا أن تبدأ الصيام مع المملكة العربية السعودية مثلاً أو غيرها من البلاد فهل نفطر معهم عندما يؤذن المغرب عندهم؟ بالطبع لا فالقصة أن المطالع لا بد أن تختلف. الشمس مرتبطة بالمشرق والمغرب كل يوم والهلال يضبط الشهور ولو كان المطلوب أن يتوحد الجميع في هلال واحد فعليهم أن يوحدوا عندها الافطار كل يوم وأوقات الصلوات وهذا لا يقارن بالحج إذا ما سأل سائل كيف نتفق على وقت الحج فنقول أن الحج هو في المملكة العربية السعودية وعلى الجميع أن يلتزم بتوقيتهم ورؤيتهم لهلال ذي الحجة. إذن لا بد أن يكون لكل بلد مطلع فالذي يرى الهلال يصوم والذي تغرب عنده الشمس يفطر وليس من أوجه الفرقة أن تختلف المطالع بين الدول الاسلامية. وفي هذا حكمة إلهية حتى يكون السجود متعاقباً على الكرة الأرضية وكذلك الصيام والافطار وقد تجد من يفطر في مكان ما ويقابله من بدأ الصيام على الكرة الأرضية.

وللناس الذين يعيشون في دول غير اسلامية يصومون على أقرب دولة لهم وهناك فتاوى من الأزهر الشريف بذلك في الصوم وفي الأذان ويمكن للتحري اضافة بعض الوقت أيضاً.

سؤال: من المنطقي عند الاستعداد لرمضان أن نسأل ما هو المطلوب هل الصيام امساك عن الطعام والشراب فقط؟

الصيام أعمق من هذا بكثير وهناك عدد كبير من الناس وصل قريباً من مراد الله تعالى في الصيام وهناك كثيرون تركوا السهر في ما يسمى بالخيم الرمضانية ولله الحمد. نحن نصوم ونمسك عن الحلال في نهار رمضان لنفهم أنه تدريب لنا ونحن نمسك عن الحرام باسلامنا فبمجرد أن يدخل أحد من الناس الاسلام يمسك عن المحرمات. الصيام عبادة سلبية لأنه امتناع عن حلال (طعام، شراب، جماع) فهذا امتناع سلبي فعندما أسمع أذان الفجر أمتنع عن الطعام والشراب والجماع. وهذا سر حديث " كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به" كل عمل ابن آدم له (له) أي تسجله الملائكة إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به وكلمة أجزي به وضحت كلمة (لي) فكل الأعمال التي يقوم بها ابن آدم تسجلها الملائكة وتراها وتكتبها لكن الصوم نيّة في القلب وإمساك جوارح وليس معدة فقط أثبتها الله تعالى وطمأننا عليها. الصياك عبادة سلبية كما قلنا فماذا تكتب الملائكة؟ أن فلاناً لم يأكل أو لم يشرب؟ (لي) لأن الله تعالى إن صحّ التعبير صائم أبداً فهو الصمد لا يأكل ولا يشرب ولا يطعم ولا ينام ولا يشتهي وأنت في رمضان تأخذ صفة من صفات المولى عز وجل وحتى في باقي الشهور لم يحرمنا منها الرسول r فأوصانا بصيام ست من شوال وثلاثة أيام من كل شهر والاثنين والخميس والرسول r كان يكثر الصيام في شعبان وكان يواصل الصوم وينهى المسلمين عنه ويقول إني أُطعم والرسول r عمل لنا تدريب في شعبان وكان كما أشرنا يكثر الصيام فيه باستثناء يوم الشك بحسب حديث السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها.

سؤال: هل هناك درجات للصوم وكيف يكون التدريب على الصوم؟

الصيام تدريب للنفس وقوة الارادة والفقهاء قسموا الصيام الى أنواع صيام العوام وصيام الخواص وخواص الخواص. الصيام نيّة والنيّة كما قال r في الحديث "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى"  فلنقل مثلاً أن أحدنا يصوم الاثنين والخميس وفي يوم ثلاثاء خرج من بيته دون أن يأكل أو يشرب وقضى يومه كله دون طعام وعندما عاد الى البيت قال يا ليتني صمت هذا اليوم فهل هذا هو مفهوم الصوم؟ كلا لأن الصوم ليس فقط نية في الامتناع عن الطعام والشراب لكن عندما أنوي الصيام يجب أن يكون في نيتي أنه لو سابني أحد أو شتمني فأقول إن امؤ صائم كما علمنا رسول الله r. فالصيام حالة من حالات تهذيب النفس وعرض الاسلام الحق. هذا الدين بُني على تهذيب النفس وتدريب النفس وتأذديب النفس. أنت تمسك عن الحلال في رمضان فإن عرض الشيطان عليك بأمر تقول إني امرؤ صائم. والصيام جاء فريضة في شهر رمضان وكفارة في الظهار وكفارة الحلق للمتمتع بالعمرة الى الحج وكفارة اليمين والقتل وهذا كله يدل على أن الصوم تهذيب للنفس.

وسبق أن تكلمنا عن الفرق بين الصوم والصيام وقلنا أنه في قصة مريم عليها السلام قالت: (إني نذرت للرحمن صوماً قلن أكلم اليوم إنسيا)  فهذا توجيه لنا أن الذي تأتيه نعمة كبيرة يصوم شكراً لله تعالى عليها. لمّا كلفنا الله تعالى قال (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) ولم يقل الصوم أما في قصة مريم عليها السلام (إني نذرت للرحمن صوما) . تعريف الصيام هو نية محلها القلب ةليست كلاماً يقال (صائم عن كل حلال من طعام وشراب وجماع) والصوم اضيف اليه الكلام والمشي فيما يغضب الله تعالى وفيما ليس له داعي. فالصوم أزود من الصيام ويزيد في الامتناعات عن الكلام (فلن أكلم اليوم إنسيا) لكن لوجاءها جبريل تكلمه فكأنها بصومها ارتقت الى درجة الملائكية ولم تعد في مستوى البشر فالصوم رفعها بحيث أصبحت تتعامل مع الملائكة لا مع البشر. فإذا صمت صوماً لا صياماً فإنك ترتقي وتتفوق على نفسك. ويجب على كل واحد فينا أن يسأل نفسه هل سأصوم وأنام طوال النهار أو أصلي التراويح ثم أذهب للخيمة؟ علينا أن نعلم أن الحساب في رمضان يومي فعلينا أن ننتبه لما نصوم عنه كل يوم وعلينا أن يكون صيامنا صيام عن الطعام والشراب والجماع وإمساك جوارح ايضاً. والجزاء مختلف في رمضان لأنه تعالى أخفى جزاء الصيام لأنها عبادة سرية لا يعلمها إلا هو سبحانه وجعل جزاءها سري أيضاً من المولى تعالى ونتيجة هذا الصيام نعرفه يوم القيامة أما باقي العبادات فيمكن حسابها في الدنيا فالحسنة بعشر أمثالها فنقدّر الجزاء أم الصوم فليس فيه تقديرات لأن الله تعالى أسرّها عنا فقال (وأنا أجزي به) والضمير (أنا) يجب أن نضع فيه صفة الرقيب على سرّية العباد ولو شغّلنا هذه الصفة في رمضان نتعود عليها في باقي الشهور ولهذا لم يحب الرسول r أن يسلخ المسلمين من رمضان مباشرة فأوصى بصيام الست من شوال ثم ثلاثة أيام من كل شهر ثم الاثنين والخميس من كل اسبوع ثم يكثر الصيام في شعبان ونذكر قوله r "ورمضان الى رمضان كفارة). فعلينا أن نقول: اللهم بلّغنا رمضان وأول ما نبلغه نقول الحمد لله الذي هدانل لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ثم غذا جاء رمضان التالي أحمد الله تعالى إن لم أفعل أو أرتكب شيئاً محرماً.

سؤال: موضوع النية: الرسول r في أحد الأيام عاد الى بيته فسأل عن طعام فأخبروه أنه لا طعام عندهم فقال إني صائم فكيف نفسر هذا مع النية المطلوبة للصيام؟

هذا في السنن أما في رمضان فالنية واجبة. هناك معركة مع النفس والشيطان لأنك في رمضان تمنع نفسك عن شيئ تحب أن تقعله فإذا نظرنا الى المسجد عند صلاة الفجر قبل رمضان نجد فيه صفان او ثلاثة على الأكثر من المصلين وفي رمضان لا تجد مكاناً للصلاة ثم أول يوم من شوال تجد فيه صفاً أو صفين. الروح والمادة هما جماع النفس وفكرة الصيام هي تثبيط للمادة. آدم خُلِق من تراب وماء وكل غذاء المادة من التراب والماء أي كل غذاء المادة مادة والانسان مادة وروح والروح هي منتهى السر الإلهي في الخلق فما هو غذاء الروح؟ الناس في رمضان تذهب للمسجد لأنه لما أمسكوا عن الطعام والشراب  نزلت المادة وعلت الروح بالنسبة للمادة ثم بعد رمضان يعود لما كان عليه سابقاً لأن المادة ترتفع عن الروح. فلو عملنا شيئاً في رمضان نوصل الروح الى أعلى وليس صدفة أن يسمي الله تعالى قوام الحياة روحاً وساعة سماها روحاً كان له سبحانه مراد في ذلك وغذا سلّمنا وافترضنا أنها كانت صدفة فهل من الصدفة أن يسمي الله تعالى الوحي على اطلاقه روحاً (يلقي الروح من أمره على من يشاء)؟ وهل من الصدفة أن يسمي حامل الوحب وأمينه روحاً (نزل به الروح الأمين)؟ وهل من الصدفة أن يسمي القرآن منهج أمة محمد r روحاً (وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا) ؟ لا يمكن أن يكون كل هذا من باب الصدفة فتكرار الصدفة لا يكون صدفة فارجع للحكيم الخبير المهيمن العليم فكأنه تعالى نبهنا إلى أن القرآن روح والوحي روح وحامله روح والله تعالى يلفت نظرنا إلى أن غذاء الروح هو القرآن. فإذا هبطت المادة في رمضان غذي الروح بالقرآن حتى تعلو وتسمو واقرأ وتدبر القرآن حتى لو استغرقت في تدبر جزء واحد طيلة الشهر فلو تدبرنا الجزء الأول من سورة البقرة نخرج منها بأحكام عديدة وعلينا أن نستعد فنصوم لنثبط المادة ونغذي الروح بالقرآن والصلاة (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) فالذي يتدبر القرآن ويسمو بروحه في رمضان على هذا النحو فإنه لن يترك الصلاة بعد رمضان ابداً والمفروض أن نقول لأنفسنا نحن أمسكنا عن الحلال في رمضان فيجب أن نمسك عن الحرام بعد رمضان وأرجو من الاخوة المدخنين أن يجربوا هذا ويمسكوا عن التدخين بعد رمضان بعد أن تعودوا الامساك عنها في نهار رمضان وبدل أن يأخذ سيجارة يقرأ سورة الفاتحة أو الاخلاص أو المعوذتين فيعملوا تدريباً روحياً ويعطوا الروح روحاً ويصلوا باتقان.

سؤال: تدبر القرآن كأنه صيام ويفتح أبواب الفقه ومنهج الرسول r. البعض يقولون أفعل شيئاً حتى أسلي صيامي فما هي التسلية وكيف يسلي الانسان صيامه؟

التسلية تعوّد النفس على شيء تتقبل اي شيء غريب فتسلي نفسك بقراءة قرآن أو تفعل شيئاً ونقول للذين يسلون صيامهم باللهو أو البرامج غير النافعة أنه كلن عليهم أن يسلوا النفس بشيء يفيدها. أنت صائم فأمسك عن ضياع الوقت بقراءة القرآن أو أي عمل ايجابي صلِّ ركعتين واقرأ القرآن بقلبك حتى يفتح الله تعالى الأغلال عن القلوب (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) فسبب عدم تدبر القرآن هو الأقفال على القلب.

سؤال: ما الفرق بين صلاة القيام وصلاة التهجد؟

القيام سُنّة يومية على مدار العام وهذا نوع من أنواع تدريب النفس على الصلة بالله تعالى وسُنة الرسول r من جِنس الفروض فشهادة لا إله إلا الله من جنسها محمد رسول الله وفرض الصلاة من جنسه سنن الصلاة والزكاة من جنسها الصدقة والحج من جنسه العمرة وصيام رمضان من جنسه صيام النافلة. في الصلاة صليت خمس فروض وأطول فترة بين فرضين هي بين صلاة العشاء والفجر فسنّ القيام حتى لا يترك المسلم بعيداً عن الصلة بالله هذه الفترة. إذا صلّيت أول الليل فقد صليت القيام فإذا نمت ثم قلقت ثم صلّيت فهذه صلاة التهجد في الثلث الأخير من الليل والرسول r أُمِر بهذا في القرآن الكريم (ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاماً محمودا) فالمصلي وهو قائم بالليل عليه أن لا يغترّ بنفسه أو يمنّ أنه قائم يصلي وغيره نيام وإنما يقول الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله فليحمد الله تعالى على ما هو فيه ولا يمنّ! على أحد والنتيجة (عسى ربك أن يبعثك مقاماً محمودا) . فالصلاة أول الليل قيام وفي آخره تهجد وفي رمضان صلى المسلمون التراويح في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه (بدعة حسنة) ولكن أيانا أن ننسلخ منها بعد رمضان حتى لا نكون نعبد رمضان فقط فعندما صلى المسلمون التراويح في عهد عمر لم ينقطعوا عن قيام الليل أو التهجد ولم يتوقفوا عن التراويح بعد رمضان.

سؤال: ما هو المقام المحمود الذي وعده الله تعالى لرسوله r والذي نسأله تعالى أن يكون للرسول r عند كل أذان؟

قال صلى الله عليه وسلّم في حديث الأذان فاسألوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو. ومن سأل للرسول r هذا وجبت له الشفاعة. المقام هو مرتبة لرسول الله r فهو خير الأنبياء والمرسلين وهذا قاله تعالى لكل الأنبياء وأمر الأمم جميعاً أن تؤمن به حتى في غيبته عندما أخذ الله تعالى ميثاق النبيين

(وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (81) آل عمران) (لما) تفيد مأن ما فات من الرسالات شيء ورسالة محمد r شيء آخر والنبيون الذين لم يدركوا رسول الله r شهدوا كل في عصره أن رسالة محمد r حق ولما بشّر بع عيسى u كانت شرفاً للنصارى, وتفضيل بني اسرائيل كان لأنهم الأمة الوحيدة التي كتب عندهم مواصفات الرسول الخاتم وأوصافه وكتب عندهم أمر القِبلة وأنه يصلي للمسجد الأقصى بداية ثم يتحول الى المسجد الحرام بدليل قوله تعالى (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144) البقرة). فالمقام المحمود مقام خاص برسول الله r ومن عظيم تواضعه r أن يطلب منا أن نسأل الله تعالى لأن يكون هو. هو يسعى ويعمل ويطلب منا أن نسأل الله تعالى له هذا المقام المحمود.

بُثّت الحلقة باريخ 2/10/2005


عنوان الحلقة: كيف نكون صائمين حقاً؟

تقديم علاء بسيوني

الصوم ركن من أركان الاسلام وقلنا في اللقاء السابق أن الصوم حالة وجدانية وأسأل بداية عن حديث الرسول r عن تصفيد الشياطين في رمضان ومه هذا نرى أن الكثير من المسلمين يخطيؤ في رمضان ويعصي الله تعالى فأين الخطأ؟ وهل الشياطين هي الوحيدة المسؤولة عن ذنوب الناس؟

الحديث صحيح وفيه فرق بسيط في الألفاظ بين رواية مسلم والبخاري والحديث: "إذا جاء رمضان فُتّحت أبواب الجنة وفي رواية (الرحمة أو السماء) وغُلّقت أبواب النار وصُفّدت الشياطين" فالأفعال في الحديث (فُتّحت وغُلّقت وصُفّدت) أفعال مبنية لما لم يسمى فاعلها وعلينا أن نعرف من الفاعل. نحن نعلم أن الآمر هو الله تعالى وأن الذي يفتّح ويغلّق ويصفّد هم الملائكة أما الفاعل فهو نحن أنفسنا وكل أعمالنا إن هي إلا بتوفيق من الله عز وجل وهدايته لنا وقد أخبرنا المصطفى r أنه لن يدخل أحدكم الجنة بعمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته وعلينا دائماً أن نقول الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. نحن تأدّباً اعتبرنا الفاعل هو الله تعالى ولكن الفاعل الحقيقي هو نحن. هل أبةاب الجنة ستفتح للكل؟ هل أبواب النار ستغلّق على الكل أم أن كل واحد سيكون له حسب عمله؟.

في الحديث الشريف: " من صام رمضان ايماناً واحتساباً غُفر له" أي سيذهب الى الجن بصيامه رمضان ايماناً واحتساباً فسبب فتح ابواب الجنة واغلاق ابواب النار وتصفيد الشياطين هو عمل الانسان نفسه.

سؤال: ما معنى احتساباً؟

ايماناً واحتساباً: ايماناً بالله تعالى وبأن الصيام حق مفروض. قلنا في الحلقة السابقة أن كل عمل ابن آدم غير الصوم يمكن حساب ثوابه فالحسنة بعشر أمثالها الى سبعمائة ضعف أما الصيام فلا يمكن أن نحسبه فنقول نحتسب كل ما نعمله في الصيام عند الله تعالى لأننا احتسبنا على أنه تعالى الكريم الرحمن الرحيم وهنا أنبّه بأن البعض يقول أن ذنوبه طثيرة فهل يعقل ان يغفر الله تعالى له كل ذنوبه فنقول لهؤلاء استغفر وتب الى الله تعالى وأحسن الظن به سبحانه ونقول أنه من حسن اسلام المرء تركه ما لا يعنيه وهذا من ضمن اسلامنا أن نترك ما لا يعنينا ومن ضمن حسن ايماننا لا اسلامنا أن نحسن الظن بالله تعالى وأكثر الأوقات التي يجب علينا أن نحسن الظن بالله تعالى عند فراش المرض أو الموت أو دنو الأجل. وقد قال تعالى في الحديث القدسي : أنا عند حسن ظن عبدي بي. والظنّ هنا بمعنى العلم ويجب أن نعلم من ساعة ما نظنّ أنه سبحانه رحيم واحتساباً عند الكريم أنا أعمل وأحتسب عند الكريم الغفور الرحيم. ونذكر عندما سأل أعرابي الرسول r أيحاسب الله كل انسان بنفسه؟ فقال الرسول r نعم فاطمئن الأعرابي لأن الكريم هو الذي سيحاسبنا بنفسه ويجب أن نتأكد كمؤمنين ومسلّمين أن الله تعالى لا يظلم أحداً (وكل انسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشورا اقرأ كتابك كفى بنفسك عليك حسيبا) أنت تقرأ كتابك وتعرف أن ما فيه حق. تُفتّح الأبواب وتغلّق بأعمالنا من قبل رمضان وخلال رمضان فإن كنا قصّرنا فيما ما مضى من أيام رمضان فعلينا أن نجتهد أكثر وإذا كنا قد اجتهدنا فلا نركن وإنما نواظب ونقول دائماً اللهم إني أسألك دوام التوفيق والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.نحن نعمل ونترك الأمر في يد القادر نحن لا نملك الوقت ولكن نفوض الأمر لمن يملك سبحانه ونسأل الله تعالى دوام العمل : اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.

سؤال: الأفعال المبنية لما لم يسمى فاعله ونلاحظ أن هناك تشديد في فُتّحت وغُلّقت وصُفّدت فما دلالة التشديد؟

لأن الناس كثير والتشديد هو لمقابلة العدد وللتأكيد فإذا كانت الأعمال خيراً سيكون هناك تفتيح للأبواب وذكرنا سابقاً في قصة يوسف u عندما غلّقت امرأة العزيز الأبواب فهي أحكمت اغلاق كل الأبواب ولم تغلقها فقط ولم يكن باباً واحداً.

وعلينا أن لا ننسى شياطين الانس فالذي يسلسل ويصفّد هم شياطين الجن ونذكر عندما سُئل الحسن البصري أيهما أسهل عليك شياطين الجن أم الانس فقال البصري شياطين الجن أسهل لأنه إذا استعذت بالله خنس أما شياطين الانس فهي لا تخنس. وشياطين الانس أخطر من شياطين الجن وتظهر خاصة في رمضان وهي لا تصفّد أبداً أما شياطين الجنّ فهي تصفّد بأعمالنا نحن.

سؤال: متى فرض الصيام؟

فرض الصيام في العام الثاني لهجرة المسلمين الى المدينة المنورة وإخراج الرسول r من مكة في شهر شعبان في السنة الثانية.

سؤال: الصيام ركن من أركان الاسلام فلماذا تأخر فرض الصيام الى السنة الثانية بعد الهجرة علماً أن المسلمون بقوا في مكة ثلاثة عشر عاماً لا يصومون؟ فما هي دلالة تأخير الصيام للسنة الثانية من الهجرة؟

لأن أول التكليف يكشف عن ذلك فالخطاب في آية الصيام هي للمؤمنين بقوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا كُتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) ولم يأتي النداء بـ يا أيها المسلمون. عندما تعرض الاسلام على أحد يجب أن تتركه فترة حتى يصل من مرحلة الاسلام الى مرحلة الايمان قبل تكليفه بالصيام وقلنا أن الحديث الشريف يقول من صام رمضان ايماناً واحتسابا غفر له ولم يقل من صامه اسلاماً. هذا الركن أي الصيام يحتاج لفترة لأنه ليس سهلاً وهو كما قلنا مراراً ليس مجرد امساك عن الطعام والشراب والجماع. وليس كما يفعل المسلمون الآن من جعل رمضان فوانيس وخيام وقطايف وأتمنى أن أرى خيماً تنصب تباع فيها مصاحف حتى يقرأ بها الصائمون في رمضان والمسألة هو أننا بدأنا نخرج من اللب الى القشور في العبادات وعلينا أن نحسم هذه القضية ونريد من الجميع أن يسعى لتحقيق مفهوم الصيام الحقيقي لأن رمضان ينقلنا من رتابة الأداء الى تجويده من حيث الصلاة وتلاوة القرآن وعلينا أن ننشغل بالروح لا بالمادة وعلينا أن نكون وسطاً كما قال تعالى (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما) فلا يقوم الناس بشراء أضعاف احتاجاتهم من الطعام والشراب استعداداً لرمضان مع أن عدد الوجبات اليومية يكون أقل في رمضان عما سواه من الأشهر وعلينا أن ننتبه لهذا الأمر.

سؤال: قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام) لماذا بدأ بالايمان مع أن الصيام كما قلنا ركن من أركان الاسلام؟

هذه الفريضة ليس فيها رياء وهي تنقلك إن أدّيتها من الاسلام الى الايمان فهي عبادة سرّية بينك وبين الله تعالى تنقلك من مرحلة اسلام الرسالة الى مرتبة الايمان. وقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا: (يا) للنداء و(ايها) نجد في القرآن أن الله تعالى خاطب بها في هذه الآية الذين آمنوا في آية أخرى (يا أيها الكافرون) ففي نداء آية سورة البقرة (يا أيها الذين آمنوا) هو نداء الحبيب للحبيب أما في الثانية (يا أيها الكافرون) فهي نداء المنتقم المتكبر للكافرين والفرق بينهما كبير فـ (أيها) في آية سورة البقرة هي لفت نظر انتباه من الحبيب الى الحبيب وقوله تعالى (الذين آمنوا) شهادة الحبيب للحبيب بالايمان والشهادة نوعان إما لك وإما عليك لم الايمان وعليك الكفر.

 وأبدع أنواع التكليف هو الصيام ففيه تخفيف بالنداء (النداء للذين آمنوا وليس للذين أسلموا) وفيه لضمار المكلِّف (كُتِب عليكم الصيام) وهذا من التخفيف إذا ما قارناه مثلاً بفرضية الحج (لله على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا) ومن عرف الله خافه (الذين إذا ذُكِر الله وجلت قلوبهم) فالمؤمن الحق ساعة يسمع كلمة (الله) يجب أن يرتعد قلبه ويقشعر جسمه. وقوله تعالى (كما كُتِب على الذين من قبلكم) تخفيف ثالث بالمِثلية لأن أمماً غير أمة محمد r فعلت هذا الصيام وهذه الأمة (خير أمة أخرجت للناس) فإذا كان المفضول (الأمم السابقة) صامت فما بالك بالأفضل (أمة محمد r)؟ ثم تخفيف آخر في قوله تعالى (الصيام) كلّفنا تعالى بما في مقدورنا والصيام هو نيّة وإمساك الجوارح ولم يفرض عليك الامساك عن الكلام لكن هناك أناس تصل بالصيام الى درجة الصوم فعندما تقرأ القرآن تكون في حالة صوم لا تكلم بشراً لكنك تكلم الله تعالى رب العالمين كما قال البصري إذا أردتُ أن أناجي ربي قمت الى الصلاة وغذا أردت أن يناجيني ربي قرأت القرآن فعند قراءتك للقرآن تكون في حالة اتصال مع المولى سبحانه. وفي حديث الرسول r "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" وأن أخشى أن نخرج من رمضان وما صمنا فعلينا أن نفهم معنى هذا الحديث وأن نترك قول الزور والعمل به ونرقى من الصيام الى الصوم.

سؤال: الآيات في سورة البقرة تتحدث عن فرضية الصيام واختتمت الآية بقوله تعالى (لعلكم تتقون) فهل التقوى هي الغاية من الصيام؟ وكيف نصل الى التقوى؟

(لعلّ) تحتمل التمني والتمني يفيد الجهالة والجهالة تستحيل على الإله الحقّ لكن عندما يقولها الله تعالى فهي تعني الغاية وهذا تخفيف آخر. التقوى هي غاية الصيام والتقوى غايتها تلقّي هدي الكتاب عندما أصل لها. قال تعالى في ا,ائل سورة البقرة( ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين) التقوى هي مناط أي عمل صلّيت وأنت متقي أو صمت وأنت متقي. القرآن ساعة أنزله الحق على نبيّه محمد r كان هدى للناس كافة لأن الرسول r موجود والقرآن له هداية والرسول r له هداية والدائرة كانت كبيرة وضُيّقت جداً عندما أصبح القرآن كتاباً فكأن هداية الكتاب محصورة للمتقين وأسرع ما يوصل للتقوى الصيام. الكتاب هدى للمتقين فإذا صمت إيماناً واحتساباً أصبحت من المتقين فتنال هدى الكتاب.

سؤال: ما هي التقوى؟ جاء في القرآن (اتقوا الله ) و (اتقوا النار) فهل أتقي الله تعالى أو أتقي النار؟ ما النتيجة؟

في الحالتين إذا اتقيت الله تعالى أو اتقيت النار فأنت في الجنة لكن الأفضل أن أتقي الله تعالى لأنه لو اتقيت النار تكون تعمل على عِلّة الأمور أما عندما تتقي الله تعالى فأنت تعمل على المسبب سبحانه وتعالى. وفي دعاء الرسول r : اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك سبحانك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك جلّ وجهك وعزّ جاهك وتقدست أسماؤك. إذا نظرنا في (رضاك وسخطك ومعافاتك وعقوبتك) نجد أن ضمير الكاف يعود لله تعالى في كل هذه الكلمات فرضى الله تعالى مقابل سخطه ومعافاته مقابل عقوبته وفي قول المصطفى r