عنوان الحلقة: تابع حلقات الصيام

تقديم علاء بسيوني

تمر ايام رمضان بسرعة واليوم نقف ونراجع أنفسنا كيف وجدنا ما فات من رمضان وهل كان صيامنا امساك عن طعام وشراب فقط أو حالة وجدانية خاصة أو هل كان مشقة أو كان فرحة بهذه الحالة. وتحدثنا في حلقات سابقة عن آيات الصيام والتدرج في فرضية الصيام من أيام معدودات الى شهر رمضان والاختيار في الصيام (إما الصيام وإما الفدية) وفي هذا اللقاء نستكمل تفسير آيات الصيام في سورة البقرة وأبدأ بسؤال وهو في قوله تعالى (ولتكملوا العِدّة) ما معنى العدة؟

العِدة هي عدة الشهر سواء شعبان او رمضان وتتكلم عن استكمال رمضان ويون بالتحرّي ولا يستعجل الفطر لأن المسلمون أفطروا في بلد آخر.

لعلّكم تشكرون: قلنا سابقاً أن صيام رمضان شكر لله تعالى وغاية المولى سبحانه من فرضية الصيام أن نشكر. والغاية (لعلكم تتقون) (لتكبروا الله) فرض الصيام وأنزل القرآن. كل كلمة في القرآن تحتاج لوقفات وتدبر ولو تدبرنا المسألة من بدايتها (كُتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم) التشبيه يدل على أن الموضوع فيه مشقة فهو سبحانه يخفف التكليف عليك بأن يخبرك أن غيرك صام فمن باب أولى أن نصوم نحن وهذا يهوّن علينا التكليف. والأجمل الغاية من فرض الصيام وتحدثنا ان الكتاب عندما اكتمل قال تعالى (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين) قد يجتهد الانسان في محاولة توصيف المتقين وأخبرنا تعالى أن أكثر ما يقرّب للتقوى هو الصيام. وذكرنا أن مريم عليها السلام لما بشّرها جبريل بعيس نذرت للرحمن صوماً (إني نذرت للرحمن صوماً) وفي الآية في سورة البقرة (كُتب عليكم الصيام) فكأن الذي فرضه الله تعالى الصيام لكن على المتقين أن يصلوا بصيامهم الى مرتبة الصوم ونحن لسنا مطالبين بهذا لكن إذا وصلنا لهذه المرحلة يكون أفضل. فإذا دخلت في غرفة في بيتك واعتكفت وقرأت القرآن فهذا صوم. في الاعتكاف أعكف عن الدنيا وأعتكف لله تعالى إما أن اصلي أو أقرأ القرآن. والامام مالك يقول أنه غذا أردت أن أناجي ربي قمت الى الصلاة وإذا أردت أن يناجيني ربي قرأت القرآن. فالاعتكاف غرضه أنك عاكف على المولى سبحانه. ويمكن للانسان أن يعتكف وجدانياً وهو بين الناس وهذه حالة متقدمة من حالات النفس فالانسان يأخذ نفسه تدريجياً ليصل بها لمرتبة عالية من العبادات والنفس أمارة بالسوء لكن عليك أن تأخذها بالتدريج وتتدرج معها في العبادات ومن يصل لمرحلة وجدانية بين الناس فهنيئاً له لكن عليه أن لا يغترّ بهذا وإنما إذا وصل لهذه الحالة أن يصلي شكراً لله تعالى وفي القرآن قيمة كبيرة للشكر (ولئن شكرتم لأزيدنكم).

سؤال: تكلمنا عن التخفيف في التكليف من بداية تخفيف النداء (يا أيها الذين آمنوا) ثم التخفيف الآخر باضمار اسم المكلِّف (كُتِب عليكم الصيام) وتخفيف بالغاية (لعلكم تتقون) وتخفيف في وقله تعالى (أياماً معدودات) وأيام هي من مجموع القِلّة وجموع التأنيث وهو ايضاً جموع قِلّة تدل على أن (أياماً) هي ليست كثيرة وإنما قليلة لأنها جاءت على وزن حموع القلة وجمع المؤنث السالم. ففي بداية التكليف كان الصيام أياماً معدودات فقط فبداية الأمر للملمين كان اياماً معدودات من كل شهر وعلى رغم قلة الأيام فهي صيانة اعباء المتلقين موجودة (فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر) البديع في الأمر الاختيار القادم في قوله تعالى (وعلى الذين يطيقونه فدية) فالاختيار يضع الجميع في اختبار إيماني جديد (فالبعض له حرية الصيام ويقول أنها ايام معدودات والبعض قد يقول إنه أيام حارة ولن يصوم)  هذه وصف فيها صيام الذين من قبلنا لكن أفضلية المسلمين كأمة تظهر في رمضان (كنتم خير أمة أخرجت للناس) و(كذلك جعلناكم أمة وسطا). لمّا خيّر قال تعالى: (فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من ايام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) فالمريض والمسافر إذا أفطر له عدة من أيام أخر و (على الذين يطيقونه) الذين لا يريدون الصيام مع قدرتهم من باب الدلع مثلاً بدل صيامهم يمكن أن يفدوا بإطعام مسكين (فدية طعام مسكين) ومن تطوع خيراً فهو خير له. ويمكن للذي يريد الفدية أن يطعم مسكيناً واحداً أو أكثر وهذه مفتوحة وهذا يكون أفضل ومنها نأخذ ملمح الاختيار. إن صام وُضِع في مقام والذي لم يصم نستفيد منه باطعام مسكين لكي يظل العلم الأبدي أمامك (وأن تصوموا خير لكم) الاختيار في الآية إما صيام وإما فدية لكن لو صمت أفضل والفداء سيبقى مفتوحاً من باب السباق تطعم مسكيناً واحداً أو أكثر  ولكن العبادة البدنية بذاتك أفضل (وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون) تبين الآية أن الذين سيفدي لن يكون من العالِمين ولم يأخذ حلاوة التكليف. يجهلون عكس يعلمون وفي النهاية تبقى القاعدة الثابتة (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) حتى لو كان الجهل عصباً عني, يبقى العلم فيصلاً في اختيار التكاليف والله تعالى خيّرنا ويبقى الاختيار الأفضل (وأن تصوموا خير لكم) حلاوة الصيام على مراد الله تعالى لا تدانيها حلاوة والمسلمون الذين جهلوا هذا واختاروا اطعام مسكين فلما علموا صاموا واستمروا في اطعام المساكين كأن الله تعالى قرّبهم من عمل مالي وعندما ذاقوا حلاوة الصيام البدني جمعوا بين الحسنيين بعد ان فهموا التكاليف أبقوا على اطعام المساكين خشية لله تعالى وهم صاموا ايضاً.

سؤال: تصنيف العالمين والجاهلين ونتكلم عن فرضية التكليف والتلقي بين العباد وكل شيء درجات ومقابل العمل درجات ايضاً والله تعالى ينبهنا أن هناك فرق بين الكم والنوع وقوله تعالى (فإن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين) فالموضوع ليس موضوع عدد وإنما الصبر هو المهم فما علاقة الصيام بالصبر؟

الصيام لم يفرض للتجويع من الفجر للمغرب ولكنه دربك على شيء قد تفرضه عليك الطبيعة فلو عدنا لأيام الحصار على المسلمين في مكة في شعب اي طالب منع ت قريش الأكل والشراب عن المسلمين المحاصرين. الصيام يعلمك أنك قد تحارب عدوك وأنتهى الطعام عندك فماذا تفعل؟ عندك وسيلة من وسائل التقرب لله والنذر (الرسول r كان يدخل بيته فيسأل ما عنكم من طعام فإذا لم يكن هناك طعام فيقول إني صائم وهذا في صيام النوافل لا الفريضة) وطالما هناك صبر فالمضاعفة تختلف. الانسان المسلم المؤمن المتقي المحسن كم يساوي عند ربه؟ قد يكون الواحد منهم بألف وهذه مسألة مفتوحة للعقيدة وسبق أن سألنا هل يعرف احد منا اين مكان الضمير ؟ وهل نظفنا مكان العقيدة؟ لما حدثت حادثة شق الصدر للرسول r مرتين مرة وهو صغير ومرة قبل الاسراء هذا للرسول أما بالنسبة إلينا فالصيلم يقوم بهذه العملية والوضوء.

تعديل التكليف من أيام معدودات الى شهر بعدما كثر أصحاب (وأن تصوموا خير لكم) جاء شهر رمضان. تركنا المولى تعالى مثل الأمم السابقة فترة ثم لما صرنا من أمة محمد r وهذا شرف عظيم إذا عشناه بشكل صحيح فالذين يتشرفون بالانتساب لأمة محمد بالاسم فقط نسأل الله تعالى لهم الهداية ويجب على كل واحد أن يعين أخاً له على الهداية فإذا ذهبت للمسجد لتصلي أو تسمع درس علم فخذ معك أحد أصدقائك وفي المرة الثانية كل واحد يأخذ آخر وهكذا يزداد العدد في كل مرة ويعين بعضنا بعضاً. نحن نحمد الله تعالى أن خلقنا مسلمين ونحن في نعمة (الحمد لله على نعمة الاسلام وكفى بها نعمة) فلننظر الى من يسلم حديثاً ويحاول أن يمسح عقيدة كانت عنده قبل الاسلام ويترك أهله وكجتمعه ونقارن أنفسنا به فنحن جئنا الاسلام بفضل الله تعالى فعلينا ان نشكر الله تعالى ونحمده على هذها النعمة ونعمل ونجتهد داخل الاسلام.

سؤال: هناك أناس ستأخذ شهر رمضان على أن وسيلة لتقلع عن بعض العادات السيئة كالتدخين مثلاً أو شرب الخمر وعلينا أن ننبه الناس أنه كما أنك تخجل أن تعصي الله تعالى في رمضان فمن باب أولى أن تستمر بعد رمضان فهل يعقل أن يستحي الانسان في رمضان ولا يستحي من الله تعالى؟ فالأخت التي تتحجب في رمضان ثم تخلع الحجاب بعد رمضان أقول لها كما أنك استحييت في رمضان فاستمري وجاهدي نفسك واطمأني لأنك في صراع بين الروح والمادة ففي رمضان عندما ترقى الروح تنتصرين على المادة وتلتزمي بالحجاب ثم بعد رمضان تعلو الناحية المادية فتترددين في الابقاء على حجابك وإذا فكرت بأنك استحييت من رمضان فلبست الحجاب فمن باب أولى أن تستحي من الله فلا تخلعي حجابك بعد رمضان واقول لك ان الشيطان ينجح في اغفال نفسك عن هذه الحقيقة. عاقدي العزم لن يضحك عليهم الشيطان بعد رمضانويجب أن كل رمضان يزيد عدد عاقدي العزم بين المسلمين. الكفار كانوا يضعون أصنامهم داخل الكعبة لقدسية المكان وكان المفروض أن يسلموا للرجل الذي جاء بالكعبة قبلة فالتي لبست الحجاب في رمضان أقول لها هذا أمر طيب لكن استمري بعد رمضان. وأهيب بالاخوات أن الحجاب ليس تغطية شعر رأس فقط وإنما هو لباس محتشم متكامل وتصرفات تنم على اسلام والتزام هذه الفتاة فسلوكها في الشارع وفي الجامعة وفي كل مكان يجب أن يكون جوهرها متناغماً مع مظهرها وشكلها الخارجي ورحم الله الشيخ الغزالي الذي كان يقول أن تدهور الاسلام في المرحلة الأخيرة جاء نتيجة انصراف المسلمين عن الجوهر الى المراسم والأشكال.

سؤال: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) ما دلالة شهد؟

فمن شهد الشهر الذي أنزل الله تعالى فيه القرآن فليصمه شكراً لله على انزال القرآن وأن جعلنا من أمة القرآن.فعل (شهد) من الشهادة اي الحضور ولذلك الذي يشهد في محكمة يجب أن يشهد على ما رأى بعينيه لأنه من ضمن الشهادة أن تكون شهدت بعينيك رؤية مشهد. فمن شهد منكم الشهر أي حضر لذا كان الرسول r يقول أللهم بلّغنا رمضان. شهد يعني حضر وهذا شهر أكبر من أن نتكلم عليه أنزل الله تعالى كل الكتب السماوية والقرآن على رأسها ولو نفهم جيداً ولو لم يفرض الله تعالى علينا الصيام من كان سيفطن أن يشكر الله تعالى على نزول القرآن فيصومه شكراً لله؟ في العروج وصل الرسول r عند سدرة المنتهى في حضرة ربه والتكليف فرض على الأمة وكلمة فرض لما تسمعها تشعر أنه فرض يعني أن النفس ستجد فيه مشقة وتعب أو خوف من الله تعالى لكني أرى أن عين الرحمة أنه تعالى فرضها علينا فلو ترك تعالى الصلاة لنؤديها على هوانا ماذا كان ليحصل؟ من عين الرحمة أن فرضها الله تعالى علينا ومثلما خيّرنا في الصيام (وأن تصوموا خير لكم) الخير في الصيام ولو فديت بألف ولذلك كما قال r (ومن الليل فتهجد به نافلة لك) صليت العشاء ثم لما تقوم الليل لا تعتبره مِنّة منك ولكنها كما جاء في الآية نافلة لك أنت والله تعالى غني عنك وعن العالمين. فهي تنفعك أنت وحدك فلا تمن على أحد بقيامك وصلاتك وصيامك.

سؤال للحلقة القادمة: (ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون) غاية ثانية في فرضية الصيام وهي شكر الله تعالى على أنه كلفنا بالصيام والشكر مفهومه واضح لكن ما دلالة استخدام فعل (لتكبروا الله) وما معناه؟

بُثّت الحلقة بتاريخ 21/10/2005م


عنوان الحلقة: تابع حلقات الصيام

تقديم علاء بسيوني

نزلت الكتب السماوية في رمضان وكأن أيام مضان أيام خاصة فلماذا هذه الخصوصية؟

فرصة لي أمة لتعدّل منهجها لمنهج حق وتسير في طاعة الله تعالى. مسألة "إذا جاء رمضان فُتّحت أبواب الجنة وغُلّقت أبواب النار وصُفّدت الشياطين" يجب ان تُفهم في اطار ايمان العبد بالله تعالى ساعة مجيء رمضان. هل تفتح ابواب الجنة أو ابواب الرحمة على المسلمين أو الناس أو الكفار أو المؤمنين؟ فُتّحت وصُفّدت وغُلّقت تعود اليك فهل أنت جهزت لها أم لا. المسألة فرصة في رمضان أن تكون في حالة ايمانية قبل رمضان لتلقي الرحمات وتتدرب عليها في رمضان وتستمر عليها طوال العام "رمضان الى رمضان كفارة فيما بينها" وعندما ينتهي رمضان يصاب المسلم الحق بحالة من الاكتئاب لأنه عاش في حالة صفاء مع القرآن والصلاة فنقول له لا تحزن خذ رمضان بداية واعمل على هذه الحالة طوال العام حتى يأتي رمضان التالي.

القضية في التلقي عن الله تعالى ورسوله r أقول اللهم بلّغني رمضان ثم شوال ماذا أقول؟ نحن نريد استمرار العمل وهذا سر صيام الست من شوال " من صام رمضان وأتبعه ستاً من شوال فكأنما صام الدهر كله" والدهر يعني السنة. هذه فرصة ثانية حتى لا ننسى رمضان ثم نصوم ثلاثة ايام من كل شهر (13، 14، 15) من كل شهر عربي ثم الاثنين والخميس من كل اسبوع ونأخذ الأسوة من الرسول r لأنه هكذا كان يفعل r فواظب على حالة ايمان لوتأسينا به وكل صيام تذكرنا عطاءات رمضان يكون هنيئاً لمن صام كل اثنين وقامه ولو بركعتين وأتمنى أن تكون ثماني ركعات كل يوم والذي قرأ القرآن في شهر رمضان عليه أن يواظب بعد رمضان ويخصص ساعة مثلاً كل يوم للمواظبة على القراءة ويدع اتصاله بالقرآن يومي ويتدبر ويطبق ما يقرأه ولذلك (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان) فالقرآن يتكلم عن المنهج وقد تكررت كلمة هدى مرتين في الآية (هدى للناس) لكل الناس لأنها رسالة تختلف عن كل الرسالات السابقة وكل رسالة كانت مقتصرة على زمانها ومكانها أما القرآن فرسالته تصلح لكل زمان ومكان من عهد محمد r الى يوم القيامة.

سؤال: البعض يتحدث عن الاسلام المعاصر ولا يفرقون بين اسلام معاصر ومسلم معاصر فما رأيكم؟

المنهج لا يتغير لا بالمكان ولا بالزمان ولا بهوى الناس ولا بالأشخاص فمن صام على هواه مخالف ومن صلى على هواه مخالف ونحن لا نعيب على أحد لكن مثلاً إذا صليت بتركيز هل تكون كمن صلى بدون تركيز؟ بالطبع لا ونقول هنيئاً لمن تدبر الأمر قبل اتيانه. فمثلاً أنت ذاهب لأداء العمرة لكن هل ترى الطواف دوران حول الكعبة وهل تأخذ التكليف بدون معناه؟ الذي يأخذ التكليف بمعناه فهنيئاً له. عندما شُرِع الطواف حول الكعبة كان له حكمة والطواف عكس عقارب الساعة له حكمة والطواف سبعة أشواط له حكمة. وأهيب بالمسلمين الذين يذهبون للحج أنه عند الطواف فليدعو كل منهم بما شاء ولا يصح ما يفعله البعض من الجهر بالدعاء وتأمين من خلفه لأن هذا لم يرد أولاً ثم أنه يؤثر على الباقين ممن يدعون بأدعية غير التي يجهر بها هذا الشخص. ولنذكر أن الأنبياء كانوا يدعون بصوت خافت وهذا ملمح من ملامح الأنبياء زكريا نادى ربه نداء خفياً فلبّى الله تعالى نداءه (فنادته الملائكة وهو قائم يصلي) ومحمد r عندما كان يحن للقبلة تجاه البيت الحرام لم يطلبها بلسانه (قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها) وهذا النداء الخفي هو تأدب مع الله تعالى فهناك أشياء لا تطلبها بلسانك وإنما بقلبك.

ولنذكر ما قلناه سابقاً فيما يتعلق بالعقيدة أن الأمور لا بد أن تكوون على مراد الله تعالى حتى لا تكون على هواه هو. وذكرنا في الحديث عن المهلكات وقلنا أن المهلكات ثلاث شُحٌ مطاع وهوى متّبع واعجاب المرء بنفسه. المدخّن مثلاً يرضي نفسه وأسأله أن يخالف هواه ولو مرة واحدة ارضاء لله تعالى.

سؤال: إذا كنا نتحدث عن شهر فيه فرقان هدى للناس كافة فلماذا تكررت كلمة الهدى مرتين في الآية؟ للقرآن اسماء عدة منها الفرقان فلماذا وردت اللفظتان القرآن والفرقان؟

مسألة اسماء القرآن قلنا سابقاً أن كثرة الأسماء تدل على شرف المسمّى لأن كل اسم له صفة أو جانب من جوانب الصفة. أسماء الله الحسنى كثرتها تدل على شرف الإله الحق وكل اسم يعطي صفة من صفاته ولما كان الرسول r يحب أن يجمع الصفات كلها كان يقول (الله) لأن لفظ الجلالة جامع لكل الصفات. عندما نقول بسم الله توكلت على الله لا نقول بعدها اية صفة لأنه لو أضفنا صفة من صفاته تعالى نكون قد حددنا واقتصرنا على صفة واحد أما قول (الله) ففيه اطلاق لكل الصفات فإذا احتجنا لصفة الرزاق نأخذها من (الله) والكريم نأخذها من (الله) والرحيم وهكذا. ومن عظمة الإله الحق أنه أطلق اسماً غير مسبوق (هل تعلم له سميا) هذه الآية فيها اعجاز عظيم فلم يسمي أحد قبلاً (الله) وحتى بعد أن نزلت الآية لم يسمس أحد (الله) لأي مخلوق أو معبود وهذه آية تحدٍ الى يوم القيامة. والقرآن له أكثر من اسم والرسول r له أكثر من اسم وكل صفة من صفات الرسول r والقرآن تعطيه صفة معينة. سُمّي قرآناً كصفة لما يحدث في تفصيل الكتاب ولأنه يُقرأ ساعة الواقعة أو الحادثة) الكتاب أنزله الله تعالى جملة واحدة الى السماء الدنيا ثم على مدار 23 سنة ينزل من الكتاب قرآن يتلىويقرأ إلى يوم الدين. كل واقعة تحصل ينزل لها آيات لكن الآيات التي تنزل تأتي من الكتاب الذي تم انزاله وهذا معنى قوله تعالى (وبالحق أنزلناه وبالحق نزل) أي بالحق انزلناه كتاباً وبالحق نزل قرآناً. وكذاك قوله تعالى (كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً). فصّلت أي وزعت والكتاب مجموع والذي جمعه هو الله تعالى قبل الإنزال وقبل ليلة اقرأ لأنه كتاب أُنزل مجموعاً الى السماء الدنيا بالترتيب الذي بين أيدينا الآن و لا ينفع أن نقول أن عثمان رضي الله عنه هو الذي جمع القرآن لأنه لم يجمعه ولا أبو بكر ولا الرسول r وإنما عثمان وأبو بكر كتبوه ولذلك تسمى كُتبة عثمان ولأن كتاب الله تعالى نزل على مراد الله فلا يستطيع أحد من البشر أن يجمعه.

كلما نزل القرآن كان فرقاناً يفرق بين الحق والباطل وكان r يتعجل بالقرآءة خلف جبريل u حتى يحفظه فنزل قوله تعالى (لا تحرك به لسانك لتعجل به إنا علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتّبع قرآنه ثم إن علينا بيانه) فالقرآن مجموع والآية تقول للنبي r احفظه أنت والمسلمين أما الجمع فلن يلعب به أحد ل سلباً ولا ايجاباً وتصدى الله تعالى له فقال (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) والمسلمون حفظوه في القلوب ولا يمكن أن يحرّفه أحد. وسمي القرآن الفرقان لأنه لا توجد آية نزلت لم تفرق بين الحق والباطل (تبارك الذي نزل الفرقان على عبده) مجّد تعالى نفسه لأنه لا يوجد من يعظّمه ويمجده في هذا الموقف مثل موقف الاسراء حيث قال تعالى (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً) فلم يقل تعالى سبّح اسم ربك الذي اسرى وعندما تكلم عن الفرقان قال تعالى (تبارك الذي نزل الفرقان) لأن إنزاله يحتاج لتمجيد الله تعالى.

(وكتاباً فرقناه لتقرأه على الناس على مكث) هناك إنزال للكتاب وتنزيل للقرآن واذا تدبرنا القرآن لوجدنا أن كل فعل (أنزل) في القرآن يكون الفاعل هو الله تعالى وكل فعل (نزل) بدون الهمزة فالفاعل يكون جبريل u. والتنزيل يأتي من الإنزال. الكتاب أنزل جملة واحدة ثم بدأ يؤخذ منه التنزيل. هل من ملامح (علة مكث) أن المسلمون لم يكونوا يستطيعون ان يستوعبوا نزوله دفعة واحدة (لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة) فجاء الرد من الله تعالى (كذلك لنثبت به فؤادك) حكمة التفريق أي كذلك أنزلناه متفرقاً على عكس حكمهم والحكيم سبحانه ينزّل بحكمة ولو نزل جملة واحدة يكون قد نزل كتاباً ولن كون فرقاناً. كانت الحادثة تحدث فينزل بها قرآن مثلاً خولة ذهبت الى الرسول r في شأن زوجها الذي طلبها للجماع قبل العصر فقالت له انتظر لبعد العصر فقال لها أنت علي كظهر أمي وهذا تحريم قاطع فأخبرت الرسول r بذلك فقال لها r ما اراك إلا قد حرمت عليه هذا بالتشريع الذي عنده r وكانت تستعطف الرسول r وتقول له إن لي اولاداً إذا ضممتهم اليّ جاعوا وإذا ضممتهم اليه ضاعوا فالتفتت وقالت جملة تثبت أن ايمانها حدّثها أن الذي أنزل الكتاب هو الله تعالى وإن محمداً r رسول الله لا يمكن أن يشرّع لها فتوجهت الى الله تعالى تشكو حاجتها فنولت الآية (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (1) المجادلة) فقالت عائشة رضي الله عنها تبارك سمع الله والله اني كنت جالسة قرب محمد ولم أسمعها وسمعها الله من فوق سابع سماء وهذا ملمح علينا أن ننتبه له وهو أن الزوجة كانت تشتكي زوجها للرسول r بصوت خافت وبدون تجريح. ثم نزل الفرقان ونزل التشريع فرقانا في هذه القضية فكلمة الفرقان تمشي مع القرآن لا مع الكتاب.

(هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان) بينات الهدى هدى وبينات الفرقان فرقان. كلما ينزل قرآن سيكون هدى وفرقان وهذا سرّ (من) للتبعيض.

سؤال: التكليف (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) التكليف بالصيام كان أياماً معدودة  واختياري والذي لا يريد الصيام يفدي والأفضل الصيام ثم يأخذ التكليف بعداً جديداً فما هو الملمح الإلهي من التحويل في التكليف؟

الوضع الأول كان الناس يصومون لمجرد التكليف أما الآن فنصوم شكراً لله تعالى على القرآن (لعلكم تشكرون) و(لعلكم) تعني غايتي من فرض ها الفرض فتنبهوا لعظمتي واشكروني مرة لأن الضيام فرض ومرة لأنه كلّف والبديع أن التكليف (شهر رمضان الذي أنول فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهرفليصمه ومن كان مريضاً او على سفر فعدة من ايام أخر) فليصمه: شكراً لله تعالى على انزال القرآن وجعلنا من أهل القرآن و(ومن كان مريضاً او على سفر فعدة من ايام أخر) أيام أخرى يصومها شكراً. وفي الآية الأولى في التكليف الأول (وعلى الذين يطيقونه) حذفها في الآية الثانية واستبدلها بقوله تعالى (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) الأول كان الله تعالى يسمح لي أن أفطر وأصوم أو أفدي ومن وجهة نظر الناس أن التكليف زاد فقد أصبح شهراً وكلّف بصيامه وقبلاً كنت أفدي. (يريد الله بكم اليسر) لا تنظر الى التكليف من وجهة نظرك انت لكن من وجهة نظر عطاءات الآخرة. أحدهم سمع قوله تعالى (وأن تصوموا خير لكم) فقال أصوم وآخر قال أصوم وأفدي والله تعالى كلّفنا تكليفاً لأنه يريد بنا اليسر ونتيجته الجنة ولو تُركنا لأنفسنا لاخترنا العُسر فاليسر ليس مشقة الصيام في الدنيا وإنما نتيجة التكليف. يريد الله بكم اليسر فيكلفكم وتكون النتيجة الجنة ولا يترككم على هواكم. يتلقفها الرسول r ويعمل صدقة الفطر (اطعام المساكين) أنت الآن تدفعها وأنت صائم ومن قبل كانوا يدفعونها وهم مفطرون فنكون بهذا قد أخذنا المنهج الإلهي وسنة الرسول r.

(ولتكملوا العدة) قال r نحن أمة أمية لا نكتب و نحسب الشهر هكذا وهكذا وأشار بيديه يقصد إما 29 أو 30 ولا يكون 31 يوماً أبداً. لتكملوا العدة في حالة عدم ظهوره عندكم وهذه تبين قصة عدم توحيد المطالع والحديث : صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته.

سؤال: حديث إذا جاء رمضان فُتّحت ابواب الجنة الى آخر الحديث هل بعد رمضان يذهب كل هذا؟ كلا معنى الحديث أنك لو تقدر أن تفتح لك ابواب الجنة بعملك وتغلق ابواب النار بعملك فاحرص على حالة ايمانية في رمضان تجعلك بعده بنفس الطريق فلو سار العبد على لا إله إلا الله لا ينفع لأن يلعب الشيطان معه ابداً لأنع عمِل وعمر بن الخطاب رضي الله مع أنه بُشّر بالجنة إلا أنه لم يطمئن واستمر بالعمل.

(ولتكبروا الله على ما هداكم) على ما هداكم اختياركم كأمة أو أمة محمد r وعلى انزال القرآن وعلى فرض الصيام وهذه كلها هدايات من الله تعالى وعطاءات فيها رحمة لأن كل نتيجة منها الجنة. ولهذا قال تعالى (على ما هداكم) فالهدى يحتاج الى شكر فلماذا لم يقل ولتشكروا الله؟ وما معنى ولتكبروا الله؟

تكبره في قلبك وتعظمه وتعلي شأنه ونأخذ الكلمة من رسول الله r (سبحانك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك وهذا ملمح في التكبير عندما تسمع الأذان الله أكبر الذي ذهب للمسجد هو الذي كبّره سبحانه وعظّمه فذهب للصلاة والذي سمع قول المؤذن الصلاة خير من النوم وقام للصلاة فقد كبّر الله تعالى والمؤمن الحق يسمعها وهو صاح أصلاً. في الحديث : من صلّى البردين في جماعة دخل الجنة والبردين هما صلاة الصبح والعصر لأنهما وقت نوم. فيجب أن يتغلب المسلم على شهوات نفسه فيكبر الله تعالى في ذاته. ولتكبروا الله على ما هداكم تعني انه كلما رأيت منحة تكبر الله تعالى عليها وتعظمه وسبق أن ذكرنا أنه من عرف الله خافه ومن خاف الله امتثل أوامره ومن امتثل أوامره اجتنب نواهيه ومن كان خُلُقه ذلك صار أعبد الناس ومن كان ذلك كذلك أحبّ لأخيه ما يحب لنفسه حتى يكون أتقى الناس ولايمكن أن أمتثل لأوامر الله تعالى وآتي الحرام .

التكبير في صلاة العيد تكبير على النعمة. الله أكبر الذي هدانا للذي اهتدينا اليه تطبيق لتكبير الله في ذاتنا (تكبير عيدي الفطر والأضحى)

كيف ننبه الناس بأن رمضان بنفحاته يمكن ان يكون معنا طوال العام ويدخلنا بحالة وجدانية وان القرآن الكريم منهج يجب تدبره وعدم تركه طوال العام لأنه حالة مصاحبة فلو استفدنا من هذا الشهر كحالة تستمر الحالة بعد رمضان ولو دخلنا رمضان على انه وقت ويمضي ينتهي الوقت ونكون لم نستفد. اولئك الذين يكون الشهر فاتحة عليهم تجدهم يلتزمون بعد رمضان أكثر فيتعودوا على التراويح ويأخذ منها القيام والتهجد وتصبح الحالة معونة على ال&