سورة الفاتحة

بسم الله الرحمن الرحيم: ما هي وما معناها وما تفسيرها؟
نحن في الحلقة الماضية وقفنا عند الإستعاذة وبيّنا كل ما يتعلق بها إن شاء الله بقدر وسعنا. الآن ننتقل إلى سورة الفاتحة. وسورة الفاتحة تبدأ بقوله تعالى: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3)) إلى آخر السورة. نحن هنا نريد أن ننبه إلى مسألة لعلها تتعلق بأصول الفكر الإسلامي والفهم الإسلامي كيف ينبغي أن يكون وماذا ينبغي أن يكون عليه المسلم في علاقته بالآخرين. البسملة فيها كلام لكن الذي أخذ به المصحف المتداول الآن الذي هو مصحف المدينة النبوية وما أُخِذ عنه ومطبوع بالملايين وهو بين أيدي المسلمين هو أن تكون البسملة هي الآية الأولى من سورة الفاتحة. الآن إذا فتحنا المصحف سنجد بسم الله الرحمن الرحيم في الفاتحة أمامها رقم 1 معناه هي الآية الأولى وهذا الذي أخذ به المصحف هو ما كان عليه جمهور عظيم من أصحاب النبي r وقد نبّه المشرفون على تدقيق المصحف في آخره إلى أنهم أخذوا من هذا وغيره في عدّ الآيات بما ورد أو بما رواه عبد الرحمن السُلَمي عن أمير المؤمنين علي إبن أبي طالب كرّم الله وجهه. قد يكون هناك آراء أخرى أو لا شك هناك آراء أخرى وروايات أخرى لكننا نقول حينما تكون هناك أكثر من رواية في قضية معينة ويقتنع المسلم بإحدى هذه الروايات بناء على ما يراه من دليل .عند ذلك هذا هو الأصل الذي أريد أن أقرره هنا: ينبغي أن يعتقد أن ما أخذ به هو لصاحب الأجرين وما أخذ به مُخالِفه أخذ بما قال به صاحب الأجر الواحد في إعتقاده هذا نصف الإعتقاد. والنصف الثاني أن يُقرّ في نفسه أن يكون إحتمال أن يكون ما أخذ به هو للأجر الواحد وما أخذ به مخالِفه هو صاحب الأجرين حتى لا نبقى في شد وفي تعصب. أنا مقتنع الآن تماماً بأن ما أخذ به هذا المطبوع ،أخذ به هذا المصحف، من عدّه آية واحدة نقلاً عن الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أخذ به وسائر الصحابة إذن أعتقد أن الأخذ بهذا أخذٌ برأي صاحب الأجرين من المجتهدين وما أخذ به غيري الذي لا يعدّها آية من الفاتحة هو صاحب الأجر الواحد لكن في الوقت نفسه أنا معتقد قد أكون أنا صاحب الأجر الواحد وهو صاحب الأجرين حتى نتخلص من فكرة المشاحّة والمجادلة وإضاعة الوقت فيما لا فائدة من ورائه لأن هذا أخذ به جمع من الصحابة وهذا أخذ به جمع من الصحابة ولسنا خيراً من خير القرون لأن الرسول r قال: خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم. ومن هنا نحن سنقف عند قوله بسم الله الرحمن الرحيم بوصفها الآية الأولى من سورة الفاتحة.
يقولون أن البسملة وردت 114 مرة كعدد سور القرآن فهل في هذا إيجاز؟ هذه الآية وردت في سورة النمل في داخلها (إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30)) ولم توضع في البراءة أو سورة التوبة فجاءت على عدد سور القرآن الكريم 114 مرة.
بسم الله:
هذه اللفظة حينما نقول بسم الله في أول المصحف الشريف، الله سبحانه وتعالى يعلّمنا يعني هذا من فضله جلّت قدرته أنه يُجري على أنفسنا ما ينبغي أن نقوله كما أن آدم u لما عصى ربه لم يعرف كيف يتوب وكيف يستعغفر فأوحى إليه الله سبحانه وتعالى كلمات فتلقى آدم من ربه كلمات فرددها فتاب عليه, هذه الفاء التي في (فتاب عليه) تسمى الفاء الفصيحة لأنها تفصح عن كلام محذوف يعني فرددها فتاب الله عليه. فمن فضل الله تعالى على هذه الأمة أن علّمها كيف تقول وكيف تدعو وكيف تناجي ربها؟ فتبدأ بكلمة بسم الله. والعلماء يقدّرون محذوفاً يقولون لأن الجار والمجرور في الكلام لا يقويان على الوقوف لوحدهما ينبغي أن يتعلقا أي أن يرتبطا بفعل أو ما يقوم قيام الفعل من أسماء الفاعلين والمفعولين فيقدّرون : بسم الله أبتدئ أو بسم الله إبتدائي، بسم الله أبتدئ في القرآءة أو بسم الله أبتدئ القرآءة، بسم الله أبتدئ الأكل، بسم الله أابتدئ اللبس، بسم الله أبتدئ حياتي وأنا خارج من منزلي، بسم الله أبتدئ وأنا داخل إلى أهلي إلى منزلي. بحسب ما تفعله تقول: بسم الله. وقدّروا هذا المحذوف من فعل أو غيره بعد كلمة بسم الله حتى لا يبتدئ الإنسان في ذهنه بغير إسم الله يعني أن تكون كلمة بسم الله هي البداية. أنت تبدأ بها في كل شأن من شؤون حياتك وعند ذلك تكون مطمئناً أنك مع الرحمن الرحيم، مع اللطيف الخبير، مع الذي يراك حين تقوم وتقلّبك في الساجدين، مع الله سبحانه وتعالى فتبدأ بسم الله.
كلمة (الله) هي في الحقيقة إسم للذات التي هي كما يقولون في الفلسفة واجب الوجود. هي إسم له يعني هي لفظ يشير إلى خالق السموات والأرض إلى الذي ليس كمثله شيء. هذه لفظة(الله). الله هي إسم أيضاً نحن نبدأ بإسم الإسم كيف يكون هذا؟ أثار بعض المفسرين كيف نقول بسم الإسم؟ ثم جمهور العلماء وبعض العلماء قالوا هذه اللفظة هي تشير إلى الذات الإلهية. أنت يمكن أن تقول أنا أحدّثك الآن بإسم فلان وليس بإسمي الشخصي. بإسم زيد حينما تذكر كلمة زيد هذه الأصوات الزاي والياء والدال مع المصوتات التي فيها يحضر في ذهنك ذلك الإنسان. وعندما تقول يوسف، المخرج يوسف تحضر في ذهننا صورة الشخص يوسف. فكلمة (الله) عندما نقولها الله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء كل ما خطر في ذهنك فالله عز وجل بخلافه لكن يحضر في ذهننا هذا المسمّى كما وصف نفسه سبحانه وتعالى. أنت عندما نقول بسم الله يعني بسم هذا المسمى الذي لفظه الله تشير إليه.
لماذا لفظة الله؟ قد يقول قائل لماذا لم يقل القادر، القهار، أو أي إسم من أسماء الله الحسنى؟ لعلنا تطرقنا إلى ذلك في المرة الماضية. كلمة الله حينما يقولها الإنسان هذه خاصة بالذات، بالذي وصف نفسه ليس كمثله شيء. حتى في الجاهلية خصصوا كلمة الله لخالق السموات الأرض وما بينهما المهيمن المسيطر على أمور الدنيا وذكروا لأصنامهم أسماءً. حتى إذا قالوا الإله أو الآلهة يعنون بها الأصنام لكن لم يطلقوا كلمة الله على صنم من الأصنام أو معبود من المعبودات فالله في أ ذهان العرب مميز، هذا اللفظ مميز له خصوصية لا يشاركه فيه أحد.
كلمة الله خاصة ليست كلمة رب مثلاً. أيضاً يمكن أن يقولوا مع الإضافة يقولون: رب الإبل يضيفونها (أنا رب الإبل وللبيت رب يحميه) الإله الآلهة إلخ.. لكن لفظة الله مخصوصة خاصة بالعليم الخبير، بخالق الكون، بالموجِد للموجودات جميعاً. من هنا جاء بعض القول أن هذه اللفظة إذن مرتجلة إرتجلت هكذا غير مشتقة كلمة الله لكن الذي يرجحه جمهور العلماء أنها مشتقة يعني مأخوذة في الأصل القديم من فِعل كأنما في تصورهم في القديم وهو يوافق اللفظ كما سنأتي أنها أُخِذت من فعل إلِه يأله وعندنا الباب الآخر إلَه يألَه بمعنيين متقاربين. إلِه يأله بمعنى عبَد أو أحب حباً عظيماً إلى درجة العبادة وبعض العرب أبدل الهمزة واواً فقال ولِه يوله ويله ومنها الولهان العاشق المغرم فهي في الأصل إذن بمعنى المحبة العظيمة إلى درجة العبادة أو العبادة مخلوطة بالحب الغامر. فأصل اللفظة إذن هي عبادة وحب أوعبادة بحُبّ ألِه يأله. ثم دخلت الألف واللام فصارت الإله وهي أصلها إلِه (إلِه يأله إلهاً) بوزن كتاب. كتاب وزنها فعلان لكن معناها مفعول. تقول هذا كتابنا أي هذا مكتوبنا هذا الشيء الذي كتبناه فهي فعال بمعنى مفعول. إله بمعنى مألوه مثلها يعني معبود محبوب مألوه. ثم دخلت (أل) على ألِه فصارت الإله. الهمزة التي تقابل فاء الكلمة (الإله) لكثرة إلاستعمال حذفتها العرب. والعرب تحذف لكثرة الإستعمال: (لم تكون) يقولونها (لم تك) عندها الحذف لكثرة الإستعمال فصارت الله بفتح اللام ووزنها العال لأن الفاء حذفت. العرب بجمهورهم فخّموا اللام فما يقولوا (اللَه) بالترقيق وإنما قالوا (اللَه) بالتفخيم. وليست هناك قبيلة عربية حينما تنطق إسم الجلالة تقول الله بالترقيق وإنما تقول الله بالتفخيم وهذا أيضاً في إجماعهم. بعض العرب في لغاتهم الأخرى يفخمون فمنهم من يقول الصلاة بترقيق اللام ومنهم من يقولها مفخّمة ومظلوم مرققة ومظلوم مفخمة، القدامى. نحن الآن لا نصلح شاهداً لكن هكذا كانوا بعض العرب يرقق اللام ووبعضهم يفخّم اللام في مواصع لكن العرب جميعاً كما روى علماؤنا المشافهون لقبائل العرب قالوا: أجمع العرب على تفخيم هذا الإسم إلا إذا كان ما قبله كسرة أو ياء عند ذلك يرقق إستثناءً فنقول (بالله) أو (أفي الله شك). لكن بخلاف ذلك (وعلى الله فليتوكل المتوكلون) فيكون مفخماً. إذن هي لفظة الله هي توصف الله الرحمن ، الله الرحيم لكن لا تأتي وصفاً.لا نقول الرب الله نصفه ولذلك حتى بعضهم يقول هو الإسم الأعظم لله سبحانه وتعالى لأنه يوصف ولا يصف غيره ولأنه يحمل كل سمات الأسماء الأخرى (ولله الأسماء الحسنى) كل إسم من تلك الأسماء موجود تحت مظلة لفظة الله وهذه الخصوصية في التفخيم التي فيها وهذا المعنى الذي فيها من عبودية ومحبة يعني حب الله سبحانه وتعالى والإنسان يعني هؤلاء المتصوفة الذين عرفوا الشريعة يعني كانوا على منهج الشرع كانوا مغرمين فعلاً بالله سبحانه وتعالى لأنهم في إطار فهمهم للشريعة وليس في إطار الخروج على الشريع,. هم الذين قالوا الحقيقة والشريعة واحدة ما عندنا هذه حقيقة وهذه شريعةكالشيخ عبد القادر الجيلاني قدّس الله سرّه ومعروف الكرخي وغيرهم كانوا علماء شريعة. الشيخ الجيلاني كان حنبلياً ودرّس المذهب الحنبلي 30 سنة في مدرسته. كانوا علماء ومان فيهم رقة في قلوبهم فاتّصلوا بالله سبحانه وتعالى بهذا النوع من الشفافية في الروح فهو حبٌ إذن. هذا لفظ الله.
المستمع يفكر أن اللفظ مر بمراحل من إلِه بأله ثم حذفت الهمزة ثم إلى أن وصل إلى اللفظ الله فكيف تفسر هذا؟ هذا نحن نقوله ولا ندري المدة التس إستغرقها هذا التحول في لغة العرب لما كانت هكذا ممكن أن يكون بوقت قصير وممكن أن يكون وٌضِع ابتداء وضعاً هكذا (الله) لكن هذا التأويل مستساغ. التأويل يعني أن جاءت الكلمة (الله). كلمة رحمن عندنا الفعل رحم وعندنا رحمن ورحيم وسنأتي إليها. إذن فهذه كلمة بسم الله أنه نبدأ هكذا مع هذا التصور للفظ الله سبحانه وتعالى.
الرحمن الرحيم:
ننتقل إلى كلمة الرحمن الرحيم: كلتا الكلمتين مشتقة من ر-ح-م رحم ومن هنا جاءت الرحمة وفيها معنى الإنعطاف والعطف أو الضمّ والإحتضان. هذا فيه رحمة فيها عاطفة وفي الحديث الصحيح: شققت الرحم من إسمي الرحمن فهي معلقة بالعرش تقول اللهم صِل من وصلني واقطع من قطعني. في صلة الرحم بين الناس يعني الإسلام حريص على الروح الإجتماعية . ما عندنا في الإلاسم أب يعيش في معزل عن أبنائه يطردونه أو يضعونه في ملجأ أو الأم لا تدري من أولادها وأين أولادها وهذا الذي نراه في الغرب. والإسلام دين تراحم، جين تعاطف، دين توادّ تبحث عن جارك وتسأل عنه. الناس الآن لا يعرفون مَنْ جارهم؟ ماذا يشتغل؟ بات جوعان أو شبعان؟ ليس هذا ديننا. فهذه هي الرحمة وكلمة رحمن لاحظ التدرج من العام إلى الخاص الآن. والتدرج قد يكون من الخاص إلى العام ومن العام إلى الخاص. نحن قلنا أن كلمة الله هيلا تضم تحت لوائها كل الأسماء الحسنى أنت تستحضرها. لما ننتقل إلى الرحمن نجد أن صيغتها صيغة فعلان مثل عطشان وظمآن. يسميها العلماء صيغة تكثير أو صيغة مبالغة يعني فلان عطِش أو يعطش غير عطشان. عطشان كثير العطش وعطشه شديد. رحمن معناه كثير الرحمة ذو الرحمة العامة الشاملة ولذلك يقولون كلمة الرحمن معتاها هو رحمن في الدنيا والآخرة هو رحمن بكل خلقه مؤمنهم وكافرهم لأن الله سبحانه وتعالى لا يحرم الكافر من رحمته وفي الحديث: لو كانت هذه الدنيا تعدل جناح بعوضة عند ربكم ما سقى كافراً فيها شربة ماء. لكن يسقي الكافر ويعطيه الصحة ويعطيه النظر ويعطيه السمع ويعطيه الإستقامة وهو يكفر بالرحمن ومع ذلك يرحمه الله في هذه الدنيا ولكن سيأتي الوقت الذي يحاسبه عليه. فهو رحمن في الدنيا والآخرة للجميع.
الرحيم:
أما الرحيم فهي مرتبة ثالثة: الله، الرحمن، وتأتي الرحيم. يقول علماؤنا الرحيم بالمؤمنين لذلك لاحظ كلمة الرحمن لأنها المرحلة الثانية بعد لفظ الله جاءت الرحمن كما أن لفظة الله لا يُسمّى بها مخلوق كذلك كلمة الرحمن لا يسمى بها مخلوق ولا حتى بالإضافة لذلك لما مسيلمة سمي رحمن اليمامة أخزاه الله سبحانه وتعالى لايسمى الرحمن. لكن كلمة الرحيم يمكن أن يوصف بها البشر أيضاً لأنها رحمة قليلة بالقياس إلى الرحمن ولا تقارن برحمة الله سبحانه وتعالى ووصِف محمد r بالرحيم (قد جاءكم رسول من أنفسكم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم). أنت ممكن أن تقول هذا إنسان رحيم لكن لا يمكن أن تقول هذا إنسان رحمن. هذا التدرج يفيد الإنتقال من الكل إلى الجزئيات.
هنا نقف عند شيء آخر في (بسم الله الرحمن الرحيم) يتعلق بالرسم. كلمة إسم ينبغي أن يكون فيها ألف وكلمة الله ينبغي أن يكون فيها ألف وكلمة الرحمن ينبغي أن يكون فيها ألف. هذه الإلأِفات غير موجودة هنا. في هذا المجال نقول خط المصحف توقيف. وقولنا خط المصحف توقيف هو نقل لما قاله القدماء لكن ماذا يعنون بالتوقيف؟ فيها قولان: بعضهم يرى أن الرسول r قال لهم إرسموا هذه الكلمة هكذا مع أنه كان أمياً لكن كان هذا بإلهام من الله تعالى فجاء رسم الكلمات هكذا. وفريق آخر من العلماء يقولون لا، ما عندنا نص ثابت يقول أن الرسول r قال إرسموا كلمة رحمة هنا هكذا وارسموها هنا هكذا، لا يوجد. فإذن هذا رسم الصحابة الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم. وكان الإسم يمر بمراحل تطور الخط العربي كان يمر بمراحل فهذه مرحلة من مراحل تطور الخط العربي. وعقلاً كان يمكن أن يُغيّر رسم المصحف إلى الكتابة الحديثة لكن المسلمون وأول من أفتى بعدم جواز تغيير خط المصحف هو الإمام مالك رحمه الله. لما سُئل بعد أن إنتشر التعليم وتطور الخط العربي فسُئل: أنكتب المصحف على كتبة اليوم؟ نغيّر؟ هو رحمه الله رأى أن هذا قد يكون سبباً للتحريف وقد يُحرّف المصحف بحجة كتابته على الإملاء الحالي فقال لا إلا على الكتبة الأولى التي أقرّها صحابة رسول الله r جميعاً في عهد عثمان عندما بعث المصاحف إلى الآفاق. قال هذا الذي أجمع عليه صحابة رسول الله r يثبت كما هو أما التعليم للصبيان أو إقتطاع الآيات لغرض علمي تعلمي فعلى كتبة اليوم. لهذا إلى اليوم إذا أردت أن تكتب مصحفاً تضع نسخة من المصحف القديم وتنقش عليه حرفاً حرفاً فما رسمه القدماء ترسمه وما تركوا رسمه لا ترسمه. بحيث أن رسم المصحف كما هو معلوم: الحروف لم تكن منقوطة ولا مشكّلة فلما أنتشر الإسلام وصار الناس لا يقرأون من الشيوخ وصاروا يريدون أن يقرأوا من الكتاب، من المرسوم، من الورق بدأ الناس يحفظونه من غير شيخ كما هو الحال الآن وهذا من أخطر ما يكون الذي يريد أن يحفظ سورة ينبغي أن يقرأها على مقرئ على شخص حتى لا تحفظ كلمة خطأ وتعلق به. فبدأوا يخطئون في المرفوع والمنصوب إلى أن تنبّه زياد بن أبيه وحاول مع أبو الأسود الدؤلي الذي هو من التابعين فقال له ضع للناس شيئاً يعصم ألسنتهم من اللحن، من الخطأ في القرآن. قال كيف أضع شيئاً ما وضعه صحابة رسول الله؟ فقال: هو والله خير. فلم يقتنع إلى أن وضع زياد إبن أبيه على مدرجته (على الطريق) قارئاً بصوت جميل قال إذا جاء أبو الأسود الدؤلي فاقرأ قوله تعالى (وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ) وإقرأها (ورسولِه) وهذا طبعاً يقلب المعنى. فلما سمعها أبو الأسود الدؤلي جاء هو إلى زياد فقال: إبغني كاتباً وقال له إذا ضممت فمي في الحرف فضع نقطة بين يديه (نقطه مطموسة) هذا حديث قد يطول.
هكذا تُرسم (بسم الله الرحمن الرحيم) رُسمت من غير ألف. ولفظة الرحمن حيثما وردت في القرآن هي من غير ألف ولفظة الله حيثما وردت في القرآن هي من غير ألف. لفظة إسم أحياناً تأتي بألف وأحياناً تأتي من غير ألف. قد يكون في ذلك سر وقد يكون هذا الذي كان عليه الكُتّاب. لو نظرنا في الآيات التي بين أيدينا من سورة الفاتحة الآية الأولى (بسم الله الرحمن الرحيم) نجد أن كلمة إسم أضيفت إلى لفظة الله ودخلت عليها الباء . في سورة النمل الآية 30-31 (إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (31)) نجد أيضا أن الباء إتصلت بكلمة إسم وأضيفت إلى إسم الجلالة (الله). في سورة هود الآية 41 (وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (41)) أيضاً أضيفت إلى لفظ الجلالة الله وابتدأت بالباء. إذا كانت الآين بهذا الشكل: إذا إتصلت بالباء اللفظة (إسم) وأضيفت إلى إسم الجلالة (الله) فعند ذلك ينبغي أن تحذف الألف. إذن عندنا شرطان لحذف الألف مع إسم. نحن نسميها ألف وهي في الحقيقة رمز لهمزة الوصل وهمزة الوصل كما هو معلوم تسقط في الدرج وتثبت في البداية. يعني عندما نقول: ما اسمك؟ (حذفت الألف في اللفظ ولكن هي ثابتة في الرسم) الرسوم يكون على الإبتداء أو الوقف ولكن إذا قال: إسمي فلان بدأ بهمزة قطع. فإذن بهذين الشرطين تحذف ألف إسم وإذا إختل أحد هذين الشرطين أو كلاهما عند ذلك تثبت الألف.
عندنا نماذج: في سورة الواقعة (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (96)) الباء إتصلت بلفظة إسم لكن أضيفت إلى لفظة رب ولم تضف إلى لفظة الله. فنجد في المصحف رسمت بالألف في الواقعي في الآيات 74 و 96 (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (74)) (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (96)) وفي الحاقة الآية 52 (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (52)) وفي العلق الآية الأولى (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1)). ولو قال نسبح بحمد الله لحذف الألف. (واذكروا اسم الله) المائدة أضيفت إلى لفظة الله لكن لفظة إسم غير مرتبطة بالباء. فكلمة إسم أضيفت إلى لفظ الله لكنها في الوقت نفسه خلت من الباء فعند ذلك ذكرت الألف مع أنها مضافة في آية المائدة وفي الأتعام في عدة مواطن وفي الحج في عدة مواطن. (تبارك اسم ربك) هنا لا الباء موجودة ولا أضيفت إلى إسم الله.فالألف أيضاً موجودة وكذلك (بئس الإسم الفسوق بعد الإيمان) في الحجرالكلمة الإسم فيها الألف. إذن الخلاصة نقول: تحذف الألف بوجود هذين الشرطين: مضافاً إلى لفظ الجلالة ومتصلة بالباء. إذا إختل أحد الشرطين أو كلاهما فعند ذلك تثبت الألف وعلى هذا رسم المصحف.
بُثّت الحلقة بتاريخ 29/1/2006م
أسئلة الحلقة وإجاباتها على هذا الرابط
نحن نحاول أن نقف بلمسات بيانية عند بعض الجزئيات التي ترد في كلام الله سبحانه وتعالى. والكلام على سورة الفاتحة جملة وتفصيلاً يحتاج إلى حلقات وإلى كلام طويل. بل أكثر من هذا أن الفخر الرازي رحمه الله تحدث مرة وقال إن في سورة الفاتحة من الأسرار ما يزيد على عشرة آلآف فائدة فعجِب الناس منها وكذلك ذكر في بداية كتابه مفاتيح الغيب تعريفات من سورة الفاتحة بحيث أوصلها فعلاً إلى أكث رمن عشرة آلآف في تعريفاتها. نحن لا نملك هذا لكن الذي نقوله لأمر ما جعلها الله سبحانه وتعالى أصلاً في الصلاة بحيث أن المسلم يقرأها في كل ركعة وفي الحديث الشريف "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب أو بأم الكتاب" ولهذا تحتاج إلى تأمل في مفرداتها في كلياتها وجزئياتها. وفيها إذا نظرنا إلى السورة تعظيم لله سبحانه وتعالى تمجيده بالحمد له وذكر ربوبيته للعالمين وإدراته لشؤونهم وفيها الحديث عن رحمته بهم وفيها الكلام على التوحيد توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وفيها حصر العبادة به وحصر الإستعانة به وفيها اللجوء إلى اليه ليثبتنا ويثبت من يقرأ هذه السورة على الصراط المستقيم الذي إتجهنا إليه بدخولنا في الإسلام والتثبت برحمته سبحانه وتعالى أن لا نزِلّ أو نضِلّ. فهي فيها معاني كثيرة لكن سنقف إن شاء الله تعالى عند هذه الجزئيات التي في جميع السورة ونقف عند قوله تعالى (الحمد لله رب العالمين) والذي إخترناه كما إختاره طابعو المصحف الشريف وقلت هذا في الجلسة الماضية هو ما ذهب إليه علي إبن أبي طالب كرم الله وجهه بما رواه عبد الرحمن السلمي في أن قوله الله عز وجل إن بسم الله الرحمن الرحيم هي الآية الأولى من سورة الفاتحة. ولهذا إختيارنا لانعارض من إختار إختياراً آخراً كما قلنا. فالحمد لله رب العالمين هي الآية الثانية من سورة الفاتحة وفقاً لمصحف المدينة النبوية ووفقاً لإختار الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ومن معه من صحابة رسول الله r ورضي الله غنهم أجمعين.
الحمد لله:
سنعرض ما ورد في كتاب الله عز وجل من لفظة الحمد لله؟ هنا عندنا الحمد لله رب العالمين فنقف أولاً عند قوله تعالى: الحمد لله. لما ننظر في التفسير بشكل سريع نجد أنهم يقولون الحمد أي الشكر ، المديح لله، إلخ.. معناه أنهم يعرضون علينا ألفاظاً كأنها تكافئ أو تفسر كلمة الحمد فهي مدح وثناء وشكر. لكن لما تأتي إلى دقائق اللغة وما اطّلع عليه علماؤنا من لغة العرب نجد أنهم يقولون هناك فرق بين الحمد والمدح مع أن المدح والحمد مادتهما واحدة (ح-م-د) لكن هناك إختلاف في التركيب (حمد، مدح) ولعل هذا الإتفاق في الصوت هو الذي جعل إتفاقاً واسعاً بين الحمد والمدح لكن يبقى هناك فوارق جزئية حتى نعرف : هل يمكن أن نضع مكان الحمد لله المدح لله في سورة الفاتحة؟
الحمد والمدح:
حينما نقول الحمد (هذا كلام علمائنا في كتبهم) الحمد يقتضي أن يكون الحامد يحمد من هو مستحق للحمد أما المدح فقد يكون الكادح يمدح من هو مستحق ومن هو غير مستحق طمعاً في جائزة أو طمعاً في شيء كما كان يصنع الشعراء فيقولون هذا الشاعر مدح ولا يقولون حمد. فالحمد لمستحق الحمد فإذن بهذا الجانب لا تصلح كلمة المدح هنا لأن الله سبحانه وتعالى مستحق للحمد بذاته وصفاته جلّت قدرته. الممدوح قد يكون يستحق أن يُمدح وقد لا يستحق لكن لغاية في نفس الشاعر يمدح. لا تصلح كلمة المدح لأنها ستحتمل هذين المعنيين لا تصلح هنا. هنا ينبغي أن تكون الحمد. الأمر الثاني : الحمد لله كما لمسه العلماء في اللغة يتضمن نوعاً من الإجلال والتعظيم والمحبة فأنت لا تحمد إلا من تُجلّه وتعظّمه وتحبه أما المدح فليس فيه هذا الشيء. هذا سبب ثان يرجح كلمة الحمد عن المدح. الأمر الآخر أن الحمد إنما يكون بعد النِعمة أما المدح فيمكن أن يكون بعدها ويمكن أن يكون قبلها. فلما نبدأ بكلمة الحمد لله فمعناه أننا علمنا نِعَم الله عز وجل علينا. لذلك نحمده سبحانه ففيه إشارة إلى معرفة النِعم. عندما نقول الحمد لله يعني أننا نعترف يا ربنا بما أنعمت علينا من نِعَم (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) هذا فرق آخر بين الحمد والمدح. المدح لم يرد في القرآن الكريم لا بالمصدر ولا بالمشتقات ليس في القرآن الكريم مدح ولا أي صيغة من صيغ المدح لما في المدح مما ذكرناه إحتمال الصدق والكذب وإحتمال أن يكون كارهاً عندما يمدح قد يكون فيه صدق أحياناً لكن ليس غالباً. هل يكون الحمد باللسان؟ الحمد باللسان وبالجنان لكن لا بد أن تنطق بالحمد ولا بد أن تترجم ما في الجنان على اللسان وهذا لا يختلف فيه العلماء.
الحمد والشكر:
هل يمكن أن نضع الشكر مكان الحمد؟ الحمد مع إشتقاقاتها وردت كثيراً في القرآن الكريم. أحصيناها على محمد فؤاد عبد الباقي (المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم) وردت في 67 موضعاً. الشكر إستعمل كثيراً في القرآن فهل نقول الشكر لله بدل الحمد لله؟ قلنا الحمد يقتضي المحبة والتعظيم والشكر ليس فيه ذلك. حينما تشكر إنساناً ليس شرطاً أن تعظّمه أو تحبه. يمكن أن تشكره لشيء فعله لك. لو قلنا الشكر لله سنفتقد هذه الخاصية أو الميزة في كلمة الحمد. الأمر الآخر : الشكر إنما يكون على نعمة أُنعِم بها عليك فتشكر (ولئن شكرتم لأزيدنكم) وتشكر الإنسان الذي يقدم لك خدمة أما الإنسان الذي يقدم خدمة لإنسان لآخر فأنت لا تشكره. بينما الحمد يكون لما أصابك وما اصاب غيرك من نِعَم فالحمد أوسع من الشكر. ومن أجل ذلك كان إختيار الحمد أولى من لفظة الشكر. مسألة المكروه يقول الناس (الحمد لله الذي لا يُحمد على مكروه سواه) معناها أنك لا تحمده بسبب المكروه ولكن تحمد الله سبحانه وتعالى فيما تعتقد أنه مكروه وهو في حقيقته خير لك لأن الله سبحانه وتعالى لا يختار لعبده المؤمن إلا الخير (وعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيرا) إذا وقع لك شيء تراه مكروهاً في نفسك كُن مطمئناً وواثقاً أن الخير فيما إختاره الله عز وجل لك وإن كان في ظاهر الأمر ليس فيه خير. وهذا من التجربة وجدت أن كثيراً من الأحيان عدة حالات في حياتي الشخصية مرت بي أقول الحمد لله هذا فيه خير لكن في داخل نفسي أقول بالحسابات ليس فيه خير أين الخير؟ هكذا تحدثني نفسي في داخل نفسي لا أرى فيه خيراً لكن ثقتي بالله أن أقول فيه خير ثم تمضي الأيام ويثبت لي بعد ذلك أن الخير فعلاً في ذلك الذي وقع وليس الذي كنت أتمناه أو أريده. لذلك نقول للناس (الذي لا يحمد على مكروه سواه) لا تعتقد كراهته وإنما تقول هو سبحانه إختار لي ما هو خير لي في ديني وفي دنياي.
الحمد والثناء:
تأتي أمام الحمد كما قلنا : المدح والشكر والثناء. لما ننظر في كلمة الثناء نحن الآن نستعملها كأننا نسينا أولياتها من أين هي؟ الثناء لا يأتي إلا مع (على) أنت تقول حمده وحمد له (تعدي الفعل مباشرة إلى المفعول أو باللام) والتعدي باللام تقرّبه (حمد له فعله) لكن أثنى لا تأتي إلا مع (على) والثناء فيه نوع من الإستعلاء لا ينسجم مطلقاً مع بداية الفاتحة حتى في الإستعمالات القديمة لا نجد أثنى على الله إبتداء إنما يقول حمد الله وأثنى عليه يجعلها ملحقة. حمد الله وأثنى عليه بما هو أهله تأتي ملحقة لا تأتي منفردة لمكان على هذه لأن فيها نوع من الإستعلاء. لما نأتي إلى الفعل أثنى نجد أن الثلاثي منه تني والثني هو العطف ففيه معنى الإنعطاف كأنه لم يكن منصرفاً إليه ثم إنصرف إليه بينما الحمد لله تريدنا أن نتجه إبتداء إلى الله سبحانه وتعالى وأيضاً الثناء بكل تصريفاته لم يرد في كتاب الله عز وجل لا المدح ولا الثناء لعل لمكان هذا المعنى لأن فيه إنعطاف وتحوّل لعلّ ذلك لا نعلم.
الحمد لله:
الحمد الآن هي مميزة عن غيرها والألفاظ ولا يصلح غيرها هنا. هذه الألف واللام في الحمد هي أل الجنسية لتعريف الجنس، لبيان الجنس. معناه الآية تريد أن تقول جنس الحمد ولما جنس الحمد يعني الحمد لا تدع منه شيئاً كلّه بكل جنسيته بما هو. الحمد لله: اللام في كلمة (لله) هي للتخصيص أو الملك فكأن الحمد خاص بالله سبحانه وتعالى. العلماء يصربون لنا مثالاً ولله المثل الأعلى كما تقول السرج للفرس والسرج لا يكون إلا للفرس وكما نقول الآن الطاقية للرأس فالطاقية لا تكون إلا للرأس. الحمد لله معناه الحمد مختص لله سبحانه وتعالى لكن اله سبحانه وتعالى من رحمته وتلطفه وفضله إنه جعل إمكان حمد الآخرين. من أين علمنا إمكان حمد الآخرين؟ من أنه لم يقل لله الحمد فيحصر جعل هنا خصوصية وليس حصراً لأن في الحصر كما سنأتي في (إياك نعبد) عندما يقدم المفعول أو المتعلق في الحصر لا تستطيع أن تعطف بينما إذا لم يكن حصر يمكنك أن تعطف. فضلاً عن أنه عندما يقول لله الحمد هذا التقديم كأنه هناك نوع من الشك في الحمد والموضع ليس موضع شك وإنما موضع تلقين وتعليم يعلّمنا الله تعالى ميف نتجه إليه بالدعاء لأن الجملة وإن كانت جملة خبرية (الحمد لله: مبتدأ وخبر) لكن معناها معنى إنشائي لأن أنت عندما تقول الحمد لله لا تريد أن تخبر إنساناً أن الحمد خاص بالله. لا. وإنما أنت تدعو وتمجد الله سبحانه وتعالى تعظّمه تقول الحمد لله لا تريد أن تخبر. عندما يقرأ الإنسان الفاتحة (الحمد لله) أو عندما يصيبه شيء ويقول الحمد لله هو لا يريد أن يخبر أحداً أن الحمد لله وإنما يريد أن يتوجه إلى الله تعالى بالثناء عليه وتعظيمه وتمجيده. هي إن كانت جملة خبرية لكن معناها معنى إنشائي لأن معناها معنى دعاء. هو يريد أن يعلمنا هذا الكلام لذلك لا يصلح فيها هنا تقديم الجار والمجرور (لله الحمد).
الحمد لله أو إن الحمد لله؟
هل يمكن أن نقول : إن الحمد لله في هذا الموضع؟ الجواب هو هو. الموضع ليس موضع شك حتى نذكر. أنت تقول: زيد ناجح لمن هو خالي الذهن لكن إذا كان هناك إنسان يشك في نجاح زيد يأتي يقول لك زيد لا ينجح فتقول له: إن زيداً ناجح وبقدر زيادة الشك تزيد التوكيدات إذا كان شكه عظيماً نقول له: إن زيداً لناجح، تدخل اللام وقد تلجأ إلى القسم (والله إن زيداً لناجح). والموضع ليس موضع شك هنا وإنما موضع يقين لذلك لم يقتض التأكيد. إذن الحمد لله هي أولى من الألفاظ الأخرى وهي أولى من التقديم والتأخير وسنأتي إلى مواطن خمسة مواضع جاءت (لله الحمد) ونبين لماذا قدمت كلمة لله على كلمة الحمد. وهي أولى من إن الحمد لله وكذلك أولى من (حمداً لله) عندما يقول الإنسان حمداً لله : حمداً مصدر مؤكد أيضاً. نقول الموضع ليس موضع تأكيد هذه واحدة. حمداً لله: ما دام منصوباً إذن هناك ناصب له والناصب الأصل فيه أن يكون فعلاً معناه الجملة فعلية تقدّر والجملة الفعلية جالّة على الحدوث بينما الجملة الإسمية ثابتة دالة على الثبات . فالحمد لله بجملتها الإسمية أثبت من حمداً لله. نقول نحمد الله، أحمد الله، إحمدوا الله: ونحمد كلام مجموع فإن هذه اللفظة موضعها هاهنا لا يصلح مكانها غيرها. هذا كلام الله سبحانه وتعالى بهذا التفصيل الذي فصّله العلماء كما قلت من الرازي وغيره وأستاذنا الدكتور فاضل السامرائي تحدث في ستين صفحة عن هذه المسألة وبيّنوا أن هذه الكلمة لا يصح كلمة أخرى في موضعها.
الحمد لله: لم يقل الحمد للقادر، الحمد للرحمن، الحمد للعظيم أو أي إسم من أسماء الله الحسنى وهذا تكلمنا عليه لما قلنا (فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم) و(بسم الله الرحمن الرحيم). هذه اللفظة (الله) تضم تحت لوائها جميع الأسماء الأخرى بكل ما فيها ولذلك توصف ولا تصف: نقول الله الرحمن، الله الرحيم لكن لا نقول: الرحمن الله.
أين وردت: الحمد لله رب العالمين في القرآن؟
هذا فيما يتعلق بلفظة (الحمد لله) وقبل أن ننتقل إلى كلمة رب العالمين لنا فيها وقفة. ننظر إين وردت الحمد لله رب العالمين كاملة.
الحمد لله رب العالمين في بداية الفاتحة بعد البسملة معناه بداية عمل.
في نهاية سورة الصافات بعد الحديث عن الكون وما يضم إلى قيام الساعة إنتهاء الحياة (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (180) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (182)) النهاية.
كذلك في نهاية سورة الزمر (وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (75))
الأنعام (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45)) في نهاية الحياة، في بداية الفاتحة، في نهاية الحياة، نهاية السور التي تشير إلى نهاية الحياة، نهاية مواقف معينة (الحمد لله رب العالمين). هنا في نهاية عمل ( الأنعام) إنتهى أمرهم. والحمد لله رب العالمين فيها كلام عن الناس.
لاحظ الآية الأولى (دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (10) يونس) هذا يوم القيامة في الجنة
وفي سورة غافر (هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (65)) هناك في آخر الدعاء وهنا يحتمل أوله وآخره (فادعوه مخلصين له الدين) كأنما الحمد في الأولى والآخرة. هنا الفائدة التي نقولها أن كلمة الحمد لله رب العالمين جاءت في أول الفاتحة تحميداً وتمجيداً لله سبحانه وتعالى وبها يختم العمل والدعاء وتأتي قي سور آخرى في الآخرة أي الحمد لله رب العالمين في البدء وفي الختام, ومما ذكرنا لفظة الحمد في هذا الموضع هي الأمثل حتى بين جميع الألفاظ في حقها الدلالي. وصورة الحمد بالألف واللام والرفع أمثل من سائر الصور. عندنا في الحديث "كل أمر ذي بال لا يبدأ بحمد اله فهو أقطع" وفي رواية "فهو أجزم".
سؤال ومداخلة من أحد الإخوة المشاهدين خلال الحلقة: كلمة الحمد ظلمت كثيراً في كتب التفسير والإمام إبن كثير وغيره يعممون الحمد ويخصصون الشكر وفي تصوري أنه خاطئ من حيث الطريقة لا من حيث المضمون. الحمد لله في الفاتحة حمد مطلق حمد على كل ما يعلمه الإنسان وما لم يعلمه وعلى ما حمده الله تعالى بذاته لذاته. الحمد في قوله تعالى في سورة الكهف (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب) هنا تخصيص لحمد الفاتحة على حمد النعمة. الحمد ليس معناه الشكر وإبن القيم قال: الحمد ينقسم إلى حمد شكر وحمد مدح. وأنا أقول أن الحمد مقام إلهي ومقام تعبدي والله تعالى ألهم كل المخلوقات (وإن من شيء إلا يسبح بحمده). فالحمد عام يخصص بحمد الكهف أو بمحامد القرآن. ويرد الدكتور حسام على مداخلة المشاهد فيقول: الحمد يراد به جنس الحمد على الإطلاق وأنا لست ميّالاً للتعرض لما قاله بعض علمائنا السابقين بما لا نوافقهم عليه ولكننا سنتكلم عن كلمة الحمد.
بُثّت الحلقة بتاريخ 2/2/2006م
أسئلة الحلقة وإجاباتها على هذا الرابط
وقفنا عند قول الله سبحانه و تعالى (الحمد لله رب العالمين) . كلمة الحمد من أسرار تجعلها مميزة على الكلمات الأخرى التي هي من حقلها الدلالي (المدح، الشكر، الثناء) وكيف أنها هنا أفضل. وبيّنا أن الألف واللام لاستغراق الجنس في كلمة الحمد. و (لله) هي للملك وقلنا هذا نوع من التخصص أو التخصيص كما قالت العرب: السرج للفرس والطاقية للرأس. الحمد لله يعني هو خاص بالله تعالى ولكن الله عز وجل في الدنيا أذِن للناس أن يحمد بعضهم بعضاً في هذا الأمر. وكلمة رب العالمين جاءت متعلقة هنا (الحمد لله رب العالمين) وقلنا أنه سوف نعود إلى كلمة رب العالمين ولماذا جاءت بهذا الإتصال ولكن قبل أن نصل إلى كلمة (رب العالمين).
كلمة الحمد لله رب العالمين وردت في بداية أربع سور (في البداية والنهاية تكلمنا عليها حتى لا يختلط الكلام علينا). لفظة الحمد مجرّدة من غير ذكر رب العالمين بُدئ بها في أربع سور (الحمد لله رب العالمين بُدئ بها في سورة الفاتحة وختمت بها سور أخرى ذكرناها) لكن الحمد لله وحدها بُدئ بها في أربع سور ثم نجدها تتكرر في داخل عدد من السور في سبع عشرة مرة نحاول أن نقف عندها بصورة موجزة وسريعة: في بداية الأنعام، الكهف، سبأ وفاطر: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1) الأنعام) لاحظ كأنما هذه البدايات تحاول أن تبيّن نماذجاً من الحمد. قلنا الحمد لله في الفاتحة هو جنس الحمد وهنا نماذج يُحمَد الله عز وجل لآلآئه هنا الآلآء كذا ، هنا من رحمته وهنا من فضله وهنا من علمه وهنا من إعطائه العلم للآخرين وهنا من رحمته بهم وهنا من خلقه السموات والأرض. السور الأربع كأن بدياتها متكاملة:
الأولى (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1) الأنعام) الكلام على الخلق ومعناه التقدير والتصوير فيه بمعنى البدء لكن غالباً فيه معنى التقدير والتصوير لأنهم يقولون هذا الصانع خلق القماش يعني قدّره قبل أن يقصه. والخلق غير التكوين والإنشاء والتصوير يصور الشيء. الكلام خاص عن خلق السموات والأرض ومن رحمة الله سبحانه تعالى جعل الظلمات والنورمعناه نظّم السموات والأرض بما فيها من ظلمات ونور مبنية على الحركة وعلى وجود الإشعاع من داخل بعضها وبعضها خال من الإشعاع.
ثم (الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) فاطر) هذه المنشيء لاحظ التخليق والإنشاء. ثم (جاعل الملائكة رسلاً) تكلم على جعل الملائكة ثم (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآَخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (1) سبأ) هذا الذي في السموات والأرض ملك لله سبحانه وتعالى، ثم (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (1) الكهف) الملائكة والرسل وإنزال الكتاب فنماذج من آلآء الله سبحانه وتعالى ونعمه التي يُحمد عليها. فالحمد لله في سورة الفاتحة نظام كليٌّ وهذه جزئيات في بدايات أربع سور بينها نوع من التلازم والتشابك.
لماا ننتقل إلى عموم سور القرآن الكريم نجد في كل موضع كلمة (الحمد لله) لها معناها ولها مدلولها لكن يجمعها جميعاً حتى في هذا الموضع أن ليس فيها معنى الحصر وقصر الحمد على الله سبحانه وتعالى وليس فيها دعوة إلى أن لا يحمد سواه لكن سنجد في آيات أخرى هناك قصر (له الحمد) وهو ما سنقف عنده بتفصيل لماذا قال هنا (له الحمد)؟ في الأماكن الأخرى قال الحمد لله بحيث يفسح المجال لأن يحمد الإنسان غير الله سبحانه وتعالى لأمر يقوم به يمكن أن يحمد على خلقه، على علمه، على كرمه للبشر لكن في هذه الأماكن حصر الحمد بالله سبحانه وتعالى (لله الحمد) أو (له الحمد). سنمر مروراً سريعاً على الأماكن التي قيل فيها (الحمد لله) وسنجد أنه ليس فيها مجال لحصر الحمد لله سبحانه وتعالى وإنما هي صور ونماذج من تفضّل الله سبحانه وتعالى على عباده. أحياناً ينقل لنا كلام عباده يعلّمنا أحياناً يقول (قل، قالوا، قال) تكرار كلمة القول مع الحمد في عشرة مواضع (قل، قالوا، قال) في موضعين مع ضرب الأمثال، وفي موقع دعاء وهناك أربع مواضع في بداية السور.
نأتي الآن في سورة إبراهيم (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (39)) هذا دعاء إبراهيم يحمد الله عز وجل به فيذكره الله تعالى لنا حتى نتعلم أن نقول الحمد لله الذي أعطانا هذا الحمد لله على الهبة وهذا جزء من الحمد الكلي. هنا عندنا (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (75) النحل) رب العالمين يعلمنا بالأمثال يضرب لنا مثلاً حتى نتعلم فعندما نقول الحمد لله معناه الحمد لله الذي علّمنا بضرب المثل الذي يعلّمنا، (وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا) نحن نقول الحمد لله الذي علّمنا بل أكثر هؤلاء الذين هم لا يؤمنون لا يعلمون بما علّمنا الله عز وجل من ضربه للمثل وهنا وقفة قصيرة: عبّر عن عبد مملوك ومن رزقناه منا رزقاً حسناً عبد ومرزوق وقال (لا يستوون) (من) لفظها لفظ مفرد ومعناها معنى جمع فكأن الآية تريد أن تقول هذا العبد المملوك الذي لا يقدر على شيء هل يستوي مع هذا الذين ينفق وهذا الذي ينفق وهذا الذي ينفق وهؤلاء الجمع من المنفقين؟ هل يستوي هذا معهم؟ فاستفادت الآية من كلمة (من) فمرة عبّرت بالمفرد ثم رجعت مرة أخرى لتعبّر بالجمع.
الآية الأخرى أيضاً تعليم بالمثل (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (29) الزمر) تعليم بالمَثَل. ما قال (من) هنا قال رجل ورجل لا بد أن يستعمل التثنية. الحمد لله الذي علّمنا بضرب المثل وأكثرهم لا يعلمون. فحمد الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات لا يستدعي أن لا يحمد سواه. ممكن أن غير الله إذا علّمنا شيئاً أو أكرمنا بشيء أن نقول نحمد فلان يعني لم يدعنا إلى أن نقصر الحمد عليه لكن هذه نماذج من الحمد الذي هو الحمد لله رب العالمين الذي هو حمد الجنس وهذه كأنها تفريعات.
الآية في سورة الأعراف من هنا بدأنا نسمع القول: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43)) يعلمنا أن هؤلاء الذين وُجهوا إلى الجنة صاروا يقولون الحمد لله فهو نوع من تفضله سبحانه وتعالى عليهم وعلينا عندما يعلمنا أن نقول كما قالوا. هذا في سورة الأعراف الآية 43.
عندنا في الإسراء الآية 111 (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (111)) هذا تلقين وتعليم أن نحمد الله عز وجل الذي علمنا التوحيد وعلمنا بعض صفاته سبحانه وتعالى ونقول الحمد لله.
مع نوح (فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (28) المؤمنون) أيضاً تعليم بالأمر (قُل) نوع من التعليم.
في الحكاية عن قولهم (وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (15) النمل) إذا وجد الإنسان في نفسه شيئاً قد أكرمه الله تعالى به يقول الحمد لله وهي أيضاً جزئية من كلّية جنس الحمد المخصص لله سبحانه وتعالى.
(قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (59) النمل) تعليم. أيضاً تعليم أن نقول الحمد لله أنه سبحانه وتعالى اصطفى عباداً وجعلهم مؤمنين وألقى عليهم السكينة والإستقرار. (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (93) النمل) إحمد الله عندما تظهر هذه الآيات أو عندما يعلمك كيف تحاور وكيف تناقش فتقول الحمد لله.
(وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (25) لقمان) لو سألت الكفار من أنزل الماء من السماء يقولون الله لأنهم كانوا يعرفون الله لكن كانوا يعبدون الأصنام يقولون تقربنا إلى الله زلفى (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (63) العنكبوت) لو استعملوا عقولهم ما عبدوا هذه الأصنام (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (25) لقمان) ما عندهم علم في هذه الأمور، في هذا الشرع، في هذا الدين يعني لم يستعملوا عقولهم ولم يستعملوا علماً عندهم.
(وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (34) فاطر) تعليم وتدريب بقول غيرهم أن هؤلاء الذين دخلوا الجنة قالوا هذا الكلام فتعلموا وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى.
(وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (74) الزمر) تعليم وتدريب لنا أن نقول كما قالوا في دخولهم الجنة (هذا في المستقبل ولكنه ماض في عين الله سبحانه وتعالى) إذن كل هذ المواضع ليس فيها موضع يريد الله تعالى أن يقصر الحمد عليه جلّت قدرته لكن لما ننتقل إلى مواضع أخرى نجد أن سياق الآيات يريد أن يبين لنا أن الحمد في هذا الجو قاصر على الله سبحانه وتعالى لا يستقيم أن تحمد غير الله عز وجل مع أن الله سبحانه وتعالى رخّص لك أن تحمد سواه لنفع يقدمه لك، لفضل فيه يمكن أن يكون هذا.
ننظر في سياق الآيات: (وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآَخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (70) القصص) نلاحظ السياق هنا سياق حصر والكلام على الآخرة وسنجد أنه حينما يكون الشيء منحصراً يعني سياق الآية فيه قصر أشياء على ذات الله سبحانه وتعالى لا يصلح لغيره تأتي له الحمد بتقدم الجار والمجرور يقول له الحمد لا يقول الحمد لله الحمد يرفض لغيره لكن في هذه المواضع في مثل هذا السياق لما قال (وهو الله لا إله إلا هو) حصر بالنفي وبـ (إلاّ) الموضع موضع حصر لذلك قال له الحمد ما قال الحمد لله لأنه لا يستقيم مع الحصر.ثم فيه ذكر الآخرة وفي الآخرة لا يُحمد سوى الله تعالى. من تحمده في الآخرة في يوم القيامة؟ ما يوجد مخلوق يُحمد يوم القيامة ولا يحمد إلا الله تعالى. إذا ذُكِرت الآخرة إنحصر الحمد بالله سبحانه وتعالى. له الحمد وله الحكم أيضاً حصر (وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآَخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (70) القصص) الجو العام في الآية هو حصر لذا لا يصح هنا أن يقال في غير القرآن: (لا إله إلا هو الحمد له وله الحكم) لا يستقيم. التقديم فيه معنى الحصر له الحمد وليس لغيره لأنه عندما يقدم الضمير أو المفعول لا تستطيع أن تعطف لكن حينما يقدم غير الضمير يعني الجار والمجرور إذا قدّم عند ذلك ما كان مرتبطاً بالله تعالى يصح أن يعطف وما عداه لا يجوز أن يعطف. نلاحظ في قوله تعالى (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا (10) فاطر) حصرها وفي موضع آخر أجاز العطف عليها لارتباطها به سبحانه (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (8) المنافقون) لرسوله: عطف مع وجود الضمير العائد على الله تعالى يعني أخذ اعزة من عزة الله تعالى ثم قال وللمؤمنين ما ذكر الضمير يعني وللمؤمنين بالله ورسوله فما أراد أن يجمع. لو قال في غير القرآن (للمؤمنين بهما) يضعف الكلام ثم يكون جمع الرسول مع الله تعالى وهذا لا يكون بالضميرين. عندما يقول (له الحكم، إليه ترجعون، لا إله إلا هو) لا يستقيم إلا (له الحمد).
الآية بعدها في سورة الروم (فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (17) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (18)) كلمة سبحان الله سُئل عنها الإمام علي كرم الله وجهه فقال: كلمة رضيها الله عز وجل لنفسه فنحن نقولها. لا يمكن أن نقول سبحان فلان. التسبيح والتنزيه والتقديس لا يكون إلا لله عز وجل فهذه كلمة حاصرة حصرت (سبحان الله) التسبيح منحصر ثم الزمن منحصر والمكان منحصر. ذكر الزمان والمكان بحصر (حين تمسون) المساء والصباح والعشي والظهر وجعلت (وله الحمد في السموات والأرض) للمكان فكأنه صار هناك نوع من الإختلاط والإتصال بين التسبيح والحمد في هذه الأوقات والتسبيح والحمد لله سبحانه وتعالى في السموات والأرض ففيها إطلاق وفيها حصر وفيها حصر للزمان وحصر للمكان فإذن لا يناسبه إلا حصر الحمد بالله سبحانه وتعالى. هذا في هذه السورة.
سؤال من المقدم: (الحمد لله ) التي يتلفظ بها المسلم في بداية يومه (الحمد لله الذي أحيانا) ما الفرق الكبير الواضح الذي ينبغي أن نعرفه بين الحمد لله ولله الحمد؟
عندما يقول الحمد لله يوجّه الحمد لذات الله سبحانه وتعالى وحينما يقولها مجردة (الحمد لله) معناها أنه يحمد الله سبحانه وتعالى بمطلق الحمد لكن إذا قال لله الحمد معناه أنه يحصرالحمد لله سبحانه وتعالى، يقول لله الحمد حصراً. الذي عُلّمنا إياه أن نقول: (الحمد لله) . إذا قال الإنسان لله الحمد فهو كلام صحيح ليس فيه شيء لكن نقول كلمة الحمد لله في القرآن الكريم إنما جاءت في هذه المواضع التي أوردناها ونحن نحرص أن نتأسى بأسلوب القرآن الكريم في كلامنا.
هذه الآية الأخرى في سورة سبأ التي بدأت بالحمد لله . إنظر ما قال (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآَخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (1)) ذكر الآخرة. عندنا في كلمة (له ما في السموات والأرض) تقديم وتأخير لأني في غير القرآن الذي ما في السموات والأرض له لأن (ما) مبتدأ و(له) خبر فلما قدّم لغرض حصر الملكية أنه له ما في السموات والأرض لا يشاركه أحد في ملكه فيحسن العطف (وله الحمد) لأنه سبق بهذا التقديم مع ذكر الآخرة.
في سورة الجاثية (ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (35) فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (36) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (37)): (فاليوم) يوم القيامة، (فلله الحمد) ما دام الكلام في الآخرة (فلله الحمد رب السموات) نلاحظ هنا كيف كرر ورب الأرض. ما قال رب السموات والأرض لغرض التأكيد ثم قال (رب العالمين) الذين في السموات والأرض جمع رب السموات ورب الأرض جمعهما بحرف عطف ثم قال رب العالمين من غير عاطف حتى يشمل كل من فيهما.
في سورة التغابن (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1)) هنا عندنا التسبيح أيضاً الذي هو حصر لله تعالى (له الملك) قدّم الجار والمجرور ففيه حصر وعطف ولذلك (وله الحمد) ولا يصلح هنا له الملك والحمد له لا تصلح. لغوياً يكون هناك ضعف لأنك تعطف غير محصور على محصور.
هذه الفائدة عموماً تأخر لفظ الحمد المبتدأ في خمس آيات والمعنى في جميعها للحصر.
(رب العالمين):
الآن ننتقل إلى قوله تعالى (الحمد لله رب العالمين) كلمة (رب) لاحظ لما بدأنا بـ (بسم الله الرحمن الرحيم) في ذكر إسم الجلالة سبحانه وتعالى الحاوي لكل ما تحته من صفات وأسماء. (الحمد لله) وبدانا بعد البسملة بمطلق الحمد وجنس الحمد ناسب ذلك أن يقال( رب العالمين) لأن من أسباب حمده من جزئيات حمده أنه رب للعالمين. والعالمون يقول العلماء طالما أنه ما دام جمع مذكر سالم يكون للعقلاء فصار رب العقلاء الذين هم عالم الإنس ، عالم الجن، عالم الملائكة. بعض العلماء يقولون لا: جمع المذكر السالم جمع العاقلين يطلق إذا كان هناك إختلاط بين العقلاء وغيرهم. فرب العالمين معناه رب العوالم هم يقولون إذا قال العوالم معناه جمع عالم للعاقل وغير العاقل. فالبعض يقول سواء هذا أو هذا هو سبحانه وتعالى رب كل شيء.لكن نأخذ كلمة رب لما نأتي إلى تصريفها نجد أنها من ربّ يَرُبُّ فهو ربٌ فهو مصدر لكن مصدر جُعِل إسم فاعل بمعنى إسم الفاعل كما قالوا هو عدلٌ: العدل مصدر لكن قيل هو عدل بمعنى عادل لكن فرق بين هو عادل وهو عدلٌ: هو عادل يعني منه صفة العدل لكن هو عدل كأنه العدل كله تمثل في شخصه فهناك فرق. فمن هنا كانت كلمة رب. الرب تأتي بمعنى التنمية (أن ينمي الإنسان الشيء فيرُبُّه) يرُبّ يعني ينميه، يُتِم، ينتهي وهذا المربي منه أُخِذ كلمة الرب المالك الذي يملك لأنه هو يتعهد الشيء بالتربية والنماء شيئاً فشيئاً ومنه الحديث الذي يرويه الإمام مسلم وهذا ينفعنا في حياتنا العملية في العلاقات. الآن الناس ضعفت علاقاتها على خلاف ما يحبه دين الله سبحانه وتعالى. ديننا يريد منا أن تكون بيننا علاقات لوجه الله تعالى وليس لمصلحة. هذا الرجل الذي كان يذهب لزيارة أخ له فأرسل الله تعالى على مدرجته ملكاً قال: أين تريد؟ قال: أريد القرية الفلانية فيها أخ لي أحبه في الله. قال: ألك نعمة عليه ترُبُّها؟ (أي ألك إحسان عليه تريد أن تنميه بزيارة) قال: لا ولكني أحبه في الله، قال: فإني رسول الله إليك أن الله سبحانه وتعالى أحبك كما أحببته فيه. الآن عندما يتصل بك أحد ليزورك لمدة 10 جقائق ويأتي يجلس قليلاً تتساءل ما الذي جاء به؟ لكنه يحبك في الله وجاء ليزورك ولكن نقول لهؤلاء المتحابين في الله أن لا يطيلوا الزيارة قدروا ظروف الناس (زُر غّباً تزدد حباً).
فهذه كلمة رب وهذه كلمة العالمين وكلمة (الحمد لله رب العالمين).
الرحمن الرحيم:
الرحمن الرحيم وقفنا عندها من قبل وبيّنا أن كلمة الرحمن عامة والرحيم خاصة فضلاً عن أن الرحمن صفة متجددة والرحيم صفة ثابتة فجمع بين التجدد والثبات.
سؤال للمقدم: هناك من يقول أن رب العالمين تحتوي معنى الخلق والملك والمدبر؟
قلنا كلمة الله تعني كل هذه الأمور: الخالق المالد المدبر. أما رب العالمين أصل اللفظة هي للتربية وللملك فهو مربيهم ومالكهم هو يربي المؤمن والكافر وهذا من تفضّله سبحانه وتعالى ويربي كل شيء يخلقه وينميه ويربيه ولذلك نقول العالمين هنا معناها مطلق خلق الله لإختلاط العاقل بغير العاقل فتستعمل جمع المذكر السالم.
مالك يوم الدين:
فيها وقفة. فيها قراءتان مشهورتان وهناك من قرأ مَلَك وملاّك لكن المشهور في السبعة بعضهم قرأ مالك يوم الدين وبعضهم قرأ ملك يوم الدين ولي في هذا كلام قد يطول نرجئه للحلقة القادمة.
بُثّت الحلقة بتاريخ 4/2/2006م
أسئلة الحلقة وإجاباتها على هذا الرابط
مالك يوم الدين:
نحن ما زلنا في سورة الفاتحة ووقفتنا هذا اليوم عند قوله تعالى (مالك يوم الدين). كلمة مالك هي في قراءة سبعية وملك في قراءة سبعية. المشرق العربي والإسلامي وباكستان وتركيا وهذه البلاد تقرأ مالك يوم الدين وفي شمال إفريقيا والمغرب العربي يقرأون ملك يوم الدين بقراءة نافع برواية قالون. هذا يستدعي أن نبين بشيء موجز مسألة القراءات وكيف جاز أن يقرأ بعضهم مالك وبعضهم يقرأ ملك. أولاً هي رسمها في المصحف 7Î=»tB من غير ألف. هذا الرسوم سوّغ للعرب من القديم أن يقرأها بالألف لماذا؟ نحن عندنا الحركات لا تُرسم حتى بعد أن وُضعت لها رموزاً . لا نرسم الحركات نقول كتب لا نضع فتحة على الكاف لا نفعل هذا وكذلك الضمة والكسرة لا نضعها. الألف هي فتحة طويلة عندما تمد الصوت بالفتحة في (كتب) مع الكاف تصبح ألفاً (كاتب). علماؤنا يقولون لو مددت الصوت بالفتحة نشأ من بعدها ألفاً لكن الدرس الصوتي يقول تصبح ألفاً وهذا ليس من شأننا. نحن إذن لا نضع الحركات. هذه الفتحة في (كَتَب) كما أننا لا نكتبها ولكن نقرأها كَتب وفرق بينها وبين كُتب وكتاب وكلها غير مرسومة. يبدو أن الكاتب العربي قديماً كان ينظر إلى صوت المدّ في الألف كما ينظر إلى الفتحة فكما أنه لا يكتب الفتحة أو يكن له صوت للفتحة كان لا يكتب الألف في كثير من المواضع. وأحياناً كان يكتبها متقصداً حتى لا يكون هناك إغفال لصورة الألف. أما الواو والياء فكانوا في الغالب يرسمونها لأنه لها صورتان: الواو التي تشبه الألف في كونها حرف مدّ مثل الواو في (نقول) علماؤنا يقولون الواو الساكنة المضموم ما قبلها والياء في (نبيع) الياء الساكنة المكسور ما قبلها والواو التي قبلها حركة أو بعدها حركة ليست من جنسها هذه تختلف. واو (وجد) وواو (لون) غير واو (نقول) من حيث الصوت. لما ترسم المقاطع على شكل الرسم الطيفي مثل تصوير القلب، واو (وجد) تظهر قاعدة للمقطع نقطة في الأسفل بينما واو نقول تظهر قمة في المقطع فهذه غير هذه لكن رُسمت بشكل واحد فالواو والياء لها صورة قيمتها قيمة حرف إعتيادي مثل وجد ولون ويبس وليت وواو وياء هي حركة طويلة مثل نقول ونسير فلآنه لها صورتان رسمت في الغالب أما الألف فليس لها إلا صورة واحدة وهي المدّ هي فتحة طويلة ولذلك الغالب أنهم لا يرسمونها. لما ننظر إلى المنحوتات القديمة تأتينا مثلاً كلمة (الحارث) أحد الملوك الذين حكموا الشام من الأنباط قديماً نجد أنه مكتوب الحرث من غير ألف وكلمات كثيرة جداً. فكلمة (ملك يوم الدين) رسمت بالميم واللام والكاف. لما رُسمت هكذا احتملت قراءتين: احتملت أن تُقرأ مالك وإحتملت أن تُقرأ ملك لكن هل هذه القراءة كانت بتشهّي من القارئ؟ الجواب لا. هذا الرسم الذي بين أيدينا يشير إشارة موجزة إلى فكرة الأحرف والقراءات ونفهم منها مسألة عامة وهي هذا النوع من التسامح بين المسلمين وإحتمال الرأي الآخر في كتاب الله. لما تروي لنا كتب الصحاح والسنن أن اثنين من الصحابة عمر بن الخطاب وصحابي آخر عمر سمعه رضي الله عنهما يقرأ بطريقة غير ما يقرأ هو بها فلبّبه (أي أخذه من تلابيبه) وجاء به إلى الرسول r فقال r ما قرأت به صحيحاً وما قرأت به صحيحاً إقرأوا كما عُلّمتم فقد أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف. هذا متى كان؟ يقول r سألت ربي أن يزيد في القراءات في الأحرف إلى أن وصلت بها إلى سبعة أحرف. هذه السبعة 7 هل هي الرقم بين 6 و8؟ هل هي إشارة إلى انفتاح يعني فتح الأمر وفقاً لما أقرأهم الرسول r لم تكن بالرقم 7 بين 6 و8 لأن العرب كانت تستعمل بعض الأرقام للإشارة إلى الكثرة تستعمل 7 و70 و700 والألف كما نستعمل نحن الآن كلمة مئة في العامية لما يقول: قلت له مئة مرة أن لا يفعل هذا. مئة ليس العدد الذي بين 99 و101 ولكن إشارة إلى الكثرة. هذه عادة المجتمع والمجتمع هكذا كان. على أي حال سواء صور الحروف أو الأحرف السبعة. هي الرقم 7 أو غيره نجد أن إبن جنّي يذكر في كتابه المحتسب في وجود القراءات الشاذة هو يفسر ما معنى شذوذ القراءات ثم يذكر رواية عن عمر وهو خليفة كان أمير المؤمنين يعني يأمر ليُطاع أن رجلاً قرأ بين يديه أو أمامه كان يقرأ (فتربصوا به حتى حين) قرأها (عتى حين) فسأله عمر قال:من أين الرجل؟ قال من العراق وعمر يعلم أن الهذليون لم يذهبوا إلى العراق ما كان في العراق هُذلي. قال من أقرأك هذا ؟ أنت لست هذلياً. قال: إبن مسعود وهو هُذلي وكان يُقريء الناس فأرسل له عمر رسالة : فإن الله قد أنزل القرآن وجعله عربياً وأنزله بلغة قريش فأقرئ الناس بلغة قريش ولا تُقرئهم بلغة هذيل. مع أن هذه القراءة أجازها الرسول r عن ربه لكن عمر بثاقب بصره وجد أنه السبب الذي من أجله رُخص بهذه الأحرف زال وهو كون العرب كانوا أمة أمية. أما الآن العرب جميعاً يقرأون ويكتبون في زمانهم من أسرى بدر بدأت القراءة والكتابة تنتشر وكان عمر في خلافته يمتحن الأعراب القادمين حتى أنه امتحن رجلاً مرة قال: تقرأ القرآن؟ قال نعم يا أمير المؤمنين قال فاقرأ لي أم القرآن. لو قال له إقرأ لي الفاتحة لعرف فقال الرجل أنا لا أعرف البنات فمن أين أعرف الأمهات. فأخذه واسلمه إلى الكُتاب إلى المُقريء فلبث فترة ثم إنهزم وترك قصيدة يقول فيها:
أتيت مهاجرين فعلّموني ثلاثة أحرف متتابعات
وحطوا لي أباجاد وقالوا تعلّم سعفصاً وقريّشات
وما أنا والقراءة والتهجّي وما حظ البنين من البنات.
معناه الأمة صارت قارئة. لما الأمة صارت قارئة حافظة عند ذلك عمر بثاقب بصره وجد أنه ينبغي أن يجتمعوا على حرف قريش لأن القرآن نزل بلغة قريش وعلى حرف قريش والأحرف الأخرى كانت رُخصاً من الله سبحانه وتعالى هذا نستفيد منه الآن. نحن قلنا الترخيص معناه في كتاب الله يمكن أن أقرأ أنا مالك يوم الدين وتقرأ أنت ملك يوم الدين ويكون ما قرأت أنا صحيحاً ويكون ما قرأته أنت صحيحاً من غير تشنج ومخاصمة. لكن الحاكم الذي يريد أن يوحّد الأمة كان له رأي آخر. تبقى هذه إذا قرأت مما هو ثابت على السبعة أو العشرة فقراءتك صحيحة عند الجمهور الأغلبية يقول في السبعة فقط. لكن نرى لماذا صنع عثمان الصنيع الذي قال عنه الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال: لو كنت أنا لفعلت مثل ما فعل عثمان. الذي فعله عثمان هو أنه جمع الناس على حرف قريش أراد للناس أن تجتمع على حرف واحد. الصحابة كانوا انتشروا في الآفاق (وهذا كلام موجز لفكرة الحروف والقراءات حتى يفهمها المشاهدون من غير أهل الإختصاص ولماذا جاءت ملك ومالك ورُخّص لكليهما) كان الصحابة قد انتشروا في الآفاق وكلٌ أقرأ بما أُقريء وفقاً لقبيلته وما أجازه r عن ربه وليس من عنده r. لما جاءت نسخ المصاحف التي كتبت في زمن عثمان بإجماع الصحابة. مكي ابن أبي طالب القيسي يقول في كتابه الإبانة عن القراءات يقول أجمع ما يزيد على اثني عشر ألف صحابي على صحة ما فعل عثمان. إجماع الصحابة على حرف لكن لأن الكتابة لم تكن منقوطة ولا مشكولة لما وصل المصحف الإمام إلى الشام كان الناس يقرأون بقراءة معينة أو حرف معين أو أكثر من حرف فصاروا يعرضون ما قرأ على رسم المصحف فما وافق الرسم ظنوا أن عثمان أراده وما خالف الرسم تركوه ولو كان حرفاً من الأحرف السبعة من أجل وحدة الأمة. فكلمة 7Î=»tB بهذه الصورة ممكن أن تُقرأ مالك لأنهم ما كانوا يرسمون الألف ويمكن أن تقرأ ملك فلما ذهب المصحف إلى الناس الذين كانوا يقرأون مالك قالوا إذن عثمان أراد مالك ولما ذهب إلى الناس الذين يقرأون ملك قالوا إذن عثمان أراد ملك فمن هنا جاءت القراءات. فالقراءات إذن السبع أو العشر وقسم يقول 14 القراءات هي بقايا الأحرف السبعة يعني حرف قريش مع بقايا الأحرف السبعة فكلها مقروء بها وما كان يقرأ بها أفراد كما يتصور هذه قراءة نافع وهذه قراءة عاصم لا ، هؤلاء كانوا يمثلون المدن أوالقبائل لأنه نحن نجد في كتاب سيبويه وهو أقدم كتاب وصل إلينا من كتب النحو لا يقول قرأ فلان من مكة ويقول وبلغنا أن أهل مكة يقرأون كذا وبلغنا أن أهل الكوفة يقرأون كذا (لأنه هو كان في البصرة) وبلغنا أن أهل الشام يقرأون كذا يعني يُحيل على البلدان. في مكة أهل مكة كانوا يقرأون هكذا ظهر منهم إبن كثير يبدو صوته كان جميلاً فشُهِر، في المدينة كان نافع وفي الشام إبن عامر وفي البصرة أبو عمرو بن العلاء وفي الكوفة ثلاثة من القراء عاصم والكسائي وحمزة شيخ الكسائي. إذن من هنا جاءت ملك ومالك وبقية القراءات. نستفيد من كل هذا شيء وهو مقترح نعرضه أنه لما كان عثمان وعمر رضي الله عنه الصحابة الكرام (12 ألف صحابي) أرادوا أن يجمعوا الناس على حرف نتمنى أن يجتمع الناس اليوم على قراءة واحدة نتمنى أنه إذا كان هناك طباعة جديدة للمصحف يتفقون ويطبعونه بصورة واحدة ويقرأون بحرف واحد لكن نقول في الوقت الحاضر إذا كنت في الرباط أو في مراكش فإقرأ ملك يوم الدين إذا قُدّمت إماماً حتى الناس لا تستغرب، وإذا كنت في بغداد فإقرأ مالك يوم الدين وإذا كنت في الموصل لا باس أن تقرأ (فأوردهم النير) لأنهم في الموصل يقولون على النار النير لكن في بغداد تقول النير يستغرب الناس منك. نحن لا ننفي القراءت هي على العين والرأس ونقول أنتم تعلمتم هذا. هذا علم الخاصة أما ماذا تريد؟ الله تعالى يريد أن يقول لنا إن فرعون أورد قومه النار فلماذا نقول النير؟ هذه القراءة لمن كان يميل ورخّص لهم هذا وقريش ما كانت تميل وما عندها هذه الإمالة. فنتمنى ولا نقول هذا ممنوع لو كان عندنا رجل مثل عمر قطعاً كما نهى إبن مسعود وهو الصحابي أو مثل عثمان أو مثل علي كان يحمل الناس على حرف واحد. هذه هي الغاية تقرأ بصورة واحدة. إذا أخذت بحرف واحد جمهور علمائنا لا يرتضون أن تقرأ بأكثر من قراءة في آن واحد. العلماء يقولون تمسك المصحف فتقرأ به قراءة واحدة إلى النهاية أو على الأقل في نفس الجلسة.
لم تُكتب الألف في ملك لكنها تُقرأ. رسم المصاحف نوقيف على ما رسمه الصحابة على القولين: سواء قلنا أن الرسول r أشار عليهم بطريقة رسم هذا قول أو أنه كان تطور الخط العربي إلى زمانهم فرسموا هكذا. فتوى علمائنا أنه رسم المصحف يُكرر كما رسم على زمن الصحابة. إذا أردت أن ترسم مصحفاً تضع أمامك نسخة قديمة ترسم عليها فمالك ترسم 7Î=»tB لأنه إذا رسمتها مالك كما فعل بعض الخطاط في زمن الدولة العثمانية أرادت أن تجمع الناس على حرف واحد فكتبوها مالك أنت ستمنع من قراءة ملك لأن الذي يقرأ ملك هذه فيها ألف فيقول لك أنت حرمتني من القراءة لكن اكتبها 7Î=»tB وقل له أتمنى أن تقرأها مالك أو ملك فلنتفق على شيء لتقرأ الأمة جميعاً ملك يوم الدين. كتابة المصحف توقيفية في كل زمان تكتب كما هي إلا للمتعلمين تكتب بخط ذلك الزمان.
الآية أمامنا (7Î=»tB) ملك ومالك. بعض العلماء حاول أن يبين أيهما أميز؟ مالك أو ملك؟ لكن المحققون من العلماء يقولون لا يجوز المفاضلة بين قراءتين سبعيتين، لا يجوز لكن تقول عند قراءة كذا ستكون الفائدة كذا وكذا وكذا وعند قراءه هذه تكون الفائدة كذا وكذا وكذا. فلما تأتي إلى فوائد كلمة ملك وفوائد كلمة مالك نقول أن الجمع بين القراءتين يجمع الفائدتين مع مراعاة شيء أنه لما نقرأ كلمة ملك ينبغي أن نستحضر في أذهاننا ما كان يستحضره العربي في ذلك الزمان من كلمة ملك. الآن الملك هناك الملكيات (ملك فلان وملكة فلانة) موجود ملوك ولكن عددهم قليل. الملك الآن لا يملك البلد لا يكون مالكاً للبلد إسمه الملك وإنما هو رمز لوحدة تلك الدولة، لوحدة الأمة. الملك الفلاني رمز لوحده هذه الأمة لكن يكون غيره هو الذي يتصرف في الشؤون: الربلمان أو الوزارة. الملك هو عبارة عن رمز لوحدة الأمة. الآن هو ملك لكنه ليس مالكاً قطعاً لكن قديماً الملك كان يملك الأرض ومل شيء حتى جزئيات الملوكات التي يملكها الناس، الجزئيات ملكهم لكن كأنما هو يملكها لهم ولذلك لما مزّق كسرى رسالة الرسول r بنفس المفهوم قال r مزّق الله ملكه. الدولة أو المملكة هي ملك للحاكم فنفهم هكذا حتى لما نقرأ مالك يوم الدين نفهم أن الله سبحانه وتعالى هو المالك المتصرف في شؤون ذلك اليوم ويملكه ولمّا يملك اليوم يملك ما فيه. عندنا الله سبحانه وتعالى وصف نفسه بأنه ملك (هو الملك القدوس) ولم يُقرأ المالك هنا لأن القراءة في الحقيقة ليست على الرسم. هم كانوا يحفظون هكذا فلما جاء الرسم ووافق قراءتهم فقرأوها على الحفظ قبل أن يكون على الرسم. ملك ما قرأوها مالك لأنه ما من أحد قرأها مالك. في مكان آخر قال تعالى (قل اللهم مالك الملك) فإذن لما نقرأ ملك يكون لنا سند والسند هو الرواية المتواترة الأمة عن الأمة وليس فرداً.، والأمر الآخر موافق لرسم المصحف وموافقة العربية وإن كان كما نقول دائماً أن القرآن حاكم على العربية وليست العربية حاكمة على القرآن. كلتا القراءتين لها وجهها والملك أو المالك يمكن أن نجمع بين القراءتين في هذا المجال وهذه خلاصة الفكرة: رسم المصحف والقراءة بحسب الأحرف والعلاقة بين القراءات والأحرف يعني أن القراءات الحالية هي ليست الأحرف وإنما بقايا الأحرف السبعة وآثار منها. القرآن كُتب على حرف قريش لكن إحتمل فظهرت فيه هذه القراءات. يجب أن نفهم اللفظة كما كانت في ذلك الزمان على ما استعمل. كان هناك سؤال أرسلته أخت لنا أن الله تعالى يقول لأيوب u (أركض برجلك) فتسأل الإنسان بماذا يركض؟ برجله فلماذا استعمل كلمة اركض برجلك؟ كلمة ركض ويركض في الإستعمال القديم كيف كان؟ لما ننظر في الإستعمال القديم وننظر في المعجم معنى ركض نجد أنه تأتي بمعنيين: المعنى الأساسي هو تحرك الرجل أو الضرب بالرِجل، يقال الفارس ركض فرسه أي ضربها بقدميه. ثم استعملت بعد ذلك بمعنى آخر وهو العدو (عدا يعدو). أُركض برجلك: هو مريض يعني أرفس الأرض برجلك ينبثق ماء هذا مغتسل بارد وشراب فتغتسل وتشرب وليس معناها اعدو. هو مريض يحتاج إلى علاج فلا يقول له أركض هو يريد : ارفس برجلك فأنت إفهم العبارة القديمة كيف كانت تستعمل. لما تقرأ (وجاءت سيارة) لا تقول سيارة كما نفهمها اليوم فلم يكن هناك سيارات وكلمة قطار يقال جاعت القافلة فذبحوا آخر القطار. كيف؟ القطار هو الصف من الإبل. فكلمة ملك لا ينبغي أن نفهمها في إطارها في ذلك الزمان. الملك في ذلك الزمان كان متصرفاً في شؤون رعيته ولذلك على لسان بلقيس (إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها) كانوا يتصرفون بنوع من الطغيان على الجميع وليس الملوك فقط. كل الرؤوساء حتى شيخ العشيرة (لك المرباع منها والصفايا وحكمك والنشيطو والفضول) يعني لما تغزو القبيلة وتأخذ الغنائم: أولاً ربع الغنيمة له من غير تقسيم وما يصطفيه لنفسه وما هو غير قابل للقسمة ومن يختاره له أو لغيره هو لا شك يعطي هكذا كان التصرف. فهذا المِلك التصرف العام ينبغي أن نفهمه من قولنا مالك يوم الدين أو ملك يوم الدين أي أن الله تعالى هو المتصرف في كل شيء تصرفاً مباشراً وليس لأحد أن يتصرف في هذا الملك فضلاً عما يحتاج هذا من تفصيل ولا نريد أن نطيل في هذه المسألة.
الدين من الألفاظ المشتركة في القرآن الكريم فهي تأتي بمعنى الطاعة والإسلام والحساب والجزاء فما اللمسة البيانية في إختيار الدين؟
اختيار كلمة (مالك يوم الدين) لم يقل القيامة أو الجزاء. هذه اللفظة لها معاني كثيرة كلها مرادة لو قال مالك يوم القيامة يكون التصور هو قيام الناس من قبورهم لا يكون فيه معنى المحاسبة، معنى الجزاء، معنى إدخال الجنة، معنى إدخال النار ولا يكون فيه معنى الطاعة والإلتزام ولا يكون فيه معنى الإعتقاد أن الدين الذي هو الإعتقاد ويعني هذا يوم الإعتقاد السليم. هذا يومكم هذا يوم الدين الذي يبرز فيه الدين ويتعالى فيه الدين. كل هذه المعاني مرادة ولو ذكر أي لفظ منها تغيب معاني الألفاظ الأخرى.
بُثّت الحلقة بتاريخ 9/2/2006م
أسئلة الحلقة وإجاباتها على هذا الرابط
مالك يوم الدين:
نحن قلنا في الحلقة الماضية أن لفظة مالك يوم الدين هي قراءة لعدد من القراء الذين يمثلون مدناً وذكرنا ما قاله سيبويه في هذا المجال بأنه كان يشير إلى البلدان، إلى المدن: قرأ أهل الشام وقرأ أهل المدينة. لم تكتب الألف لأنه يبدو أن الكتبة كانوا ينظرون إلى الألف كما ننظر الآن نحن إلى الفتحة. فكما أننا لا نكتب الفتحة كانوا لا يكتبون الألف ولكن يلفظونها ومن هنا بقيت من آثار الأحرف ملك ومالك ودعونا إلى أنه المكان الذي اشتهر فيه لفظ مالك أن يبقى الناس يقرأون مالك حتى لو علم أن هناك قراءة أخرى. المكان الذي اشتهر فيه قراءة ملك أن يقرأ فيه ملك حتى إذا كان قرأ بهذا ثم تمنينا على أمتنا أن تتوحد على حرف واحد أو على رواية واحدة تأسياً بما فعله عثمان رضي الله عنه وأقره عليه إثنا عشر ألفاً من الصحابة وأحرقوا سائر الأحرف فلا يتشبث الإنسان ويقول ماذا أصنع؟ كل حرف يغني أي تستطيع أن تستغني به هذا الكلام الذي قلناه. إذا قرأ يأي قراءة مما قرأ به القراء السبعة بالإجماع أو العشر وفيه بعض الكلام أو القراء الأربعة عشر وفيها كلام أكثر لكن في الأقل القراء السبعة يقرأ بقراءتهم ولا يعترض عليه إلا من قبيل أن تجعل الناس يتساءلون ما هذا؟ وما الفائدة منه؟ ما الفائدة أن تقرأ (فأدخلهم النير)؟ أنت تعرف أدخلهم النار أما حتى يعلموا أن هناك قراءة ماذا يستفيدون؟ وهذا على خلاف ما أراده عثمان رضي الله عنه وإثنا عشر ألفاً من الصحابة وإجماع الصحابة حُجّة وأحرقوا الأحرف وليس بقايا الأحرف.
كلمة الدين: قد يقول قائل لماذا لم يقل مالك يوم القيامة؟ أو يوم الحساب أو يوم الحشر؟ قلنا إن كلمة الدين تضم كل هذه المعاني فالدين الحساب، الدين الجزاء، الدين المِلك ومنه سُميت المدينة أي المملوكة لأن عموم الأرض عادة غير مملوكة فلما تملك هذه الأرض وتبني ويثير فيها ملك فسميت مدينته أي القطعة المملوكة التي يملكها الناس . ومنه الدين الإعتقاد أو العقيدة لو وضع أي كلمة أخرى لا تسد مسد كلمة الدين لأن الدين شاملة لكل هذه الأمور فهو يوم الحساب وهو يوم الجزاء وهو يوم الدين نفسه يوم العقيدة يوم بروز وظهور وانتصار الإعتقاد وكل هذه المعاني. لذلك نقول ليس هناك شيء يسد مسد لفظة الدين. وهو العادة والشأن (يقولون دينه وديدنه) كل هذه المعاني تجمع في هذا اليوم.
تبقى كلمة يوم: في التطور الدلالي الآن صار عندنا اليوم يمثل 24 ساعة وهذا ليس من كلام العرب. الأصل في كلام العرب أن اليوم هو النهار فإذا قالوا ثلاثة أيام يعني ثلاثة نهارات ومنه قوله تعالى (سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما). هذا معناه أن الحساب سيكون في ظرف ليس كظرف حياتنا الآن لأن نحن الآن إلفنا دوران الأرض فيكون ليل ونهار وهذا ينظر في قوله تعالى (يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات) فالحساب في يوم يعني قياسها وكم يطول هذا النهار؟ في الآية الكريمة في سورة المعارج يقول تعالى (تعرج الملائكة والروح إليه في سوم كان مقداره خمسين ألف سنة) فذلك اليوم في طوله بعض المفسرين يقول: هذا طوله على الكافرين هكذا يكون وممكن يكون طوله يحسب ما نعدّ نحن عاماً للناس جميعاً لأن الإنتظار يطول حتى أن بعض الواقفين في هذا الموقف يقولون: ربنا أنقذنا من هذا ولو إلى النار لشدة الكرب وفي هذا الوقت يكون هناك أصناف من الناس في ظل ظليل كما حدّث الرسول r لا يشهدون هذا العنت " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل، وشاب نشأ في عبادة ربه، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل طلبته امرأة ذات منصب وجمال، فقال إني أخاف الله، ورجل تصدق، اخفى حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليا، ففاضت عيناه" رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله رب العالمين يذكرنا بقصة يوسف u الذي رأى برهان ربه يعني معرفته بالشريعة. هؤلاء السبعة يكونون منعمينفي ظل ظليل. فاليوم إذن نهار ، كيف يكون هذا النهار؟ ما طوله؟ لا يكون هناك ليل يسكنون فيه ليس هناك سكون. هذا موجز.
خصّ تعالى يوم الدين بالذكر مع كونه مالكاً للأيام كلها فلماذا لم يقل مالك يوم الدين والدنيا؟ الذي يملك هذا اليوم في يوم الجزاء، يوم المحشر هو يملك كل شيء ويملك كل ما في ذلك اليوم. لما يقول ملك اليوم يعني ملك اليوم وما فيه. الزمن هذا بذاته لا فائدة من مِلكه. أن نملك زمناً وكيف نملك الزمن؟ لكن هذا أمر الله تعالى يملك الزمان والمكان وما في الزمان وما في المكان فملكه سبحانه وتعالى عام. لا حاجة لذكر الدنيا لأنه من باب أولى إذا ملك يوم الدين وملك الحساب فهو يملك كل شيء. هذا فيما يتعلق بمالك يوم الدين وكما قلت الإمام الرازي قال في الفاتحة لوحدها ما يربو على عشرة آلآف مسألة ونحن نقتنص منه ومن غيره مما وقفوا عنده.
إياك نعبد وإياك نستعين:
هذه فيها جملة مسائل: أولاً هذه القسمة (إياك نعبد) تتصل بما قبلها من تمجيد الله تعالى (الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين). ثم تأتي (إياك نستعين) هي بداية ما للإنسان. ذاك كان لله تعالى ثم صار الكلام للإنسان. الآيات السابقة لما نأتي من بدياة الحمد لله رب العالمين نجد تمجيداً من حيث بنية اللغة للغائب، الله سبحانه وتعالى غائب عن أعيننا حاضر في قلوبنا لكن من حيث البنية اللغوية نقول الحديث عن الغائب : الحمد لله (هو لم يقل الحمد لك) ، رب العالمين (هو)، الرحمن الرحيم (هو)، مالك يوم الدين (هو). لكن هذا التمجيد والتعظيم لله سبحانه وتعالى زاد من حضور الله سبحانه وتعالى في القلب فبعد أن انتهى من التعظيم والتمجيد انتقل إلى الخطاب هذا يسمونه في العربية الإلتفات وهذا ليس غريباً. لما ننظر في كلام ما نقل على لسان ابراهيم u في قوله تعالى (أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (77)) يخاطب المشركين (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82)) بدأ يتكلم بالغائب ثم قال (رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (83) وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ (84) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (85) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (86) وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (87)) لاحظ الإنتقال وهذا وارد كثيراً يتكلم عن الغائب إلى أن يجعله حاضراً في نفسه فيخاطبه كأنما استحضرت عظمة الله عز وجل في القلب وعند ذلك يبدأ الإنسان بالخطاب. هو حتى لما يقول الحمد لله رب العالمين يستحضر عظمة الباري عز وجل لكن الآن صار الخطاب مباشراً (إياك نعبد).
ألا يمكن أن يكون هناك نداء محذوف تقديره: يا مالك يوم الدين؟
لا، لأن الفائدة العامة في اللغة أنه لا يعيد إلى التأويل ما أمكن عدم التأويل. لما يمكنك أن تفهم العبادة من غير تأويل لا تؤول.
(أياك نعبد): إنتقل من المناجاة كما بدأ إبراهيم يناجي ربه. الذي يصلي أو الذي يقرأ الفاتحة يقرأها وحده حتى لما يصلي يقرأ (إياك نعبد). شخص في غير القرآن يقول إياك أعبد فلماذا استعمل نون الجماعة وليس الموضع موضع تعظيم على العكس نحن في موضع ذلة لله سبحانه وتعالى وكلما كثرت ذلة الإنسان لربه إزداد خضوعاً لله تعالى إزداد رفعة أمام الآخرين وإزداد بعداً عن عبودية الآخرين لأن العبودية هي منتهى الخضوع لله عز وجل يكون في منتهى القرب من الله عز وجل إزداد تحرراً من الآخرين لا يكون عبداً للآخرين. أعلى الدرجات عبودية الله عز وجل لذلك في أعلى مكان تكريم للرسول r قال تعالى (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً) أعلى درجات التكريم أن جعله عبداً.
إياك نعبد: لمَ استعمل الجمع هنا؟
يرى العلماء أن الأمة المسلمة أمة موحدة واحدة ولذلك يقولون دائماً وحدة الأمة مقدمة على أشياء كثيرة. أنت تنظر هذا الأمر هل فيه وحدة الأمة أم تفرقة؟ إذا كان فيه تفريق الأمة فلا خير فيه الوحدة مقدمة. بعض علمائنا القدماء مثلاً عند الأحناف أتباع الإمام أبي حنيفة يسمونه الإمام الأعظم ومنه مدينة الأعظمية قرب ضريحه يرون أن خروج الدم يلُفسد الوضوء، الإمام الشافعي مع من تبعه عندهم أحاديث وردت واطمأنوا إليها أن الدم لا يفسد الوضوء، أحد الحنفية يسأل شيخه يقول له: يا شيخي خروج الدم يفسد الوضوء؟ قال: نعم، قال: فلان يقول لا يفسد الوضوء، قال: له رأيه. لاحظ المرونة عند المسلمين وليس الإنغلاق الذي نراه الآن للأسف الشديد هذا ليس من ديننا، هذا الإنغلاق. قال: له رأيه، قال: نصلي خلفه؟ لآنه يمكن خروج دم منه وهو لا يراه مفسداً للوضوء فهو في مذهبي يصلي من غير وضوء فكيف أصلي خلفه؟ قال: يا سبحان الله أنا أقول لكم لا تصلوا خلف فلان؟ صلوا خلفه. لاحظ لماذا؟ لأن هذا فيه وحدة الأمة لما هو يصلي إماماً على فقهه، على مذهبه فأنت تتابعه حتى تتوحد الأمة ولذلك لا صلاة لمنفرد خلف الصف لما يكون في الصف مجال لأن تقف فلا تصلي خلف الصف لأن هذا نوع من تفرقة الأمة، وحدة الأمة مقدمة على كل شيء. ديننا دين أمة، دين جمع وليس دين أفراد (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا) لما القرآن الكريم يحدثنا عن أشياء معناه حتى نتعلم. لما يأتي هارون قومه عبدوا العجل وهو نبي ويرى قوماً يعبدون العجل لم يوقف، نصحهم وحاول معهم لكن لما وجدهم مصرين ينتظرون موسى قال ننتظر موسى حفاظاً على وحدة الأمة فلما جاء موسى قال (قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (94) طه). فديننا دين أمة وليس دين تشعبات وتبعثرات. كل يرى نفسه أبا حنيفة ولكن من غير فقه. وإياك نعبد للجماعة وصلاة الجماعة أفضل من صلاة الفرد بخمس وعشرين درجة أو سبع وعشرين درجة. من هنا جاءت كلمة نعبد ولك يكن في مكانها أعبد وليس المجال مجال تعظيم، قد يكون يعظم نفسه، كلا. المسلم يعبد مع إخوانه (إياك نعبد).
ما معنى نعبد؟
العبادة في الإسلام التي هي توجه إلى الله تعالى، تنفيذ أوامره لكن لها مفهوم أوسع وأشمل بيّنها الرسول r في الحديث الذي رواه عدي ابن حاتم الطائي لما دخل على الرسول r وفي عنقه صليب من ذهب وفي رواية صليب من فضة وكان r يقرأ (إتخذوا أحبارهم ورهبانهم أولياء) قال: إنهم لم يعبدوهم. فبيّن الرسول r معنى العبادة الذي ينبغي أن نفقهه ونتعلمه قال: بلى أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال فاتّبعوهم فذلك عبادتهم إياهم. إذن النحول عن منهج الله سبحانه وتعالى مما ورد في كتاب الله وسنة رسوله r وما أجمعت عليه الأمة وما استنبطه العلماء من الكتب والسنة، العلماء وليس التلامذة الذي يقرأ كلمتين مثلاً ويريد أن يصبح فقيهاً، لا. ما استبطه العلماء الذين من نشأتهم يدرسون العلم الديني من صغرهم إلى أن يصبح عالماً باللغة وبالبلاغة وبالنحو وبالفقه وبالتفسير وبالأصول، ما استبطه هؤلاء من الكتاب والسنة وأجمع عليه أصحاب رسول الله r في هذا فالإنحراف عن إتباعه سواء إتباع هوى النفس (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه) كيف الإنسان يتخذ هوى نفسه إلهاً؟ هو لا يقبل أن يصلي لنفسه ولكنه يتبع هوى نفسه فيما خالف شرع الله ولذلك الضابط هو شرع الله عز وجل في أي جزئية لا أسأل ما الحكمة؟ لكن أقول ما قول شرع الله تعالى في هذه المسألة؟ وهذا الذي درج عليه المسلمون دائماً ليس في حياة الناس شيء يستطيع أن نقول الإسلام لا رأي له فيه بدليل أن الناس كانت تسأل عن كل شيء والعلماء يبينون (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) فهذا معنى العبادة. وإن ادّعى بعض الناس أن منهجه يوازي منهج الله عز وجل. هذا يذكرنا بما فعله الرسول r لما نزل قوله تعالى (وإن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) يقولون الآن المدارس تعمل وسائل إيضاح والرسول r علّم بوسائل الإيضاح لما نزلت الآية خطّ خطاً في الأرض وقال هذا صراط الله المستقيم وخط خطوطاً على جانبيه وقال: هذه السبل وعلى رأس كل سبيل شيطان يدعو إليه. فيحذر الإنسان لما يقول عندي منهج في الحياة هو ليس منهج الإسلام لكن لا يتعارض مع الإسلام، إذا كان لا يتعارض فهل يوازي؟ فإذا كلن يوازي فلن يلتقي مع منهج الإسلام لأن الخطان المتوازيان لا يلتقيان فتعال إلى منهج الإسلام.
يبقى شيء أما كان يستطيع في غير القرآن أن يقول نعبدك؟ لِمَ هذا: إياك تعبد؟
في غير القرآن يمكن أن يقول: يا رب نعبدك فما معنى هذا التفسير؟ كلمة نعبدك: الكاف مفعول به والمفعول به في لغة العرب لأنها لغة مُعربة يتصرف فيه بالتقديم والتأخير كما يقول سيبيوه: جواز الوجهين يعني على معنيين مختلفين. لما يقول لك: كتب زيدٌ رسالةً أو كتب رسالةً زيدٌ يجوز الوجهان لكن هذا المعنى يختلف عن هذا المعنى نعم المعنى الكلي واحد أن إنساناً إسمه زيد كتب شيئاً هو رسالة. لكن لما قدّم وأخر لما قال كتب رسالةً زيدٌ أو أكرم خالداً محمدٌ نعلم أن خالداً آخِذ لأنه منصوب لأن العربية في إعرابها فيها مجال للتقديم. والتقديم فالمعنى يختلف ولا بد أن يختلف المعنى الجزئي. صحيح هو خالد آخذ لما نقول أكرم خالداً زيدٌ أو أكرم زيدٌ خالداً أو خالداً أكرم زيدٌ حتى لما نقدم على الفعل هو معلوم خالد آخذ وزيد مُعطي.،هناك فوارق في المعنى. لما نقول نعبدك نأخذ الكاف نريد أن نضعها في الأول لغرض بلاغي سنذكره. الكاف لا تقف وحدها كما في خالداً أكرم زيدٌ، خالداً يمكن أن يقف لوحده أما الكاف فلا تقف وتحتاج لما تعتمد عليه، العرب جعلوها تعتمد على لفظة (إيا): إياك، إياكم، إياكما، إياكنّ. وصار كلام للعلماء. العربي قال: إياك أكرمت والعلماء بدأوا هل الضمير هو الكاف وحده؟ هل الضمير إي والكاف للبيان؟ هل مجموع إياك؟ هذا لا يعنينا صراحة. هي (أي) الضمير والكاف لبيان المخاطب والعدد وهذا لا يعنينا المهم إياك مختلفة فلماذا؟ لما نأتي إلى لغة العرب واستعمالاتها نجد أنه إذا قدم العامل على الفعل وليس فقط على الفاعل فيعني بذلك الحصر. معنى ذلك لما أقول خالداً أكرمت أريد أن أقول أني أكرمت خالداً ولم أكرم أحداً سواه. إياك أعين يعني أعينك ولا أعين أحداً سواك بحيث لا يصح أن تعطف، لا يجوز أن تقول خالداً أكرمت وأكرمت زيداً، يقول لك آخر الكلام يضرب أوله أنت تقول لي خالداً أكرمت معناه أكرمت خالداً ولم أكرم أحداً سواه. ولاحظ الإيجاز: خالداً أكرمت بدل (خالداً أكرمت ولم أكرم أحداً سواه) العربية قالت: خالداً أكرمت وتلعربي يفهم هذا وهذه لغة العرب وهذه لغة القرآن التي الآن يريدون أن يحولوا إلى لغات لا ندري ماذا نقول عنها.
على أية حال فإذن لما يقرأ المسلم أو العربي عموماً (إياك نعبد) يفهم نعبدك ولا نعبد أحداً سواك اختزلت بكلمة (إياك نعبد) ترتبط بالجزء الأول من قوله تعالى (الحمد لله رب العالمين). الله رب، إياك نعبد تتصل بكلمة الله وإياك نستعين تتصل بكلمة ربّ لذلك يقولون الأولى فيها توحيد الألوهية والثانية فيها توحيد الربوبية فجمعت الفاتحة التوحيدين: توحيد الأوهية وتوحيد الربوبية. إياك نعبد تعني نعبدك ولا نعبد أحداً سواك بكل ما في العبادة من معنى فانحصرت العبادة بالله سبحانه وتعالى.
إياك نستعين:
ما قلناه في إياك نعبد من حيث إستعمال نون الجمع نقوله هنا في نستعين. المسلم يرى نفسه في الجماعة ويد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار كما في الحديث. هذا دين جماعة. إياك نستعين: التقديم أيضاً ما قال نستعين بك أو نستعينك قال إياك نستعين. أيضاً حصر الإستعانة بالله سبحانه وتعالى وأيما إستعانة بغير الله عز وجل فيما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه وتعالى هو إخلال بتوحيد الربوبية، إخلال بالتوحيد والله سبحانه وتعالى يقول (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) فينبغي أن يحذر المسلم. بلغ الأمر بالمسلمين فيما مضى من تجنب الإستعانة بالآخرين حتى فيما يقدر عليه الآخر قال: غذا سقط السوط من أحدهم وهو على الفرس لا يقول لأحد ناولني السوط وإنما ينزل هو يأخذ السوط. ما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه وتعالى الرزق، الشفاء، أمور كثيرة لا يقدر عليها الإنسلن فعندما تدعو إنساناً أن يشفيك أو يرزقك أو يمنحك شيئاً هو لا يملك شيئاً هو لا يملك ذلك لنفسه (قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً) هو لا يملك لنفسه فمن أين يعينك؟ نعم يمكنه أن يعينك في حمل طاولة تستعين به تقول له إحمل معي هذا وهو يقدر على ذلك فالأحياء لا يملكون أن يعينوك فيما لا يستطيع أن يعينك عليه إلا الله عز وجل فمن باب أولى الأموات. الشيخ عبد القادر الجيلاني يقول في كتابه الغُنية: وإذا زرت قبراً (لأن زيارة القبور وفق الدين سُنة يعني أن تزور القبور للإتعاظ وللدعوة للمقبور هذه سنة) فلا تضع يدك عليه ولا تقبله فإن ذلك من أعمال اليهود. تذهب الآن إلى مرقده وتجد من يمسك بالشباك ويقبله وهو الذي يقول في كتابه (ولا تقبله فإن ذلك من أعمال اليهود). ويقف عند فلان وفلان سواء كان من الصالحين أو آل بيت النبوة ويقول يا فلان أريد منك مذا وكذا. وهذا يتعارض ونحن مسؤولون أمام الله تعالى ما دام وردت الآية أن ننبّه على هذا. لا يُسأل في هذه الأمور إلا الله تعالى لقوله (إياك نستعين). ينبغي أن نفهم لغة العرب لأن الإستعانة لا تجوز بغير الله سبحانه وتعالى. الإستعانة تكون بالبشر فيما يقدر عليه وهو حيّ. هناك أمور وهو حيّ لا يقدر عليها فكيف وهو ميّت؟ إذن إياك نستعين هنا حصر الإستعانة بالله سبحانه وتعالى فيما لا يقدر عليه إلا الله عز وجل : رد غائب، رزق، شفاء مريض، أي شيء من الأشياء التي لا يملكها إلا الله تعالى. هو الله تعالى يملك جميع الأشياء لكن هناك أشياء يمكن أن تقول لولدك ناولني هذا القميص تستعين به في هذه الأشياء التي يقدر عليها لكن ما لا يقدر عليه (قل لا أملك لنفسي تفعاً ولا ضراً) ومن باب أولى الأموات.
لماذا تكررت إياك؟
لو قال في غير القرآن (إياك نعبد ونستعين) كأنه يفهم منه الحصر بإجتماع الفعلين يعني إذا جمعنا العبادة والإستعانة لا تكون إلا بك وإذا فرّقناهما يمكن أن تكون لغيرك وهذا لا يريده القرآن. لما نقول لشخص مثلاً: إياك أحترم وأُكرِم يمكن أن تفهم أه أنا أحصر الإحترام والإكرام فيك بإجتماعهما وممكن أن أحترم زيداً وأُكرِم خالداً لكن الإحترام والإكرام مجتمعين محصورين بك. ويمكن أن أحترم خالداً لكن لا أكرمه ويمكن أن أكرم زيداً لكن لا أحترمه إتقاء شرّه كما كان مع الشعراء (كفوا عني لسانه، اقطعوا عني لسانه) لكن لما نقول إياك أحترم وأكرم يعني لا أحترم سواك ولا أُكرِم سواك. فلما قال إياك نعبد وإياك نستعين يعني ى نعبد سواك ولا نستعين بأحد سواك . ولو قال في غير القرآن إياك نعبد ونستعين يعني جمع العبادة والإستعانة محصورة بك لكن يمكن أن نعبد واحداً ولا نستعين به وبمكن أن نستعين بغيرك وى نعبده وممكن هذا وممكن هذا وحتى ينتفي هذا الفهم وإن كل كلمة مقصودة أن تنصرف هِمّة الإنسان وإعتقاداته وعقيدته لله وحده سبحانه وتعالى قال: إياك نعبد وإياك نستعين وكان لا بد من التكرار لأنه لو لم يكرر لالتبس الأمر والقرآن الكريم بعيد عن اللبس.
بُّثّت الحلقة بتاريخ 11/2/2006م
أسئلة الحلقة وإجاباتها على هذا الرابط
تكلمنا في الحلقة السابقة على قول الله سبحانه وتعالى (إياك نعبد وإياك نستعين) وتكلمنا على إختيار تقديم (إياك) على نعبد وتقديم (إياك) على نستعين وما فائدة ذلك ولماذا لم يقل في غير القرآن نعبدك ونستعينك وبيّنا أيضاً كلمة نعبد لماذا جاءت بصيغة الجمع ولم تأت بصيغة الإفراد وكذلك نستعين لمَ لم يقل إياك أعبد مثلاً؟. وقد وردت بعض الإستفسارات في قضايا تتعلق بهذه الآية نحب أن نقف عندها أيضاً. من ذلك في قوله تعالى (وإياك نستعين):
هل بالإمكان أن يقال في غير القرآن (وبك نستعين)؟
إياك نعبد وإياك نستعين: الفعل يتعدّى بنفسه (استعانه) أو يتعدى بحرف الجر (استعان به) وهو متعدي في الحالتين إستعنته أو إستعنت به. وإذا تقدّمت (بك نستعين) سيكون معنى الحصر أيضاً في إياك وفي بك. لكن لماذا فُضّلت إياك على بك؟ ما الفائدة؟ نلاحظ الآيات السابقة هي نوع من التربية والتوجيه وليس فيها موضع شك. التأكيد يكون في مواضع الشك. أنت تقول نجح زيد إذا كان السامع خالي الذهن لكن إذا كنت تعلم أن لديه بعض الشك في نجاح زيد فتقول له: لقد نجح زيد تستعمل مؤكدات، إن زيداً ناجح أو إن زيداً لناجح، بحسب ما تعتقده من شك في نفسه. فلما كان الفعل يتعدى بنفسه، هذه الباء لم تزده معنى يعني هي ليست مثلاً للمصاحبة أو الوسيلة كما تقول كتبت بالقلم فلما لم تأت لزيادة معنى فهي للتأكيد. تقول: ليس زيدٌ مسافراً نفيت السفر عن زيد فإذا أردت التأكيد تقول: ليس زيد بمسافر وكما في قوله تعالى (أليس الله بكاف عبده) فهنا فيها تأكيد. الموضع ليس موضع تأكيد يعني ليس هناك شك في أن الله سبحانه وتعالى يعلّم المؤمنين أن يقصروا الإستعانة عليه سبحانه فلما ليس فيها شك لا يستعمل الباء (بك نستعين) فجاءت (إياك نستعين) لأنه لو جاءت إياك نعبد وبك نستعين كأنه يريد أن يزيل شكاً بهذا التأكيد والشك هنا غير وارد. فكأنه يقول أن هناك شك في الإستعانة بالله. قوله تعالى (أليس الله بكاف عبده) كان هناك شك وإلا كان يقول: أليس الله كافياً عبده، فلما أكد معناه أراد أن يزيل شكاً في نفوس المتلقين وهذه لغة العرب.
هذا شيء والشيء الثاني لو قال: إياك نعبد وبك نستعين، تفوت هذه المناسبة والملاءمة (إياك نعبد وإياك نستعين) إياك وإياك. هذه مسألة ثانوية لكن المسألة الأساسية ترتبط بالمعنى (وإياك نستعين).
يسأل المقدم هل من الممكن أن يقال: إياك نعبد ونستعين؟
تكلمنا عن هذا في المرة الماضية. لو قال إياك نعبد ونستعين معناه نخصّك بإجتماع هذين الأمرين ولا نشرك أحداً سواك بإجتماعهما (نعبد ونستعين) مفهوم المخالفة عند ذلك أنه ممكن أن نعبد غيرك لكن لا نستعين به أوممكن أن نستعين به لكن لا نعبده. لو جمعهما (إياك نعبد ونستعين) إياك حصرت معنى العبادة والإستعانة، يعني هذان الأمران مجتمعين ينحصران بك لكن منفردين يمكن أن يكونا لغيرك. لغة عربية لو قال: إياك نعبد ونستعين تعني أعبده وأستعينه لكن ممكن أن أعبد غيره من غير إستعانة فإذن أنا غير مخالف أو أعبده وأستعين بغيره إذا أنا غير مخالف. فإذن حتى ينتفي اللبس تكررت إياك (إياك نعبد وإياك نستعين) فيكون هناك حصر.
هل يمكن القول: الله نعبد والله نستعين؟
هناك شيء آخر : أكان يمكن أن يقال في غير القرآن (هذه الإحتمالاات نقول في غير القرآن لأن القرآن لا مجال فيه للإقتراحات) الله نعبد والله نستعين؟
من حيث اللغة يتحصل الحصر أن العبادة تنحصر بالله سبحانه وتعالى ولا يكون معه معبود سواه. فنحن نستفيد الحصر من قول: الله نعبد أي نعبد الله ولا نعبد أحداً سواه، الله نستعين: نستعين الله ولا نستعين بأحد سواه. لكن لو نظرنا إلى الآيات نجد أن الله سبحانه وتعالى يعلمنا منذ بداية الفاتحة أن نتوجه إليه سبحانه بالتعظيم والتمجيد (الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين) بالتوجه إلى العلي العظيم الغائب الحاضر. من حيث اللغة خطاب غائب أو متكلم على غائب (الحمد لله: هو، رب العالمين: هو، الرحمن الرحيم: هو، مالك يوم الدين: هو) هو غائب في الخطاب لكنه حاضر في القلب فلما جاء إلى (إياك) سينتقل لأن العبد سيتوجه إلى الله تعالى بالدعاء وأنت لا تدعو غائباً وإنما تدعو حاضراً. فبدأ الإنتقال من الغيبة إلى الحضور بهذه الآية (إياك نعبد) لأنه لما تكلم عليه بصيغة الغائب لكنه حاضر في القلب وقلنا هذا ليس غريباً في الإستعمال القرآني: أنظر في محاورة إبراهيم u في سوة الشعراء وسيكون لنا موقف منها إن شاء الله لاحقاً ((أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (77) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82)) لاحظ الإنتقالة (رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (83)) يسمى الإلتفات من ضمير الغائب إلى المخاطب. بدأ ينتقل من ذكر الله تعالى وهو الغائب الحاضر إلى أن وصل إلى درجة أن يخاطب الله عز وجل. كما في قصة إبراهيم وفي أماكن متعددة: نحن نناجي ربنا (الحمد لله رب العالمين) بغيبة إلى أن نصل قرّبنا إلى الدعاء فيعلمنا الله سبحانه وتعالى الدعاء (إياك نعبد وإياك نستعين) ثم ندعو (إهدنا الصراط المستقيم) لأننا ندعو حاضراً مخاطباً. لم يقل يهدنا أو يهدينا هو. لو قال (الله نعبد) يبقى غيبة أي يبقى في حال غياب لكنه يريد أن ينقلنا إلى مرحلة المخاطبة حتى ننتقل إلى الدعاء.
لماذا قدّم العبادة على الإستعانة؟
لم يقل إياك نستعين وإياك نعبد، قدّم العبادة وهذا التقديم هو المناسب في سورة الفاتحة لأن العبادة حق الله والإستعانة طلب العبد وحق الله مقدّم على طلب العبد. وشيء آخر هذا يتناسب مع قوله تعالى (الحمد لله رب العالمين) الله المعبود ورب العالمين المستعان لأن في الآية توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية: فإياك نعبد لتوحيد الألوهية وإياك نستعين لتوحيد الربوبية يبيّن العبد أنه يستعين بالله سبحانه وتعالى.
لعل هذه أهم الأمور وقد تكون هناك أموراً أخرى تغيب عنا في (إياك نعبد وإياك نستعين).
إهدنا الصراط المستقيم:
الفعل هدى يمكن أن يصل إلى المفعول أولاً ممكن أن نحذف المفعول الثاني فيه ويكتفى بالمفعول الأول : قسم يقول هدى يتعدى بمفعول وقسم يقول منصوب بنزغ الخافض (أي حذف حرف الجر). بمكن أن تقول: اللهم اهدني وارحمني وتقول لشخص: هداك الله يا فلان (مفعول واحد) ويمكن أن تقول: هداك الله للخير، تستعمل اللام ويمكن أن تقول: هداك الله إلى الخير، تستعمل إلى ويمكن أن تقول " هداك الله الخير. فيها ثلاث صور. الصور الثلاث وردت في القرآن الكريم مع الفعل هدى (مع اللام ومع إلى ومن غيرهما). العلماء نظروا في هذا: متى يُقال هكذا ومتى يقال هكذا ومتى يقال هكذا؟ والقرآن الكريم لا يمكن أن نضع عبارة مكان عبارة فيه، فمتى يقول إهدنا الصراط، إهدنا للصراط، إهدنا إلى الصراط؟ فمن خلال تأمل لغة العرب لأنه لغة العرب يستدل بها على كتاب الله وإن كنا نؤكد أن القرآن حاكم على لغة العرب وليست لغة العرب حاكمة على القرآن ولكن يُستأنس بها. العلماء هنا بالنظر إلى الإستعمالات قالوا: إذا قيل إهدنا السبيل أو الصراط أو الخير فمعنى ذلك أنه إما أن يكون الإنسان في الخير ويريد أن يعرف معالمه حتى لا يتيه، هو في الطريق هذا طريق كذا وأنا أقف على أول الطريق لكن أريد من يوضح لي معالم الطريق ماذا فيه؟هل فيه محطات وقود؟ هل فيه إستراحات؟ أنا في داخل الطريق لكن أحتاج إلى معرفة معالمه. هذه إهدنا الطريق يعني هو في الطريق ووضح له ما في هذا الطريق. وزادوا شيئاً قالوا: يحتمل أن يكون خارج الطريق ويقال هداه الطريق. لكن إذا قالوا: إهدنا للطريق يكون خارجاً لكن يكون قريباً، اللام للقريب، هي اللام للغاية ولكنها للقريب أيضاً.ولو قالوا: إهدنا إلى الطريق يكون بعيداً فيأتي به إلى الطريق. الذي تبيّن لنا من النظر في الآيات أنه عندما يقول (إهدنا الصراط) من غير اللام وإلى كأنه يريد أن يقول إنك أوصلتني إلى الصراط فوضّحه لي معناه هو أيضاً كان في الخارج وأوصله إلى الداخل فلما يقول إهدنا الصراط فهو قطعاً داخل الصراط حتى نميّز بين اللام وإلى وحذفهما. إهدنا الصراط: هم في داخل الصراط يريدون معرفة ما فيه لكن علماؤنا يقولون إذا حذف الحرفين (اللام وإلى) يحتمل الأمرين أن يكون داخل الصراط وخارج الصراط. والذي تبين لي من خلال الآيات أنه حيثما وردت الصراط من غير حرف معنى ذلك أنهم في داخل الصراط وإن كان أُوصلوا من بعيد أو وُعِدوا بأن يوصلوا من بعيد إلى الداخل لكن سوف لا يتركون. الأمثلة :
(وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) الشورى) هذا الإستعمال بـ (إلى) معناه هم بعيدون عن الصراط أنت تستطيع بإذن الله تعالى من مهمتك أن تأتي بهم إلى هذا الصراط المستقيم. المثال الآخر (قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (35) يونس) الخطاب مع الشركاء (يهدي للحق) يأتي بهم قريباً، يقرّبهم ويدخلهم في الصراط (أفمن يهدي إلى الحق) حتى يوازن (أمن لا يهدّي) إذن استعمل إلى واستعمل اللام. (يهدّي) تقرأ هكذا عند حفص للفائدة هي أصلها يهتدي: الهاء ساكنة والتاء متوحة فسكنت التاء حتى يكون إدغام التاء في الدال ولا يجتمع ساكنان فكُسِرت (لا يهِدّي أي لا يهتدي). والعرب كانت تفهم هذا الكلام لأنها لو لم تفهم لسألت الرسول r واحتج عليه العرب وقالوا أنت تتكلم لغة غير لغتنا. الصورة الأخرى في الكلام على موسى وهارون (فآتيناهما الكتاب المستبين) عندهما كتاب واضح (وهديناهما الصراط المستقيم) هما داخل الصراط يستفيدان من الكتاب المستبين في معرفة ما يرضي الله سبحانه وتعالى وما لا يرضيه. (وهديناهما الصراط المستقيم) هما في داخل الصراط وهذا يعني أن المسلم عندما يصلي أو يقرأ الفاتحة هو ليس خارج الصراط وإنما هو في داخل الصراط لكن يريد أن تبيّن له الصالح وأن يأخذ الله عز وجل بيده ليريه هذه المعالم ما يرضيه وما لا يرضيه سبحانه وتعالى. قد يكون هو في الصراط وينحرف فهو عندما يقول (إهدنا الصراط المستقيم) يعني بيّن لنا هذه الأمور التي ترضيك لأنك أنت في شرع الله. الصراط هو دين الله وفي دين الله عز وجل بيان لما يرضي الله تعالى وما لا يرضيه سبحانه وتعالى.
دلالة الفعل هدى لماذا لم يستخدم أرشد أو دلّ وكلمة الصراط ولم يستخدم السبيل مثلاً:
(يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (43) مريم) و (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10) البلد) هاتان الآيتان قال بسببهما بعض العلماء أن كلمة هداه الشيء تحتمل معنيان أنه هو في داخل الشيء أو خارج الشيء. كلام إبراهيم u مع أبيه (أهدك صراطاً سويا) أبو إبراهيم u خارج الصراط فيقول له : أنا آتي بك إلى الصراط إذن (هداه الصراط) أي هو في الخارج. في سورة البلد (وهدينان النجدين) هو في الخارج وبُين له سبيل الحق وسبيل الباطل. النجد في الأصل هو المرتفع والمراد به هنا طريق الهداية وطريق الغواية أن الله سبحانه وتعالى بين للبشر ماذا يسعدهم وماذا يشقيهم؟ بيّن لهم الخير وبيّن لهم الشر (وهديناه النجدين) أوضحنا له هذا الطريق وهذا الطريق. إذن هو في الخارج إذن معناه يحتمل أن يكون في الداخل أو يكون في الخارج. لماذا إخترنا الرأي الثاني أنه إذا حذف يكون في الداخل؟ هذا رأي بعض العلماء وأنا أميل إليه. وكتاب الله عز وجل لا تنقضي عجائبه. إبراهيم u كأنما يريد أن يقول لأبيه إنني لن أتركك، إنني سآخذ بيدك إلى الصراط وأكون معك فأدلّك فيه (فاتّبعني أهدك صراطا سوياً) لو قال أهدك إلى الصراط من حيث لغة العرب كان ممكن أن يقول أهدك إلى صراط سوي حتى يفهم العربي أن إبراهيم لم يكن يريد فقط أن يوصل أباه إلى الصراط ولكن يريد أن يقول له سأمضي معك داخل الصراط أهديك أيضاً. فهو وإن كان في الخارج لكن يحتمل أن معناه يكون معه في الداخل. أنا سأكون معك وكونه في الداخل هو المرجح لأنني لن أتركك. (اتّبعني اهدك صراطاً) يعني آمن يالله وآمن بي نبياً ستكون معي على الصراط وأوجهك يعني سوف لا أتركك. :كأن هذا نوع من التطمين بخلاف لو قال أهدك إلى صراط سوي ليس فيه ذلك التطمين بينما هنا فيه تطمين. يمكن في غير القرآن أن يقول أهدك إلى صراط سوي، لكن العربي لما يقرأها لا يحس بهذا التطمين بينما أهدك صراطاً سويا يحس بالإطمئنان أنه سيوصلني ويمضي معي في هذا الصراط.
(وهديناه النجدين) الإنسان لا يكون في النجدين في آن واحد وإنما يكون في نجد من النجدين. العبد حينما بيّن الله عز وجل له هذين النجدين سيكون في واحد منهما على وجه اليقين إما أن يكون في هذا وإما أن يكون في هذا فهو في النجد أيضاً لم يقل وهديناه إلى النجدين لو قال إلى النجدين يعني سيوصله إليهما، إلى المكانين لكن هديناه النجدين بما يختار من أحدهما فسيكون فيه. هذا الكلام لا يعني أننا نلغي الكلام الثاني إذا حذف الحرفين اللام وإلى فعند ذلك يحتمل أن يكون هو داخل الشيء أو خارجه لكن عند ذلك تفوت هذه اللمسة البيانية ولا يحس به الإنسان وهذا الذي جعلنا نختار هذا الشيء.
تختلف دلالة الفعل بإختلاف الحرف المصاحب له هداه، هداه لـ، هداه إلى :هداه إلى الشيء يشير إلى بعده بيّن ودلّ وأرشد كلها تعطي معنى واحد هو الإيضاح والتبيين. هدى وأخواته من الأفعال الأخرى.
أيضاً عندنا شيء في (إهدنا الصراط المستقيم): فعل الهداية ليس هو مجرد الإرشاد وإنما الهداية فيها شيء كأنه يكون إلى القلب أيضاً. صحيح هو هداه إلى كذا كأنه أرشده لكن في إستعمالات العرب كأنه يمس شيئاً داخلياً فيه ومنه الهدية لما تقدمها لإنسان. الهدية غير العطاء. لما تقول أعطاني فلان كذا ،أعطاني شيء مادي. أهداني شيئاً هو أيضاً مادي لكن في داخله نوع من المحبة والحميمية والود وفي الحديث الشريف "تهادوا تحابوا" فرق بين أعطيته وأهديته فيها شيء قلبي كأن هذا الشيء جعل القرآن يختار إهدنا الصراط المستقيم ليس فيها فقط مجرد إرشاد أو إيضاح، فيها هذه اللمسة التي رأيناها في قوله r: "تهادوا تحابوا".
الصراط: لم يقل السبيل مع أن القرآن استخدمها وإستعمل الجمع (سبل). الصراط جمعها صُرُط مثل كتاب كُتُب. الصراط هذه صيغة فعال من معانيها التي هي ملحوظة هنا فيها معنى الإشتمال (والفعل سرط). لما يقول رباط الرباط يضم ما تحته فالصراط كأنه من السعة بحيث يشتمل على كل السائرين فيه لا يضيق بهم بينما الطريق هو المكان المطروق الذي طرقته القدم بحيث يظهر أن الناس سارت من هنا هذا لا يعني أنه يسع الجميع يمكن أن يكون الطريق على قدر إنسان واحد، في المناطق المشوكة (التي فيها شوك) والناس تمشي تطرق مكاناً واحداً (طريق: فعيل بمعنى مفعول يعني مطروق مديوس داسته الأقدام). السبيل بمعنى الإسبال أي الإمتداد هذا الإمتداد أيضاً لا يحمل معنى السعة. لما يختار مناطق الإمتداد لمجرد الإمتدادات. الصراط أصلها سرط بمعنى ابتلع (يقال سرط اللقمة ابتلعها) لكن لمكان الطاء جعلت الشيء صاداً ولنا فيها حديث ولأن الطريق لما يمشي فيه الناس الصراط كأنه يسرطهم أي يبتلعهم يغيبون فيه شيئاً فشيئاً.
مداخلة من إحدى المشاهدات: هل يحتمل معنى إياك نعبد وإياك نستعين أنه إضافة إلى ما ذكرتم أن القصد من الجمع في العبادات أن كل فرد يتوجه إلى الله تعالى على أنه مجموعة من الأعضاء والجوارح وكل منها يتوجه مع صاحبها إلى الله تعالى طائعة له (وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لاتفقهون تسبيحهم) وإياك نستعين على كل عبادة كُلّفت بها هذه الأعضاء والجوارح بدليل (إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين)؟
يجيب الدكتور حسام أن هذا توجيه جيد وتفكير سليم.
بُثّت الحلقة بتاريخ 16/2/2006م
أسئلة الحلقة وإجاباتها على هذا الرابط
إهدنا الصراط المستقيم:
الصراط هل قراءة (سراط) بالسين هي خلاف الرسم؟
القراءة المشهورة جمهور القراء قرأوها بالصاد. هو أصل الفعل بالسين (سرط) هذا الأصل، لكن بسبب الطاء النطق العربي حوّل السين إلى صاد فصاروا يقولون الصراط. فقراءة السراط وإن كان الذين قرأوا السراط أقل ممن قرأ الصراط ولكن هي قراءة سبعية أجازها رسول الله r بأمر من ربه. من شروط القراءة الصحيحة موافقة رسم المصحف فلما يرى الإنسان الصاد رسمها غير رسم السين يمكن أن يقول أن هذه خلاف الرسم. لكن بعض الأصوات تختلف في السمع وحتى في الرسم أحياناً وهي في حقيقتها صوت واحد. نوضح الكلام قليلاً: حاولت أن أصطنع جملة إنجليزية والعبارة سهلة ميسورة، الحرف الذي بين t و r في ألف باء الإنجليزية. S ماذا يقابل في أصوات العربية؟ حرف السين. لكن إسمع نطق هذه الجملة: as you know this is for us نجد هنا الرسم s قد لُفِظ بصور: (as) لا هو زاي ولا هو سين ولا هو صاد لكن رسمه بهذه الصورة المعقوفة s لكن الإنجليزي ينطقه (آز) مثل كلمة ظلم وظالم الذي يعبّر عنه علماؤنا أنه الزاي المطبقة أو الصاد المجهورة يهتز معها الوتران. (this) هذه السين ورسمها هو هو لم يتغير. (is) خرجت زاياً والرسم هو هو، (us) صاد. هذه أصوات الصفير يمكن أن الرسم يكون بصورة والنطق يكون بصورة أخرى متفقة مع ما جرى عليه العرف في النطق ولا يكون هذا مخالفة للرسم بمعنى أنه عندما يقرأ عبد الباسط (لست عليهم بمسيطر) (لست عليهم بمصيطر) بالسين والصاد وقرأها بالزاي المطبقة التي هي كالضاد العامية في مصر. هو رسم واحد لكن نطقه بأكثر من صورة تماماً كما أن رسم s الإنجليزية واحد لكن أهل لغتهم ينطقون به بأكثر من صورة فهذا لا يدخل في إختلاف الرسم. كذلك مثلاً اللام ممكن أن تأتي مفخمة ويمكن أن تأتي مرققة: هي صوتان مفخمة ومرققة فلما يقرأ ورش (الصلاة) مفخمة لا يقال هذا مغاير للرسم لأن هذا الرسم ينطق بطريقتين (الصلاة مفخمة) و(الصلاة مرققة) فإذن لا نقول قراءة السين مخالفة للرسم لأن هي رسمت هكذا لكن تتحمل هذا النطق. كما أنه رسم s واحد لا يقال لمّا تقول is هذا مخالف للرسم أو كيف ترسم سين وتنطق زاي؟ هو هذا الصوت يُنطق بأكثر من طريقة. المعنى لم يتغير (مسيطر أو مصيطر) فإذا تغيّر المعنى نقول تغير الرسم لأنه عند ذلك تكون كلمة أخرى مغايرة مثل سعد وصعد والسعادة غير الصعود تغيرت الدلالة. تغير الدلالة يشير إلى أن هذا الصوت كما يعبر عنه الآن (فوني) لكن لما لم تتغير الدلالة يقال له (ألافون). الدلالة لم تتغير وإنما هو تنويع مثل تنويع النون: إظهار، إخفاء وغيرها. يجوز قول السراط لأنه وردت فيه قراءة سبعية فإذا لم ترد فيه قراءة سبعية التغيرات الصوتية عند ذلك ينبغي أن نحافظ فيه على النطق السليم . أحياناً وجود صوت الدال المجهورة وقبلها الصاد يؤدي إلى تحول الصاد إلى الضاء العامية (ظ). لو جئت لشخص وقلت له إقرأ: حتى يصدر الرعاء يقرأها يظدربسبب الدال. هذا إذا لم ترد فيه قراءة سبعية متواترة يُمنع. ننظر هل وردت قراءة (يظدر)؟ إذا وردت قراءة سبعية نقول على تلك القراءة وإذا كنت أنت تقرأ برواية حفص ينبغي أن تظهر الصاد خالصة ما دمت إلتزمت قراءة حفص عن عاصم. هذا فيما يتعلق بالفرق بين السراط والصراط طبعاً والقراءة المتداولة هي بالصاد (الصراط). لكن إذا سمعنا أحداً يقرأ برواية أخرة بالسين لا نثور عليه وإنما هي قراءة سبعية أقرها رسول الله r بأمر من ربه وليس من عند نفسه r.
المستقيم:
في الهندسة يقولون أن الخط المستقيم هو أقصر بُعد بين نقطتين. فكأن المسلم يدعو الله سبحانه وتعالى أن يجعله في أقرب الطرق (الصراط المستقيم) الذي هو أقرب الطرق. والمستقيم لا يكون متعباً معوجاً لأن يكون طويلاً إذا لم يكن مستقيماً. وهذه الإستقامة التي يروى في الأثر ولا أعلم صحة الحديث أن الرسول r قال: شيبتني هود لأنه فيها (فاستقم كما أُمرت ومن تاب معك) هذه الإستقامة أن يكون الإنسان على الطريق,.
لما قال إهدنا الصراط المستقيم يُفترض أن ينتهي عند هذا القول لكن كأن الصراط المستقيم كلام عام وأريد له أن يُبيّن ما المقصود بالصراط المستقيم للتفصيل. الصراط المستقيم هو دين الله تعالى لكن كأنما أريد له أن يفصل: الصراط المستقيم: صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضآلين. علماؤنا هنا يقولون البشر في الأصل صنفان: مُنعم عليهم (مؤمنون) وغير مؤمنين، غير المؤمنين صنفان: علماء لم يتبعوا الدين (علموا الدين ولم يتبعوه) وأناس لم يعلموا هذا الدين. فالذين أنعمت عليهم من المؤمنين، من الصالحين من أتباع هذا الدين، غير المغضوب عليهم العالم الذي ينحرف عن دين الله يُغضِب الله سبحانه وتعالى فهذا فريق (فرق الذين علموا الحق ولم يتبعوه) (وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (206) البقرة) هو يعلم الحق. الوليد بن المغيرة كيف وصف القرآن؟ قال إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة.. وصفه حتى قيل له أصبأت؟ قال لا. (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (26) فصلت) لو فتحوا قلوبهم لآمنوا لكنهم يعرفون وينحرفون فهؤلاء يُغضبون