عنوان الحلقة: أول مواجهة بين الشيطان وآدم u

تقديم علاء بسيوني

قال تعالى في سورة الأعراف (وَيَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (19) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآَتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (20) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21) فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (22) قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23) قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (24) قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (25)) ذكر تعالى قصة المواجهة الأولى بين الشيطان وآدم u ورغم التحذير نجد أنه كان سهلاً على الشيطان أن يوقع آدم u في المعصية وسنتحدث بالتفصيل عن الآيات ولكن نبدأ بسؤال هو: ما معنى السكن في قوله تعالى (اسكن أنت وزوجك الجنة)؟

علينا ان نعلم حقيقة الوافعة ففي بداية الأمر عندما قال تعالى (إني جاعل في الأرض خليفة) كان هذا أول إخبار عن آدم في الكتاب وتدل على أن آدم مخلوق للأرض أما مرحلة الجنة فهي مرحلة تدريب واختبار وقد شرحنا مراراً أن الجنة التي وردت في الآيات لم تكن جنة الخلد لأن جنة الخلد لا يخرج منها أحد (لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (48) الحجر) وليست جنة الآخرة لأن جنة الآخرة هي دار ثواب وجزاء وليست دار اختبار وقد اختلف المفسرون في معنى الجنة التي جاءت في قصة آدم وأتمنى من الجميع أن يتركوا مجالاً لصيانة الاحتمال فلا يأخذوا بتفسير على أنه هو المقطوع به فالقرآن في كل مرة نقرأه نجد فيه ملمحاً مختلفاً كل مرة. شاءت إرادة الله تعالى أن تكون الحياة على الأرض بتجربة عملية لا تجربة نظرية فالجنة جنة تدريب على إفعل ولا تفعل وتجربة على أنك لن تكون وحدك في الأرض وإنما سيكون معك ابليس وتزيينه لك فإذا كان استطاع ان يزيّن لآدم وهو مرتاح في الجنة فما بالك إن لم يكن الانسان مرتاحاً في الأرض؟ سيكون التزيين والوسوسة أسهل على الشيطان!

وإذا نظرنا في الآيات نجدها تحتوي على أفعال أمر (اسكن أنت وزوجك) (وكُلا منها) و(ولا تقربا) . هناك أفعال أمر لك الحرية في ان تفعلها أو لا تفعلها ففعل الأمر بالأكل لا يعني أنه على آدم وحواء أن يأكلا بشكل متواصل لكن يمكن أن يأكلا متى ما جاعا ويمكن أن لا يأكلا. والتقييد بالأكل جاء في شجرة واحدة وهذا أمر اختيار لأمر وجوب والنهي (لا تقربا هذه الشجرة) هذه تجربة عملية لآدم ولنا نحن من بعده ولهذا جاءت قصة آدم في القرآن في أكثر من موضع وأكثر من صورة حتى نستفيد ونعلم أنه إذا وسوس الشيطان لك فستعرف كيف تتخلص منه فالغرض من القصة في القرآن التحذير من وسوسة الشيطان لكن الناس تقول الشيطان شاطر وما شابه وهذا هو عكس هدف القرآن من القصة. فيدل أن نستعد للتخلص من وسوسة الشيطان وتجنب الوقوع فيها نقع في وسوسته.

(اسكن أنت وزوجك): في العادة تكون أفعال الأمر فاعلها مستتر تقديره أنت لكن القرآن جاء بالصيغة: (اسكن أنت وزوجك) الضمير (أنت) له دلالة لغوية وبلاغية ونحوية وهناك قاعدة نحوية تقول : إن من حُسن عطف الظاهر على المستتر فصله بضمير فكأني بالله تعالى يقول لآدم u إن السكن لا يكون إلا بك وبها ولا يتحقق الا بالرجل والمرأة. والسكن في شرع الله تعالى في الزواج هو على الرجل والله تعالى أعفى آدم منه طالما أنه كان في الجنة أما لما اخرجا منها (ولا يخرجنكما من الجنة فتشقى) يخرجا كلهما آدم وحواء أما الذي سيشقى فهو آدم لأنه عند خروجه من الجنة سيتحمل اعباء السكن وما يترتب عليه وفي هذا تكريم للمرأة في القرآن ففي الجنة عفى الله تعالى الرجل من التجهيز لكن عندما خرج من الجنة يشقى الرجل لأنه هو الذي سيجهز السكن وكل متطلباته ونحن للأسف نفعل عكس القرآن لأننا نأخذ من الغرب قصة المساواة وأن المرأة تشارك الرجل لكن الاسلام جعل الأعباء على الرجل وكرّم المرأة.

كلمة (اسكن) السكن لا يكون الا بين اثنين لكن ما هو السكن؟ يجب أن أعرف معناه حتى لا أُخطئ. السكن من السكون عكس الحركة لكن هل هو الوقوف؟ كلا فالسكون هو أول درجات الراحة والهدوء يقال سكنت الريح وسكن المطر ويعني أنه لم يقف ولكنه هدأ. هذا المعنى اللازم أما لازم المعنى للسكن فهو الطمأنينة وحتى يتحقق السكن يجب أن يكون هناك هدوء واطمئنان ولهذا جاء قوله تعالى (وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21) الروم) فالسكن لا يعني البيت وانما هو الهدوء والطمأنينة والسكن يتعلق بالرجل والمرأة والله تعالى جعل بينهما مودة ورحمة فإذا حصل عكس ذلك يقع الطلاق لأنه لم يتحقق الهدوء والطمأنينة والسكن والمودة والرحمة. وسميت المرأة سكن وعلى الرجل أن يكون سكناً لامرأته ايضاً ولذا جاء قوله تعالى (اسكن أنت وزوجك).

(فكلا منها حيث شئتما) هذا أمر على الاختيار وله شاهد وقلنا ان الجنة جنة تدريب واختبار والذي حصل في الجنة حصل على الأرض. ويجب أن ننبته من غالبية اطلاق الكلمة وانصراف الذهن الى شيء محبب جعل الناس يتعتقدون ان الجنة في قصة آدم هي جنة الخلد وإذا نظرنا في القرآن الكريم نجد أن أول اطلاق لكلمة الجنة في القرآن جاء في سورة القلم في قوله تعالى (إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17)) وترتيب هذه السورة في النزول هي الثانية بعد سورة العلق وقلنا أن الجنة سميت جنة لأنها تجن ما بداخلها عن الأعين فلا يُرى ما بداخلها من الأشجار المحيطة بها.

وقلنا أن الأمر بالأكل أمر على الاختيار يأكلان متى ما جاعا. لكن الله تعالى استثنى من بين الأشجار كلها شجرة واحدة لكن لماذا منع الاقتراب من الشجرة ولم يمنع الأكل منها؟ هذا أمر طبيعي ويحصل معنا في حياتنا اليومية لأنه متى ما عرفنا أن شيئاً ما فيه خطر لا نقربه ولأنه من حام حول الحمى أوشك أن يقع فيها ولذلك جاءت النواهي في القرآن بلا تقربوا (لا تقربوا الزنا، لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى، تلك حدود الله فلا تقربوها إنما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه) وعلينا أن نعلم أن المنع عن أمر إذا جاء من الله تعالى فلا نأخذه على أنه تكليف شاق وليس لصالحنا أو أنه أمر تعسفي لأن الأمر من الله تعالى وهو الخبير العليم سبحانه وهوخالقنا والصانع الأعلى وعندما يأمرنا بالصلاة مثلاً خمس مرات في اليوم نأخذها نحن على أنها تكليف تعسفي شاق ولكنه من الله تعالى تشريف وصيانة لهذه الصنعة التي صنعها الله تعالى وهو الانسان وصيانتها وتهذيبها يكون بعرضها على خالقها وصانعها خمس مرات في اليوم.

الشيطان استدرج آدم في الجنة بدليل قوله تعالى (فدلاّهما) التدلية هي أن تنزل الدلو في البئر بالتدريج والتدلية هبوط قبل أن يهبط الله تعالى آدم وزوجه من الجنة والذي حصل في الجنة حصل على الأرض. آدم u كان عنده آلآف الأشجار ليأكل منها ومُنِع من الاقتراب من شجرة واحدة الشيطان قال لآدم كل والله تعالى قال له لا تقرب. وهذا واقع الجنة مطبق على الأرضفنحن على الأرض لدينا كل الحوم نأكل منها ومُنعنا من لحم الخنزير ولدينا كل انواع الشراب ومنعنا من شرب الخمر  لكن النفس البشرية تهوى دائماً ما تُنهى عنه وسبق ان ذكرنا في حلقة سابقة أنه من امتنع عن شرب الخمر لأن طبيبه منعه خوفاً على صحته فليس له أجر لأن الامتناع يجب أن يكون امتثالاً لأوامر الله تعالى. والمولى عز وجل لا يحتاج إلى مبرر لفرض اوامره ولكن لتطبيق أوامره يجب أن تنتهي لأن الله تعالى نهاك وتجتنب لأن الله أمرك أن تجتنب.

سؤال: لماذا اختار تعالى الاختبار متعلق بشهوة الطعام وليس بأمر آخر؟

السر في ذلك الاختيار أن شهوة الأكل هي الدافع لكل الشهوات وهذه هي الحكمة من فرض الصيام لأنه عندما يصوم الانسان يضيق مسالك الشيطان والشيطان كما ذكرنا سابقاً عندما استعرض آدم قبل نفخ الروح فيه ووجده أجوفاً قال لا تخافوا إنما هذا أجوف وربكم صمد والأجوف يشتهي الطعام والنساء والشراب وسماع كلام الشيطان يأتي من باب الشهوات التي لو تمكنت من السيطرة عليها أقفل على الشيطان المداخل.

ارتباط الموضوع بالطعام لأنه مدخل الشهوات إذا كان هذا هو الوضع فلماذا قال الشيطان (وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ)  (فدلاهما بغرور) فما هو الغرور وما علاقة الملك في الآية؟

لو دخلت أي قصر فإن أول ما ترى من مظاهر الثراء كثرة الطعام. الشيطان يوسوس لآدم بداية الكلام مع أنه عاقد العزم على ذرية آدم منذ قبل نفخ الروح ويعمل بمنهج ثابت فإذا لم يقابله منهج مضاد فلن نتخلص منه فالشيطان عندما يغلب انساناً فهو قد غلبه بمنهج والمنهج الذي يعمل به الشيطان منهج ثابت مستمر على الأرض ولا يتغير فلماذا لا نتبع نحن منهجاً ثابتاً ايضاً؟ لو ناقشنا الوسوسة منذ بدايتها لما وصلنا الى الوقوع في شرك الشيطان فلو أن آدم u ناقش ابليس في اول الوسوسة عندما قال له أن الله تعالى منعه من الشجرة حتى لا يكونا ملكين او يكونا من الخالدين فلو ناقشه لم لم تأكل أنت منها لتكون من الخالدين لما وصل الأمر لما وصل اليه ولكن هذا لا يعني أن نتهم آدم u لأن أمر الله تعالى اقتضى أن يخلق آدم ليكون خليفة في الأرض ولم يخلقه للجنة وهذا أمر حتمي مكتوب. ولو سأل أحدهم هل كان آدم يخاف من الفناء حتى دخل اليه الشيطان من هذا الباب نقول ان الشيطان اصطنع هذا الخط وقال لآدم أنه سينتهي عمره كما انتهى الخلائق من قبله ويجب أن نعذر آدم u ويروى أن موسى وآدم عليهما السلام احتجوا فقال موسى لآدم أنت أخرجتنا من الجنة فقال آدم أتحاسنبي على أمر قد كتبه الله تعالى قبل خلق السموات والأرض فهذا كما قلنا أمر حتمي ومكتوب. ونحن نعذر آدم بالوسوسة إذا استعدنا ما ذكرناه سابقاً عن معنى الوسوسة حيث قلنا أنها تعني صوت اساور الذهب عندما تصطدم ببعضها في يد النساء وقلنا أن هذا صوت خافت ناعم محبب للانسان وهذا هو اسلوب الشيطان مع آدم وحواء فهو وسوس اليهما بصوت خافت علماً أنه لم يكن هناك معهم أحد في الجنة ولا داعي للهمس والوسوسة ونذكر أن الرسول r قال عن الاثم أنه ما حاك في صدرك وخشيت أن يطلع عليه غيرك فالشيطان يعرف ما يفعله فاختار الوسوسة .

ثم ان الآية ذكرت كلمة (وقاسمهما) ولم يقل أقسم لهما ونقول أنه إذا سمعت كلمة أقسم فيجب أن يأتي بعدها إما قبول أو امتناع أم لما تمسع وقاسمهما فيجب أن يكون بعجه موافقة لأنه قاسمهما أي أدخل الطرف الآخر في المفاعلة والمشاركة واتخذ اسلةباً بحيث أنهم لو سمعهو يدخلوا معه في المفاعلة وعندما قاسمهما الشيطان بالله تعالى قال آدم عندما سُئل كيف صدق الشيطان قال لم أكن أعلم لأنه يوجد من يقسم بالله كذباً. فالشيطان عمل الوسوسة وهيأ آدم وحواء لمشاركته في القسم حتى يصدقوه.

اسئلة للحلقة القادمة: ارتباط شهوة الطعام بالخلود، دلاّهما بغرور ما هو تأثير الغرور على قرارات الانسان؟ الآيات تتكلم عن احد اهداف الشيطان من الوسوسة وهي ابداء السوءة فما هي السوءة؟

 بُثت الحلقة بتاريخ 13/11/2005م


عنوان الحلقة: دور الغرور في الخطئية

تقديم علاء بسيوني

ما علاقة الوعد الذي يعده الشيطان بالغرور (ومايعدهم الشطان الا غرورا)؟ وهل هذه الوعود منشأها الغرور وهل هذا الغرور غرور الشيطان أو الانسان؟

القضية تحتاج الى تدبر والى صدق وحتى نشرح باستفاضة ويكون الأمر واضحاً للناس سنبعد عن الشيطان وسأعلّق على آية كثيراً ما نقرأها ولا نقف عند تفسيرها يقول تعالى: (يا أيها الانسان ما غرّك بربّك الكريم) المفروض على اتساق الفهم عندنا أن يستعمل في الآية صفة غير صفة الكريم أي صفة من صفات الجلال. نحن فهمنا القضية خطأ وفهمنا كلمة الغرور خطأ وفهمنا الواقع بيننا وبين الشيطان خطأ وفهمنا للأسف بعض ألفاظ القرآن على عكس معناها ومراد الله تعالى فيها وحتى أبيّن الموضوع أكثر: نحن نفهم كلمة الطمع أنه صفة مذمومة وفي الواقع الطمع صفة محمودة لأن الطمع هو الرجاء وهو ضد اليأس وفي القرآن استعملها على لسان ابراهيم u (والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين). نحن نعبّر عن الطمع بالجشع ونستعمل الكلمة خطأ ونبيني عليها معظم المفاهيم الخطأ التي نفهمها. فإذا قلنا فلان طمّاع أي هو الذي لا يتسرب اليأس اليه وهذا هو الانسان الناجح وطمّاع أي عنده رجاء وثقته بالله تعالى أعلى من ثقته بالناس وللأسف نستعمل في امثالنا الشعبية كلمة طمع على عكس معناها فيقال (الطمع ضرّ ما نفع) وهذا الطمع يقصد به الجشع.

هناك صفة متلازمة مع الطمع الحميد وهو السعي وعدم التواكل فالانسان الطمّاع يلازمه السعي وليس هناك طمع محمود وطمع آخر مذموم والمفاهيم المغلوطة سرّبت لنا عدم فهم الغرور.

الغرور صفة مذمومة لأن أصلها الخداع فما الذي يجعل الناس تصدّق الشيطان لمّا يعد مع أن الله تعالى حذّرنا منه؟ الشيطان ينجح عن طريق تسويف الأمر والمخادعة. ولفظ الوعد جاء في القرآن أن الله تعالى يعد والشيطان يعد لكن وعد الله تعالى من الوعد أما وعد الشيطان من الايعاد الذي هو مقلوب الوعد. الوعد الحق أن تمنيني بشيء منطقي والوعود الصادقة من الوعد أما الوعود الكاذبة فمن الايعاد وهذا ما يحصل في الانتخابات فترى المرشّح يعد الناخبين بالكثير من الوعود الكاذبة التي لا يقدر على تنفيذها والناس تصدقه لأنهم محتاجين لما يدفعه لهم من مال لكنهم يعرفون أن ما يعدهم به ما هي الا وعود كاذبة. هذا نوع من انواع الخداع.

غرّه أي خدعه. قال تعالى: (فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنّكم بالله الغَرور) الغَرور بفتح الغين هو الشيطان والغُرور بضم الغين هو الخداع والتسويف والزيف. وعظمة هذه اللغة كثرة اشتقاقها وقد أطلقنا على الشيطان اسم من الصفة فالغَرور من الغُرور والمغرور هو الذي خُدِع وهو الانسان الذي صدّق الأباطيل حتى صارت عنده حقيقة وهناك خيط رفيع بين الغرور والثقة. وبعض الناس إذا رأوا انساناً واثقاً من نفسه يقولون عنه مغرور ولكن علينا أن نفرق بين المغرور والواثق من نفسه. المغرور كما قلنا عنده أباطيل وخدع تصل ألى حد أنه يصدقها (يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون الا انفسهم). هناك فرق بين الخدع نفسه والخداع: الخدع لا يملكه إلا الله تعالى أما الناس فلهم الخداع (وما يخدعون) الخدع الحقيقي من عند اله تعالى والخداع أنا يمكن أن اعمله وقّعها على قصة موسى u مع السحرة. أول من سجد لرب موسى هم السحرة لأن عملهم الذين كانوا يسحرون الناس به هو عملية وهم وخداع لأعين الناس فيوهمونهم أن حبالهم تنقلب ثعابين لكنهم هم يعلمون أنها حبال ولم تنقلب لشيء (سحروا أعين الناس) لكنهم رأوا أن موسى لما ألقى عصاه انقلبت فعلاً الى حية رأوها هم وكل من هو معهم وموسى u فسجد السحرة هنا.

المولى سبحانه وتعالى قال في الآية الكريمة (يخادعون الله والذين آمنوا) عطف الذين آمنوا على اسمه سبحانه وتعالى لأن المؤمن الحقّ لا يغترّ ولا يضحك عليه الشيطان أو يخدعه بدليل قوله تعالى (إلا عبادك منهم المخلّصين). المؤمن الحقّ في معية الله تعالى فلن يخدعه الشيطان أو غيره كما قال تعالى على لسان رسوله r (لا تحزن إن الله معنا). فكما أن الله تعالى لا يُخدع فالمؤمن لا يُخدع. الشيطان يزيّن للانسان فيقول له اسرق والله غفور رحيم فيسرق أحدهم لأنه ااغترّ وخُدِع ويزين لآخر فلا يُخدع لأنه يقول ساعة أسرق أين الرقيب؟ صحيح أن الله تعالى غفور رحيم لكن أين صفته الرقيب الذي يراه وهو يسرق؟ وهل يضمن السارق أن يحيا الى أن يتوب الى الغفور الرحيم؟ والانسان المؤمن الذي لا يُخدَع لا يضمن المسافة بين الرقيب والغفور فصفة الرقيب تعمل دائماً مثل صفة الغفور والرحيم وغيرها.

(ما غرّك بربك الكريم) (فلا يغرنّكم بالله الغَرور) لماذا جاءت الغرور بـ؟

هذه التركيبة حتى ينجح الشيطان أن يوقعك في معصية فهو يحضر لك كل صفات الجمال لله تعالى ويُنسيك صفات الجلال زقد قال أحد العلماء أن الانسان لو استحضر العقوبة ساعة المعصية ما وقع فيها. لكن الشيطان ينجح بأن يعدّي بك الفعل بأن يجعلك تثق بالله تعالى فهو يُنسيك معرفتك بكُنه الله تعالى والتعدّي بالله تعني أنك ثتق بالله لكن ثقة في غير محلها لأنك عرفت كُنه الله تعالى وصفات جلاله لكنك نسيتها ووثقت بصفات الجمال فقط.

لو تأملنا في الاسماء الحسنى نجد أنها تنقسم الى صفات جمال تعطيك معنى الرحمة مثل الرحيم والرحمن والغفور وغيرها وصفات جلال تعطيك معنى الرهبة كالجبار فلو أخذت صفات الرهبة لم تقدم على المعاصي. الشيطان عندما يخدعك فهو يجعلك تنسى صفات الجلال. علي ابن ابي طالب رضي الله عنه كان يقول: من عرف الله خافه. فالخوف يجعلك تنجح وهذه القضية تحتاج الى وقفة. ولنا مع اسماء الله الحسنى وقفات لأن ما هو متداول بين الناس وينسبونه الى أنه حديث عن رسول الله r وينشدها الناس فيها اسماء هي ليست لله تعالى وأسماء الله الحسنى هي توقيفية عليه وفي الحديث الشريف: "إن لله تسعاً ةتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة" هذا الحديث يدل على أن الاسماء غير محصاة وحتى نحصيها يجب أن نبحث في القرآن وننتناول الفاظه. من يضع اسماً لله تعالى؟ هو وحده فقط ومحمد r هو الوحيد الذي يعطي وصفاً لله تعالى لأنه أعرف الخلق بكُنه الإله الحق فالأسماء إذن توقيفية من الكتاب والسُنّة. الحديث المتداول بين الناس الذي فيه الأسماء الحسنى التسع والتسعين هو حديث ضعيف وهو اصلاً غير منسوب للنبي r ولا يتسق مع صفات الله تعالى. قال تعالى في كتابه (ويمكرون ويمكر الله) فلا ينفع أن نقول أنه الماكر أو المكار وهذا ليس اسماً ولكنه توصيف فلا يحق أن نضع لله أسماء. نحن إما نسمع الأسماء من الكتاب أو السنة. هذا من باب ومن باب آخر نأخذ مثلاً اسم الضارّ الذي يدّعون أنه من اسماء الله الحسنى: يضرّني شخص ما فهل ألجأ إلى الله فأجده ضاراً؟ هذا غير منطقي نحن لا نعرف توصيف بعض الأمور فنخلط الأوراق والمفاهيم فيضحك علينا الشيطان. نضرب مثلاً توقيعياً بالذي عنده عقيدة: امرأة العزيز بشر ويوسف u بشر عصمته أعطته عقيدة ثابتة فهو أولاً لم يغترّ بتغليق الأبواب وأن أحداً لن يراه لأن كل هذا نوع من الخداع فهو يعلم أن الله تعالى يراه أما امرأة العزيز فعملت كل اساليب الخداع والغرور (وسبق أن تحدثنا في مسألة القرين عن أنه قد يكون من الانس وليس بالضرورة شيطاناً فكأن امرأة العزيز كانت هنا بمثابة القرين ليوسف u) ثم طمأنته بكلام (وغلّقت الأبواب) وهذه أمور تُغرّ كلها وقد يشترك المغرور معها في هذا فيقول لها مثلاً غلّقي النوافذ أيضاً لكن يوسف u قال (معاذ الله إني ربي أحسن مثواي) لأنه كان عنده عقيدة ثابتة. ولم يقل يوسف (معاذ الرحمن أو الرحيم) ولكنه قال (معاذ الله) الاسم الجامع لكل صفات الجمال والجلال. ولو طبقنا هذا الأمر لا نقع في خداع الشيطان أو المعاصي.

الموضوع قد يكون متعلقاً بالنيّة وحالتك قبل المعصية فالبعض يقول أنه لو حصل معي مثل هذا سأفعل وأفعل ومنهم من يقول معاذ الله لأن عنده عقيدة.

يوسف u لم يغترّ بجماله فهو قد أوتي شطر الحسن وللأسف بعض الناس يقع في المعاصي لأنه مغترّ بجماله لكن نسأل هؤلاء هل أنتم من عمل هذا الجمال؟ كلا هذا غرور الجمال لا دخل لهم فيه فأين الجمال الذي أضفتموه أنتم؟ قال r:" تُنكح المرأة لأربع: لمالها ، لجمالها، لحسبها، لدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك". وهذا دأب البشر والرسول r أوصى بالظفر بذات الدين لأن الدين عملته المرأة بفضل من الله تعالى وهذه القيمة المضافة فهي التي تديّنت واستقامت واستعانت بالله تعالى أما الجمال فليس لها فضل فيه ونحن للأسف نغتر بأشياء ليس لنا دخل فيها فما ينفعن امرأة ذات جمال وأخلاقها سيئة جداً؟ يوسف u لجأ الى الله تعالى مع النساء (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (33)) كأني بيوسف uنه قدر على امرأة العزيز ولكنه يفوض أمره الى الله مع هؤلاء النسوة. أحياناً الانسان يقع في المعصية باعتماده على نفسه أما يوسف u ومعه معطيات الحق لأنه قال فيه تعالى (إنه من عبادنا المخلَصين) فلجأ الى الله تعالى حتى بعد أن أنعم الله تعالى عليه (وأفوض أمري الى الله). عندما يوسوس الشيطان للانسان فعليه أن يستعيذ بالله أو يتوضأ أو يصلي ركعتين ويتعترف بضعفه أمام الشيطان وغروره.

(لا تغرنكم الحياة الدنيا) لماذا تغرّ الدنيا وهي شيء جامد؟ ألا يكفي أنها دنيا من الدنو حتى لا نغتر فيها؟

االقضية استخدام لفظ الغرور لا يقدم على المعصية أحد لا يهمه شيء وآخر على درجة من الايمان لكن يقع في المعصية نتيجة تصديقه للشيطان وأنه اغترّ. (ما غرك بربك الكريم) أي كان المفروض أنه عندما تركك مرة وثانية عندما عصيت هذا نوع من الكرم الالهي. نحن نقول: يا ربنا أذنبنا كثيراً فسترتنا وأخطأنا كثيراً فأمهلتنا. إياك أن تفهم أن الله تعالى يتركك لأن الله تعالى يمهل ولا يهمل. "إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته" يتركه تعالى وهذا من كرم الله تعالى لكن لا تستغله لأنه له مدى وحدود (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (8)) أي إجابة ترد بها سيقول لك تعالى (كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (9) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (12)) أو يعطيك النتيجة (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (14) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (15) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (16)) فالذي يغترّ بالكريم فاجر. الله تعالى لم يترك الخاطئين عن ضعف حاشا لله وإنما هذا من كرمه. صفة الله تعالى الرحمن زيادة في الرحمة جاءت عن قوة لذا لا ينفع أن نقول عنه تعالى أنه المنتقم هو سبحانه ذو انتقام كما جاء في القرآن الكريم لكنه ليس منتقماً. نقول الرجل ذو مال قد يستخدمه وقد لا يستخدمه. هناك انتقام لكن على مراد الله تعالى باللفظ الذي وضعه لذاته وهو تعالى لم يطلق هذا الوصف على نفسه.

(ما غرّك بربك الكريم): أعطاك حدودها وأي إجابة تعطيها يوم القيامة لتبرر المعصية (يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها) التبرير هذا من صفات الشيطان. آدم u لما أخطأ انكسر وظل منكسراً حتى أتاه الله تعالى وتلقى منه كلمات فتاب عليه والدليل أن الله تعالى هو الذي علّم آدم الكلمات التي تاب بها آدم u وحواء قالا (ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين) قالاها في نفس الوقت وفي نفس اللفظ لا اختلاف بينهما فالكلمات إذن ملقّنة لهما من الله تعالى ولو لم تكن كذلك لاختلفا في الاعتذار، أما الشيطان عندما أخطأ برر خطأه وتبرير المعصية يجعلك تتشدد في العقوبة فإذا برر العاصي المعصية فهذا يعني أنه سيفعلها ثانية.

تحدثنا سابقاً عن الوسوسة وقلنا أنها الصوت الخفي والشيطان يحاول بشتى الوسائل كما قال تعالى (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَولَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (64) الاسراء) أجلِب: بمعنى الجلبة من الأصوات والمعازف والموسيقى. وقلنا أن الشيطان يستعمل كل اسلحته في المعركة بينه وبين بني آدم.

ما شكل الدنيا وهي تغرّ الانسان؟

نحن نغتر بمعطيات الدنيا عندما تنصرف عن المُنعِم لكُنه النعم