عنوان الحلقة: تابع قصة ابليس في سورة الاسراء
تقديم علاء بسيوني
الصراع لا زال مستمراً منذ الأبد الى يوم القيامة بين الشيطان وبني آدم وهناك اختبار ومعركة في كل لحظة وهناك فائز وخاسر فإما أن ننجح وإما لا وقد تحدثنا في الحلقات السابقة عن بعض الآيات التي تتكلم عن الأمر بالسجود لآدم وفهمنا منها أن ابليس بلغ به الكِبر أنه ردّ الأمر على الآمر وهذه معصيته وتكلمنا عن الحوار الذي دار بين المولى عز وجل وابليس والأسلحة التي يستخدكها ابليس وسلطانه على البشر وكيف يتغلب بعض الناس بفضل الله تعالى على الشيطان وأسلحته. وفي الحلقة الماضية تناولنا بعض ملامح من آيات سورة الإسراء ونستكملها اليوم. ذكرنا أن القصة بدأت في الآيات (قال أأسجد لمن خلفت طينا) ثم أكما ابليس كلامه فقال (أرأيتك هذا الذي كرّمت عليّ) نتصور من هذاتين الآيتين أن هذا حوار ونتوقع أن يكون هناك ردٌ من الله تعالى على كلام ابليس الأول (قال أأسجد لمن خلقت طينا) ولكننا نجد أن ابليس استكمل كلامه في الآية الثانية فلماذا لم تأتي الآيات بردّ الله تعالى؟
هذه الوقفة مهمة جداً في مسألة (أفلا يتدبرون القرآن) علينا أن نقف ونتدبر لا أن نقرأ فقط لمجرد القراءة لأننا لا نقف عند كل المعاني بالقراءة وإنما بالتدبر. ومن التدبر في هذه الآيات يتبين لنا أن هناك رد مفترض لم يحصل. نحن غاب عنا سرّ الخلق وكُنه الحقيقة في الحياة (وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون) البعض يتهيأ له أن الخلق تم فقط لعبادة الله تعالى كأنه افترض أن الله تعالى بحاجة لهذه العبادة ولم يفهموا معنى اللام في (ليعبدون) والقضية تحتاج الى سعة أفق وفهم لكُنه الشيطان وذكرنا أن آيات سورة الأعراف والاسراء تكشف حقيقة الشيطان. الشيطان قال: أأسجد لمن خلقت طينا وهذا دليل أنه معترض لأن الله تعالى خلقه من نار قبل خلق آدم هذا جعله يفكر أنه أعلى من الخلق وفي مناط التكريم لأنه مخلوق من مادة قوية مرعبة فلما أمر الله تعالى الملائكة بالسجود لآدم هل شمل ابليس الأمر؟ هل هو من الملائكة؟ وقد أثبتنا في حلقات سابقة أن الأمر بالسجود شمل ابليس لوجوده مع الملائكة ولما سأله الله تعالى لماذا لم يسجد كان بامكانه أن يقول أن الأمر صدر للملائكة وهو ليس من الملائكة لكنه لم يفعل وهذا دليل على أن الأمر بالسجود شمله فدخل ابليس على نقطة مناط الفساد في الكون وهي نقطة الاستعلاء والكِبر بدليل قوله (أأسجد لمن خلقت طينا) هذا واقع كلامه ومناطه الحسد كأنه يقول للمولى عز وجل أتخلق بشراً من طين وتكرّمه ثم تأمرني بالسجود له؟ وهو لم ينتظر الرد من الله تعالى على سؤاله الأول لكن الحسد والكِبر كمناط للواقعة دفعه للسؤال الثاني (أرأيتك). الرسول r أخبرنا في الحديث الشريف " لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كِبر" فسأل أحد الصحابة فقال أنا أحب أن يكون ثوبي نظيفاً ونعلي نظيفاً فقال الرسول r إن الله جميل يحب الجمال. فالمسلم يجب أن يكون نظيفاً وزيّه حسن ويجب عليه إظهار نعمة الخالق الأعلى عليه لأنه من توصيفه عند الرسول r أنه جميل يحب الجمال. والكِبر هو بطر الحق وغمط الناس أي ظلم الخدم.
سؤال: هناك ملمح أن بعض الناس وهي داخلة للصلاة في المسجد قد يدخلون بثياب العمل المليئة بالأوساخ ورائحتهم غير طيبة ويقفون في الصفوف مع المصلين فيؤذونهم ونحن نعلم من حديث الرسول r أنه من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزل مسجدنا وهم أيضاً يؤذون الملائكة فهل هناك من نصيحة لهؤلاء؟
قال تعالى (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد) أي عند كل صلاة والزينة ليست ثياباً فقط وإذا تدبرنا الآية نجد أن النداء فيها لم يكن يا أيها الناس وإنما قال تعالى (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد) لأنه من عهد آدم هناك سجود لله تعالى وإلى أن تقوم الساعة أي انسان أراد أن يسجد لله تعالى يأخذ زينت. والزينة حالّة في الملابس. نقول إذا كان هناك ميكانيكي مثلاً يريد الذهاب للمسجد بعد سماع الأذان فعليه أحد أمرين إما أن يكون قد ارتدى ثوباً فوق ثوبه فيخلع ثوب العمل الذي اتّسخ ويذهب بثوبه النظيف أو يضع ثوباً نظيفاً آخر عليه ثم يذهب للصلاة وهذا لن يأخذ منه وقتاً وللأسف قد نجد البعض لا يذهب للصلاة بحجة أنه ليس لديه وقت ليبدّل ملابسه أو أنه يستثقل تبديل ملابسه وهنا نرى أن الابتلاء يبدأ من الملابس ثم السرحان في الصلاة ثم عدم متابعة الامام وستدبر ما يقرأه وغيرها وللأسف أن البعض يقول أيضاً ألا يكفي أنني أصلي؟ ولهذا نقول أن الصلاة فرض من الله تعالى وليس مِنّة منه سبحانه ولهذا علينا أن نفرّق بن الفريضة والسُنّة.
سؤال: إن الله جميل يحب الجمال مقولة تُفهم خطأ فنجد بعض الناس اللواتي حباهنّ الله تعالى بجمال فاتن تظهرن مفاتنهن على الملأ وإذا نبههن أحد يقلن إن الله جميل يحب الجمال فهل المطلوب أن نظهر هذا الجمال؟
هذه هي القصة الغائبة عن أذهاننا والبعض استخدم لهذا قوله تعالى (وأما بنعمة ربك فحدّث). أحب شيء إلى الله تعالى هو طاعة أوامره فإذا أمرنا الله تعالى بأمر يجب أن نطيعه وهذه أول معنى ل(اللام) في كلمة (ليعبدون) فهل نعبد الله تعالى على مرادنا أم على مراده سبحانه وتعال؟ إذا كلّفنا الله تعالى بأمور نأتي بها بما استطعنا وهذه الاستطاعة فهمها الناس خطأ ففهموها على أنها عندما تستطيعون كما في الحج يعتقدون أن قوله تعالى (من استطاع اليه سبيلا) أنه عندما تقدر اذهب للحج والمعنى هو أنه كلما استطعت اذهب بدليل (على) في الآية (ولله على الناس حج البيت) وهذا فرض. فلا يجوز أن نستخدم وأما بنعمة ربك فحدّث أو إن الله جميل يحب الجمال لاظهار المحرّمات فهذا هو إما استهزاء بالله تعالى أو أننا لا ندري فهذه مصيبة أكبر. إظهار جمال الله تعالى فيك قضية ليست بيدك كونك خُلِقت على قدر من الجمال (يوسف u خُلِق على قدر كبير من الجمال وأخبرنا القرآن عن ابتلائه في هذا الجمال وماذا كان ردّه u) يجب علينا أن نُظهر الجمال الذي صنعناه بأيدينا نحن فالالتزام جمال نحن نؤجر عليه والأخلاق جمال والمعاملات وصفاء النفس والرضا والقناعة كلها نؤجر عليها لكن اظهار الجمال الذي أعطانا الله تعالى إياه فلا فضل لنا فيه. بعض الفلاسفة يقولون ان رفض ابليس للسجود منطقي لأنه هو من نار وآدم من طين لكن غاب عنهم أننا نخاطب الإله الحق الذي له الأمر وإذا تدبرنا قوله تعالى (وكفى بربك وكيلا) ونظرنا إلى الكاف في (بربك) نتأكد أنه على رضى من الله على كل واحد في التلقين وهذا موضوع سنشرحه بالتفصيل لاحقاً إن شاء الله تعالى.
قلنا سابقاً أن ابليس قال قالتين ولم يأتي الرد من الله تعالى بعد السؤال الأول وهذا أمر تركه الله تعالى لنا حتى نفكر في هذا الردّ وكأني بالله تعالى يقول: كان عليك أن تسجد لأني أنا الآمر فطاعة الله تعالى تجب دون مجادلة. فالذي ترك الخمر لأن الطبيب منعه منها لأنها تضر بصحته لا يؤجر على تركها كالذي تركها استجابة لأمر الله تعالى وطاعة له ومخافة منه فلو مات الذي ترك الخمر استجابة لأمر الطبيب وصحته فكيف يُحاسب؟ يحاسبه الله تعالى لأنه علاّم الغيوب أنه لو لم يمت كيف كان يتصرف؟ وهذا أمر لا يمكن لنا نحن أن نعرفه لأننا نرى ظواهر الأمور والمسألة ليست من علمنا أما الله تعالى فيحاسبه بما سبق في علمه أنه لو كان كيف كان يكون فالملائكة الحفظة الكتبة تكتب فقط لمن الله تعالى هو الذي يعلم نحن ننظر للتائب في هكذا حالة على أنه تاب توبة العاجز وقد تكلم المفسرون كثيراً في توبة العاجز وأرى أنهم ما كان ينبغي أن يخوضوا في هذا الأمر ولكن يجب أن نفوّض الأمر لله تعالى لأنه سيحاسبه بعلمه وهذا من إحاطة علم الله تعالى.
سؤال: لو لم نتعلم من خطأ الشيطان لا نكون قد استفدنا وذكرنا أن آدم u كُلِّف فاستجاب فنسي أما باليس فردّ الأمر على الآمر وهذه معصية القمة وكبيرة الكبائر أن ترد الأمر على الآمر. مسألة الكِبر تحصل من أناس كثيرين وهي موجودة في كل قصص الأنبياء كما جاء في القرآن الكريم ولو استعرضنا قصص الأنبياء مع أقوامهم نجد أن أكثر من آمن بالأنبياء هم المستضعفون الفقراء من القوم والذين استكبروا هم الأغنياء وذوو السلطان والمال وأصحاب المنال من الآخرين وينظرون باحتقار لمن آمن بالأنبياء (فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (27) هود) وهذا حصل مع كل الأنبياء وهذه قاعدة. ونرى أن البعض يقول لو كان عندي مال لن أتكبر وسأتصدق لكن لمّا يفتح الله تعالى عليهم يتمنى الوحد منا لو لم يفتح الله تعالى عليه لأن أساء استخدامه والسلطان والمال من أصعب الابتلاءات وأصعب الأمور في أن تنخلع من طاعة الله تعالى وقد وقعت في القرآن في ابداع توقيعي لا توصيفي في قوله تعالى في سورة الفجر (فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15)) كلمة الانسان تدل طبيعة كل البشر ولم يفهم أن المال جاءه من باب الابتلاء ونستعين على نبوءة الولى على الابتلاء والشيطان. من بداية الخلق ترك المولى آدم جثة قبل نفخ الروح واستعرضه ابليس وبدأ معه الحسد والعناد والعداوة قبل أمر السجود فالشيطان لديه كِبر ولذلك لما سأل المولى (أرأيتك هذا الذي كرّمت عليّ) والله تعالى يرد (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (70) الاسراء). (فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) الفجر) المفروض أن يتبع منهج سورة الضحى (ألم يجدك يتيماً فآوى) فجاء بعده (فأما اليتيم فلا تقهر) وقوله (ووجدك ضالاً فهدى) فجاء بعدها (وأما السائل فلا تنهر) محمد r أوجده الله تعالى يتيماً فأمره من باطن هذه النعمة أن لا يقهر يتيماً ووجده ضالاً ضلال الحيرة وليس ضلال الغواية فأمره من باطن هذه النعمة أن لا يردّ سائلاً يسأل عن أي أمر. وأنت أيها الانسان أكرمك الله تعالى ونعّمك بدل ما يرينا العطاءات رداً على عطاء الله قال (ربي أكرمن) كرّمني الله على كل هؤلاء ففكر أنه فوق المسألة والآخر (وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16) الفجر) هذا الآخر ضيق عليه فالأول يتّكل على عطاء الله تعالى والآخر يتكل على منع الله تعالى هروباً من الحساب ولهذا علينا عندما نقرأ سورة الفاتحة علينا أن نفكّر جيداً بقوله تعالى (مالك يوم الدين).
سؤال: هناك ملمح خطورة الكِبرالذي أودى بالشيطان الى أخسّ منزلة وهي الطرد من رحمة الله تعالى ةالكثير منا يحصل معه هذا التكبر بدون أن ننتبه أحياناً من تصرفات بسيطة قد لا نلقي لها بالاً فهل نحن محاسبون عليها؟
نحن محاسبون على النَفَس والموقف والكلمة. عمر بن الخطاب قال حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا. هذا الحساب اللفظي للنفس اللوامة لو وجدت نفسك ستتكبر في موقف ما فكّر قبل أن تأخذ الموقف أو تغضب فالشيطان يقفز من القلب إلى العقل كما أخبرنا الرسول r والشيطان يقول أطير من قلبه الى عقله فأسيطر عليه. نحن لا نأخذ بالنا من توجيهات الله تعالى فترى الناس يحلفون بالطلاق على أتفه الأسباب وهذه قضية تحتاج لوقفة فلو أخذنا القرآن بتدبر لا يحصل معنا شيء من هذا. فالكِبر والحسد جعلا الشيطان يقول (أأسجد لمن خلقت طينا) ثم لا ينتظر الاجابة فيقول (أرأيتك هذا الذي كرّمت عليّ) فكأنه يسأل من باب الاعتارض لا من باب السؤال وانتظار الأجوبة. وذكرنا في الحلقة السابقة تركيبة (أرأيتك) وقلنا أن الهمزة للاستفهام والتركيبة تعني أخبرين اخبار العالم علم دراية وإحاطة وقوله (هذا الذي) تعطي ملمح تكبّر ايضاً ولم ينتظر الاجاب كأنه يقول أنا أرى داعياً لتكريمه ولا أرى سبباً للتكريم والردّ منا يجب أن يكون مخالفته من أجل هذا الموقف أولاً لأنه ردّ الأمر على الآمر وثانياً لأنه احتقر بني آدم وأعلن عداءهلآدم ولذريته. هناك عداء أزلي بيننا وبين الشيطان لكن ردّ السؤال المفترض من الله تعالى قال (اذهب) تعطي ملمح أن لها مناطاً عند الله عز وجل كأنه تعني أرنا أقصى ما يمكنك أن تفعله فلما قالها تعالى قالها بقدرته لكن علينا نحن أن نفهم أن لها مناط (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان) ولقد بحثت في القرآن أي كلمة جاءت أولاً كلمة عباد أم عبيد فوجدت أنه في التنزيل جاءت كلمة (عباد) أولاً في النزول في سورة الفجر (فادخلي في عبادي) من حيث توصيفهم ثم جاءت (وما أنا بظلام للعبيد) مباشرة وراءها في سورة ق. الله تعالى يتكلم في سورة الفجر عن النفس المطمئنة وقلنا أن بعض المفسرين يقولون أن النفس المطمئنة واحدة من تقسيمات النفس (نفس أمارة بالسوء ونفس لوّامة) ونحن سبق أن قلنا اجعلوا النفس المطمئنة نتيجة النفس اللوامة بدليل قوله تعالى ارجعي وهذا يعني أنها ماتت. التوقيع في العبيد جاء بعد العباد في سورة ق. العبيد هنا على اطلاق اللفظ والقضية في التوقيع تحتاج لوقفة منا فالمولى تعالى قال (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان) والشيطان قال (لأحتنكن ذريته إلا قليلا) هناك مناط اعتبره الله تعالى مناط اعترف به الشيطان وهو الذي استثنى لذا صدق الله تعالى في قوله (اذهب) بمعنى أرني ماذا ستفعل لأن الله تعالى يضمن عباده الذين لن يقدر عليهم الشيطان. المفروض كل واقعة نفكر فيها هلى هي من وسوسة الشيطان أو وسوسة النفس؟ وفي الآية كلمات تحتاج لوقفة (اذهب، استفزز، أجلب، شاركهم، عِدهم) كلها أوامر وهي ليست للتنفيذ وإنما لعدم التنفيذ ضربنا على ذلك مثلاً في الحلقة السابقة أن الأب يقول لابنه ادرس واجتهد والولد لا يسمع فيقول له الأب إلعب كما تشاء فالولد يعلم أن هذا الأمر ليس للتنفيذ وإنما لعدمه. الشيطان يذهيب ويستفزز ويجلب ويشارك ويعد والانسان عليه أن يتمسك بالمنهج ويفرق بين وسوسة الشيطان ووسوسة النفس ولا ينسب كل الوسوسة للشيطان.
يقول المفسرون أن الوسوسة تعني الصوت الخفي ونحن نقول لا يوجد صوت خفي وإنما صوت خافت فطالما أنه صوت فلا يمكن أن يكون خفياً. أصل الوسوسة عند العرب هو الصوت الذي يصدر عن حركة أساور المرأة في يدها وهي تمشي وهذا صوت محبب عند النساء والرجال لأن الجميع يحب الذهب وهذا كله فتن وابتلاءات فسمى العرب الوسوسة هذا الصوت الخافت المتغير حسب إذا كانت وسوسة نفس أو وسوسة شيطان المتكرر إذا كان التكرار لمعصية بعينها تكون وسوسة نفس وإذا كانت متكررة بأية معصية فهي وسوسة شيطان لأن الشيطان يريدك أن تقع في أية معصية وأن تقبض عليها حتى تدخل النار. النفس التي توسوس بطريقة الإلحاح هي التي تفتح الطريق للشيطان لأن المعصية تجر المعصية والمسألى مبنية هل النفس تفتح الباب للشيطان أم لا؟ والبعض يقول أنه في رمضان تصفد الشياطين ومع هذا تحدث معاصي وغاب عنه أن المعاصي ليست كلها من الشيطان بل من النفس.
يُثّت الحلقة بتاريخ 18/9/2005م
عنوان الحلقة: حلقة خاصة بمناسبة النصف من شعبان
تقديم علاء بسيوني
في هذا الشهر أحداث كثيرة في التاريخ الاسلامي كفريضة الصلاة والزكاة وليلة النصف من شعبان ليلة تحويل القبلة والناس بين محتفي بهذه الليلة وغير محتفي فهل نحتفي بها وكيف نحتفي؟
من العلماء من يقول أن الاحتفال بليلة النصف من شعبان بدعة ومنهم من يوقل نحيي الذكرى وعلينا أن نتدبر لنعرف كيف نحل هذه المعضلة. نحن مع الذين يقولون إنه لا يجب الاحتفال بها لكن الأمر فُرِض علينا بالاحتفال فلا بد أن نجتمع مثل هذا الاجتماعحتى نقول حقيقة هذا الأمر ونقول أن الرسول r لم يحتفل بها ولم يتكلم بها ولم يصح فيها حديث والحديث المتداول بين الناس موضوع وعلينا أن نفهم كيف يكون الاسلام؟ الاسلام من معنى التسليم لله تعالى ورسوله r فالرسول r كان كثير الصيام في شعبان فهل هذه طريقة للاحتفال؟ كلا كان r يكثر الصيام في شهر شعبان تمهيداً لرمضان وكان يصوم الاثنين والخميس على مدار العام وكذلك الثلاثة أيام البيض من كل شهر (13 و14 و15) وكان r يكثر الصيام في شهر شعبان. ولدي ملاحظة على كلمة الاحتفال نفسها لأنه توقعنا في مشاكل فنحن لا نحتفل بتحويل القبلة لأنها فعل ذلك يدل على أن الرسول r كانت لا تعجبه القبلة الأولى ونحن نحتفل أنها تحولت. كل كلمة في القرآن الكريم ترسّخ جزئية من جزئيات العقيدة وموضوع تحويل القبلة من موضوعات العقيدة فحينما كانت القبلة للمسجد الأقصى كان ذلك الصراط المستقيم وعندما تحولت الى المسجد الحرام كان هذا الصراط المستقيم وكل أمر من الله تعالى هو الصحيح ونحن لا نناقش فيه ولا نجادل ولا نسأل عن سببه لكن قد نبحث عن حكمة منه لا عن العِلّة. مسائل العقيدة تحتاج لطاعة أولاً سواء فهمت أم لم أفهم العلّة منها وآدم u عندما نهاه الله تعالى عن الأكل من الشجرة لم يسأله لم؟
معنى تحويل القبلة: هل كان هناك تحويل قبل هذا التحويل؟
القاطع ما قاله تعالى (إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة) فالبيت موجود قبل وجود الناس لأنه وُضِع لهم (الفعل مبني للمجهول) ابراهيم u لم يبني البيت وإنما رفع القواعد منه فواضع البيت هو من غير الناس وهو الله تعالى (بنته الملائكة) فكل اتجاه المسلمين من عهد آدم إلى عهد محمد r كان البيت الحرام وأول قبلة في عهد الرسول r كانت المسجد الأقصى ونرى في الاسراء أن هناك ملمحاً لا يركز عليه أحد وإنما يركزون على ما رأى الرسول r في رحلة العروج، قال تعالى (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى) هذه اشارة في التحويل من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى هذا ملمح في التحويل الأول والثاني (قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها) هذا تحويل رجوع وإعادة للأصل والكل على مراد الله تعالى ولا يُسأل عما يفعل فالذي سيسمع الكلام هو الذي اختاره المولى عز وجل للصارط المستقيم.
في آيات سورة البقرة قال تعالى في الآية 240 (سيقول السفهاء ما ولاّهم عن قبلتهم التي كانوا عليها) تدل على التحويل الأول ثم قال تعالى (فلنولينك قبلة ترضاها) هذا التحويل الثاني. في الآية الأولى ذكر السفهاء من الناس فأي فصيلة من البشر هم؟ هل المقصود كل مكذب أو هناك أناس معينون؟
السين في (سيقول) هي للاستفهام و(يقول) فعل مضارع يدل على الحال والاستقبال فهذا الفعل يعمل ليوم القيامة وليس فقط في زمن الرسول r فكل عصر من عهد محمد r إلى يوم القيامة هناك سفهاء وحتى هذا اليوم نسمع من يقول هذا الكلام فالسين في (سيقول) ستعمل ليوم القيامة. ومن بديع صنع الاعجاز القرآني أن يقول هذه الجملة قبل تحويل القبلة فالسفهاء اعترضوا والآية موجودة وهذا يثبت أن القرآن من عند الله تعالى لا من عند محمد لأنه وحده سبحانه وتعالى الذي يعلم ما سيقول هؤلاء السفهاء لأنه هو سبحانه المهيمن المتحكم في اللسان فلا يستطيع أحد أن لا يقول إذا قال الله تعالى إنه سيقول وما كان لمحمد r أن يعرف ما سيقوله السفهاء ولكن الله تعالى يعلمه. والسفهاء من السفه وهو طيش وخفة في العقل يجعل صاحبه يخدع نفسه (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) البقرة) هذا توصيف المنافقين ثم يقول (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (13) البقرة) أول فريق من السفهاء منافقون فلمّا تغيرت القبلة لم يستطيعوا أن يواصلوا رحلة الخداع والنفاق والبديع في الآية (من الناس) تعني وجود سفهاء من غير الناس وهذا يثبت أيضاً أن القرآن من عند الله وليس من كلام البشر فتخيل أن سفهاء الجن لم يفعلوها. وهذه الآية تبريء سفهاء الجن والمخلوقات الباقية عدا الانسان لأن السفه في كتب البلاغة يتصف به الجماد والحيوان والنبات والانسان والله تعالى في الآية يخبرنا أن السفه سفه بشر أما المخلوقات الباقية فهي تسبح ولن يعترض إلا السفهاء من الناس.
الآيات تستمر في الحديث عن الواقعة ويسأل السفهاء ما ولاهم عن قبلتهم ويبحثون عن إجابة مباشرة من الرسول وتأتي الآيات (قل لله المشرق والمغرب) فلماذا جاءت الاجابة (لله المشرق والمغرب) ولم تأتي الاجابة بأنه أمر إلهي مثلاً؟
قل يا محمد تعطي معنى أن الرسول r لا يستطيع أن يجاوب وحده والردّ هذا أمر الله لكنه قالها عن طريق الجهات فالله تعالى صاحب الجهات كلها فله حكمة في كل جهة للمسجد الحرام حكمة وللمسجد الأقصى حكمة وذكرت الآية جهة المشرق والمغرب ولم تذكر الشمال والجنوب ساعة كانت القبلة للبيت الحرام هو الصراط المستقيم ثم المسجد الأقصى هو الصراط المستقيم ثم المسجد الحرام هو الصراط المستقيم فالصراط المستقيم هو للاتباع ثم لا يصح السجود لأصنام فلماذا المشرق والمغرب؟ هناك حديث لعمر بن الخطاب أن المسافر إذا كان لا يعرف القبلة فليأخذ ما بين المشرق والمغرب ويصلي. هذا معناه أنهما أكبر جهتين لتحديد القبلة وصاحب المشرق والمغرب له أن يوجّه عباده كيف يشاء. في عهد الرسول r كان المؤمن الحق لا يشغل باله بالأمر وإنما حوّل القبلة عندما تحولت.
سؤال: مقارنة بين الذين يجادلون وبين الذين عندما جاءهم خبر تحوّل القبلة تحولوا اليها وهم في الصلاة وأطاعوا الرسول r طاعة عمياء؟
إذا صحت الرواية فلإنها تدل على قمة التصديق والايمان بالرسول r وقد قال تعالى (وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه) فالمولى عز وجل عمل موضوع القبلة والبعض يتساءل كيف يقول تعالى (لنعلم) وهو يعلم كل شيء فنقول لهم أن الله تعالى يعلم علماً أزلياً وقوله تعالى إلا لنعلم تعني إلا لنظهر عليمنا الأزلي للناس علم مشاهدة حتى تشهدوا على بعض فالذين انقلب على عقبيه ضلّ. والشهداء منهم الملائكة الحفظة والأنبياء والرسول r خاصة وأمة محمد r خاصة (لتكونوا شهداء على الناس) وأعضاء الانسان وهذا الواقعة تتحقق فيها شهادة الرسول r والأمة.
الرسول r كان لا يجيب على سؤال إلا بوحي من الله تعالى إلا في مكان واحد ورد ذكره في سورة الكهف (ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله) علينا دائماً أن نقول إن شاء الله.
سؤال: هل السفهاء تنطبق على المسلمين الذين يجادلون في الدين؟
السفهاء من الناس والذين يريدون أن يضع نفسه منهم يتكلم في الصلاة والصيام والحج ويقول إن له رأياً في الحج أو في الصلاة أو الصيام. الامام علي بن أبي طالب رضي الله عنه حسم الأمر فقال: لو كان الدين بالعقل لمُسِح على الخف من أسفله ولكنا نمسحه من فوق لأن محمداً r مسح عليه من فوق. ونحن نسمع من يقول أن الصلاة رياضة والصيام يحسن الصحة وهذا خطأ فالصلاة والصيام فرضهما الله تعالى ولا نحتاج لنبرر للناس فائدتهما لأن علينا جميعاً أن نطيع أوامر الله تعالى وأن نعبده على مراده هو لا مرادنا نحن. وكلمة السفهاء من الناس مفتوحة والذي سيجادل في هذه الأمور سيدخل نفسه في السفهاء. وسيكون هناك دائماً سفهاء يسألون ويجادلون.
ويستطرد المقدم فيسأل لماذا قصة الرمز مقبولة لدى المجتمعات الأخرى وغير مقبولة بالنسبة للمسلمين؟ فالناس تقف للعلم الوطني أو لصاحب المقام أو المنصب ويعترضون على أن تقبيل الحجر أو الطواف حول الكعبة وثنية فهل من تعليق حول قضية الرمز؟
لقد غاب عن بال هؤلاء أنه في مكة في بدياة الطواف نقبّل الحجر الأسود ثم في منى نرجم حجراً آخر وهذا تعني أن العبد مطيع والله تعالى يباهي بالحجيج لأنهم قبّلوا هنا انصياعاً لأمره ورجوا هناك انصياعاً لأمره أيضاً فهكذا تكون عبداً لله تعالى نحن لا نقدس شيئاً إلا ما أمر به الله تعالى.
سؤال: قال تعالى (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) ماذا تعني (وكذلك)؟
الواو عطف والكاف للتشبيه وذا اسم اشارة والكاف للخطاب ومنها أعرف أن هناك تشبيهاً فالله تعالى يشبه جعلكم أمة وسطاً بشيء لم يخبرنا به لأن الله تعالى أمرنا بالتدبر في ا