عنوان الحلقة: ميزان الدنيا والآخرة
تقديم علاء بسيوني
قال تعالى في سورة القصص عن قصة قارون (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (80)) قارون أنعم الله تعالى عليه لكنه قال: إنما أوتيته على علم عندي. ما هو الميزان الذي نزن به التعامل مع الله تعالى؟
نحتاج لأكثر من وقفة لكي نجمع وحدة هذه الآيات، عندما نشتغل بالقرآن القضية قضية تدبّر لنعمل ولا نفسّر القرآن حتى يقال فسّرنا لكن يجب أن نأخذ من كل ملمح دائرة عمل نجتنب بها الشيطان والمعاصي ونبتعد عما يغضب الله تعالى. الله تعالى قطع من حيث كُنه الابتلاء: الناس تتصور أن الفقر إهانة والغنى أو الثراء نوع من أنواع التكريم. هذا تصور الناس لكن من بعد استقراء الوضع في القرآن الكريم نجد قوله تعالى (فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16) كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (18) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (19) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (20) الفجر) قوله تعالى (فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ) ابتلاء ومن عظيم القرآن وصِفة الإله الحقّ أن الاثنين جاءوا في آية واحدة بدون تفصيل إجابة حتى يظهر لنا أن هذه وحدة فلنبحث عن الجواب. عندما نسمع (فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ) يحدث له اطمئنان وهذه أكبر كارثة في الدنيا أن تطمئن بعطاء الله تعالى أو بسلب الله تعالى سواء الفقير أو الغني يقول (فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ) أي طالما أعطاني ربي فأنا من المفضّلين تماماً كما قال بنو اسرائيل أنهم شعب الله المختار ولم ينتبهوا بماذا فُضّلوا؟ هم الأمة الوحيدة التي جاءت عندهم في كتابهم أوصاف النبي الخاتم r فالمفروض أنهم يصدّقونه وكفانا من كل هذا الوصف ما قاله تعالى على لسان عيسى u (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (6) الصفّ) هذا هو تفضيل بني اسرائيل لكنهم هم أخذوه على أنهم أحسن الناس ولو أنهم آمنوا بالنبي الخاتم لكان التفضيل في محلّه.
التلقّي الصحيح يعطي الشكر والشكر يعطي السعي والسعي بعطي النتيجة (وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ) الصبر جاء بمسقة وتعب والصبر ركن كل عمل فالصلاة من غير صبر تكون باستعجال والصوم بغير صبر ما هو بصوم وحج بدون صبر كيف يكون؟ أركان الاسلام الخمسة تقام على ركن مهم هو الصبر وحتى الشهادة تحتاج الى صبر. نحن ولله الحمد وُلِ>نا مسلمين من أبوين مسلمين فلم نحسّ بها أما غير المسلم الذي يسلم يصبر عليها ليقولها وفضل من الله تعالى أن خلقنا من أبوين مسلمين وهذه نعمة تحتاج الى شكر كل يوم.
الآية في سورة الفجر (يا أيتها النفس المطمئنة) النفس المطمئنة هنا ليست كما فسرها البعض أنها من تقسيمات النفس لأن النفس لو اطمأنت في الدنيا تضيع.
نعود لآيات سورة الفجر (فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16)) واحد قال رب أكرم وآخر قال رب أهانن كأنه أخذ الفقر وسيلة حائط صدّ أمام قدر الله تعالى وهذا غير صحيح إنما هو ابتلاء. المولى سبحانه وتعالى ردّ على الاثنين بقوله تعالى (كلا) وهذه فيها الاجابة بإيجاز فلا الذي قاله الأول صحيح ولا الذي قاله الثاني صحيح وكأن الله تعالى يقول لا الغنى دليل الاكرام ولا الفقر دليل الاهانة وإنما هو العمل (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) فالتقوى هي التي تعطيك حائط الصدّ. التقوى أن تتقي الله و تتقي النار وأحلاهما أن تتقي الله تعالى: تلقّي وفهم وشكر وصبر. قال تعالى لبني اسرائيل إن كان ما يقولونه صحيحاً فليطلبوا الموت إن كانوا صادقين (قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآَخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (94)) لكنهم لن يفعلوا ذلك وهم في الحقيقة خُدِعوا ولم يعملوا بما كان عندهم في الكتاب وهم حرّفوه بأيديهم وطمسوا الحق وهذا قمة الخداع والغرور الذي هو كُنه الخداع أن يحرّف الرجل بيده ويصل بهم الغرور الى الاغترار بحقيقة خادعة محرّفة حرّفوها بأيدهم (وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (95) البقرة) لأنه أحرص على الحياة ويود أحدهم أن يعمّر ألف سنة (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ) لكن النتيجة: (وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ) وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمّر.
العلامة الفارقة التي نقف عندها هي أن نوازن بين الحياة الدنيا والآخرة فكلها حياة الأولى سميت دنيا والثانية سميت آخرة (بعض المفسرين يقولون أن قوله تعالى في سورة الضحى (وللآخرة خير لك من الأولى) هي الآخرة عكس الدنيا ولكن الحقيقة أن معناها أن آخر مرة يأتيك الوحي ستكون خير من سابقتها)). سمّيت الحياة الدنيا أولى أو حياة مبدئية وأنت موجود فيها لابتلاء والآخرة هي نتيجة الامتحان والابتلاء وسميت الآخرة لأنه لا حدود لها (وإن الدار الآخرة لهي الحيوان) أي الحياة الحقيقية. الدنيا حياة مؤقتة تأخذ جانب الخداع.
هل الابتلاء في الغنى أقوى أم الابتلاء في الفقر؟ يجب أن نفكر. ابتلاء الغنى وأصعب وابتلاء الفقر أسهل لأن الفقر يمكن أن يستوعب لأنه ليس عنده شيء ويصبر أما الثاني الغني فيجب أن يعمل. الآية تقول (وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77)) هذه للغني ولا تقال للفقير. قارون كانت مفاتيح خزائنه تنوء بحملها العصبة أولي القوة أي مجموعة الرجال الأشداء أن يحملوها فكيف بالخزائن نفسها فكيف بما في داخل الخزائن؟!
الآية (وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ) الغني عنده فرصة أحسن من الفقير فلما تأخذ نعمة علم أو نعمة مال أو قوة أو صحة يكون الله تعالى قد آتاك فبماذا تستخدمها؟ الرسول r يقول: اغتنم صحتك قبل سقمك وشبابك قبل هرمك وغناك قبل فقرك . فما آتاك الله تعالى إياه في الدنيا عليك أن تبتغي به الآخرة وتجعله وسيلة في الدنيا. والغني الذي يخزّن ماله إنما يخزّنه لورثته كما قال الشاعر:
أموالنا لذوي الميراث نجمعها ودورنا لخراب الدهر نبنيها
فمن بناها لخير طاب مسكنه ومن بناها لشرّ خاب بانيها
الرسول r كان عنده من الألفاظ ما يكفينا لوعي هذه المسألة ونذكر ما جاء في حديث الشاة التي وزعت عائشة رضي الله عنها معظمها وأبقت الكتف للرسول r لأنه كان يحب الكتف فلما سألها قالت: نفقت الشاة وبقي الكتف فقال لها r: بل بقيت إلا كتفها. لأن الله تعالى قال (ما عندكم ينفذ وما عند الله باق) فالذي وزعته السيدة عائشة رضي الله عنها هو الذي بقي والكتف الذي سيأكلونه هو الذي نفق. والرسول r يقول: " ليس لك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدّقت فأبقيت" فالأكل واللبس فيه فناء أما الصدقة فتبقى ومفهوم الادّخار عند الناس ليس هو ادّخار مال وإنما ادّخار عمل والصدقة عمل. يقول r أن لكل انسان ثلاثة رفقاء: مال وأهل وعمل وهذه نِعم الدنيا كلها وهي إما تتركك أو أنت تتركها بالموت وكل نعم الدنيا تفارقك أما نِعم الآخرة فلا تفارقك ولا تفارقها فالانسان إذا مات وحملوه الى قبره يخرج من بيته ويبقى ماله ويمشي معه أهله الى القبر ثم يرجعون ويتركونه وحده ولا يبقى معه في قبره إلا عمله. فالوحيد من الثلاثة الذي لا يترك الميت لا في البيت ولا في الطريق ولا في القبر إلا العمل فالعمل ملازم للانسان وهو الذي يدخل معه في قبره.
يا من بدنياه انشغل وغرّه طول الأجل
الموت يأتي بغتة والقبر صندوق العمل
الذي يبقى لك ما تقدّمه. سأل أحدهم علي ابن أبي طالب رضي الله عنه: أين أنا؟ من أهل الدنيا أو من أهل الآخرة؟ فسأله علي ابن ابي طالب بِمَن تفرح أكثر؟ برجل جاء يسألك أم رجل جاء يعطيك؟ إذا كنت تفرح بالذي يسألك فأنت من أهل الدنيا وإن كنت تفرح بالذي يعطيك فأنت من أهل الدنيا. إذا جاءك من يسألك فقل الحمد لله الذي أرسل لي من يحمل حسناتي للآخرة بغير أجر. فالواعي من المسلمين من يفرح بالسائل وتعاملنا مع السائل ينم عن ايمان وتقوى فلا تنهر السائل (وأما السائل فلا تنهر) وإن شككت أنه محتاج ولا تريد أن تعطيه فلا تنهره ويمكنك أن تعطيه وعلينا أن نجد حلاً لهؤلاء المتسولين في الشوارع ونحن مقصرون في هذا الأمر لأن عندنا من الأثرياء من يمكنه أن يجمع هؤلاء المتسولين في مشروع ما. هكذا يكون تفسيرنا للآية (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة) مهما يكن ما آتانا الله تعالى: مال، علم، قوة، صحة، منصب كل هذا يجب أن نستعمله وعلينا أن نستعين بكل عطاءات الله تعالى على وقفتنا يوم القيامة. (فبما) استعملت (ما) المبهمة لأنه شاملة لكل شيء: مال، صحة، قوة، سلكان وكل واحد فينا يقدّم (ما) عنده.
(ولا تنس نصيبك من الدنيا): الناس للأسف فهمت هذه الآية خطأ. (لا تنس) تُفهم أن الأصل والمفروض فيمن ابتغى الآخرة أن ينسى الدنيا فالمولى تعالى يقول لا. المولى عز وجل مع أن تشتغل بالدنيا وتتمتع بالدنيا التي هي وسيلتك للآخرة. الآية جزء لا يتجزأ. يقول تعالى (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة) الدنيا ممر والآخرة مقر فخذوا من ممركم لمقركم. والانسان الواعي يأخذ من الدنيا حسنات وخير وقد يعتقد البعض أنه أفضل أن يبقى في المسجد طوال اليوم لكنه يكون بذلك قد نسي نصيبه من الدنيا ليس نصيبه من النِعم وإنما من فائدة المجتمع الذي يعيش فيه. الدنيا مسألة نسبية عند الناس فقد يعتبر أحدهم أنه إذا أكل صنفاً واحداً من الطعام فقد أكل جيداً ومنهم من يعتبر أنه لا يأكل جيداً إلا إذا أكل من أصناف متعددة وهناك غيرك من لا يجد الفتات الذي تأكله أنت وهو مكتف به وهذه علامة رضى المولى عز وجل عليك. في أوصاف عباد الرحمن في أواخر سورة الفرقان (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما) هذا يدل على أنهم أنفقوا لكن بحكمة وليس بجنون. القرآن فيه كل شيء.
(ولا تنس نصيبك من الدنيا) أخذها الناس على النِعَم ولكن النعيم الحقيق في الجنة: كل عذاب سوى النار هيّن وكل نعيم سوى الجنة حقير. المؤقت مضمون لذا لا يقال على نعيم الدنيا نعيم ولا عذاب الدنيا عذاب لأنه مؤقت. بعض الفاهمين عندما يتعرض لأزمة من داخله يكون مسروراً (ولا يلقاها إلا الصابرون) أولوا العلم في قصة قارون أشفقوا عليه لأنه فهموا أنه يُمتَحن وأنه في ورطة أما الآخرون الذي تمنوا ما عند قارون نظروا لجانب الثروة فقاولا (يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون) فقال لهم أولوا العلم (ويلكم ) لأن ثواب الله تعالى أفضل من مال قارون لأن المال مؤقت والحسنة الواحدة من الله تعالى باقية. هكذا علينا أن نكون متدبرين للقرآن وندقق في الأمر ولذها قال تعالى (أفلا يتدبرون القرآن) لم يقل أفلا تقرأون القرآن ولو أن اليهود تدبروا ما كانوا قالوا أنهم هو الوحيدون الذين سيدخلون الجنة وقلنا سابقاً أن الفرق بين الناس هو مسألة التلقّي.
سؤال: ما الفرق بين (ولن يتمنوه) و(لا يتمنونه)؟
الفعل المضارع الذي يدخل عليه واو الجماعة أو ياء المخاطب أو ألف الاثنين يقال له من الأفعال الخمسة وإعرابه يكون بثبوت النون في حال الرفع وحذف النون في حاتي النصب والجزم. (لن يتمنوه) حذفت النون لأن الفعل منصوب بـ (لن) أما (ولا يتمنونه) الفعل مرفوع ثبوت النون. القواعد تقعّدت من القرآن ويقال: إقرأ القرآن وانحو نحوه.
يقال أن البشر متساوون في كل شيء فهناك أناس عندهم أموال وآخرون عندهم صحة وآخرون عندهم قوة أو علم أو غيره فهم متساوون في المجموع ومختلفون في داخل المجموع فإذا كان مجموع الدرجات 100 فنحن متساوون في المئة لكن مختلفون في النِسَب فقد يكون عندنا أحدنا 10 % صحة وعند آخر 50% صحة وهكذا لكن لا يوجد عنده 100% في الكل وإنما كل شيء موزّع بحكمة الله تعالى.
هناك قدر من النعيم والشقاء مكتوب على الانسان فلو أخذت كل النعيم في الدنيا لا يكون لك نعيم في الآخرة والعكس. وقوله تعالى (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة) تفسير يطمئن الناس أن هؤلاء الذين يعيشون في بلاد الالحاد الذين آتاهم الله تعالى جمال الطبيعة والتقدم العلمي والمال هؤلاء أخذوا من نعيم الدنيا لكن ليس لهم في الآخرة نعيم. وعلينا أن لا نغفل أنه مهما كان جمال الطبيعة ونعيم الدنيا فهو لا يقارن إذا ما وُصِف بالجنة ونعيمها لأنه r أخبرنا أن فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. الآيات محتاجة لوقفة (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسِن كما أحسن الله إليك).
محور الحلقة القادمة: (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (131) طه) هل نتمتنع عن زينة الحياة الدنيا؟ ولماذا قال تعالى (خالصة) في الآية (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32) الأعراف)؟
بُثّت الحلقة بتاريخ 11/12/2005م
عنوان الحلقة: ميزان الدنيا والآخرة (2)
تقديم علاء بسيوني
كل ما في الدنيا من نعيم ومُتَع وهذه فتن واختبار وابتلاء فما هو موقفنا من كل هذه وهل هي زينة حلال نتمتع بها أو نزهد فيها ونطمع بنعيم مقيم في جنة الخلد؟ وهل الموضوع له علاقة بالغرور؟ في سورة طه قال تعالى (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (131) وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (132)) هل في الخطاب خصوصية للرسول r يلزمه بها ولا تلزم أمته؟
هذه الوقفة يجب أن تكون محور حياة الانسان في الدنيا (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة) نأخذ منها قدر من التدبر لهذه الآية وقد شرحناها في الحلقة السابقة لكن المفهوم القديم ما زال متأصلاً في نفوس الناس. الناس تأخذ منها أنه نستمتع من الدنيا لأننا فهمنا العطاءات خطأ. موضوع التزهد عندما نطلقها لا نفهمها لا شيء اسمه زاهد لكنه متزهد أي يعمل ويسعى لواقع الزهد. لن يكون زاهداً تلقائياً لكن عليه أن يفعل شيئاً ويعرف لماذا؟ الذي تزهد بدون وعي لا يأخذ أجراً. المتزهد داخله واقع يحيا على أمل من عطاءات الله. أنت أخذت الدنيا على أنها دنيا والحياة الحقيقية هي الحيوان أي الدار الآخرة وهي التي ينبغي أن أسعى لها والآخرة لن تأتي إلا ببناء في الدنيا وهذا هو النصيب في قوله تعالى (ولا تنسى نصيبك من الدنيا) لا دار للمرء بعد الموت يسكنها
فمن بناها لخير طاب مسكنه ومن بناها لشرّ خاب بانيها
أذّن الظهر فقام فلان وغيره لم يقم فالذي لم يقم نصيبه في الدنيا. كل وقت يمر نأخذ من الدنيا للآخرة. وطوبى لمن استغل كل وقته للآخرة فهو يأكل حتى يعبد الله تعالى ويتقوى بالطعام والشراب في حدود المعقول ليتقوى على الطاعة. الطعام مسألة نسبية كل واحد بطريقة وقناعة مختلفة وقلنا أن عباد الرحمن وصفهم الله تعالى لنا بأن إنفاقهم قوام بين التبذير والتقتير (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما) حياتهم قوام بين الاسراف والتقتير.وهؤلاء عندهم مقومات الانفاق. هذا غير الذي عنده قناعة لِمَ يعيش؟ نحن ندفن الناس بأيدينا لكننا لا نفكر بالموت. علينا أن نتعلم من وسوسة الشيطان لآدم وحواء ونفهم القصة بأن الشيطان قدر على آدم وحواء ولما حصل ما حصل نحن كأبناء آدم لم نعمل احتياطاتنا لمواجهة هذا الشيطان. (ربنا ظلمنا أنفسنا) لم يقل نفسينا لأن واقع الأمر واقع في الذرية وذكرنا سابقاً أن هذه الجملة تبين أنه ملقّنة من الله تعالى لآدم وحواء بدليل أنهما قالاها بنفس الوقت وبنفس اللفظ. والناس تلوم آدم u على المعصية ويقولون كيف يخطيء آدم وهو نبي؟ نقول لهؤلاء أن آدم u لم يكن نبياً بعد وإنما كان في فترة التجربة ولما تاب الله تعالى عليه أعطاه النبوة. موسى u لما حاجّ آدم u في هذا الأمر قال له آدم u: تؤاخذني على شيء كتبه ربنا؟ المولى تعالى قبِل التوبة من آدم وانتهى الأمر. قبول التوبة هو الذي شرّع المعصية والتوبة.
سؤال: هل كل تصرفات الانسان مربوطة بالله تعالى وكل شيء أفعله يكون مرتبطاً بالأخرة وأن الدنيا ممر وليست مقراً؟ (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين) الناس تسأل هل وأنا أشرب مثلاً أكون أعبد الله؟
نسأل أولاً كيف عطشت؟ لما شعرت بالعطش ومن الذي أشعرك بالعطش؟ وأنت تشرب كأنك تحمد الله تعالى أن علّم جسدك الطلب عند العطش، نعمة العطش إحساس ووجود الماء نعمة، في الشتاء لا يحتاج جسمك للكثير من الماء فلا تشعر بالعطش من داخلك فيأتي من يذكرك خارجياً فيقول لك الطبيب اشرب لأن جسمك يتاج للماء فكأن هذا التنبيه خارجي عندما لا يعمل التنبيه الداخلي. عندما تمرض تتصل بالطبيب لأن وجود الألم هو بداية الشفاء (أول الشفاء ألم).
سؤال: هل الأمر في آية سورة طه (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (131) وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (132)) هو أمر للرسول r خاصة أم أننا مأمورون به أيضاً؟ ومن هم الأزواج؟ وما معنى: ورزق ربك خير وأبقى؟
الناس تقول هل تريدنا أن نعيش في عصر الرسول r؟ كل رسول كان يأخذ الرسالة لفترة محددة لقوم محددين كل هذا الكلام لا ينسحب على الرسول r. لما قال تعالى (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء) هل طلّق الرسول؟ الله تعالى يكلمه بصفت زعيم الأمة وأوعى المسلمين بهذه القضية (لا تمدن عينيك الى ما متعنا به أزواجاً منهم) هو الرسول r. والله تعالى يوجه الخطاب وأول من يُكلّف هو أول من تظن أنه فوق التكليف ولما يأخذ التطبيق يكون نبراسك وقدوتك محمد r. فلما يقول الله تعالى (يا أيها الناس ويا أيها الذين آمنوا) فالمسلم الواعي هو الذي يأخذ هذه النداءات بطريقته r في التعامل والتطبيق النبوي للقضايا. فإذا كان للانسان دَيْن على أحد فعليه أن يطلب دينه بأدب وعلى المدين أن يدفع أو يعتذر بأدب أيضاً وهذا يكون من التطبيق النبوي للقضايا. قوله تعالى (ولا تمدن عينيك الى ما متعنا به أزواجاً منهم) الله تعالى يخاطب الرسول r بوصفه زعيم الأمة ولا تطبق الأمة بنفسها لكن على أنه زعيم الأمة.
أزواجاً: كلمة زوج تعني صِنف. البعض يقول الرسول r طان ينظر الى زوجة غيره وهذا كلام لا يقال ولا يليق بالرسول r. (أزواج) تعطي التطبيق القرآني الواعي أن الكافر لا يكون منفرداً. تكلمنا سابقاً عن القرين وشياطين الانس والجنفالعاصي لا ينفرد بمعصيته أما العبد الناسك فجما عبوديته أن ينفرد ويختلي. الكافر أو المنافق لا ينافق لوحده وإنما يحتاج لزوج كأني بهذا القرآن توقيع بعيد أن المعصية لن تفعلها وحدك فالسارق لو سرق لوحده لكنه لا بد أن يصرف المال المسروق مع أحد فتراه يبذّر ما سرقه في الملاهي الليلية وكثيراً ما يتم القبض على السراقين في هذه الأماكن فالذي يصرف المال المسروق مع السارق هو زوج والذي يقبل المال المسروق زوج. على عكس العبودية والتعبد فالمؤمن يختلي بنفسه أمام الله تعالى ويصلي في جوف الليل فلا يراه أحد إلا الله تعالى. العبودية حلاوتها أنها فردية والكفر والنفاق أزواج.
أزواجاً منهم: مأن الكافر أو العاصي لا يتلذذ لوحده وإنما يحتاج أحد معه. السارق يريد أن يسرق كل الناس والكافر يريد أن يكفر الناس معه بدل أم يمتنع هو عن الكفر. أزواج: المعصية لا يفعلها الكافر بمفرده. الخمر في حقوقها ملعون فيها عشرة بدءاً من زرعها فإذا زرع الانسان العنب بنية أن يصنع منها خمرة فهو ملعون. حتى الفلاح الذي يكفر البذرة إذا كانت هذه نيته فهو ملعون لذا كان إبداع الله تعالى في تحريمها على مراحل (من لعنهم الله فيها وساعة حرّمها الله تعالى وتطبيق الرسول r للتحريم) ليرينا طول بال الدعوة والداعي إلى الله تعالى (ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة) فلا تبرر لي أو لغيري فأنت تحت سماء العلاّم المقتدر (يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور).
زهرة الحياة الدنيا: الزينة والتفاخر والتباهي. وقلنا أن أزواجاً تعني أصنافاً. مهما تعددت أصناف الكافرين لا يكونوا إلا أزواجاً. قبل عقد الزواج يقال محمد وخديجة وبعد العقد يصبح محمد زوج خديجة فنقول على الاثنين زوجين محمد يعبّر عن خديجة ويمثّلها وكذلك خديجة. لو ذهب أحدهم بدون زوجته ينفلت لكنه لو كان مع زوجته لا يلتفت لشيء محرم لأنه استشعر أنه زوج وعليه أن يلتزم أمام الرقيب وليس فقط أمام الناس.
أزواجاً: أصنافاً على الزوجية فالعاصي يريد من يؤنسه وقد يكونوا مجموعة (شِلّة) وهي في الأصل (ثُلّة) ونحن عملنا منها شلة. شلة يعني كثير وهؤلاء بدأوا كل واحد يريد أن يكون معه واحد آخر أي زوج. لا أحد يذهب للخمارة وحده وإنما يحتاج لمن يؤنسه. أصنافاً من زوج الكفار وليس زوجاً وزوجة.
لا تمدّن عينيك: يا محمد بوصفك زعيم الأمة نفهمها في إطار (يا أيها النبي اتق الله) إذا قلت اتق الله لرجل تعني داوم على التقوى. جاء أعرابي للرسول r: إعدل ما محمد هذه قسمة ما أُريد بها وجه الله فقال الرسول r : من يعدِل إذا لم أعدِل؟. ومن عدل محمد r خرج عدل الفاروق عمر لذا علينا أن ننتبه عندما نتكلم عن عمر وعدله فلا نقول عمر أعدل الناس وإنما نقول عمر أعدل الناس بعد الرسول r.