عنوان الحلقة: ميزان الدنيا والآخرة (3)
تقديم علاء بسيوني
الدنيا ممر نأخذ فيه الحظ والرزق للوصول الى دار الخلد بفضل الله تعالى. كل وعود الله تعالى بالجنة والنعيم هي غيب مؤكد وعلينا أن نقوي اليقين والعقيدة والإيمان بالغيب حتى نعمل جيداً للآخرة. تكلمنا في الحلقة السابقة عن قصة قارون والفريقين الذين تمنى أحدهما أنويؤتى مثا ما أوتي قارون والفريق الآخر الذين أوتوا العمل علموا أن ما عند الله تعالى خير وأبقى.
سؤال: ما معنى كلمة (ويكأنه) التي وردت في قصة قارون؟ أليس في تركيبتها ملمحاً أن هؤلاء كانوا محتاجين لبرهان من الله تعالى ليصدقوا أن الله حق؟
ويكأنه بمعنى ألم تر وهي من تركيبات اللغة الصعبة. عند التنبيه نستعمل (وي) وهي أكبر تنبيه. واقع حال هؤلاء أنهم من فترة قريبة كانوا يتمنون مكان قارون والله تعالى لم يخسف بهم الأرض مع قارون فاعتبروا أن الله تعالى منّ عليهم ولم يحاسبهم بما تمنوا. هذه القضية قضية رأي العين (ألم تر) بمعنى ألم تعلم. فعل رأى يعني إما المشاهدة أو رؤية العين أو العلم كما تقول لشخص ما رأيك؟ أي ما علمك؟. ويكأن تعني ألم تر. والله تعالى يؤكد على ما وصلوا له: العلم بالتجربة لأن التجربة كانت صادقة جداً طبقوها بالعلم والإدراك فقالوا: (ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر) ويقدر هنا بمعنى يضيّق فإما أن يبسط الله تعالى الرزق وهذا فيه ابتلاء أو يضيّق وهذا فيه ابتلاء أيضاً بدليل قوله تعالى (فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16)) ضيّق عليه إما برفع النعمة أو تقليلها، كأننا بالله تعالى معنا في الدنيا على حالتين: إما يبسط الرزق وهذا لا نفهمه على أنه تكرم لا يعقبه توقيع جزاء وإما تضييق وهذا لا نفهمه على أنه إهانة فلا الغني دليل الكرم ولا الفقر دليل الإهانة وإنما الحلّ (إن أكرمكم عند الله أتقاكم).
سؤال: يقال أن الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمئة عام فما صحة هذا القول؟
هذا كلام غير صحيح لا يقبله العقل والدين الاسلامي :إسلام العقيدة (إن الدين عند الله الاسلام) والشرع الحنيف لا يصطدم أبداً بعقل. الغني ساعة ابتلاه الله تعالى ونجح في الابتلاء لماذا يتأخر؟ وإذا فشل في الابتلاء فهو لن يدخل الجنة أصلاً. المشكلة للأسف أن الناس تعتمد على هذه الأحاديث الضعيفة وهذا ما ضيّع هيبة المسلمين والاسلام. الاسلام دين به غير المسلمين ديانة بتطبيق في هذه الأيام لكن القضية في المسلمين وحالهم كحال قضية رابحة يتولاها محام فاضل.
سؤال: الأمم السابقة كان الله تعلى يأتيهم بالعذاب وينجي النبي والذين آمنوا معه من قومه وهذا كان السمت إلى بعثة النبي r فصار وعد الناس بالنعيم مؤجل وتوعد الكافرين بالعذاب مؤجل أيضاً وكانت الأمم السابقة تقول لأنبيائهم: ائتنا بما تعدنا. فهل سيظل النعيم مؤجل والوعيد مؤجل؟
هذه حقيقة وهذا إكرام للرسول r. عندما قال تعالى (ومهّل الكافرين أمهلهم رويدا) أسأل سؤالاً في توقيع أمهلهم: ألم يُسلِم الكافر؟ ألم يسلم يهودي أو نصراني؟ نعم أسلم كثيرون وهذه قضية تحتاج إلى تدبر. من المسلمين بيقين من يحتاج إلى أن يسلم إو يعيد تدبر الاسلام. أنا مسلم لكني لا أصلي ولا أصوم ولا أزكي وأسب وأشتم فهل هذا إسلام؟ هذه قضية تحتاج لوقفة وأنا عندي أن هذه القضية فرصة: أهل الدنيا ومن أرادها على عصر قارون اعتبروها نعمة من الله تعالى أن تركهم دون خسف لأنه تعالى أعطاهم فرصة إعلان التوبة لذا أقول للعاصي قبل أن تتوب اشكر الله تعالى لأنه أمهلك حتى تتوب وإمهالك علامة من علامات قبول التوبة. فقبل أن أقول تبت إلى الله ورجعت إلى الله وعزمت ألا أعود، أقول: الحمد لله أن تركني إلى أن أتوب. فمن الممكن أن يعمل الانسان بعمل أهل الجنة ثم يخطئء ويُقبض على معصية.
كلمة الحمد لله كلمة مزدوجة الأداء تقال عند الكرب فتفرّجه بصبرك ويقينك وتقال عند الخير فتزيده بثقتك بالله ويقينك. (فمهّل الكافرين) لا تطلب تعجيل عقوبة لهم فأنت لست إلهاً وربما أسلم منهم لاحقاً. هذه حكمة الحكيم الأعلى والرسول r ما دعا على أحد لأن وضعه مختلف بين الأنبياء جميعاً فهو نبي آخر الزمان جاء على واقع متفرّد بالأداء لأنه لا يدعو لنفسه وإنما يدعو لله تعالى وهذا توجيه للدعاة الذين عليهم أن يعلموا أن دعوتهم لله تعالى وليست لأنفسهم فلا يتمسك أحدهم برأيه ويخطّيء غيره من الدعاة ونذكر أن الإمام الرازي وهو من أهم العلماء عرض في تفسيره 17 رأياً ولم يرجّح رأيه لأنه يستحي أن يأخذ رأياً فيخالف جانب الحق.
سؤال: هل الستر نعمة مزدوجة؟ عندما يستر الله تعالى العبد عند المعصية هل نأخذها على أنها نعمة من الله تعالى ولم يعاقبه عليها فيتّكل على ذلك أو يأخذها أن فيها خطورة فقد ينتهي الستر قبل أن يتوب العاصي؟
هل طلبت أنت الستر أو جاء من فضل الله تعالى؟ الاثنين معاً فأنت عندما تستغفر تطلب رصيد ستر من الله عز وجل. قلنا سابقاً أن غفر إذا دخل عليها (أست) صارت بمعنى طلب المغفرة كما نقول استشار أي طلب المشورة واستفهم طلب الفهم. كلمة غفر تعني ستر فلما تقول استغفر الله تعني طلب رصيد من الستر والمستغفر لو كان واعياً لعرف قيمته فإذا تحقق طلب الستر تكون التوبة. هناك فرق بين الاستغفار والتوبة: الاستغفار هو طلب رصيد مغفرة حتى يسترك الله تعالى عندما تعصي ويتركك عندما تتوب (با ربنا عصيناك كثيراً فسترتنا وأذنبنا كثيراً فأمهلتنا ونقف ببابك فلا تطردنا عن جنابك) تركني الله تعالى إلى أن أتوب.لو سترني الله تعالى وسترني وسترني فإذا أخذني لم يفلتني وأكون أستحق هذا لأن الله تعالى لا يظلمني وهو أمهلني بالستر مرات عديدة. بعض العلماء يقول لو رأيت سارقاً يُمسك به فاعلم أنها ليست أول مرة فما كان الله تعالى ليفضحه من أول مرة سبحانه لأنه يُمهِل الناس (فمهل الكافرين أمهلهم رويدا). قد يعود الكافر ويتوب ويكون قد قبل الهدية من الله تعالى وستره له وإذا لم يعد فليس له حجة يوم القيامة مهما اعتذر (ولو ألقى معاذيره). وللأسف الناس في عصرنا هذا عرفوا الوصول لكل شيء من اختراعات وعلوم وغيرها من عطاءات الدنيا ولم يعرفوا الوصول إلى الله تعالى غلإله الحق الذي أنعم عليهم بهذه العطاءات فيتصرفون كما تصرف قارون (إنما أوتيته على علم عندي) لكن ليعلم هؤلاء أنه لولا توفيق الله تعالى لما أمكن لأحد أن يفلح. الستر إذن قضية من العمق بمكان بحيث يجب أن أراجع نفسي: هل سترني الله تعالى لأني طلبت أو سترني بدون أن أطلب؟ هذه نعمة مضاعفة. بعض عصابات السرقة وهم يحضرون لسرقتهم يذكر أحدهم الله ويطلب منه التوفيق وهذا الذكر قد يجعل أحد السارقين يعود إلى الله تعالى ويتوب إليه ويعود عن السرقة بفطرته السليمة. إذا طلبت الستر فعليك أن تأخذ به ولا تضيّع الفرصة وإذا جاءك الستر من الله تعالى بدون أن تطلبه فهذه نعمة مضاعفة. ولا عجب أن أول كلمة في الكتاب: الحمد الله رب العالمين بعد البسملة التي هي توقيع إقرأ باسم ربك فكأن الرسول r ساعة اتاه جبريل فقال له إقرأ باسم ربك قال من ربي؟ قال بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لل: كأني بالله تعالى يقول الحمد لا يكون إلا لله لكثرة عطاءاته لأنه يعطيك دون أن تطلب فهل طلب الصغار الصحة؟ ومع هذا الله تعالى يعطي الطفل الصحة ومن طلب انتظام أجهزة جسده؟ هذه نعم تحتاج إلى حمد الله تعالى وكذلك نعمة المال يعطيه الله تعالى للناس من طلب ومن لم يطلب. لكن هل الحمد قول أو فعل؟ هي كلمة باللسان تصدقها الجوارح. الناس تفهم التوبة خطأ وتتصور أنه بعد أن يعمل معصية كبيرة يقول تبت إلى الله وهذه هي التوبة لكن هذا خطأ الرسول r كان يستغفر بعد الطاعات وعند خروجه من الخلاء كان r يقول: غفرانك لأنه في هذه الحالة التي قضى فيها دقائق لا يذكر الله تعالى في الخلاء فهو محتاج إلى مصدر المغفرة وليس لاستغفار فقال (غفرانك) فكأنما هو يحتاج إلى مصدر المغفرة وكُنهها والغفران نفسه. بعد الكبيرة لا نقول استغفر الله وإنما نستغفر في السعة واليسر لكن عندما نقع في معصية نقول: تبت إلى اله ولا تكون توبة باللسان فقط وإنما لسان يقولها وقلب يؤيدها وجوارح وبدن يمتنع: هذه هي التوبة والتوبة عودة ورجوع إلى الله تعالى. لا أقول تبت إلى الله فقط أو أستغفر الله بعد كبيرة وهذا لُبّ الموضوع: الناس الذين تمنوا الحياة الدنيا اعتبروا أن إمهال الله تعالى لهم نعمة.
سؤال: يظن الناس أن التوبة عنصر واحد وهي فقط قول أتوب إلى الله أي توبة لسانية فقط. لو كانت المعصية في حق الله فنحن بحاجة إلى توبة ولو كانت في حق الناس فعلينا أن نتوب ونعيد الحقوق والمظالم الى أصحابها لكن كيف تكون عملية رد المظالم؟
رد المظالم تحتاج إلى وقفة فلا يعقل أن يذهب رجل الى شخص فيقول له زنيت بابنتك. في المظالم التي لا أستطيع أن أردّها أسأل الله تعالى أن يتحملها عني. هناك دعاء يقوله الناس في الحج والعمرة وأرجو أن نتعود أن نقوله كل يوم ليس فقط في الحد والعمرة وهو: "يا رب إن لك عليّ حقوقاً كثيرة فيما بيني وبينك وفيما بيني وبين عبادك. ما كان بيني وبينك اغفره لي وما كان بيني وبين عبادك فتحمله عني" عندما لا أستطيع أن أرد الحقوق لأهلها أسأل الله تعالى أن يتحملها عني لكن إذا تمكنت يوماً من ردّ هذه الحقوق لا أقول تحمّّلها الله تعالى عني بل أردّها متى ما استطعت. وأقول: سدّوا اليوم لأن اليوم دينار ودرهم وغداً لا دينار ولا درهم لأنه إذا لم ترد الحقوق لأصحابها يؤخذ من حسناتك لمن له حق عليك فإذا فنيت حسناتك يؤخذ من سيئات من له حق عندك فتطرح على سيئاتك فتلقى في النار والعياذ بالله والحق تبارك وتعالى لا يتنازل عن حق العباد.
في استطراد للمقدم حول هذه النقطة سأل حتى الشهيد؟
الشهيد والشهداء هم العلماء ومن قُتِل في سبيل الله. طالب العلم إذا مات بين كتبه مات في سبيل الله. (وكفى بالله شهيدا) هل الكلمة تعني شهيد الحرب هنا؟ كلا لأن أصل كلمة شهيد ليست للذي يموت في الحرب في سبيل الله. قال تعالى (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس) هل سنموت كلنا في الحرب لنكون شهداء؟ وهل إذا كنا ضعيفاً ولا أقدر على الحرب لا أكون شهيدا؟ كلا. الشهداء هم العلماء الذين يتدبرون القرآن ويشهدون به على سائر الأمم السابقة مع أنبيائهم هذا واقع كلمة شهيد ثم رفعت لمن أخذ درجة الشهادة في المعركة لأنه يشبه الرجل الذي أفنى عمره في العلم. الشهادة أعلى درجات اليقين بالله تعالى سواء من قُتِل في الحرب أو من مات وسط كتبه. شهيد بمعنى عليم ويقدر أن يشهد: عالم يقرأ ويتدبر لو استدعاه نوح u يسأله فيم قصّرت أمته يستطيع أن يشهد بما جاء في القرآن الكريم بم قصرت أمة نوح u. الشهادة لا تأتي فقط من مجرد العلم وإنما من واقع اليقين. الآية في أوائل سورة البقرة لم تأت عبثاً (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4)) وفي نهاية السورة (آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285)) كأن سورة البقرة بين اليقينين ونحن علينا أن نتأسّى بمحمد r وبالذين أوتوا العلم.
سؤال: هناك من يغتر بستر الله تعالى وهذا يُدخله في غرور الشيطان الذي تحدثنا عنه سابقاً فما خطورة هذا؟
هذا استبدل عطاء الله تعالى بوسوسة الشيطان والاستجابه لها ويأخذ الستر ذريعة للوقوع في مزيد من المعاصي. قوله تعالى (فمهل الكافرين أمهلهم رويدا) فالها القدير القادر سيمهلهم لكن إذا أخذهم لم يفلتهم وإذا تاوبا يكون الستر قد جاء بنتيجة ولذها حكمة في توقيع القرآن أن الله تبارك وتعالى إذا كفر العبد بالله أو أشرك أو نافق لا يأخذه تعالى بهذا وإنما يمهله ويعطيه فرصة ويعرض عليه القر’ن فأحياناً يلتفت أحدهم وأحياناً لا وهذا مناط الإمهال ويعطيك موقفاً فارقاً في حياتك: أزمة يفرّجها عليك فعليك أن تقول الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. والموضوع ليس كلاماً وإنما يجب أن يستشعر بهذا الفضل من الله تعالى لذا الحمد يجب أن يكون بالقلب واللسان والعمل.
ضيق الحال والنوازل التي تأتي على الناس تقسمهم الى فريقين فريق يجزع وفريق يفرّ إلى اله تعالى لأن بيده وحده سبحانه الأمر ونحن علينا التدبر والوقوف على واقع الحال وعلينا أن نعمل باجتهاد وسعي ونأخذ جميع السبل المتاحة والأسباب ونكون على قين بأن الرزق محدود لكن من لا يعمل ويقول أنتظر الرزق هذا لا يأخذ بالأسباب. علينا أن نلجأ إلى الله تعالى والتدبر مناط أي عمل الرجوع إلى الله. هناك أناس تُحبِط وأناس تأخذ بيدك لأنهم يعودون إلى الصانع سبحانه وتعالى. والرجل الواثق العارف كُنه الله تعالى الإله الحق يعرف أنه لا يستعصي على الله مشكلة. نشحن اليقين بأحاديث مثل حديث الرسول r " يا غلام إحفظ الله يحفظ، إحفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله" :
كلمة (يا غلام) تفيد أن التربية تكون من الصِغر ومن باب أولى أن يكون التوجيه للشباب والكبار.
أعلّمك كلمات ولم يقل كلام وهذه تدل على أن الأمر بسيط. كلمات هي جمع مؤنث سالم وهو من جموع القِلّة كما في (أياماً معدودات) أياماً جمع قِلّة ومعدودات جمع قِلّة. والكلمات لما تدبرتها وجدتها صغية في مبناها كبيرة في معناها.
إحفظ الله يحفظ: البعض يقول فهمت أن الله يحفظني لكن كيف أحفظ الله؟ تحفظ الله بأن يجدك حيث أمرك وأن لا يجدك حيث نهاك وهنا أشدد على أن الكثيرين يقولون (ولا يفتقدك حيث نهاك) وهذا خطأ فهل المولى يفتقد أحداً؟ وهل يبحث عني فلا يجدني حاشاه هذه يجب تصحيحها. كيف أحفظ الله؟ أن أنفذ أوامره وأنتهي عن نواهيه، حافظت على ما أمرك به وعلى صلتك به وانتهيت عما نهاك عنه فتحافظ على صلتك به.
احفظ الله تجده تجاهك: تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشِّدّة. أنت في الرخاء تطيع وقد تحتاج له في وقت الشدة فيعطيك سبحانه قبل أن تقول وتطلب وأحياناً لا تستطيع أن طلب أو ليس لديك وقت لتقول وتطلب. فرعون لم يُسلم وإنما أعلن الإيمان لكن بعد فوات الأوان لذا قال له تعالى (آلآن) لمذا لم يقبل إيمان فرعون؟ لأنه خرج منه الكلام مجاملة لموسى وبني إسرئيل كان يغرق وكان ليه لضيق الوقت أن يقول أشهد أن لا إله إلا الله ولكنه مجاملة لبني اسرائيل قال: آمنت بالذي آمنت به بنو اسرائيل. لم يكن الله تعالى في قلبه وإنما قال: أغثني يا موسى وكررها فلم يجبه موسى فقال تعالى لموسى استغاثك فرعون سبعين مرة فلم تغثه وعزتي وجلالي لو استغاثني مرة واحدة لأغثته. لو عرفت الله تعالى في الرخاء عرفك في الشدة حتى لو لم تدرك أن تطلب بلسانك ولكن قلبك طلبها لأنه اعتاد على الطلب في الرخاء.
وإذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله: تحدثنا سابقاً عن قصة الرجل الظالم الذي يتلذذ بالظلم وهي: أحد الملوك الذي كان يستمتع ويتلذذ بالتشديد على عبيده ثم يتلصص عليهم ليمسع ما يتكلموا عنه وكيف يشكون من معاملته لهم إلا واحداً منهم مهما شدد عليه لا يشتكي ولا يتكلم عنه بسوء فأرسل يسأله عن حاله فقال له العبد: الموت يعمّنا والقبر يضمنا والقيامة تحمعنا والديّان يحكم بيننا فامتنع الملك عن الظلم لأن هذا العبد فوّض أمره إلى الله تعالى الديّان والديّان اسم من أسماء الله تعالى على توقيع الجزاء والحساب. أحياناً نتمادى في الغفلة ونفيق بسبب بسيط (إفاقة) قد يكون موت شاب تفيق منه عائلة بكاملها ويكون الحادث كالقشة التي قصمت ظهر البعير. وليتذكر الظالم أنه إذا دعتك قدرتك على ظلم الناس فتذكر قدرة الله عليك. ولذلك من شيم المؤمن العفو عند المقدرة. ونعود لما ذكرناه سابقاً عن اسماء الحسنى وقلنا أن النتقم لا يمكن أن تكون من أسماء الله الحسنى أو من صفات الحق سبحانه لأن الذي ينتقم هو العاجز أما القادر المقتدر يعفو ولا ينتقم. وأذكّر بأن الدنيا ليست دار جزاء وإنما دار ابتلاء (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً) لا تقل انتقم الله مني إنما قل إن الله عزيز ذو انتقام وليس منتقماً سبحانه. دار الجزاء بعد الحساب (مالك يوم الدين) سيأتي يوم نحتسب ثم يأتي الجزاء.
بُثّت الحلقة بتاريخ 25/12/2005م