عنوان الحلقة: لباس التقوى
تقديم علاء بسيوني
اقال تعالى في سورة الأعراف (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآَتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (20)) نذكر أولاً ما جاء في الجزء الأخير من الحلقة السابقة الذي أُذيعت بتاريخ 17/1/2006م لأن موعد البرنامج قد تغيّر ولم نحصل إلا على هذا الجزء الأخير من الحلقة ونورده للفائدة إن شاء الله تعالى:
لماذا ذكر السوءة في الآية؟
الله تعالى حذّر من عدم الأكل من الشجرة وحذّر أيضاً من الشيطان (إن الشيطان لكما عدو) وقد أظهر الشيطان عداوته لآدم. والله تعالى حذّر (ليخرجنكما) ولم يقل تعالى (ليوسوس لكما) فلو سمعتم كلامه سيخرجنكما من الجنة. (ايُبدي) هذه النتيجة لأن هدف إبليس إيقاعهم في المعصية بعد تحذير الله تعالى لهم. بمجرد سماع الوسوسة ستتحقق النتيجة وهدف إبليس الإيقاع في المعصية وليس إظهار السوءات وهدف إبليس أن يأكل آدم من الشجرة لأن هدف الشيطان أن يعصي آدم أمر الله تعالى فيأكل من الشجرة. لا عقوبة إلا بذنب ولا تُرفع إلا بتوبة وإبليس له هدفين: إيقاع في المعصية ومنع من التوبة. النتائج لا تهم إبليس لكن المهم الإيقاع في المعصية. النفس تُصرّ على معصية بعينها والشيطان يوسوس في أي معصية ولا تهمه أية معصية لأن همه هو إيقاعك في المعصية. مجرد سماع كلام إبليس سيوصل إلى النتائج وليس فقط الإيقاع في المعصية. الله تعالى حذّر آدم من الإقتراب من الشجرة وأن لا يسمع للذي سيوسوس لك لأنه عدو لك فهو الذي رفض السجود لك مهمته إخراجك من الجنة ومهمته الحقيقية إيقاعك في المعصية.
السوءة: كلام مجازي بمعنى إن لم تسمع كلام الله وأوامره سيحصل لك أشياء ليس لك يد فيها. بعض العلماء قال أن الجسد كان مغطى بطبقة بما فيها العورات. السوءة في واقع الحال فيها سوءة بما فيها: البراز يخرج منها زالبول يخرج منها. السوءات هي عورتي آدم وعورتي حواء. قبل المعصية كانت السوءات مغطاة وبعد المعصية أنت مسؤول عن تغطية السوءات. ونعود لموضوع جنة آدم ونقول لو كانت جنة آدم هي جنة الخلد أو الجزاء لما خرج منها بعد أن تاب الله تعالى عليه، وأول إخبار عن آدم أنه خليفة في الأرض. فلما كان آدم في جنة التدريب لم يكن يحتاج لإخراج (البول أو البراز) لأنه كان يسمع كلام الله تعالى وكأن الشجرة التي أكلا منها شجرة إمتحان وإختبار فلم يسمع آدم كلام الله تعالى واعتمد على نفسه فهو يتحمل تبعات معصيته (فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى) الشقاء لآدم فقط وحواء لا تتعب وهذا تكريم للمرأة. هذه أول عملية بدأت بمعصية وتوبة في الكون كله. حواء لم تأكل أولاً وإنصافاً لحواء بعض الآيات ذكرت أن الشيطان وسوس لآدم (فوسوس إليه) وكلمة الذين آمنوا عندما تجدها في القرآن فهي تشمل المرأة والرجل. حواء لا دخل لها بمسألة الوسوسة فالوسوسة كانت لآدم الذي هو مسؤول عن حواء وعبء المعصية وقعت على آدم أيضاً.
(تلكما) عند الحقّ تبارك وتعالى كانت بعيدة . (هذه) قريبة من آدم وحواء والشيطان.
طفق: فعل شروع أس شرع. يخصفان: الخصف مثل الترقيع. والرقعة يجب أن تكون أكبر من الثقب لتغطيته. فالتوبة يجب أن تشمل المعصية فكلمة تخصفان تدل على أنه يجب أن يغطي العورة ويجد ورقة تغطي العورة. لتغطي التوبة المعصية أن تسرع في التوبة وتكون نصوحاً والتوبة النصوح هي التي ليس فيها شوائب. يقال نصُح العسل إذا كان بدون غشّ وليس فيه شوائب وأُخذت منها التوبة الصادقة وسميت التوبة النصوح وأنت تتوب تكون مصراً على عدم العودة لها.
قال تعالى (يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26) يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (27))
ما هي دلالة النداء في هذه الآية (يا بني آدم) ولماذا تكراره؟
هذه الوقفة يؤكد عالمية هذه الرسالة وإن القرآن كرسالة لهذا الدين الشامل والديانة الخاتمة إنما جاء للكل بلا إستثناء ولم يأت لبلد دون بلد وإنما عالمية يخاطب به الله تعالى كل البشر من عهد محمد r إلى يوم القيامة والتكرار فيها يضفي أسلوباً تحذيرياً وليس توجيهياً.
لو كررت المنادى فأنت تحذّر وتلفت النظر أنه في وسط التوجيه قد تقع في شيء. الآية 26 تتكلم بعمق شديد لإنزال الله تعالى للّباس. ما هو اللباس الذي أنزل علينا؟ لا ينزل الطفل مع لباسه لكن الله تعالى أنزل من السماء ماء هذا الماء عمل نبات والنبات عمل غزلاً والغزل نسيج ثم وصل إلى اللباس. كأننا بالله تعالى يرجعنا إلى فضله أن ما نلبسه الآن مثلاً من بدلة يرجع الفضل فيه إلى المهندس الذي صمم الماكينة التي خاطت الملابس ثم يرجع في النهاية لله رب العالمين ولذلك الآية توقفنا عند العطاءات المتتالية من الله تعالى. الله تعالى لم ينزل اللباس الضروري فقط وإنما أنزل الزينة أيضاً (وريشا) لذلك قال تعالى (قل من حرّم زينة الله). لنرجع بالتاريخ مع أول زينة : في البدائيات كانوا يصنعوا التاج من أصداف البحر ويزينوه بريشة وأصل هذا الكتاب عظيم لأن كلمة (ريشا) تصلح لكل زمان ومكان حتى الفقير إن لم يجد أكثر من ريشة يضع ريشة واحدة. الريشة الآن هي الألماس أو الجواهر مثل الفساتين المرصعة بالجواهر. ومنها أُخذت كلمة (Rich man) بالإنجليزية جاء منها في أصل التعبير وأنت تقرأ القرآن على أي مستوى إحمد الله تعالى إذا منعك من شيء أعطاك غيره. أفقر إنسان عنده اللباس الضروري وهذه مسألة قضى الله تعالى بها. من أنعم الله تعالى عليه يقول الحمد لله ومن منعه الله تعالى من الزينة يقول الحمد لله لأن في المنع والعطاء هناك عطاء لكن نحن لا نفهم أن المنع عطاء. لأن العطاء عند بعض الناس يوجهه إلى الفحشاء والسوء والمعصية فلو مُنِع كان أفضل له. العطاء فيه إبتلاء والمنع فيه إبتلاء. إبتلاء العطاء أن تؤدي وإبتلاء المنع أن تحمد الله وتصبر. والصبر شيء غاب عن الأمة بيقين وبغيابه إزدادت المعاصي لأننا لسنا صابرين ونتذرع بعكس هذا الكلام ويقول الناس أجبرتني الظروف. الصبر على الفتنة (لا يفتننكم) لا توجد معصية بدون هوى نفس أو شيطان وإستجابتك يجب أن تكون بمناقشة القضية : هل ما أقوم به على شرع الله تعالى أو على ما نهى الله عنه؟
الفتنة يراها الناس كأنها مشقة ويعترضون على القدر فكيف نوصل للناس أن هذا فضل من الله تعالى وأنها فرصة للإنسان أن يكسب درجات كبيرة بالصبر؟
لو آدم وحواء تشاورا لما أكلا من الشجرة وإنما قلة الصبر لم تجعلهما يتشاوران. لا توجد عبادة من غير صبر ولا يوجد عمل ناجح جون صبر. الإتقان يحتاج لصبر من أول أشهد أن لا إله إلا الله ولا نقول هذه سهلة بالنسبة لنا الذي خلقنا مسلمين ولكن أنظر إلى من أسلم حديثاً وقد صبر على ما كلن عليه من ديانة وغيره. إقامة الصلاة بالطريقة التي صلّى بها الرسول r تحتاج لصبر وقارن بين صلاة الجماعة وصلاة الفرد. والزكاة تحتاج لصبر بالبحث عن مستحقيها وتوزيعها وكذلك الصيام فيه صبر والحج كذلك. الذي لا يصبر أن يجلس في منى ويحج كما حجّ الرسول r يتجاوز الحدّ بطريقة مُسِفّة لأنه لا يوجد صبر والفتاوى التي تصدر في هذا الأمر تجاوزت الحدود.
لماذا أكلا من الشجرة؟ لأنهما إستمعوا للفتنة لذا يوجه الله تعالى المولى ذرية آدم (يا بني آدم لا يفتتنكم الشيطان) تبيّن أن آدم وهو أبوكم وقع في المعصية والله تعالى يخاطب ذرية آدم أن أباكم وقع في المعصية فلا تقعوا أنتم فيها.
(يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سوءاتكم) هل تصلح التقوى أن تكون لباساً وكيف؟
التعبير يفهم من لازم المعنى بمعنى لو أنت ذاهب لحفلة غير ما تكون ذاهباً للنادي أو للحرب فلكل مكان له لباس خاص به يختلف عن غيره ففي الحفلة يجب أن ترتدي الزينة الكاملة وفي النادي تذهب بلباس خفيف وفي الحرب تعمل تقوى مختلفة فتلبس دروعاً لتجهز نفسك للدفاع والهجوم ولكل واحدة من أنواع الحروب درعها الذي تتقي به عدوك.
اللباس الذي يواري السوءة معروف ولباس التقوى خير. التقوى من ماذا؟
التقوى من الله؟ من النار؟ من وساوس الشيطان؟ أن تتقي الله أو تتقي النار أو الشيطان النتيجة واحدة لكن هنا كل تقوى من هذه تحتاج لعمل وإستعداد وطريقة. وأنت تقابل الشيطان إعرف أك يجب أن تتخذ لباساً معنوياً إسمه التقوى أي أن تضع بينك وبين وساوسه وقاية. وما إستكبر إنسان نفسه على الشيطان إلا أوقعه الشيطان في معصية غريبة حتى أن الإنسان نفسه يُنكر أنه عمل هذه المعصية لأنه لم يتخذ لباس الوقاية ولم يعمل وقاية مثلما فعل يوسف عندما عرضت عليه المعصية. يوسف u كان مدرباً نفسه عليها ومستعد له وهذه تحتاج لوقفة مع شبابنا: المعصية المفاجئة خطورتها أنها مفاجئة لكن إذا درّبت نفسك عليها لا تقع فيها. وقلنا سابقاً أن المعصية بالتخطيط غير المعصية المفاجئة حتى المشرّع الوضعي أخذ الأحكام من هذه النقطة واعتبر قتل الخطأ غير القتل عن سبق إصرار وترصّد ولكل عقوبته. يوسف فاجأته إمرأة العزيز وهي التي رتّبت ولم يشترك هو معها في الترتيب فكانت أول كلمة قالها: معاذ الله. لأنه جاء بلباس التقوى. أما هي فقالت هيت لك لأن مناطها أنه رتّبت الأمر وغلّقت الأبواب أما يوسف u فمناطه (معاذ الله) لأنه فهم وعنده التقوى التي تجعله ينجح في المسألة وعندما أحضرت النسوة قال (وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن) لم يغترّ وقال أنه نجح في الإمتحان الأول وإنما كان في الحالتين ملتصقاً بربه ومعتصماً به ولم يغتر بنفسه ولا بقوته.
(لباس التقوى ذلك خير) ينبغي أن ننجح في كل معركة مع الشيطان ونحن في كل دقيقة في معركة مع الشيطان وكل وسوسة معركة والذي ينجح يجب أن يسجد لله تعالى شاكراً ويقول الحمد لله الذي وفقني لذلك والذي وقع في المعصية يستغفر الله ويبقى في معية الله تعالى حتى لا يكون في معيّة الشيطان.
التقوى والتشبيه كأنه رداء يذكرنا أن يوم القيامة الذي يُعرض على المولى والكل عارٍ وكأنه يوم الحساب لن يستره إلا عمله الصالح وكأن الإنسان يتعرى بالمعصية كما حصل مع آدم وحواء عندما عصيا بدت لهما سوءاتهما.
لما أكل آدم وحواء من الشجرة لم يحصل لهما أذى ولم يحصل لهما تسمم ولا ماتوا فالشجرة كانت صالحة لكن لما أكلا منها عصوا ولما عصوا تعرّوا. (أقوال العلماء يقولون أن آدم وحواء كانت كسوتهم طبقة مادتها كمادة الأظافر فلما أكلا من الشجرة تعرّت هذه الطبقة وبعض علماء النفس يقولون إذا أصابتك نوبة من الضحك أُنظر إلى أظافرك لأنها بقايا المعصية فتتوقف عن الضحك). ساعة أكل آدم وحواء من الشجرة لم يكن آدم نبيّاً بعد لأن بعض الناس يسألون كيف عصى آدم وهو نبيّ؟ ونقول لهؤلاء أن الإصطفاء جاء ساعة المعصية أو بعدها؟ يردّ القرآن بقوله تعالى (وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (122) طه) الإجتباء جاء بـ (ثم) أي بعد التوبة من المعصية. هذه الجزئية نحن كلنا آدم وكل الناس على نفس النمط لا نكون من أولياء الله إلا بعد الرجوع عن المعاصي وكلنا عند المعصية نكون آدم ساعة أكل من الشجرة وبعد المعصية نكون مثله بعد الإجتباء. آدم جلس على المعصية لحظات لأنه ساعة أكل شعر بالندم واتّجه إلى الله تعالى وكان السبب في أن تلقى من ربه كلمات (فتلقى آدم من ربه كلمات) من كثرة الندم لم يعرف أن يتصرف ويتوب ولذلك قال تعالى (فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه) استعمل الفاء في (فتاب عليه) ولم يستعمل (ثم) لأن التوبة ليس لها معاد وإنما معادها (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (17) النساء) ويجب التوبة في مجلس المعصية نفسه لأنه لا أحد يضمن أن يخرج من هذا المجلس ثم يتوب. مع آدم استعمل القرآن الكريم الفاء (فتاب عليه) وفي قصة الثلاثة الذين خُلّفوا استعمل ثم (وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118) التوبة) ولنتذكر كيف عاش هؤلاء الثلاثة في تلك الفترة حتى نزلت توبة الله تعالى عليهم.
لا يجب أن نبقى على معصية (بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) لأن الشيطان نجح ويعمل للعاصي سياجاً يُدخله داخله وهي المعصية التي تجعله واقع في المعاصي دائماً. ولو كان الإنسان جرئياً وخرج من هذا السياج يكون قد نجح. سياج المعصية في الدنيا هو سياج النار في الآخرة. يجب أن ننتبه إلى ألفاظ الآية فقد ذكرت الآية أن هذه الإحاطة تحصل بسيئة واحدة (من كسب سيئة) واستعمل الخطيئة بالإفراد أيضاً (وأحاطت به خطيئته) لم يستعمل الجمع فإياكم وتأجيل التوبة. أنت عندما تتوب تخرج من سياج المعصية.
(ولباس التقوى ذلك خير)، إلى ماذا يشير قوله تعالى (ذلك خير) ولماذا قال ذلك خير ولم يقل هذا خير؟
لأن المنال صعب والتقوى بعيدة المنال. والتقوى موضوعها واسع. تكلمنا سابقاً أن التقوى مناط هدى الكتاب. في سورة البقرة قال تعالى في آية الصيام (لعلكم تتقون) الصيام سيعمل حالة من حالات التقوى وسبق أن قلنا أن (لعل) تفيد التمني وهي تفيد الجهالة لكن إذا قالها الله تعالى فتكون للغاية. الذي يجد نفسه على حالة عكس حالات التقوى يقول أصوم غداً مهما كان اليوم الذي بعده حتى لو كان يوم جمعة فيصومه ويصوم بعده يوم السبت لأن الصيام سيعمل حالة من حالات التقوى التي أنت على عكسها. فإذا علم أنه في الغد سيكون هناك فتنة ما يصوم في اليوم التالي أو لا يذهب للمكان الذي ستكون فيه الفتنة. وإذا صام لا يذهب أيضاُ حتى لا يتعرض للفتنة ويذكّر نفسه بحكمة الصيام. لما قال تعالى (لعلكم تتقون) الغاية من الصيام أن تكون على التقوى ثم قال بعدها (هدى للناس) القرآن الآيات المتفرقة التي كانت تنزل على الرسول r وعندما كان القرآن ينزل كان هدي القرآن متاح للناس ولما أصبح القرآن كتاباً ومات الرسول r وإكتمل الكتاب بالترتيب الذي نقرأه الآن (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين) المتقين فقط. البعض يقول أنا أقرأ القرآن ولكن لا أجد التقوى فنقول له أن القرآن يهدي المتقين. والمتقين هم (الذين يؤمنون بالغيب) والإيمان بالغيب من أخطر القضايا في الإسلام وإذا نظرنا في المجتمع الآن نجد أن هناك كثيرين من المتعلمين جداً يتحدثون في السحر ويتخبطون لأنه ليس عندهم إيمان بالغيب ويحتاجون لماديّات. لو فكرنا في هذه الآيات وترتيبها وإختيارها (ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون) ينفقون على أنفسهم أو الزكاة. (والذين يؤمنون بما أٌنزل إليك وما أُنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون) هذه الآيات لو طبقتها تعمل لك تقوى تجعلك تتقبل هدي الكتاب. القرآن مترابط: قال تعالى (ذلك الكتاب) والكتاب في يدي ويقول (ولقد يسرنا القرآن للذكر) هذه حقيقة وما يعدها أخطر (فهل من مدّكر) رغم تيسير القرآن من ربط الآيات ببعضها ومن فهمها. في آخر سورة البقرة (آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285)) هذا مطلع الكتاب (الذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أُنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون) كأن سورة البقرة بما تضمه من أحكام أولها وآخرها يؤكد على معنى التقوى.
(ذلك خير) لأنه بعيد المنال يحتاج لمجهود والقرب والبعد معنوي وليس مكانياً. ولباس التقوى لباس معنوي يتجسد عليك بعملك. الإمام مالك يئس منه الشيطان وكذلك يئس الشيطان من عمر رضي الله عنه كما أخبره الرسول r "إن الشيطان ليخاف منك يا عمر". فهي متاحة وليست مستحيلة وتدخلنا في سباق العمل الذي مناطه لباس التقوى وهذا هو الفرق بين من يقع في المعصية وغيره لا يقع فيها.
عندما يقول تعالى (يا بني آدم) انتبهوا إلى أن آدم وقع وهو بشر عادي وبعد نجاحه في التوبة إصطفاه الله تبارك وتعالى وهذا يعني أن وقوعك في المعصية ليست نهاية الدنيا لكن إياك أن تبقى في دائرة المعصية. مهما كانت ذنوبك فالتوبة تجعلك تخرج خارج الدائرة. (إلا من تاب وآمن وعمل عمل صالحاً) ساعة المعصية خرجت من الإيمان والإيمان أول دائرة الوقاية وتمامها التقوى.
(ذلك من آيات الله) تعني كل ما فات من إنزال الله للباس الذي لا تحمد الله تعالى عليه ولولا عطاءات الله تعالى لما حصلنا على اللباس. كل من دخل في صناعة اللباس يأخذ عطاءه في الدنيا إن كان كافراً وفي الآخرة إن كان مؤمناً. وأول عطاءات الله تعالى الماء. أنزل الله تعالى هذا الكلام كله فقال (ذلك) كأني بأقرب نِعَم الله تعالى بعيدة عنا من حيث التفكير والتدبير. حتى الألم يجب أن نحمد الله تعالى عليه لأنه لولا الألم لما توجهت إلى الطبيب للمعالجة. لا تقل آخ وإنما إحمد الله تعالى على الألم لأنه لولاها لما كان العلاج. اللباس الوحيد الذي يحتاج لعمل منك وحدك هو لباس التقوى.
(يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان) طالما هناك معركة فهناك فتنة.
بُثّت الحلقة بتاريخ 25/1/2006معنوان الحلقة: فتنة بني آدم عن طريق الشيطان
تقديم علاء بسيوني
اقال تعالى في سورة الأعراف (يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26) يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (27)) الخطاب في البداية كان مباشراً لبني آم (يا بني آدم) ثم تحول الخطاب للغائب (لعلهم يذّكرون) لماذا؟
هذا الملمح وهو تحويل الخطاب أساساً يغيب عن 98% من مفسري القرآن الكريم وما وجدته عند أحد من أهل التفسير مباشرة قد تجده كعملية تحويرية. كون السؤال طُرِح فهذا يدل على أن الناس بدأت تتدبر القرآن. هذا سر أمر الله تعالى بالتدبر ووصية الرسول r عن أن خير قارئ للقرآن الحالّ المرتحل لأنه بذلك يقف القارئ كل مرة عند آية يكون قد مر عليها كثيراً لكن الله تعالى يفتح له فيها بما لم يتدبره سابقاً ومثال على ذلك أنه ساعة وفاة الرسول r ذكّر الصديق عمر بن الخطاب بقوله تعالى (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم) فأقسم عمر أنه كأنه يسمعها أول مرة مع أنه سمعها كثيراً لكنه تدبرها لأول مة. فالقرآءة شيء والسماع شيء والتدبر شيء آخر. النداء في القرآن ككتاب هو لكل البشر (يا بني آدم) كل عصر تتناول طائفة الكتاب تندرج تحت (يا بني آدم). ومن حسن دعوة هذا الكتاب أنه يفترض فيمن يقرأ القرآن أنه غير عاصي وأنه لن يعمل خطأ فإذا كان هناك توجيه خطأ فيأتي القرآن بضمير الغائب فلا يشمل القارئ لأنه يفترض فيه أن يكون غير عاصي. (لعلّهم) غيّب ضمير العصاة كأن إشارة إلى أن القارئ حتى لو كان من العصاة ينتبه ولا يكون منهم ويكون مع الذي يذّكرون. غيّب ضمير العصاة حتى لا تكون أنت منهم يا قارئ فافترض فيك حسن التدبر والتعلّم. هذا الأداء والتوقيع وطريقة الدعوة (إدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة) فعلى خطباء المساجد أن لا يكون خطابهم موجهاً للمصلين الحاضرين فيعنّفهم وكأنه يتهمهم بالخطأ وإنما يستعمل ضمير الغائب. الدعوة تكون بالحكمة والموعظة الحسنة فإن كان هناك جدال فيكون (وجادلهم بالتي هي أحسن) فالتحول إلى ضمير الغائب ليفترض حسن التناول والإنصياع لمن يقرأ.
(يذّكرون): التشديد والتضعيف من أنواع التأكيد. في الفتنة لو قال (لا يفتنكم الشيطان) تدل على تحذير بسيط لكنه تعالى قال (لا يفتننكم الشيطان) النون الثانية للتوكيد فالمولى تعالى ينهاك عن شيء سيحصل سحصل فإجتنابك له يكون بالتضعيف أيضاً فإا أردت أن توضي أبناءك بناء على الآية تقول: إياكم أن تفتتنوا ولا تقول لا تُفتَنوا.
لماذا سمي الموضوع فتنة؟ وما هي الفتنة؟
هذا اللفظ يستخدم إستخداماً شائعاً خاطئاً. يقولون الفتنة أشد من القتل إن يفتن شخص على آخر هذه ليست قولاً واحداً. أصل الفتنة أن تعرّض الإنسان كما يتعرض الذهب للنار. الفتنة أن تعرّضني لأمر المفروض أن أرفضه. الشيطان قال لآدم وحواء أنتم مُنِعتم من الشجرة (أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين) عندمل تدخل داخل أي إنسان كيف يقع في المعصية؟ تطمهع في شهوة غائبة عنه أو ظروفه غير مؤاتية لهذا لكن لما تدخل في إنسان تجده يريد أن يكون ذو شأن ويخاف من الموت. ولهذا سرعة إستجابة آدم لأن الإنسان يريد أن يعيش أبداً لأنه ياف من الموت وأن يكون له شأن. هذه القضايا من أخطر القضايا التي لا يفكر فيهما إلا من رحم الله تعالى. ونذكر ما قلناه سابقاً عن موسى u لما جاءه ملك الموت فقأ عين ملك الموت (صكّه) وفي رواية فقأ عينه وقال لا أريد أن أموت وعاد ملك الموت إلى ربه فقال عد إليه فقال إن الله أمرك أن تضع يدك على جسم ثور وسيزيد في عمرك على قدر الشعرات التي يمسّها كفك فقال موسى ثم ماذا قال الموت فقال إذن الآن فهو لم يكن يعرف أن الموت مخلوق قبل الحياة يتربص بكل حيّ فكان موسى u من الذكاء أنه قال إذن الآن. فعلى الإنسان أن يكون مستعداً للموت في كل لحظة ويفكر إذا أراد أن يقم بمعصية بأن يفكر ماذا لو مات عليها؟ الشيطان خبير بالطبائع البشرية ويدخل على كل إنسان بطريقة يعرف أنه لن يرفضها.
ما هي المعاني الحقيقية للفتنة؟ الفتنة هي عرض الذهب على النار لتنقيته فكيف يستفاد من هذا المعنى للتقوى؟
المعاني التي تيخدم فيها كلمة الفتنة (تعرّض الذهب للنار) مواقف ذكرها القرآن الكريم. عندما تعرض المسلمون للتعذيب في مكة قال تعالى في سورة البروج (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا (10)) وجزاؤهم من جنس العمل (فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ) ثم قال تعالى في سورة الذاريات (يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (13)) فإذا كانت الفتنة تعرّض للنار فلماذا استخدم القرآن وسوسة الشيطان لآدم وحواء أنها فتنة؟
قضية الفتنة لم تُحسم بعد في قضية تفسير سورة الأعراف. فالآية لم تقل أن آدم فُتِن لكنها أعطتنا النتيجة (كما أخرج أبويكم) لغوياً تستخدم للنتيجة. لو فتِن إنسان في العصر الذي نحن فيه يخرج من الجنة ويدخل النار وآدم خرج من الجنة (على الأرض) إلى الشقاء خرج من النعيم إلى الشقاء (فتشقى) فالنتيجة واحدة ولو لم يتب آدم u لكان خروجه من الجنة خروج إلى شقاء أبدي إلا أن الله تعالى تاب عليه فخرج من جنة الأرض إلى الأرض بتوبة وعلى وعد بأن يعود إلى نعيم أبدي إن هو سمع الكلام. مقومات الجنة التي عاش فيها آدم نعيم بالكاد لأنه لن يتعب (إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى) أما نعيم الآخرة فهو ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
(كما) في قوله تعالى (كما أخرج أبويكم) هي لتشابه الضمني. هل سمى آدم معصيته فتنة أو الذي يحصل معنا في الدنيا فتنة؟ هل آدم فُتِن أم كانت معصية مقدّرة من الله تعالى ليحصل ما حصل بعلم الله تعالى لنأخذ منها العِبرة ونذكر ما قلناه سابقاً موسى u لما حاجّ آدم u في هذا الأمر قال له آدم u:أتحاسبني على أمر قدّره الله عليّ؟ وأخبر النبي r فقال: فحجّ آدم موسى أي كانت حجته أبلغ.
القضية هل الفتنة عندما تقع هل يجب أن أقع في المعصية؟ نأخذ الزنى مثلاً البعض للأسف يقولون أن الزنى لا يمكن دفعه فنقول لهم عندنا يوسف u هو حجتنا فهو بشر مثلنا قدر عليها فقصته u عبرة لنا. هل آدم فُتِن؟ هذه قضية لم تحسم بعد بين العلماء. ونعود إلى التحذير في الآية فقد يكون خروج البشر إلى النار خالدين فيها أبداً، خروج آدم شُرّعت به التوبة. فلو لم تتب لا شيء ينفعك أما