حلقة خاصة بمناسبة ذكرى مولد الرسول r
ضيوف الحلقة: الدكتور محمد هداية، الشيخ عبد الله السعدي والشيخ عمرو عطية.
قال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (46) الأحزاب) خير ما نبدأ به هذه الحلقة الخاصة آيات بينات في الذكر الحكيم يتلوها الشيخ عمرو عطية (إن اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (56) الأحزاب) (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (28) مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (29) الفتح).
يسأل المقدم في بداية الحلقة في هذه الذكرى المباركة التي فيها وُلد الرسول r وفيها توفّي هناك أربعة محاور للشخصية المحمدية هي كونه r يتيماً وأمياً وأنه عُرف بالصدق والأمانة ورعايته للغنم وعمله بالتجارة فما هي الحكمة الإلهية بكون المصطفى u له هذه السمات وقبل ذلك هل لنا أن نوضح للمشاهدين هل يجوز الإحتفال بالمولد النبوي الشريف وإن جاز فكيف يكون الإحتفال؟
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، أبدأ بتهنئة الأمة الإسلامية بهذه الذكرى العطرة ميلاد الرسول r وأسأل الله تبارك وتعالى التثبيت للأمة في ذكرى وفاته r فالذكرى واحدة الميلاد والوفاة وكثيرون لا يعرفون أن وفاة الرسول كانت في نفس يوم ميلاده r. والسؤال هل يجوز الإحتفال بميلاد ووفاة الرسول r ؟ وهذا السؤال له جوانب وله أركان ولا ندري نحن إن سُئل هذا السؤال على عهد رسول الله r أو صحابته فماذا سيكون الجواب؟ فالمطلوب على المسلم في أي شيء يعمله في الإسلام أن يكون سنده متصلاً بسنة الرسول r أم على الأقل ما هو متصل بصحابته رضوان الله عليهم.
فهل كان الرسول r يحتفل بميلاده؟ الجواب سنوياً لا أما أسبوعياً فنعم بدليل الحديث الشريف لما سُئل رسول الله r لماذا يصوم يوم الإثنين أجاب: "ذلك يوم وُلدت فيه" فإن صحّ أن يكون هذا احتفال من رسول الله r فهو أسبوعي وليس سنوي، والإحتفال يأخذ صورة الشكر لله والمسلم إذا صام يوم الإثنين فإنما يصومه تأسياً برسول الله r واتباعاً لسنته. هذا اليوم الذي كان يصومه الرسول r لأنه اليوم الذي وُلد فيه الذي قال فيه ربه تبارك وتعالى جاء للوجود رحمة للعالمين فيجب أن نتعلم أن محمداً r ليس حلاة تؤكل أو عروسة تُزان بها الشوادر أو حصان وليس ذكرى فإذا كان هذا حال محمد r عندنا فهذا حال الأمة، فإذا عدنا إلى محمد r كما أراده الله تعالى وكما يجب أن يريده كل مسلم لله تبارك وتعالى فستُبدّل حال الأمة وكفانا نحن الأمة ما جاء في كتاب الله تعالى (إن الله لا يُغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) وهناك من الناس من يحزن إن قلت له لا يجوز الإحتفال بالمولد النبوي. ونعود ونأخذ السؤال في عهد الرسول r الرسول ما احتفل بذكرى مولده ولم يحتفل به أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي ولا أحد من التابعين إلى أن ظهر هذا في العصر الحديث. لكن علينا التوثيق بالنسبة للأحاديث التي تلوكها الألسن ويجب أن نتأكد أن الأحاديث تكون صحيحة السند.
وأقول أنه حتى لو سألنا الناس عن جواز الإحتفال وأجبناه بالنفي تراه يحتفل بالمولد إذن هو لا يأخذ بما سمعه وأقول أنه التقيت بأحد الإخوة في صلاة الجمعة الماضية وتحدثنا عن هذا الموضوع ثم اتصل بي قبل الحلقة وأخبرني أن أطفاله طلبوا منه أن يجلب لهم حلوى فأقسم لي أنه قال لهم سيجلبها لكن بعد انتهاء الذكرى حتى لا يتحول محمد r إلى حلوى بالنسبة لهم. وإذا سألتني أقول وبالله التوفيق يجوز الإحتفال (ولا نقول يجب حتى لا يتهمنا الناس) لكن إن جاز الإحتفال بذكرى ميلاد الرسول يجب أن ننبه الأمة أن يوم المولد هو نفسه يوم الوفاة فالذي سيحتفل بالذكرتين اللتين أصبحتا عندنا شوادر ودفوف وطبول فإن جاز الإحتفال وعلمنا أن يوم الميلاد هو يوم الوفاة فعلام نأكل الحلوى؟؟
أقول يجوز الإحتفال لأنه حتى لو قلنا لا سيحتفل الناس لكن كيف نحتفل هو المهم. خاصة أن هذا اليوم هو يوم الميلاد وهو يوم الوفاة فلو قلنا أن الإحتفال سيكون بصيام هذا اليوم ثم الثالث عشر والربع عشر والخامس عشر كما ورد في السنة النبوية فلا بأس وإن كان الصيام شكراً لله على أن جاء للوجود بمحمد r وأن جعلنا من أتباعه هذا الرجل العظيم محمد r فأهلاً بالإحتفال. وإن كان الإحتفال سيتمثل بصلاة وقيام ليل شكراً لله تعالى فأهلاً وسهلاً وقد قال رسول الله r : "من صام يوماً في سبيل الله تبارك وتعالى باعد الله بينه وبين النار سبعين خرفا" إذن نصوم اليوم شكراً لله في سبيل الله وحُباً برسول الله r. أما سمعنا نحن المسلمون قوله تبارك وتعالى (قل إن كنتم تحبون الله فأطيعوني يحببكم الله) فيجب أن يعرف المسلم أواعي من هو محمد r؟ وما كُنه هذا الرجل العظيم؟ فإن كان احتفالنا بمولده سيتمثل بصيام وصلاة وصدقات وتلاوة قرآن فلا بأس بذلك. ونقول يمكن أن نعمل احتفالية للإحتفال فيكون هناك مجلس علم ويتحدث فيه العلماء عن مناقب الرسول الكريم r وآخر يقرأ القرآن وآخر يبتهل ويدعو فيتأسّى المسلمون به r. أما أن يتحول الرسول r في احتفالاتنا لحلوى تؤكل أو عروسة أو حصان فهذا من غير اللائق وهل يُعقل أن الذي جاء ليهدم الأصنام في مكة يكون احتفالنا به بما يدلّ على الأصنام من حصان وعروسة؟ هذا ضرب من الخَبَل فهل جلء محمد r للوجود يهذا؟ ولننظر إلى البشرية قبل محمد r كانت الوثنية منتشرة في كل مكان حتى في زمن عيسى u حوّل النصارى الدين إلى الوثنية وتخبطوا وتحولت عباداتهم إلى شرك واستمرت البشرية في وثنية وفساد عظيم على فترة 700 سنة إلى أن جاء الرسول الكريم r فأخرج الناس من عبادة الأوثان إلى عبادة الرحمن.
يسأل المقدم هل لك أن توضح لنا التشريفات إن صح قولها أو التزكية التي خص الله تبارك وتعالى بها نبيه محمد r ونحن نقرأ في القرآن أن الله تعالى قرن اسمه مع اسم الرسول r في الشهادة والأذان وقال تعالى (ومن يطع الرسول فقد أطاع الله) ويقول تعالى (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين) و(إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله)؟
أولاً لا نقول تشريفات بل تزكيات لأن التشريفات كلمة تعني الدنيا أكثر أما التزكية فهي من الله عز وجلّ وصحيح أن الكثيرين مدحوا الرسول r لكن الله تعالى زكّاه والتزكية من الله تعالى عالية جداً . ونعرض لبعض جوانب هذه التزكية من القرآن الكريم نفسه ونستمع من الشيخ عمرو عطية لبعض الآيات التي ورد فيها تزكية الرسول r من ربه تبارك وتعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (46) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (47) الأحزاب) و (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (129) التوبة). بفضل الله تعالى التزكية كثيرة فلنأخذها من القرآن ونتعرض لأسماء الرسول r من القرآنوكم وُصف الرسول r بالصادق الأمين قبل البعثة حتى أن كفار قريش شهدوا له بهذا الوصف حتى بعد كفرهم كانوا يستودعون أماناتهم عنده r ولم يكن الكافر يستأمن مثلاً أبو جهل على ماله لأن الكافر يشرب الخمر وقد يستودعه مالاً ثم يأتي لطلبه فينكره عليه من أثر الخمر أما محمد r فقد ترك علياً وراءه في مكة حتى يؤدي الأمانات لأهلها عندما أُخرج من مكة مهاجراً إلى يثرب. وقلنا سابقاً في حلقة الهجرة أن كلمة الهجرة هي كتوصيف للحدث وإنما الرسول r لم يهاجر وإنما أُخرج من مكة. وعندما يزكي الله تعالى جزئيات معينة من الرسول r فزكّى عقله فقال (مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2)) وزكّى لسانه (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3)) وزكّى شرعه (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)) وزكّى معلّمه (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (7) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) النجم) وأخذ يشرح بهذا في وصف جبريل أمين الوحي وناقل الوحي من السماء إلى الرسول r،،وزكّى فؤاد محمد r (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11)) والفؤاد هو محل القلب وإن استعمل الشعراء الكلمتين بمعنى واحد لكن الدليل على أن الفؤاد غير القلب هو في قوله تعالى (وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها) فالفؤاد محل القلب وإن كان تعالى قد زكّى الفؤاد فما بالنا بالقلب؟ وزكّاه عن المجادلة والجدال (أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (12)) لأن الرسول r إذا حدّث صدق كما جاء في حادثة الإسراء والمعراج عندما أُخبر أبو بكر عما قاله الرسول r في الإسراء قال: إن كان محمد قد قال فلقد صدق، وجاء بلام التوكيد فإذا قال الرسول r رأيت كذا فلا يُناقَش. وزكّى تعالى بصره فقال (مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17)) وزكّى رؤيته (لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18)) فزكّاه تعالى بكلمات لا تفتر إلى يوم الدين وزكّاه تعالى فقال (وإنك لعلى خلق عظيم) ولقد وصفته السيدة عائشة رضي الله عنها " كان خلقه القرآن" و" كان قرآناً يمشي" هنا يجب أن نتوقف عن المقصود بقول عائشة كان خلقه القرآن أحد جوانب المعنى هو أنه r كان متمسكاً بكتاب الله تعالى لا يحيد عنه ويطبقه كما يجب والمنحى الآخر أن فيه توصيف يجب أن نتوقف عنده. ونسأل هل في القرآن نقص؟ سيكون الرد بيقين كلا نقول وكذلك خُلُق الرسول r ليس فيه نقص. فكأني بالسيدة عائشة ما قالت هذا مدحاً للرسول r وإنما نداء وهداية وتوجيه للأمة باتباع الرسول r لأن r كان خُلُقه القرآن مكتملاً فمن أراد أن تكتمل أخلاقه فعليه أن يتبّع الرسول r. والرسول ليس شعراً يقال في الإحتفالات ولا مدحاً ولا وصفاً وإنما هو أكثر من ذلك فعندما يمشي كأنه قرآن يمشي بين الناس بالهداية كما يهدي القرآن (الم* ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين) (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس) هكذا كان يمشي الرسول r بين الناس بالهداية وبأخلاقه المكتملة التي لا نقص فيها.
حادثة شق الصدر: يسأل المقدم عن هذه الحادثة وهل لها علاقة بتزكية الله تعالى للرسول r؟
حادثة شق الصدر أخذت من الأمة كلمات ورفضها وقبلها أناس ونحن نأخذ هذه القصة من حديث رسول الله r كما جاء في السنة الصحيحة وقد وردت كثيراً في كتب السير كسيرة ابن هشام والطبري لكن يجب أن نأخذ ملامح القصة بواقع اليقين الإيماني. ونقول عندما يتعب عضو في الإنسان كالكبد والكلى والقلب يدخل المستشفى ويضعون له عضواً آخر وما سمعنا أن أحدنا دخل المستشفى ليستبدل ضميره أو يضع شفافية صناعية لكن عندما نقرأ القرآن بيقين نسمع (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر) ونسأل هل كانت حادثة شق الصدر فقط لكي ينزع الله تعالى الحقد والغِلّ من قلب الرسول r؟ أنا شخصياً أقول مع تصديقي للحديث أقول إنه إن كان هذا فقط هو المقصود كان تبارك وتعالى قادر على أن ينزع الحقد والغِل من قلب الرسول بدون شق صدره والمفسرون انقسموا فريقين فريقاً لا يؤمن بالحادثة وفريق يقول إنها شرح لقوله تعالى (ألم نشرح لك صدرك) ونحن نقول لا هذا ولا هذا لكن هذه الحادثة ما هي إلا لنتعلم نحن البشر كيف نتخلى عن الحقد بأنفسنا نحن لن يأتينا ملكين ينزعان من قلوبنا الحقد والغِلّ فماذا نفعل؟ فكأن الرسول r أخبرنا هذه القصة ليعمل كل منا هذه العملية بنفسه فيُخرج كل واحد فينا وينزع الحقد والغِل من قلبه.
الحادثة كما جاءت في الحديث: أنه عندما كان r عند حليمة السعدية جرى الأطفال إلى حليمة فقالوا أدركي محمداً ويقول الرسول r جاءه رجلان فشقوا صدره وأخرجوا قلبه وغسلوه في طست مملوء باليقين والحكمة (ولا نقول طست من ذهب ثم أي عيار ثم يقول الناس كان يليق أن يكون من ألماس أو غيره) نحن نأخذ شاهد القصة التي تهم الأمة وعلينا أن نُخرج الأمة مما هي فيه. في بعض الروايات يقول أمسك بنكتة سوداء وقال هذا حظ الشيطان منك وألقاها والحديث عند البخاري. ولازم الحديث جميل : قال أحدهما للأخر زن محمداً فوزني بواحد فرجحت فقال ونه بعشرة فوزني بعشرة فرجحتهم فقال زنه بمئة فوزني فرجحتهم فقال زنه بألف فوزني فرجحتهم فقال لو وزنته بأمته لرجح محمد. والمعنى هنا عظيم وعميق جداً فهو محمد r أكبر من أي تصور ولو أردنا أن نخرج مما نحن فيه فعلينا برسول الله r (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) والأسوة غير القدوة لأن التأسي أن تفعل مثله بالضبط أما الإقتداء فقد تأخذ وقد لا تأخذ. وهذا الرسول r في حادثة شق الصدر علينا أن نعمل بمفهومها وعلينا أن نتأسى برسول الله r ونُخرج ما في قلوبنا من حقد وغِلّ.
يسأل المقدّم عن حادثة انشقاق القمر وهل لها علاقة بالتزكية؟ يقول تبارك وتعالى (اقتربت الساعة وانشق القمر) وهذه الحادثة وقعت فعلاً في عهد الرسول r كمعجزة حسّية له لكن الأهم من انشقاق القمر ما جاء قبلها وهو قوله تعالى (اقتربت الساعة) فهي من 1425 عاماً اقتربت وصدق الرسول r لما قال بُعثت أنا والساعة كهاتين وأشار إلى إصبعيه. لكن على الأمة أن يكون دأبها وعملها ما قاله الرسول r عندما سُئل متى الساعة فأجاب r : " ماذا أعددت لها؟".
دعاء للشيخ عبد الله السعدي: الحمد لله الذي لا ندعو غيره ولو دعونا غيره لم يستجب لنا دعاءنا، الحمد لله الذي لا نرجو غيره ولو رجونا غيره لأخلف رجاءنا، الحمد لله الذي وكلنا إليه فأكرمنا ولم يكلنا إلى الناس فيهينونا اللهم صل على سيدنا محمد كان مولده ربيعا، ولربه مطيعا، وللقرآن سميعاً، وبين الناس بليغاً، وللفصاحة ضليعا، اللهم صل على سيدنا محمد خير من صام وأفطر وخير من سبّح وكبّر وخير من حج واعتمر وخير من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، اللهم صل على نبيينا محمد الله صل عليه ما ظهرت النجوم وصل على نبيينا محمد ما تلاحمت الغيوم، اللهم صل عليه ما أشرق الضياء ولاح وصل عليه ما تعاقب المساء والصباح، اللهم صل على سيدنا محمد طبّ القلوب ودوائها وعافية الأبدان وشفائها ونور الأبصار وضيائها، اللهم صل على سيدنا محمد الحبيب الشفيع الرؤوف الرحيم الذي أخبر عن ربه الكريم إن لله في كل نفس مئة ألف فرج قريب وسلّم اللهم احفظنا بعينك التي لا تنام واحرسنا بركنك الذي لا يُضام اللهم استر عيبنا وااسف أمراضنا اللهم اشف مرضانا وارحم موتانا واهلك أعداءنا، اللهم أهلك أعداءنا اللهم احفظنا بما تحفظ به عبادك الصالحين، يا سيدي أنا الصغير الذي ربيته وأنا الفقير الذي أغنيته وأنا الضعيف الذي قويّته أنا المستضعف الذي نصرته أنا الذي لم أستحيك في الخلا ولم أراقبك في الملا أنا صاحب الدواهي العظمى أنا الذي على سيده اجترى أنا الذي أمهلتني فما ارعويت وسترت علي فما استحييت، اللهم جمّلنا بسترك واعف عن توبيجنا بكرمك يا خير الساترين وأحكم الحاكمين وأجود الأجودين ستّار العيوب علاّم الغيوب تستر الذنب بكرمك وتغفر المعصية بحلمك ولك الحمد على حلمك بعد علمك وعلى عفوك بعد قدرتك وصل اللهم وبارك على نبيينا وحبيبنا محمد وعاى آله وصحبه وسلِّم.
أسماء الرسول r في القرآن:
إذا تحدثنا عن أسماء رسول الله r نجد عجباً وليس فقط أسماؤه إنما أسماء كل من أحاط به وهذا فيه إشارات كثيرة ونستعرض أسماء المحيطين به قبل أن ننتقل إلى أسمائه r: فأمه آمنة في عهد ما عُرف هذا الإسم وهي بنت وهب لأن هذه المرأة سيخرج منها من يحمل الأمن والأمان للدنيا كلها. وأبوه عبد الله في زمن كان هناك أسماء كعبد اللات وعبد العُزّى وهذا ليكون r محمد ابن عبد الله لأن هذا الرجل هو الذبيح الثاني بعد إسماعيل u وكان r يقول أنا ابن الذبيحين عبد الله واسماعيل. وخلاصة قصة عبد الله أن أبوه عبد المطلب كان قد نذر أنه إذا جاءه عشرة من الذكور سيذبح أحدهم قرباناً للآلهة وكان يستهم (وهذا كان وارداً في ذلك الزمان) فيخرج السهم كل مرة على عبد الله فقرر ذبحه ثم إن أخوال عبد الله أشاروا على عبد المطلب بالذهاب إلى إحدى العرّافات في ذلك الوقت لتجد له حلاً فاقترحت أن يستهم على مئة درهم مع عبد الله فإن جاء السهم على عبد الله يزيد في المال حتى يأتي السهم على المال فيفتدي ابنه وكذلك فعل وتقول الروايات أن المبلغ وصل إلى عشرة آلآف وقسم يقول مئة ألف فافتدى بها عبد الله، ثم إن عبد الله كان في وجهه نور فاعترضته وهو في طريقه لعروسه آمنة ليدخل بها امرأة عرضت نفسها عليه فرفض ثم التقى بها بعدما دخل بآمنة فلم تطلبه ولما سألها قالت له ذهب النور الذي كان في وجهك. ثم إن الخادمة التس كانت تعين آمنة في حملها كان اسمها بركة لأن المولود سيأتي بالبركة للدنيا كلها، ثم إن أول من أرضعته هي ثويبة من الثواب العظيم ثم بعدها حليمة السعدية من الحلم والسعادة فهذه الأسماء لم تأت مصادفة وإنما أرادها الله تعالى. ثم إن الشهر الذي ولد فيه هو ربيع الأول من الربيع، والبلد الذي ولد فيه مكة وهو خير بقاع الدنيا عند الله تعالى.
فإذا جئنا إلى أسمائه r نجد عجباً فقد بشّر به عيسى r فقال تعالى على لسان عيسى (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (6) الصفّ). وبعض النصارى يحتجون بهذا الإسم أنه أحمد وليس محمد كإسم نبيينا. أما لماذا ورد إسم أحمد في بشارة عيسى ولم يرد محمداً لأنه لم يكن لعيسى u أن يقول محمد لأن محمد إسم مفعول ولا يُطلق إلا على موجود وعيسى كان رسولاً يوحى إليه ثم جاء بعده الرسول r يوحى إليه. وقال أحمد لأن من كونه r له مكانة عند ربه جعل اسمه مشتقاً من صفة لا تكون إلا لله تبارك وتعالى (الحمد) وإذا قرأنا القرآن نجد أن أول كلمة فيه بعد البسملة (الحمد لله) في سورة الفاتحة وإسم محمد مشتق من الحمد ولما تكلّم عنه عيسى u لم يكن يقدر أن يقول محمد اختار الله تعالى إسماً يناسب زمن المتكلم مشتق من الحمد فكأن المقصود من بشارة عيسى u ومبشراً برسول يأتي من بعدي أحمد مني لرب الناس، فإذا جاء فهو الأحمد وإذا قام بالحمد فهو حامد وإذا أدّاه على الوجه الصحيح فهو محمود المنقلب أمام الله تعالى يوم القيامة.
والرسول r يقول أنا أحمد وأنا محمد وأنا العاقب وأنا الحاشر. والعاقب الذي لا معقّب بعده والحاشر الذي يُحشر الناس على قدميه. ونورد هذا الحديث هنا لأن في أسماء الرسول r خطأين شائعين فادحين هما (طه) و(يس) فهما ليسا من أسماء الرسول وإنما هما في الأحرف المقطعة في بدايات السور تماماً كـ(الم، كهيعص، الر، حم) ولو كانا من أسمائه r لكان ذكرهما في الحديث السابق. ولكن الناس فهمت طه على أنها اسم للرسول r لأنهم فهموا من الآية (طه* ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى) خطاب للرسول r وهذا لا يصح لأنه تعالى ما خاطب الرسول r في القرآن كله بإسمه وإنما كان الخطاب (يا أيها النبي أو يا أيها الرسول) أما ورود إسم محمد في بعض الآيات فهي ليست من باب المخاطبة وإنما من باب الإخبار (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم) (محمد والذين معه) ولا يليق بالله تعالى أن ينادي على رسوله r باسمه هكذا في القرآن. وعليه فإن هذه الأحرف يجب أن تقرأ مقطعة كباقي الحروف المقطعة في بدايات بعض السور. ونقول لمن سمّى أولاده بهذين الإسمين لا بأس لكن ننبه الناس باختيار اسم آخر لأبنائهم ليس طه ولا يس فليختاروا أحمد ومحمد مثلاً. وإذا نظرنا في معاجم اللغة العربية لوجدنا معاني لكل الأسماء العربية لكننا لن نجد معنى لكلمتي طه ويس. وإن شاء الله في حلقات قادمة عندما نتطرق إلى القرآن وإعجازه اللغوي والبياني نتحدث عن دلالة الأحرف المقطعة لأن المفسرون اختلفوا فيها ونحن نحصي أكثر من 16 تفسير عند المفسرين لهذه الأحرف و22 تفسير عند اللغويين والمحققين. وأنا أقول هذه الأحرف من أسرار القرآن الكريم وإن شئت قل من مادة حفظ القرآن وهذا رأي علماء الذي يتسع لكل الآراء أما التأويل فلا يعلمه إلا الله تبارك وتعالى.
قال أحمد شوقي في قصيدة مدح الرسول صلّى الله عليه وسلم:
وُلد الهدى فالكائنات ضياء وفم الزمان تبسّم وثناء
بشّر الله السماء فازّينت وتوضّعت مِسكاً بك الغبراء
كيفية الصلاة على الرسول r من الله تبارك وتعالى، من الملائكة ومن المسلمين؟
يقول تعالى في سورة الأحزاب (إن اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (56)) توجد كلمات في اللغة العربية تقع تحت الإشتراك اللفظي فيكون معنى الكلمة بحسب ما تضاف إليه. فهل صلاة الله تبارك وتعالى على الرسول r مثل صلاة الملائكة؟ بالطبع لا لأنه إذا تغيّر الفاعل يكون لكل فاعل فعل فالصلاة من الله عز وجلّ على رسوله r رحمة الله تبارك وتعالى أما صلاة الملائكة فهي الدعاء لله تعالى أن يصلي على الرسول r وكذلك صلاتنا نحن على الرسول r. لماذا؟ حينما يقول الرسول r في حديثه "الدين النصيحة، قلنا لمن يا رسول الله؟ قال r لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم" وفي هذا الحديث أيضاً كا فاعل فعل يختلف عن الآخر فالنصيحة لله تعالى أن نسمع أوامره في القرآن ويكون أمره علينا نافذ، أما النصيحة للرسول r فهي أن نتأسّى بسنته، والنصيحة للكتاب بقراءة القرآن لا لمجرد القرآءة وإنما للإستفادة منه، والنصيحة لأئمة المسلمينأ يُعلّموا الأمة بطريقة تجعل الأمة تفهم بتبسيط وتيسير (والتبسيط يُفهم على أنه تيسير ولكنه في الأصل الشرح الكثير والمطوّل والمفصّل)، والنصيحة لعامة المسلمين هي باتّباعهم لكل ما سبق لأوامر الله تعالى وسنة رسوله r والكتاب والأئمة.
فكيف نصلي نحن عليه
r
؟ ذهب الصحابة إلى الرسول
r
بعدما نزلت الآية (إن اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (56)) فقاولا
يا رسول الله أُمرنا أن نصلي عليك فكيف نصلي عليك؟ قال
r
: "قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على ابراهيم وآل ابراهيم إنك
حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على ابراهيم وآل ابراهيم إنك حميد
مجيد". وقد شاع عندنا أنه لما يتكلم المتكلم ويذكر الرسول
r
فإن السامع يقول (عليه الصلاة والسلام) أو (صلى الله عليه) وهذا لا يعني الصلاة
عليه كما أُمرنا في الآية لكن يجب أن نقول "اللهم صل على محمد" وهذا دعاء منا لله
تبارك وتعالى بأن يُصلي على الرسول
r
لأنه من نكون نحن حتى نصلي عليه؟ وخلاصة القول أنه من أراد أن يصلي على النبي
r