حلقة خاصة بمناسبة ذكرى مولد الرسولr 

ضيوف الحلقة: الدكتور محمد هداية، الشيخ عبد الله السعدي.

 اقتتحت الحلقة بتلاوة عطرة من آي الذكر الحكيم تلاها الشيخ عبد الله السعدي مما تيسر له من سورة الحجرات والضحى والشرح: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (2) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (3) الحجرات) و( وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3) وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (4) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (8) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (10) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11) الضحى) و ( أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (3) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (8) الشرح).

يبدأ المقدم باستعراض المواضيع التي تحدث بها الدكتور في الحلقة السابقة من جواز أو عدم جواز الإحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف وذكر أسماء الرسول r وحادثة شق الصدر وانشاق القمر وغيرها من المواضيع وبقي لنا في هذا الأسبوع أن نتطرق إلى موضوع الشفاعة والحوض والكوثر لكن قبل هذا أطرح سؤالاً يسأله الكثيرون وهو أنه الله تعالى منذ بعث آدم u إلى المصطفى r أرسل أكثر من 120 ألف نبي و315 رسول وتعددت الرسالات السماوية فلماذا احتاج البشر لكل هؤلاء الأنبياء والرسل؟ هذا أولاً ثم لماذا كان هناك فترة زمنية كبيرة بين بعثة عيسى u وبعثة الرسول r؟ ولماذا الرسول r هو آخر الأنبياء والمرسلين؟

هذ السؤال من أهم الأسئلة التي قد ترد على خاطر البشر وذهن المسلم المُسلّم أمره لرب العالمين وهو خلاصة ما حدث من عهد آدم u إلى أن تقوم الساعة وهذا حكمة الله تعالى في خلقه. فما خلت أمة من آدم u إلى أن تقوم الساعة إلا وفيها نبي لكن حكمته تعالى بإرسال الرسل في كونهم من  البشر وفي كون تعاقب الأنبياء في الأمم. فقد يكثر الأنبياء في أمة من الأمم كما في بني إسرائيل وهذ كله من حكمة الله تعالى. وهناك أمور يجب أن نتدبرها كمسلمين لله ونحن منتلقّى عن الله تعالى هذا الكتاب وهذه الرسالة.

أما سؤالك لماذا جاء محمد r في زمانه ولم ولن يأتي رسول بعده فهذه هي القضية. وقبل أن نقول أنه قد تعاقبت النبوءات والرسالات (وهناك فرق بين النبوءة والرسالة) يجب أن ننظر إلى العهد القديم على البشر ميعاً من الله تعالى وهو عهد الفطرة كما جاء في قوله تعالى (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172)  الأعراف) هذه القضية يجب أن تستقر في الأذهان أن الفطرة البشرية بحكمة من الله تعالى مسلمةٌ لله إسلام قبل الخلق أي في عالم الذّر. فلماذا قال تعالى (من بني آدم) ولم يقل من آدم؟ هذا ليثبت تعالى أن الذرية توالت عنده في لحظة واحدة فالمولى تعالى أمره بين الكاف والنون (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82) يس) ولم يقل آدم فقط حتى لا تنحصر في ذرية آدم فقط (أبناؤه من العشرين طبناً الذين أنجبتهم حواء) أو من ذريته من الأنبياء فقط وإنما قال من بين آدم لتشمل كل الذرية. والذي يجب فهمه أنه في عصر الجاهلية كان للكعبة عند الناس تقديس معيّن فوضوعوا فيها وولها الأصنام للتقديس ولهذا البيت أيضاً تقدس من عهد آدم إلى أن تقوم الساعة، فالحياة صة يجب أن نفهمها لكن عند ابراهيم أخذت الكعبة رمزية معيّنة وقدسية معينة وعند محمد r كانت هذه الرمزية وهذا التقديس أعلى. وهنا علينا أن نلفت إلى آية في القرآن عادة ما ننساها ولا نذكرها إلا بعد رمضان حين يقرب موسم الحج (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (97) آل عمران) حرف الجرّ (على) يفيد الإلزام كما جاء في قوله تعالى (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (6) هود) فاطمأنّ الناس بهذه الآية أن رزقنا حق ٌعلى الله تعالى وأنه سيرزقنا ففرحنا ونمنا واطمأنينا وقلنا في أنفسنا سيأتيني الرزق بدلالة حرف (على) وقد قال أحد أهل اللغة: لو ركب ابن آدم الريح فراراً من رزقه لركب الرزق البرق حتى يقع في فم ابن آدم. وإن فرّ ابن آدم من قضاء الله فإنه يفر إلى قضاء الله أيضاً. وقد عرفنا معنى حرف (على) ف آية الرزق ولم نفهم معناه في آية الحج وجعلنا الحج فريضة على التراخي. وحينما نسمع الآية يجب أن أعلم أن الحج هذا فريضة عُملت لأجل لماذا؟ نحن نصلي خمس مرات في اليوم والليلة، وبعد الوضوء نتجه إلى القبلة التي هي نزعتي في الصلاة واستقبال القبلة هو الحج فكأنما تشغل قلبك وتعمره بفريضة ولنتذكر قول الرسول r في حديث جلسة التشهد "إذا وصلت إلى أشهد أن لا إله إلا الله انظر أمامك وكأنك ترى الكعبة" قالقلب يجب أن يكون في الكعبة التي هي القبلة فإذا وصلت إلى الحج كانت الحكمة من الطواف حول الكعبة سبع أشواط والثلاثة أشواط الأولى فيها حكمة بالرمل فيها إذا أمكن، ولا يصح أن نقول نلفّ حول الكعبة والكثير من المسلمين لا يطوفون الطواف للهدف الذي شرّعه الله تعالى في الطواف فترى من يتحدث بالهاتف ومنهم من ينظر هنا وهناك ومنهم من يتحدث ومنهم من يقرأ من كتاب بصوت مرتفع والآخرون يرددون وراءه فأن أخطأ هو ردوا بنفس الخطأ لأن القلب ليس حاضراً فقلب القارئ متعلق بالكتاب وقلب من وراءه متعلق بالقلرئ. ولو استشعرنا أن الطواف يكون عكس عقارب الساعة حتى تكون جهة القلب لجهة الكعبة ويكون القلب متعلقاً بها ويجب أن ننظر إلى الكعبة حتى يتعلق نظرنا بها كما يتعلق القلب عند الطواف. وفي نهاية كل شوط ترى الصراع على الحجر الأسود وهذا كله يدل على أننا خرجنا عن السبب الذي من أجله شرع الله تعالى الحج. وفي مؤتمر طبي أثبت العلم أن الجنين قبل أن يكون جنيناً يطوف الحيوان المنوي حول البويضة سبع أشواط قبل أن تتم عملية التلقيح وكأنه يعلن التوحيد قبل خلقه جنيناً وهذا يفيد أن الفطرة من قبل الذرّ هي مسلمة لله تعالى. إذا أرسل الله تعالى رسولاً أو نبياً يقيم القيم ثم إذا مات تتفلّت الأمور فيرسل تعالى رسولاً آخر. وكلما بعُد البشر عن الرسالة يحصل انفلات في القيم وإذا استعرضنا من آدم u إلى بعثة الرسول r نجد أنه حدث انفلات كبير في القيم بعد كل نبي مما استدعى إرسال نبي آخر ليصحح ويعيد الناس إلى الرسالة ويُقوّم الناس وقد اختلف العلماء في كون آدم نبي أو رسول ثم انفلتت الأمور فأرسل الله تعالى شيث وهكذا إلى بعثة الرسول . وأطول فترة بين نبيين هي الفترة بين عيسى u وبعثة الرسول r.

وكما أن الله تعالى أخذ العهد على البشر جميعاً، أخذ العهد على النبيين أيضاً كما جاء في قوله تعالى (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (81) آل عمران) ففي الآية إقرار وشهادة وهنا نقف أن كل نبي يأتي أخذ الله تعالى على نبييه العهد أنه لو أدركه نبي مصدّق لما معه فعليه أن يؤمن به وإذا لم يدركه هو ترك في قومه أن يؤمنوا بالرسول إذا جاء من بعده (إقرار وشهادة) ومعنى كلمة الإصر في الآية هو العهد الشديد. وتتعاقب الرسل إلى عهد عيسى u وهو الوحد الذي ذُكر في القرآن تنفيذ ميثاقه لله تعالى في قوله تعالى (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (6) الصف) وفي الآية دليل على أن عيسى u ترك الدليل على قدوم محمد r من بعده وموسى قبله ترك الخبر لعيسى (يا بني إسرائيل)، ووصف عيسى لهم في الآية الحالة الحاضرة (إني رسول الله إليكم) والحالة القادمة (ومبشراً برسول يأتي من بعدي) وهذا من الإعجاز وهذه هي عظمة عيسى بالنسبة لمحمد r وهذه هي الحجة على بني إسرائيل.  

نعود للسؤال لماذا محمد بالذات؟ ونقول لأن هذا اختيار الله تعالى ونحن كمسلمين مأمورين بالإيمان بكل الأنبياء والرسل حتى لا ينسحب كرهنا لفئة على أنبيائهم. لكن عندما نصل إلى محمد r نجد العظمة في التركيب الخاص من كل الوجوه ولذلك حينما نسمع الأحداث ومنها أولاً حادثة عمر عندما مرّ على بني قريظة وكان له صديق منهم فأعطاه جوامع التوراة ففرح عمر جداً وذهب إلى الرسول r يبلغه فتغيّر وجه الرسول فقال أحد الصحابة لعمر أوما ترى ما في وجه الرسول وقال ألا يكفيك ما جاء في القرآن؟ فقال عمر رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا فابتسم الرسول r وقال لو أن موسى جاءكم الآن فاتبعتموه وتركتموني لضللتم ولضلّ أنا حظكم من النبيين وأنتم حظي من الأمم، وعلى هذا فعلى كل مسلم أو يؤمن بهذا القرآن لأنه جمع كل الكتب السابقة. وهذا القرآن جمع الكتب السابقة وهيمن عليها وتكلم عن كل الأمم السابقة (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآَنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (3) يوسف) وهذه الأمة هي الوحيدة التي ستشهد على كل الأمم  وواقه شهادتنا هي ما جاء في القرآن وهي التي تعرف ماذا حصل للأمم السابقة من ما جاء في القرآن الكريم. وحادثة أخرى عندما اجتمع أهل نجران فقالوا للرسول هل تريد التقديس فيقول محمد r معاذ الله ومعاذ الله ما كنّا لنأمر بعبادة غير الله (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (79) آل عمران) هذا حال رسالة رسول الله r ضمّن الأنبياء والمرسلين. بعدما نزلت هذه الآية جاءه رجل معجب بشخصية الرسول صلى الله عليه وسلم ويحبه كثيراً فقال أُمرنا أن نصلي عليك ونحبك فهل تأذن لي ولو مرة واحدة أن أسجد بين يديك (سجود تحية وليس عبادة لأن سجود التحية كان من عادات العرب كما خرّ أبوي يوسف سُجّدا) فيقول الرسول r معاذ الله ومعاذ الله ويرد بالآية لا تقدسوني أنا وإنما كونوا عباداً لله (وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ) وهذه ترد على السؤال لماذا محمد r بعد هذه الفترة.

لماذا لم يأت بعد محمد؟ لأن محمد r بُعث في خير أمة أخرجت للناس وليس فيها من علل الأمم السابقة وكما أن كثرة الأدوية تدل على كثرة الأمراض والعِلل فكثرة الأنبياء في أمة لا تدل على شرفها وإنما تدل على سوء الأمة ولقد لخّص تعالى خيرية هذه الأمة في قوله (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110) آل عمران) فمقومات الأمة المسلمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهذه مقومات خيرية الأمة أما الأسباب فسابقة على هذا وهي اصطفاء الله تعالى بحد ذاته وهوسبحانه لا يُسئل عما يفعل. وقد قال الرسول r : أنا العاقب فلا معقب بعدي وجاء في القرآن قوله تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) آل عمران) وهذا يعني أن الأمة سيقومون بعمل الأنبياء بعد محمد r يحملون الدعوة ولم تعد الأمة تحتاج إلى رسالات أو نبوءات وإنما هي بحاجة إلى الدعوة الخاصة بمحمد تشرح ولذا جاء في الآية أولاً (يدعون إلى الخير) قبل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة عامة للناس جميعاً كما جاء في الحديث الشريف مخاطباً الأمة: " بلّغوا عني ولو آية" والإصطفاء من الله تعالى وهذه الأمة لأنها خير أمة فهي لا تحتاج لنبي بعد محمد r لأنه جاءها خير الأنبياء على الإطلاق وقد قال تعالى (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا المائدة آية 3 ) وكأن الدين كان ناقصاً إلى أن أتى محمد r.

وقلنا أن هناك فرق بين الديانة والدين فالديانة هي الرسالة والدين هو شرع الله تعالى لكل الديانات والرسالات (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ، آية 19 آل عمران)  وهو الشرع العام لكل الديانات والرسالات من عهد آدم u إلى أن تقوم الساعة. ولا يوجد جمع لهذه الكلمة فالدين واحد كما جاء في قوله تعالى مخاطباً أولي العزم من الرسل (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (13) الشورى) .

سؤال من المقدم: الإسلام دين واحد فلماذا التحبط بين الرسالات الثلاثة (موسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام) مع أن بعض الكتب حُرّفت؟

الجواب أنت تقوله طالما حُرفت بعض كتبهم فليقولوا ما يشاءون لكن المهم والثابت أن هناك دين واحد من عهد آدم u إلى أن تقوم الساعة. وهؤلاء كتبوا أسماء أشخاص على كتبهم منها إنجيل لوقا وإنجيل يوحنا وغيره. والدين هو الشرع كما قلنا من عهد آدم إلى أن تقوم الساعة (إن الدين عند الله الإسلام) والنصرانية واليهودية هي ديانات دينها الإسلام فلمّا أراد تعالى أن يختم الديانات على الأرض سمّى الديانة الأخيرة باسم الشرع العام :الإسلام والشرع الإسلام وهذا هو مضمون قوله تعالى (إن الدين عند الله الإسلام) ومضمون قوله تعالى (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85) آل عمران ) كلٌ في زمانه له ديانته في عهد موسى التوراة وفي عهد عيسى الإنجيل وفي عهد محمد القرآن أما الدين فهو واحد لأن الله واحد ومن الخطورة بمكان قول الأديان السماوية وإنما يجب قول الديانات أو الرسالات السمواية فإن قال أحدهم أديان نقول له لن تكون سماوية لأن الدين السماوي هو واحد وهو الإسلام.هناك إله واحد فهو دين واحد لا أديان لأننا أحياناً نردد هذا اللفظ بدون أن نعلم أنها تعني أكثر من إله. إذن نقول باختصار الدين واحد وهو شرع الله تعالى والديانات تتعدد وهذا من حكمة الله تعالى.

نعود للسؤال لماذا لم يأتي بعد محمد؟ قلنا لأنه العاقب أي لا يعقبه نبي ثم لأن هذه الأمة هي خير أمة وأفرادها سيحملون الدعوة إلى يوم القيامة وهذه الأمة ليس فيها أمراض الأمم السابقة وعظمة الأمة هي في قوله تعالى (كنتم خير أمة أخرجت للناس) و(لتكن منكم أمة يدعون إلى الخير) وقوله تعالى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا، آية 143 البقرة ) ولا يصلح لكم شهيد إلا محمد r. وعلى كل مسلم أن يدعو إلى الله ونكرر القول أن هناك دين واحد لكن هناك ديانات سماوية كثيرة وقلنا أن الله تعالى أرسل 124 ألف نبي و313 رسول منهم خمسة من أولي العزم على رأسهم محمد r. وهذه الأمة هي أمة وسط بين الإفراط والتفريط فهناك أمم قالت لا إله (الذين ينكرون وجود الله تعالى) وأمم عدّدت الآلهة (من قال ثلاثة أو جعلوا آلهة غير الله) فجاءت أمة الإسلام لتقول لا إله إلا الله فهذه هي الوسط بين من أنكروا ومن عددوا. والفرق بين النبوءة والرسالة ان النبوءة قد تكون محدودة ولا تخرج بكتاب أما الرسالة فهي التي تحمل كتاب ومنهج.

ولقد جاء القرآن ليهيمن على كل الكتب السابقة ولا يوجد كتاب آخر يشرح كما يشرح القرآن ففي سورة يوسف قوله تعالى (إذ قال يوسف) بمعنى اذكر يا محمد إذا قال يوسف ومحمد لم يكن موجوداً في تلك الفترة ثم يحكي لنا القصة كاملة كأننا عاينّا القصة والوصف يأتي في القرآن سماعياً (إذ قال يوسف لأبيه) وقد يكون رؤية (ألم تر كيف فعل ربك بعاد) كأنك نرى ما حصل، ولا يوجد على الإطلاق كتاب عرض العرض الذي جاء في القرآن وأعجب ممن يطلقون الألقاب على الناس فهذا رائد القصة القصيرة أو المفصّلة ولا أحد منهم يمكنه أن يجاري الوصف في القرآن أبدا، فالقرآن هو رائد كل القصص والأدلة في القرآن كثيرة ولننظر مثلاً إلى قصة العُزير في سورة البقرة آية واحدة شرحت القصة بكل صورها وتفاصيلها.

ونعيد شرح الفرق بين الكتاب والقرآن فنقول أن القرآن هو ما نزل منجّماً على الرسول r أما الكتاب فهو ما جمع القرآن (الم لك الكتاب لا ريب فيه، البقرة) يعني الكتاب كله. لمّا اكتمل القرآن صار كتاباً بدليل قوله تعالى (إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون، الواقعة) وكثيرون يقولون أن القرآن هو الكتاب وغاي عن بالهم هذه الآية في سورة الواقعة فاقرآن غير الكتاب.

سؤال: نلاحظ أن هناك هجمة مركزة على الإسلام والمسلمين وهناك من يتطاول على الرسول r وعلى القرآن وهم من غير المسلمين ويقولون أن هناك تعارض بين القرآن والأحاديث ويفسرون القرآن بالأحاديث غير الصحيحة وما شابه، وكذلك انتشرت هذه الهجمة عبر مواقع على الإنترنت تتسمّى بأسماء إسلامية حتى تؤثر علينا وعلى شبابنا فما يتوجب علينا نحن المسلمون فعله حتى نكون سفراء للإسلام ونرد على مثل هذه الهجمات؟

لقد ردّ القرآن عليهم جميعاً (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) النحل) وأهل الذكر هم أهل الكتاب فالقرآن يشرحه أهله. وقد وضع الشيخ الشنقيطي في أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن.  وأنا أقول أنه لا يوجد تعارض في القرآن أو تعارض بين القرآن والحديث لا الصحيح ولا الضعيف فالحلال بيّن والحرام بيّن. وهؤلاء سيهاجموا في كل حال والإيمان والعقيدة في قلب كل إنسان تردّ وإذا كان هناك أمور أخرى فيجب إرسالها إلى أهل العلم والدعاة وهم ولله الحمد كُثُر كل حسب اختصاصه. وإذا استقرت الأمة على العمل  والبحث الدؤوب في شرح القرآن وفهمه ستصل بإذن الله تعالى.

ويستطرد المقدم بطلب من الدكتور بتخصيص بعض الحلقات عن العقيدة وبعض الأشياء الشائعة مما يتقولون على القرآن والسنّة أو على شخص الرسول صلى الله عليه وسلم.

سؤال من المقدم: لم يخلق الله تعالى عبثاً ولم يكن اصطفاؤه للرسول r من فراغ. والرسول r كان فيه أربع صفات مميزة للشخصية المحمدية هي اليتم والأمية وكونه يرعى الغنم ويعمل بالتجارة وكونه الصادق الأمين حتى مع المشركين. فكيف نربط اليتم برعاية الغنم ثم الأمية والصدق والأمانة وما الحكمة في يُتمه مع أنها قد تولد بعض الإنكسار في النفس؟ وكيف يكون سيد الخلق أجمعين يتيماً؟

أولاً من هو تعريف اليتيم؟: يقال اليتيم في البشر من فقد أبوه حتى يبلغ، وفي البهائم والحيوانات تقال لمن فقد أمّه، وفي الطيور من فقد الإثنين.

ولماذا الأب في البشر؟ لأن الأب عليه الرعاية في البشر والتربية والقوامة، أما الذي فقد أُمّه فيقال له منقطع ولا نغفل عن جانب الأم في التربية. وكلمة الأب تطلق لغاية الجَدّ السابع. والرسول r لحظة او ساعة ولادته كان أبوه قد مات وحتى لا يُقال تولاّه أو تعهّد بتربيته ولو لاحظنا أن كل رجل يتدخّل في تربية الرسول r يموت :الأب ثم الجد حتى الأم أول ما أصبح لديه خمس أو ست سنوات توفّاها الله وحتى الذين تولوه في التربية مرضعة وزوجها(حليمة السعدية وزوجها) كان الزوج منشغل وهما ليسا من ذوي السلطان والجاه. وهذا كله ليصح قوله r "أدّبني ربي فأحسن تأديبي" فالذي ربّاه هو الله تعالى رب العالمين. وأُقيمت رسالته على ركنين اليتم والأمّية فلم يتولّى رعايته أي بشر وإنما تكفّله الله تعالى وليس لأي بشر دخل في تعليمه أيضاً.

وإذا بحثنا في القرآن كله لوجدنا أن كلمة يتيم بحق الرسول جاءت مرة واحدة في قوله تعالى في سورة الضحى (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى (6)) أما الأمية فجاءت مرتين (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157) الأعراف) و(هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (2) الجمعة).

وبالعودة إلى سورة الضحى وقوله تعالى فآوى بعد ألم يجدك يتيماً فيها لفتة هامة إلى أن الذي آواه هو الله تعالى وأقول أن هذه السورة ظُلمت كثيراً وما أخذت حقها في  الشرح كما يجب . وهذه السورة نزلت بعدما انقطع الوحي أياماً عن الرسول r فقالت قريش إن رب محمد قد قلاه (وهم يعترفون أنه ربُّ محمد، وهذا دليل على أن الكفر في كل زمان لسان حاله ينطق بالإيمان) هو إذن لا شاعر ولا مجنون ولا يكذب لأنهم يقولون رب محمد، فنزلت الآيات رداً على كفار قريش بأن رب محمد لم يدعه كما ادّعوا. والتفسير كما ذكرت لم يكن منصفاً في تفسير قوله تعالى (وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (4))  فقالوا أن معناها أن الدار الآخرة هي أفضل من الدنيا لكن كمسلم هل يُعقل أن نفهم من التفسير أن الرسول r لا يعلم بأن الآخرة خير من الدنيا!؟ وهذه نقطة لا يختلف عليها لأن بعض الكفار يعلمون أن الآخرة أفضل من الدنيت حسب مفهومهم هم فهذه الحقيقة لا تحتاج أن يُقسم الله تعالى عليها. التفسير يجب أن يرتبط بالآيات وقد أقسم تعالى في أول السورة بالضحى والليل إذا سجى وله أن يُقسم بما شاء كيف شاء وقت شاء أنّى شاء لأنه خالق كل شيء وعلينا نحن أن لا نقسم إلا بالله كما جاء في الحديث الشريف: " من كان حالفاً فليحلف بالله أو فليصمت" فالله تعالى يقسم بالضحى والليل وما سجى والمُقسَم عليه (ما ودعك ربك وما قلى) أي يا محمد اطمئن  لم يدعك ربك ولم ينقطع القرآن ولآخر مرة يأتيك الوحي ستكون أفضل من السابقة عليها وهكذا. والأولى (السابقة) وليست الدنيا وهذه تستمر حتى تنزل الأخرى أي التالية. وقد جاء في القرآن (إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (18) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (19) الأعلى) وطالما أنه ذكر في القرآن الصحف الأولى فلا بد أن تُذكر الثانية (فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) عبس) بمعنى صحف تالية. وفي آيات سورة الضحى تفسير للقرآن بالقرآن ونلاحظ ترتيب الآيات في السورة فنجد أنه تعالى قال (ولسوف يعطيك ربك فترضى) ومقوماتها (ألم يجدك يتيماً فآوى * ووجدك ضالاًّ فهدى * ووجدك عائلاً فأغنى) وطالما كنت يتيماً (فأما اليتيم فلا تقهر ) وما دمت كنت ضالاً (وأما السائل فلا تنهر) وطالما كنت عائلاً فأغنى ( وأما بنعمة ربك فحدّث) فكل من هذه تتبع واحدة مما سبق. وكل حكم تالي