حلقة خاصة بمناسبة ذكرى مولد الرسول r
ضيوف الحلقة: الدكتور محمد هداية، الشيخ عبد الله السعدي والشيخ عمرو عطية.
اقتتحت الحلقة بتلاوة عطرة من آي الذكر الحكيم تلاها الشيخ عبد الله السعدي مما تيسر له من سورة الأعراف (وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (53) إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54)) وآيات مباركة من سورة الحجرات (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (2) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (3))
بدأت الحلقة بتنويه من المقدم بعائلة كريمة أصابها الله تعالى بابتلاء فتوفيت ابنتهم الشابة البالغة من العمر 17 سنة في حادث سيارة وأخوها يرقد في العناية المركزة في مستشفى واتصلت الوالدة في بداية الحلقة وتحدثت مع الدكتور محمد هداية حول ما تسطيع أن تفعله لأجل ابنتها المتوفاة وابنها في المستشفى وطلبت منه ومن المسلمين الدعء لابنها بالشفاء العاجل. وأجاب الدكتور وسأل الله تعالى المغفرة والرحمة للفتاة المتوفاة وذكر أهلها بالدعاء لها واثقين أنه سبحانه سيغفر لها وذكّرهم بالحديث القدسي (ثبضتم ولد عبدي) وأن الله تعالى يبني لهم بيتاً في الجنة إن حمدوا الله تعالى وصبروا على المصيبة. وذكّرهم بأن هذه الفتاة مكتوب عند الله تعالى قبل ملادتها أن تموت هكذا ولا نملك إلا الصبر والإسترجاع وبالنسبة للإبن المصاب نسأل الله تعالى رب العرض العظيم أن يشفيه شفاء عاجلاً غير آجل.
ثم دعا الشيخ عبد السعدي بهذا الدعاء: اللهم لك الحمد كله ولك الشكر كله إليك يرجع الأمر كله علانيته وسرّه فأهل أنت أن تُحمد وأهل أنت أن تُعبد وأنت على كل شيء قدير، اللهم اشف مرضانا ومرضى المسلمين وارحم موتانا وموتى المسلمين، اللهم اجعل شفاءه والمسلمين سهلاً ميسورا. اللهم عجّل بشفائه وشفاء مرضى المسلمين. اللهم إنا نسألك قلوباً أوّابة لا شاكّة ولا مرتابة. اللهم أسعدنا يتقواك واجعلنا نخشاك كأنا نراك، يا شافي كل مريض اشف مرضانا ومرضى المسلمين وارحم موتانا وموتى المسلمين برحمتك وقدرتك وعظمتك يا أكرم الأكرمين.
نستأنف الحديث عن موضوع الحلقتين السابقتين بمناسبة المولد النبوي الشريف. وقلنا سابقاً أن الرسول r خصّه الله تعالى بأمور كانت من أركان رسالته وهي يتمه، أميته، كونه راعياً للغنم، عمله بالتجارة وكونه صادقاً أميناً. ونعود للقول عن معنى كلمة يتيم وأمّي. وسألنا من هو اليتيم؟ وقلنا من يقول أن محمداً r يتيم على إطلاق اللفظ لا يكون قوله صحيحاً بعد استتباب الأمر في سورة الضحى حيث قال تعالى (ألم يجدك يتيماً فآوى) ونقول أن الرسول r وُلد يتيماً لأن أبوه كان قد مات وأمه حامل به ثم لو تدبرنا قوله تعالى (ألم يجدك يتيماً فآوى) نعلم أن الله تعالى هو الذي آواه فهل نقول بعدها أنه r كان يتيماً؟ صحيح أنه يتيم الأب لكن هذا اليتم لم يأخذ من الرسول r شيئاً لأن الله تعالى آواه فشرف له r أن آواه الله تعالى وشرف لكل يتيم أن محمداً r كان يتيماً. وعندما نسمع القرآن ونسمع وصايا الرسول r باليتيم كالحديث :" أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين" وأشار إلى إصبعيه يتحقق قول الحق تبارك وتعالى (ألم يجدك يتيماً فآوى، فأما اليتيم فلا تقهر) وما قال الرسول r هذا الحديث إلا لأنه فهم قول الحق تبارك وتعالى (ألم يجدك يتيماً فآوى)(فأما اليتيم فلا تقهر). وهذه السورة فيها أكثر من اتجاه ويجب أن نفهم القرآن على مراد الله تعالى فيها ومعظم مشاكلنا أننا عندنا القرآن ولكن اتخذناه مهجورا وهذا ما اشتكانا الرسول r فيه (إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا). فحمد r هو اليتيم الذي آواه الله تعالى وهو الأمي الذي علّمه الله تعالى فالأميّة عارٌ على أي رجل بعد محمد أما في محمد r فكانت لزاماً حتى يتلقى الكتاب من ربه وقلنا في الحلقة السابقة عن مثال الورقات الثلاثة واحدة بيضاء وواحدة مكتوب عليها بالرصاص وأخرى مكتوب عليها بالحبر وقلنا أن أسهل واحدة لندوّن عليها هي البيضاء أما التي كُتب عليها بالرصاص فهي مثل رجل تعلّم على يد معلّم ضعيف فسهل أن نمسح ما تعلمه الرجل منه تماماً كما نقولها في حياتنا اليومية (امسح كل ما تعرفه عن هذا الموضوع ولنبدأ من جديد) وللأميّة ضرورة في حالة الرسول r.
تلا الشيخ عبد الله السعدي آيات سورة الضحى. عقّب المقدم بسؤال عن دلالة استعمال القهر مع اليتيم والنهر مع السائل في سورة الضحى.
هذه السورة أرجو أن تستقر في أذهان كل مسلم عن الرسول r فهي تحكي لنا عن فترة معاناة عند الرسول r وهي فترة انقطاع الوحي عنه الذي دام بين عشرة وخمسة عشر يوماً ويُقال أن السبب أنه r سٌئل عن مسألة فقال للسائل سأخبرك به غداً ولم يقل إن شاء الله ثم نزلت الآية من سورة الكهف (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (24)). وخلال انقطاع الوحي كان كفار قريش يؤذون الرسول r ويقولون إن رب محمد قلاه أو شيطانه هجره وغيره فتألم الرسول r من انقطاع الوحي كثيراً.
ونلتفت إلى القسم في سورة الضحى وقلنا أن لله تعالى أن يُقسم بما شاء أنّى شاء كيف شاء لأنه هو سبحانه خالق كل شيء أما نخن فليس لنا أن نقسم إلا بالله كما في نص الحديث عن رسول الله r: " من كان حالفاً فليحلف بالله أو فليصمت) ونحن نجد في القرآن الكريم جمالاً وروعة في القسم فالله تعالى يقسم بأمور معينة على أمور معينة كما في سورة النجم، والطور وسورة الضحى وغيرها الكثير. لكننا نحتاج لأن نتدبر لماذا هذا القسم ولو قرأنا القرآن الكريم بعناية الباحث نجد مثلاً أنه في سورة النجم آياتها تزكيات للرسول r من بداية السورة إلى قوله تعالى (لقد رأى من آيات ربه الكبرى) في العروج إلى السماء ونجد أن الله تبارك وتعالى صرّح بحادثة الإسراء في سورة الإسراء (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً) ولم يصرح بالعروج عندما تحدث عن رحلة السماء ولم يقل عرج بنبيّه كما قال في الإسراء وهذا لأن العروج حدث في السماء أما الإسراء فحدث على الأرض ولمّا كلمهم الرسول r عن بيت المقدس قالوا له صفه لنا فمن كان سيقول له صف لنا السماء؟ فما حدث التزاماً حكاه القرآن التزاماً وهذه قمة الإيمان بالغيب وهذا ما فعله الصدّيق أبو بكر وهذا ما خاطب به الله تعالى فس أوائل سورة البقرة (الذين يؤمنون بالغيب). وكما قلنا حادثة الإسراء حدثت على الأرض أما العروج فحدثت في السماء والقسم في سورة النجم (والنجم) والنجم مكانه في السماء فإن آمنت بالنجم غيباً عن الله فآمن بالعروج غيباً عن الله (لقد رأى من آيات ربه الكبرى) وتكلم عن سدرة المنتهى (إذ يغشى السدرة ما يغشى). التزام على التزام فالعروج كله مكانه السماء فليس عبثاً أن يُقسم الله تبارك وتعالى بالنجم (والنجم).
وفي سورة التين (والتين والزيتون وطور شنين وهذا البلد الأمين* لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم) لم يقل تعالى خلقنا المؤمنين وإنما قال الإنسان ونسأل لماذا أقسم تعالى بالتين والزيتون والطور والبلد الأمين؟ وأي إنسان مقصود في الآية؟ ونحن عدما نسمع هذه الآية عادة ما يذهب تفكسرنا إلى آدم أول إنسان والتين إشارة إلى آدم لأنها الشجرة التي خصف من أوراقها ليواري هو وحواء سوءاتهما بعدما أكلا من الشجرة. والزيتون إشارة إلى نوح u لأنه أول ما رأى بعد الطوفان شجرة الزيتون، وطور سنين إشارة إلى موسى وعيسى عليهما السلام فالطور هو الجبل الذي كلّم الله تعالى عليه موسى r وفيه إشارة إلى تلك الحقبة بين موسى وعيسى عليهما السلام. وهذا البلد الأمين إشارة إلى ابراهيم ومحمد r وعليه فإن القسم بهذه الأمور فيه إشارة إلى الخمسة من أولي العزم من النبيين مع آدم uوهم ممثلين لكل الأنبياء من آدم u إلى أن تقوم الساعة. وكأن الله تعالى يقسم بهؤلاء الأنبياء جميعاً على أنه خلق الإنسان في أحسن تقويم. فالقسم ليس عبثاً في القرآن وإنما لكل قسم حكمة من الله تعالى.
وقد أنقذنا الله تعالى بكتابه من بعض المعارضين الذين يقولون ما داعي لنفي القسم كما جاء في قوله تعالى (فلا أقسم بمواقع النجوم)؟ نقول لهم أن الجواب جاء في القرآن نفسه في الآية التي تلت هذه الآية بقوله تعالى (وإنه لقسم لوتعلمون عظيم) فالقسم المنفي هو قسم لكن نسأل ما فائدته؟ نحن نقسم بمثل هذا القسم كل يوم فنقول مثلاً "والله ولا لك علي يمين" ولو تتبعنا القسم المنفي في القرآن نجد أ الله تعالى يستعمله في القسم على أشياء ما كانت تحتاج إلى قسم أصلاً كما جاء في الآية التي هي موضع السؤال فالله تعالى يُقسم على (إنه لقرآن كريم في لوح محفوظ) وكأن هذا الأمر يجب أن يكون واضحاً بيّناً ولا يحتاج إل قسم أما القسم المُثبت فيستعمل في الأمور التي تحتاج إلى قسم.
وفي سورة الضحى (والضحى* والليل إذا سجى* ما ودعك ربك وما قلى) عندما ننظر إلى القسم فيها نجد أن الضحى ساعة من ساعات النهار والليل ساعات كثيرة فإن القسم بساعة من ساعات النهار مع الليل كله (يبدأ من المغرب إلى أول ساعات النهار ) فالليل عدة ساعات والنهار ساعة واحدة والمُقسم عليه (ما ودعك ربك وما قلى * وللآخرة خير لك من الأولى) وهذا ليطمئن وجدان وقلب الرسول r، فإذا نظرنا إلى الضحى والليل نجد أن الضحى ساعة مقابل ساعات الليل العديدة وكأن محمد r نجم وسط مجموعة الأنبياء والمرسلين وهو وحده مجموعة. وما المقصود بالليل إذا سجى؟ هل الليل هو الذي يسجي أو الناس التي تسجي؟ فكأن الناس تسكن لا الليل. ومن الإبداع اللغوي قبل أن نقرأ الآية (ما ودعك ربك وما قلى) أن نأخذ وقع هذا القسم على الرسول r وكونه r نبي واحد لنا هو شرف لنا لأنه سبق أن قلنا أن كثرة الأنبياء في أمة لا تدل على شرف هذه الأمة. فكل هذا المدح ولمديح للرسول r يصف أنه نبي هذه الأمة.
نعود إلى كونه r يتيماً وقوله تعالى (فآوى) وبعد هذا لا نستطيع أن نقول أن محمداً r كان يتيماً ولننظر إلى محمد r كلما جاء رجل يتولاه بالرعاية يموت: مات أبوه وهو لم يولد بعد ثم جده عبد المطلب حتى لا يُقال أنه r أخذ من رجال قومه الذكاء والفصاحة وإنما ليصدق قوله (أدبني ربي فأحسن تأديبي). حتى الأم التي تؤثر في التربية في سن الطفولة لمّا عاد من عند حليمة ماتت. وعليه نقول أن اليتم ليس له وقع عند الرسول r لأن اليتيم يحتاج للأمة لتعطف عليه أما محمد r فالذي آواه وربّاه هو الله تبارك وتعالى.
(ووجدك ضالاً فهدى) هذه الآية تحتاج إلى وقفة أيضاً لأن الكثيرين يتساءلون عن معنى الضلالة هنا. ونقول في قصة ابراهيم u عندما خرج يبحث عن الإله الحق قبل أن يعرّفه الله تعالى نفسه (uوَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) الأنعام) لجأ إلى التفكر في السماء فرأى النجم فقال (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77)) فلما أفل النجم قال ابراهيم بفطرته السليمة إن الذي تغيّر بحاجة إلى مُغيّر فالذي يُغيّر أولى بالعبادة ثم رأى القمر فقال مثلما قال في النجم (nفَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي) ثم قال (قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77)) ثم رأى الشمس فقال (فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78)) ثم قال: (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79)) الضالين هنا ليست بمعنى الضلال أي الشرك ولكن بمعنى الضالّ في البحث عن الله. ونذكّر بأن الرسول r عندما جاءه الوحي أول مرة كان في غار حراء يبحث عن الله تعالى ويتحنّث وهنا يجب التنبيه على أن لا نقول كان يتعبّد لأن هذه الكلمة لا تصح وقد يُفهم منها أننا نتهمه r بأنه كان عنده دين يتعبّد به وهذا لا يصح، إنما الرسول r كلن يبحث بفطرته السليمة عن الإله الحق وكان يتفكّر ويتحنّث ويتدبر في أمر هذه الأصنام التي لا تضر ولا تنفع ولهذا قال تعالى ووجدك ضالاً فهدى بمعنى ضالاً تبحث عن الله الإله الحقّ وليس ضلال شرك. ولهذا جاء القسم في سورة التين (وهذا البلد الأمين) إشارة إلى ابراهيم بإسلامه ومحمد r الذي خرج للتدبر والبحث (في غار حراء) كما خرج إبراهيم u.
ووجدك عائلاً فأغنى: هذه جزئية خطيرة لأن معظم الناس يقولون أن محمداً r كان فقيراً وهل يُقال لمن أغناه اللع فقيراً؟ وكأننا بهذا القول نفعل ما فعل المشركون والكفار عندما أرادوا نبياً غنياً. وهنا لا بد من العودة إلى معنى كلمة غني ونعرّفها من القاموس ولنسمع قول الله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15) فاطر) فالغني هو الله تعالى. والناس عادة ما يطلقون كلمة غني على من عنده نقود (ولا نقول من عنده مال لأن المال هو كل ما يملك الإنسان كما في الحديث الشريف :" أنت ومالك لأبيك") لكن الأصل أن تُطلق كلمة ثري على من عنده نقود والغني هو واحد هو الله تعالى والكل فقير إليه. ومن رحمة الله تعالى وبركاته أن كلمة فقير ليست مطلقة في القرآن وقد جاء في قوله تعالى (أنتم الفقراء إلى الله) أي نحن فقراء إلى الله لا لأحد من الخلق، وموسى u قال (فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24) القصص) هو فقير للخير الذي جاءه من الله تعالى. وكل إنسان فقير في وقت ما ونضرب مثلاً على هذا ما تفضل به الشيخ الشعراوي رحمه الله عن صاحب أحد القصور الفارهة أراد أن يدخله فوجد خللاً في المجاري ولم يستطع الدخول إلا بعد أن استدعى السّباك ليصلح العطل فهذا الثري صاحب القصر في تلك اللحظة كان فقيراً غلى ذلك العامل الذي أصلح العطل. وصدق الله تعالى في قوله (أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد) وعلينا التنبّه إلى أن إطلاق كلمة الغني لا تكون إلا لله تعالى.
ومحمد r أعجب خديجة رضي الله عنها لأنه كان تاجراً ماهراً وكان يكسب في مالها أضعاف ما يكسبه غيره لكنه r تزهّد فأنفق ماله في الخير بدليل ما قالته له خديجة بعدما نزل عليه الوحي وكان خائفاً ( إنك لتصل الرحم وتقري الضيف وتكسب المعدوم...) وهذا كله يحتاج إلى انفاق مال ولهذا لم يظهر عليه الثراء. وفي رواية أنه r ذهب إلى أبي الدراداء فوجده جالساً على الأرض وكان قد أنفق على عشرين فقيراً قبل فسأله r أين متاعك يا أبا الدراداء فقال إن لي داراً أرسل إليها متاعاً أول بأول. فكيف نقول على من أغناه الله تعالى أنه فقير؟
ثم أن هذه الأمور الثلاثة في الرسول r (اليتم والأمية والهداية) (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (8)) ترتبت عليها أوامر من الله تعالى لمحمد r وأمته من بعده: (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (10) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11)) وهذه أوامر للأمة كلها بعدم قهر اليتيم ونهر السائل والتحدّث بنعمة الله تعالى .
أما موضوع الأمية فقد كانت لزاماً للرسول r وهذه عدالة السماء (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (48) العنكبوت) لم يدعه ربه هكذا حتى لا يشك فيه أحد هو لم يكن شاعراً وقاول عنه شاعر . قال تعالى (هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم) وهذه الآية عن أمة محمد r ويصدّق قوله تعالى قول الرسول r في الحديث:" إنما بُعثت في أمة أمية" وأنا أرى أن الأمية في الأمة يجب أن نبقى أميين في كتاب الله وأمام القرآن ولا نتصرف على أنه من الممكن أن نقول أنه يمكن استبدال هذه الكلمة مكان تلك لأن الكلمة في القرآن عاشقة لمكانها ومكانها عاشق لها عشقاً أبدياً. فإذا أخذنا كلمة الروح مثلاً كما ذكرنا في حلقات سابقة نجد أن لها ستة معاني في القرآن كل واحد يختلف عن الآخر. إذن أمية الأمة يجب أن تبقى أمام النص القرآني لذا صدق الله تعالى في قوله (هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم).
وسألنا سابقاً من هو الأمي؟ وقلنا ان من يقول هو الذي لايقرأ ولا يكتب خاطئ. لأن الأمي هو الذي لا يكتب بدليل أن أول كلمة نزلت من السماء (إقرأ) ولا يجب أن نأخذ القرآن مهجورا، وإنما علينا أن نفتح آذان القلوب ونبتعد عن التزمت بأقوال السابقين فما الفرق بين من دخل المكتبة من 500 عام وبين من دخلها اليوم؟ لا فرق لأن أمهات الكتب واحدة وللأسف نحن عشنا عالة على أهل السلف وسنُسأل يوم القيامة عما فعلناه فيما تركه الرسول r وآن الأوان لأن نصحح ونعمل لأنه لا يوجد جديد في التفسير منذ 500 عام!.
ما معنى "إقرأ، ما أنا بقارئ"؟ ما أنا بقارئ لشيء من عندي وإنما أنتظر الرسالة. ونحن نعاني من هذا الأمر فتجد الخطباء على المنابر يقولون إقرأ ما أنا بقارئ فيصفق الناس ويكبرون ويهللون. والحديث الصحيح جاء فيه رد الرسول r على جبريل (ماذا أقرأ؟) وأطرح سؤالاً هنا على المحققين هو لماذا لم يذكر الله تعالى لنا الحوار الذي دار بين محمد r وبين جبريل في حين ذكر في القرآن كل الحوارات بين الأنبياء والملائكة (الحوار بين ابراهيم والملائكة وبين لوط والملائكة وغيرهم) لأنه ساعة قال له إقرأ وقال محمد r ماذا أقرأ وعرض له القرآن قرأ. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد. ويا ليتنا في احتفالنا بالرسول r نعرف من هو فعلاً هذا الرجل الذي سيأتي يوم القيامة يقول أنا سيد ولد آدم ولا فخر وأنا الشافع فلا فخر وأنا المشفّع فلا فخر. وأعود وأكرر ما ذكرته في اللقاء السابق من ضرورة التحقق من أسماء الرسول r وأنه علينا أن نأخذها منه r فقال: أنا محمد وأنا أحمد وأنا الحاشر وأنا العاقب فلا معقب بعدي. وله r صفات عديدة منها المصطفى، القرشي، وغيرها وأما أبا القاسم فهي كنيته وقد قال r (تسموا باسمائي ولا تكنّوا بكنيتي). أما طه ويس فليسا من أسمائه r وإنما هي من الحروف المقطعة التي وردت في أوائل بعض سور القرآن الكريم. وذكرنا في الحلقة السابقة أن أسماءه r واضحة قبل ولادته بدليل بشارة عيسى u به وقلنا أن استخدام كلمة أحمد في بشارة عيسى لأن إسم محمد اسم مفعول لا يطلق إلا على موجود وإنما جاءت بشارة عيسى بإسم أحمد لأنه يتناسب مع زمن المتكلم ومعناه مبشراً برسول يأتي من بعد أحمد مني لرب الناس فإذا ولد الأحمد فهو محمد وإذا أداه على الوجه الصحيح فهو محمود المنقلب يوم القيامة. وكثرة الأسماء تدل على شرف المُسمّى r.
ننتقل إلى موضوع الشفاعة والحوض والكوثر وماذا نقعل نحن أمة الإسلام لنستحق شفاعة الرسول r؟
قبل الإجابة تلا الشيخ عمرو عطية آيات بينات من كتاب الله الكريم (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67) المائدة) و (قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (9) الأحقاف) و (قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (20) قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (21) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (22) إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (23) الجن) و (يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (85) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (86) لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (87) مريم) و (يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (109) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (110) وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (111) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (112) طه)
من الموضوعات الني يجب أن نتلقاها بوعي المسلم المؤمن هو موضوع الشفاعة الذي صار فيه خلافات كثيرة منذ عهد الرسول r إلى يومنا هذا لأن الشفاعة ما فُهمت على مضمون معناها في القرآن أبداً ولو فُهمت ما حدثت الخلافات لكن هذه الخلافات حدثت من زمن الإمام علي والحسن البصري والمعتزلة وهذه الخلافات لها رصيد في واقع فساد العقيدة. وأنا شخصياً أشهد حين تكلم الدكتور مصطفى محمود على الشفاعة ورفع أحاديث الشفاعة الصحيحة وأشهد أمام الله تعالى على ما قام به فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي لأنه إبان هذ الواقعة كان من الذكاء والإيمان بمكان حسم الخلاف ورفض ما جاء به الدكتور لكنه كان معه في طريقة عرضه وقال أنه لم يفعل ذلك إلا لأنه رأى الناس تمادوا في المعاصي متكلين على الشفاعة. والقضية هنا ما هي الشفاعة؟
الرجل يزني وإذا أردت أن تكلمه عن الزنى قال الشفاعة وكذلك السارق وكل الأمور التي فيها حد من حدود الله تعالى فإذا كانت القضية غير مفهومة سيقع علينا عبء كبير فلا نيسّر الأمور للناس فيكونوا