حلقة خاصة بمناسبة ذكرى مولد الرسول r (4) الشفاعة
ضيوف الحلقة: الدكتور محمد هداية، الشيخ عبد الله السعدي والطفل عبد الرحمن الشريف، طفل شيشاني في الثامنة من عمره يحفظ 25 جزءاً من القرآن الكريم.
افتتح الشيخ عبد الله السعدي الحلقة بتلاوة مباركة من سورة الأعراف (وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (53) إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54) ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55)) وسورة طه (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (105) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (106) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (107) يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا (108) يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (109) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (110) وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (111) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (112)) وسورة النجم (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (31) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (32))
ثم أعلن المقدم عن العمل على ترجمة حلقات البرنامج المكتوبة إلى اللغات الأجنبية المتعددة بما فيها اللغة العبرية ونحن الآن بصدد الترجمة إلى الإنجليزية والفرنسية وستكون الحلقات جاهزة قريباً جداً إن شاء الله كما شكر المقدّم الإخوة والأخوات الذين تطوعوا لهذا العمل بارك الله بجهود الجميع. كما أشار إلى أن حلقات البرنامج أصبحت كاملة على موقع قناة دريم كما هي مكتوبة على هذا الموقع .
وطرح المقدّم على الدكتور هداية أن الحلقات السابقة حول الشفاعة والموت وأمية الرسول r وكونه يتيماً وفقيراً أثارت التساؤلات عند الكثير من الناس وطلب من الدكتور التعليق على هذا الموضوع.
أجاب الدكتور هداية : نتوقف عند مقولة أن بعض الناس يقول، ونسأل من الذي يقول؟ هل العلماء اعترضوا على ما قلناه؟ الناس لديها للأسف بعض المعلومات الخاطئة التي تعوّدت عليها ونحن هنا نعرض لصحيح اللغة والقرآن فقد يكون الذين يعترضون جاهلون بهذه الأمور وهؤلاء ليسوا علماء ولكني أؤكد أن رابطة العالم الإسلامي تُزكّي ما قلناه وتحمد الله تعالى أننا قلناه في هذا الوقت الذي يخبط فيه العالم الإسلامي بأنصاف المتعلمين ولست أنا الذي أقول هذا الكلام عن أمية الرسول r وإنما هو موجود في لسان العرب والمعاجم اللغوية ففيها تعريف الأمّي وتوصيف الله تعالى يعلّمنا أن الأمّية صفة لم تُزل عن رسول الله r فما زال الرسول r أمياً وما زالت الأمة التي تلقّت عنه r أمية مصداقاً لقوله تعالى (وهو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم) فعندما وصّف الله تعالى الأمية وصّفها في القرآن على مُراد الله تعالى فيها. ولقد تعلّمنا أنه ليس كل ما يُعلم يُقال والذي يقول يجب عليه أن يكون قادراً على الرد والتصدي للكلام. فتوصيف الأمي كما جاء في كتب اللغة الصحاح وفي لسان العرب هو الذي لا يكتب وليس الذي لا يقرأ ولا يكتب.والقراءة ليست شرطاً أن تكون عن كتاب فإذا فرضنا أن الأمي تعني الذي لا يكتب ولا يقرأ وجئنا بشخص أمي كفيف فقرأ القرآن على شيخ أفلا يكون قارئاً بالطبع يصبح قارئاً فالقرآءة لا تنتفي عن الأمّي. والمكفوفون هم أقرأ الناس للقرآن ونحن نأخذ كلام الله وليس كلام الناس. ويجب على الناس أن ينتبهوا ولا يكونوا كاليهود الذين قالوا (هذا ما وجدنا عليه آباءنا) وعلى المسلمين أن يكونوا غيرذلك ونحمد الله تعالى أن الفضائيات العربية سنحت لعلمائنا الأفاضل بالظهور عبر شاشاتهم ليصححوا المفاهيم الخاطئة عند بعض الناس والتي لا تمت إلى واقع الدين بِصِلة.
وكذلك لمُا تحدثنا عن اليتم فهل يُعقل أن نقول لمن آواه الله تعالى أنه يتيم؟! صحيح أن الرسول r وُلد يتيم الأب فهو يتيم الأب بالتوصيف، لكن الله تعالى قال (ألم يجدك يتيماً فآوى) بمجرد أن وجده يتيماً آواه فهل يقال بعدها أن النبي r يتيم؟ هذا الوصف إنما هو لفترة محدودة لأن الله تعالى آواه بمجرد أن وجده يتيماً. وكذلك قوله تعالى _ووجدك ضالاً فهدى ووجدك عائلاً فأغنى) فهل أقول على من أغناه الله تعالى فقيراً؟ هذه تحتاج إلى وقفة فلا يصح أن نقول عن الرسول r أنه فقير لأن الله تعالى أغناه وللعلم الرسول r كان من أغنياء قريش لكنه تصدّق بماله كما قالت السيدة خديجة له عندما نزل عليه الوحي "إنك تقري الضيف.." وهذا يحتاج إلى مال فكيف يكون فقيراً؟ ويجب أن نتوقف عند كلمة فقير فما هو الفقر؟ كلنا فقراء إلى الله تعالى إن كان هذا هو المقصود من الفقر ولهذا يجب أن نصحح الكلام
مناجاة (الشيخ عبد الله السعدي):
سبحانك يا ربنا كل شيء خاشع لك، كل شيء خاضع لك، أنت غنى كل فقير وعِزّ كل غني وقوة كل ضعيف وملجأ كل ملهوف. من تكلم منّا سمعت كلامه، ومن سكت علمت سريرته، أنت الذي سجد لك سواد الليل وانور النهار وضوء القمر وشعاع تاشمس وخرير الماء وحفيف الشجر ، يا جابر كل كسير ويا مؤنس كل وحيد ويا صاحب كل غريب ويا قريباً غير بعيد يا غالباً غير مغلوب ويا عالم كل نجوى ويا منتهى كل شكوى. أطعناك فشكرتنا وعصيناك فأمهلتنا وإن رجعنا إليك قبلتنا. اللهم فاقبل توبتنا وامح حوبتنا واغفر زلّتنا واستر عيوبنا واجمع على الهدى شؤوننا. سيدي أنا الصغير الذي ربيّته وأنا الجاهل الذي علّمته وأما الضّال الذي هديته وأنا الوضيع الذي رفعته وأنا الخائف الذي أمّنته وأنا الجائع الذي أشبعته وأنا العطشان الذي أرويته ، أنا العاري الذي كسوته وأنا الفقير الذي أغنيته وأنا الضعيف الذي قوّيته، أنا الذليل الذي أعززته وأنا السقيم الذي عافيته وأنا المريض الذي شفتيه، أنا السائل الذي أعطيته أنا المذنب الذي سترته وأنا القليل الذي كثّرته وأنا المستضعف الذي نصرته أنا الطريد الذي آويته أنا يا ربي الذي لم أستحيك في الخلا ولم أراقبك في الملا أنا صاحب الدواهي العظمى، أنا الذي على سيده اجترى أنا الذي عصيتُ جبّار السما أنا الذي امهلتني فما ارعويت وسترت عليّ فما استحييت اللهم جمّلنا بسترك واعف عن توبيخنا بكرمك يا خير الساترين وأكرم الأكرمين وأحكم الحاكمين ستّار العيوب، غفّار الذنوب، تستر الذنب بكرمك وتُؤخّر العقوبة بحلمك فما ندري ما نشكر أجميل ما تمحو أم قبيح ما تستر أم كثير ما نجّيت وعافيت، يا حبيب من تحبب إليك ويا قرة عين من لاذ به وانقطع إليه وفّقنا لما فيه هداك واجعل أعمالنا في رضاك، وفّق عبادك لما فيه تُقاك يا كبيراً فوق كل كبير صلِّ على البشير النذير وعلى آله وأصحابه أجمعين.
ثم تلا الطفل الشيشاني عبد الرحمن الشريف آيات مباركات من أوائل سورة الرحمن. (الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (5) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (6) وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (9) وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (10) فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (11) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (12) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (13) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (14) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (15) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (16) رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (17) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (18) مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (20) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (21))
الشفاعة والحوض والكوثر:
الشفاعة هي من الأمور التي فيها خلاف وأنكرها بعض المسلمين وهذا الموضوع يجب أن يُفهم على مراد الله تعالى فيه حتى نبرأ بديننا وبنرأ بأعمالنا في الدنيا. وحتى نفهم موضوع الشفاعة كما فهمه أهل السُّنة والجماعة وأهل السلف نضرب مثالاً ولله المثل الأعلى: إذا بدأ العام الدراسي في أي جتمعة أو كلية أو مدرسة وذهب أحد الطلاب في أول أيام العام الدراسي المفروض إنه ذهب ليسأل عن المناهج والجدول وعن الأساتذة والموضوعات التي سيدرسها والكتب ، فما بالك إن ذهب هذا الطالب في أول يوم يسأل عن علامات الرفع في الإمتحانات التي ستكون في آخر العام؟ ماذا نصف هذا الطالب؟ هو بكل بساطة غير كفؤ بهذه الدراسة. وهكذا هم بعض المسلمين يركنون إلى الشفاعة ولا يعمل لها وإنما سرق ويزني ويقتل ثم يتّكل على الشفاعة، فالشفاعة عندهم مثل علامات الرفع في الدرجات في المثل الذي ضربناه. ولهذا أقول أنه علينا أن نفهم الكلام على مُراد الله تعالى ويجب أن نُصحح المفاهيم قبل أن نعرض لموضوع الشفاعة.
تعريف الشفاعة: في اللغة هي الطلب أو التوسّط لإزالة أو تخفيف العقوية أو رفعها. وفي الحقيقة أن الشفاعة هي من الشفع (نقيض الوتر) وقلنا في حلقة سابقة أن الإنسان إذا ذهب للدائن وحده يكون وتراً فيأخذ معه من يشفع له أي يكون سفعاً له. ولو أردنا أن نأخذ معنا من يشفع لنا يجب أن يكون هذا الشافع له قدر عند المشفوع عنده. ومحمد r هو صاحب الشفاعة العظمى ويجب علينا أن نأخذ الكلام عن الشفاعة من فمه r ونصحح المفاهيم التي لدى بعض الناس.
أركان الشفاعة: الشفعة لها أركان: فهي تقتضي شافعاً مشفوعاً له ومشفوعاً فيه ومشفوعاً عنده وهو الله تعالى رب العالمين الذي له أن يقبل أو يردّ الشفاعة دون معقّب على حكمه وهو الذي يأذن للشفاعة وهو الذي أوجب أموراً تُعلي قدر المشفوع له والمشفوع فيه وهذه الأمور يجب أن نفهمها جيداً ونضع أيدينا عليها بيقين.
فلو تكلمنا في المشفوع له: يجب أن يكون عاملاً قبل أن يبحث عن الشفاعة. لن يشفع الرسول r لمن أحدث بعده بدليل نصّ الحديث الشريف الذي رواه أبو هريرة وابن عباس وأحمد وأنس في روايات متعددة "حين تقوم الساعة أول من يكتسي الحُلل ابراهيم ثم يُؤتى برجال من أمّة محمد r يؤخذوا ذات الشمال (أي النار) فيقول r أمتي يا رب وفي رواية أصحابي يا رب فيُقال له إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك" إذن تُرفض الشفاعة بإحداث الأمة بعده r ومن هنا يجب أن نتوقف عند المشفوع له فلن يُشفع للكل حتى لو شفع الرسول r لأنها لن تُقبل لأن بعض الناس أحدثوا بعد الرسول r.
وحتى غير المسلمين يطلبون الشفاعة والشفاعة في يوم القيامة وهي الشفاعة العظمى هي الشفاعة بأن أن يبدأ الحساب وهذه ستكون للرسول r بإذن الله تعالى, وقبل أن نتكلم في الشفاعة نتكلم في المشفوع فيه وهذه قضية كبرى. ونسأل فيم يشفع الرسول r؟ إذا كان المفهوم أن الرسول r يشفع بالزنا والسرقة والحدود فهذا فهم خاطئ لأننا نأخذ منه r من نصّ حديثه في حديث المرأة المخزومية التي سرقت فدفعت قريش بأسامة بن زيد لأنهم يعلمون مكانته عند الرسول r ليشفع لها عنده فقال له الرسول r: "أتشفع في حدود الله يا أسامة؟" هذه الكلمة وحدها لا تدري الأمّة ما فعلت بأسامة فلم يردّ بعدها لأنه فهم تنبيه الرسول r له. فالمشفوع فيه إذن قضية كبيرة خطيرة جداً ولا يمكن للرسول r أن يشفع في الحدود. والذي يجب علينا فهمه في موضوع الشفاعة أن العمل يأتي قبل الشفاعة. الرسول r هو صاحب الشفاعة العظمى والخاصة وهو الذي يقول لأمته :"اقرأوا القرآن فإنه سيأتي شافعاً لكم" ولم يقل لنا : سآتي أنا شافعاً لكم. وعليه نقول : افعل ما يوجب لك الشفاعة كما قال الرسول r "الصلوت الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفّرا لما بينها ما اجتنبت الكبائر" والرسول r يعلم أن الإنسان يصيب ويُخطئ فقال: " مل ابن آدم خطّاء وخير الخطّائين التوابون" وقوله تعالى في سورة النجم آية 32 (الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم) فقد قال تعالى بعدها (إن ربك واسع المفغرة) وعليه يجب أن نفكر بالتوبة قبل أن نتّكل على الشفاعة فلا نموت على معصية ثم نقول سيشفع لنا الرسول r . فيجب أن نفهم الشفاعة على مُراد الله تعالى فيها. والرسول r يعلّمنا في حديث صحيح لمن الشفاعة؟ في الحديث الصحيح عن أحمد والبخاري : يُسأل r من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ فيقول: أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه" وفي رواية " من شهد أن لا إله إلا الله خالصاً من قلبه" وسواء من قال أو من شهد سيكونون أسعد الناس بشفاعته r يوم القيامة, وهنا نقع في مفهوم خاطئ عند الناس وهو أنهم يركنون إلى الحديث " من قال لا إله إلا الله دخل الجنة" وفي رواية مسلم :" من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة" ومعنى كلمة يعلم هنا من عَلِم وعمِل وهذه قضية مهمة لا نركن ونتّكل على الشفاعة ونقول نحسن الظنّ بالله لأنه r قال عندما قالوا نُحسن الظنّ بالله قال: كذبوا لو أحسنوا الظنّ به لأحسنوا العمل. وقد عرضنا في حلقة سابقة موقف الدكتور القرضاوي عندما دافع عن الدكتور مصطفى محمود الذي رفع الأحاديث الضعيفة عن الشفاعة وقال الشيخ مدافعاً أن الناس اتّكلوا على الشفاعة وركنوا إليها وتركوا العمل. نحن لا ننكر الشفاعة ولكن نقول إنه حق وصِدق ولكن نسأل لمن الشفاعة؟ وفيم؟ وكيف؟ وعلينا أن نعلم أن الشفاعة ليست مطلقة لكل الناس والإنسان عندما يُخطئ عليه أن يتوب إلى الله أولاً قبل أن يركن إلى الشفاعة لأن توبته هذه سيبدّل الله تعالى بها سيئاته حسنات هذا في الذنوب الكبيرة التي عرضها المولى عزّ وجلّ في سورة الفرقان في قوله تعالى (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68)) ثم قال بعدها (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70)) فهؤلاء ارتكبوا المعاصي وتابوا إلى الله تعالى يستحقون الشفاعة لأنهم ذاقوا لذّة المعصية ونسأل هل للمعصية لذة فنقول نعلم لا يعلمها إلا العاصي ولكنه مع هذا يترك اللذة المؤقتة لخوفه من الله تعالى. ونعود للقول هل الذي قال لا إله إلا الله أو شهد بها قالها ونام؟ أم قالها وعمل بها؟ فالمهم هنا هو العمل قبل الركون إلى الشفاعة. فإذا علمنا وشهدنا وقلنا لا إله إلا الله وفهمنا معناها فهل نعصي الله تعالى تحت سمائه ونحن نعلم أنه هو السميع البصير الرقيب المهيمن فإن استطعنا أن نُخفي معاصينا عن الناس جميعاً فهل يمكننا إخفاءها عن الله تعالى رب العالمين؟.
الكوثر:
جاء في الحديث الشريف عن الرسول r أنه كان مع أصحابه فأصابته إغفاءة فنام فلمّا أفاق أفاق مبتسماً فسأله الصحابة فيما تبتسم فقال r نزلت علي سورة (إنا أعطيناك الكوثر) فقال r أتدرون ما الكوثر؟ قالوا الله ورسوله أعلم، قال الكوثر نهر في الجنة وعدنيه ربي. والمشكلة في هذا النهر أن المسلمين كلهم يذهبون إليه فيؤخذ رجل إلى ذات الشمال (أي النار) فيقول النبي r إنه من أصحابي فيّقال إنك لا تدري ما أحدث بعدك" وفي حديث غيره سُئل الرسول r كيف تعرف أمّتك؟ قال r إنكم تُحشرون غُرّاً محجّلين (غُرّ: بياض الوجه) و (محجّلين: بياض القدمين واليدين) بسبب ماء الوضوء.
وإذا نظرنا إلى سورة الكوثر وهي سورة صغيرة في المبنى لكنها عظيمة المعنى وترتيبها بين سورتي الماعون والكافرون ترتيب له حكمة من الله تعالى. فلننظر أولاً في سورة الماعون الذي جاء فيها (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (3) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (6) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (7)) فكأنما يريد الله تعالى أن يلفتنا إلى أنه الذي يدُعّ اليتيم فقط كأنّه كذّب بالدين كله. فالدين كُلٌ لا يتجزّأ فكأن الله تبارك وتعالى جاء بِدَعّ اليتيم مثالاً على التكذيب بالدين. وتوقيع القرآن في هذه الآيات يحتاج منا إلى إعادة قرآءة القرآن على مُراد الله تعالى فينا. ونرى في سورة الماعون أنها تصف قِمّة الشُّحّ في كل آية من آياتها وتنتقل بنا من قمة الشُّح إلى قمة العطاء الذي تجسّده سورة الكوثر. وكأن الذي يُكذّب بالدين يمثّل التطبيق الإيماني للذي يفهم الدين أو لا يفهمه فلا يقول الإنسان أنا أفهم الذين ثم يكون عمله مناقضاً لذلك ولا يدلّ عليه أبداً.
ثم نلاحظ في قوله تعالى (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5)) منهم من قال الحمد لله الذي قال (عن) ولم يقل (في) ونسوا أن الله تعالى في بداية الآية أثبت لهم الصلاة بوصفهم (للمصلين) لكنهم حال صلاتهم يكونون بين أمرين إما السهو في الصلاة وإما السهو عن الصلاة. وقد امتح الله تعالى في سورة المؤمنون (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2)) والخشوع في الصلاة تعني أن المصلّي إذا دخل في الصلاة رمى الدنيا خلف ظهره وخشع لربّه. وحرف الجرّ عن هنا بمعنى في وهذه صفة حروف الجرّ في القرآن بحيث تحلّ محل بعضها. ونأخذ مثالاً آخر على حروف الجر منها ما جاء في سورة الجمعة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (9)) حرف الجرّ (من) هنا بمعنى في وكذلك بمعنى أن على المسلم أن يستعد لهذا اليوم فيتحضّر لصلاة يوم الجمعة من يوم الجمعة كأن لا يُعطي موعداً لأحد في وقت صلاة الجمعة. وسواء كان حرف الجر عن أو في فإن الآية تثبت الصلاة (فويل للمصلين) وهذا موضوع في منتهى الخطورة لأنه جاء بعدها في الآية (الذين يراؤون) وهم الذين يصلّون لأجل الناس ولي لله تعالى وقوله تعالى (ويمنعون الماعون) أي الذين يمنعون كل العطاء والمساعدات.
قال الرسول r الصلاة نور والصدقة برهان والصبر ضياء والقرآن حُجّة عليك. ومعناها أن الصلاة نور للعبد والصدقة تدل على صِدق إسلامه.
وبعد قوله تعالى في سورة الكافرون (ويمنعون الماعون) يأتي قوله تعالى في سورة الكوثر (إنا أعطيناك الكوثر) وقد اختلف العلماء في تفسير الكوثر وقال علماء اللغة أن الكوثر والكيثر هو العطاء الكثير من الله تعالى والنهر الذي وعده الله تعالى به هو من الكوثر والتديّن كوثر والإسلام كوثر والإيمان كوثر والحكمة كوثر والقرآن كوثر وهذا يعني أن الله تعالى أعطى رسوله كل شيء، وبعد هذا العطاء الكثير طلب تعالى من رسوله r (فصلِّ لربّك وانحر) وكثير من المفسرين قالوا أن هذه الآية تعني أن النحر بعد الصلاة في العيد ونقول أن هذا معنىً من معاني الآية التي تدلّ على أنه تعالى يقول فصلّ لربّك وانحر لربّك لأن العرب كانوا قبل الإسلام ينحرون للأصنام من دون الله تعالى، ونحن أُمرنا أن نسمّي الله تعالى عند الذبح.
(إن شانئك هو الأبتر) الأبتر في اللغة هو الذي لا ولد له. وعندما مات أولاد الرسول r الذكور قال المشركون وعلى {اسهم الوليد أن محمداً أبتر فنزلت هذه الآية لتبيّن أن الوليد هو الأبتر وليس محمداً r بدليل أن خالد ابن الوليد أسلم ودافع عن محمد r وليس عن أبيه ونصر الإسلام وأعزه وكذلك عمر ابن الخطاب فآباؤهم هم الأبتر وليس الرسول r الذي رفع الله تعالى ذكره كما جاء في سورة الشرح (ورفعنا لك ذكرك) فالآية تؤكد أن الوليد الذي له ولد هو الأبتر بإسلام خالد ابنه ومحمد r الذي ليس له ولد هو الذي سيرفع الله تعالى إسمه بين العالمين وهو ليس بأبتر.
ثم نلاحظ توافق نهاية سورة الكوثر مع بداية سورة الكافرون (إن شانئك هو الأبتر قل يا أيها الكافرون) وإذا نظرنا إلى أوائل الخواتيم نجد عجباً من قوله تعالى قل يا أيها الكافرون، إذا جاء نصر الله والفتح، تبت يدا أبي لهب وتبّ، قل هو الله أحد، قل أعوذ برب الفلق، قل أعوذ برب الناس.وكأن الله تعالى يطمئنهم على عطاءاته. والسورتان الكافرون واتبّت أكّدت كفرهم وصِدق القرآن الكريم الذي جاء به الرسول r فلو أنهم أسلموا ولو نفاقاً لكانوا بيّنوا خطأ الرسول r والقرآن لكنهم لم يفعلوا ولم علنوا إسلامهم ولو من باب النفاق وهذا لأن الله تعالى حكم عليهم بالكفر .
ثم ننتقل إلى سورة الإخلاص (قل هو الله أحد) ونلاحظ أن التوحيد ما جاء بالقرآن إلا باسلب والإيجاب كما هي سُنّة الله تعالى في كونه فكل شيء فيه مبني على السلب والإيجاب. ونقول أنه عندما يريد أحدهم أن يدخل في الإسلام نطلب منه أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله محمد رسول الله، ولا نطلب منه أن يقول إن الله واحد وقد جاءت الآية (قل هو الله أحد) بعد نهاية سورة المسد (في جيدها حبل من مسد ، قل هو الله أحد) فإنه يُعلن أنه من قال تبت يدا أبي لهب وتبّ لا يوجد معه أحد ينقض هذا الحكم (قل هو الله أحد) فحكمه مقضي به أبداً.
إذن السور من الكوثر إلى الناس عطاءات من الله تعالى وكأنما الله تعالى يُثبت لنبييه أنه لم يُعطه الكوثر فقط أو الشفاعة وإنما أعطاه عطاءات كثيرة بِشُحّ ما قبلها في سورة الماعون تجد عطاءاته لا حصر لها سبحانه.
ونطرح سؤالاً هنا هل إذا عصيت الله تعالى أركن إلى الشفاعة أم إلى التوبة؟ بالطبع علي التعجيل بالتوبة لأنه كما أسلفنا أسعد الناس بشفاعة الرسول r يوم القيامة من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله خالصاً من قلبه. فيعمل بهذه الشهادة على مُراد الله تعالى فيها فهل من عمِل بها يسرق أو يزني أو يقتل؟ ونكرر أن الشفاعة حق والشفاعة العُظمى هي الشفاعة لبدء الحساب يوم القيامة وفي حديث شريف أن الناس يوم القيام يذهبون إلى آدم ونوح وابراهيم وموسى وعيسى فيسألونهم أن يشفعوا عند الله تعالى لبدء الحساب وكل منهم يطلب منهم الذهاب إلى غيره إلى أن يصلوا للرسول r فيقول أنا لها أنا لها.
والحوض والكوثر والقرآن كلها من عطاءات الله تعالى لرسوله r فيشفع r في بدء الحساب أولاً لأن الموقف يوم القيامة هو أكبر بكثير من مفهومنا وتصوراتنا. والإيمان ليس كلاماً باللسان كما جاء في قوله تعالى (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولمّا يدخل الإيمان في قلوبنا) ولم يقل سبحانه وتعالى (ولم يدخل الإيمان) وإنما جاء بـ (لمّا) لأن لم تدل على نفي الأمر مطلقاً أما لمّا فهي تدل على نفي مع توقّع حصول الأمر وحدوثه وهذا من رحمة الله تعالى.والذي يُدخل الإيمان في القلوب هو العمل وهناك فرق بين الإسلام والإيمان فالإسلام الذي ورد في السورة بمعنى إسلام العقيدة والرسالة والإيمان هو ما وقر في القلب وصدّقه العمل. فإن كان الإسلام قبول فإن الإيمان تطبيق (زكاة، صلاة، صوم، حج، صدقات، قرآءة قرآن) والصيام والقرآن يأتيان شافعين يوم القيامة لصاحبهما مصداقاً للرسول r الذي يقول :"اقرأوا القرآن فإنه يأتي شفيعاً لأصحابه" فالذي تُقبل فيه شفاعة