عنوان الحلقة: الدروس المستفادة من الهجرة
تقديم علاء بسيوني
ماذا يجب أن نهجر؟ وماذ يجب أن نهاجر إليه في العام الهجري الجديد؟
هل نصرنا الرسول r بالمظاهرات والمقاطعة؟ ماذا لو توسعت المقاطعة ومنعت الدول الأوروبية التي نقاطعها عنا الأدوية والأنسولين والأجهزة؟ فهل نصرنا الرسول r بإعتمادنا على الغرب كلّية؟
الموضوع فيه أكثر من رأي وأكثر من جانب لكن يجب أن نفرق بين أمور خلطناها في الفترة الأخيرة. غضبة الشعوب وخروجها ترفض الإساءة للرسول r هذا تعبير وأقل القليل في النصرة للرسول r . لكن الوضع يبقى كأنما بين مؤيد ومعارض للمقاطعة: البعض يرى أن المقاطعة لا تجدي لأنها ستقطع عنا بعض الأدوية وغيرهم يرى العكس. لو نحن الذين نعطي ونقاطع كان أفضل من أن نأخذ ونقاطع لكن يجب أن نفهم أن المسلم لما قاطع قاطع وهو محتاج وهذا أفضل رد من المسلمين الآن. توصيف الوضع شيء والذي يحصل شيء آخر فكأن الرسالة التي تبعثها هي: حتى لو كنت محتاجاً لهذه الأشياء فلن أشتريها وسأقاطعها. وهذه الومضات التي تمر في حياة الإنسان كالحاجة والمرض تكشف الناس على حالها في الظروف الصعبة. ليس معنى أني آخذ من الغرب وأشتري منه أن الإسلام والرسول r يُشتم وأنا أسكت فالمقاطعة وأنا نِدٌّ (أي عندي إكتفاء ذاتي) ليست مقاطعة أما المقاطعة وأنا محتاج فهي أهم. المقاطعة لا يوقع لفظها إلا أنني أحتاج ومع هذا أقاطع. المقاطعة وأنا محتاج هو عين الردّ عليهم لكن هذا لا يغنينا عن الوقفة الذاتية والسؤال: لم وصلنا لهذا؟ وهل هذا الرجل الذي رسم الصور المسيئة يعرف ويقصد السبّ أم أنه لا يعرف ونحن قصّرنا؟ في الحالتين الإساءة مرفوضة فليس معنى أني لا أعرف قيمة عيسى u مثلاً أن أشتمه. الغرب ينقسم لفئات متعددة: نصارى، يهود، ملحدين فهل يحق مثلاً للملحد الذي لا يعرف الأنبياء أن يشتمهم؟ كلا. يجب عرض الموضوع بشكل محدد ويجب عدم السخرية من أي من الديانات أو المعتقدات ويجب أن نوضح أن الإسلام كدين يختلف عن الإسلام كديانة. نحن المسلمون دين وديانة ندافع عن كل المعتقدات وجاء في القرآن قوله تعالى (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) البقاء على الإعتقاد الخاطئ هو أول طريق الدفاع عن الحقيقة. وليس على سبيل الصدفة أن سورة البقرة ترتيبها في النزةل 87 وهي أول سورة مدنية لكن الله تعالى لما يضعها السورة الثانية في الكتاب ويكون مطلعها (وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4)) بنفس معنى ختامها (آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285)) الذي دخل الإسلام عن طريق محمد r يجب أن يؤمن بجميع الأنبياء السابقين وجميع الكتب الذي نزلت فلا ينسحب كرهي لليهود مثلاً أن أكره موسى u فنحن لا نسب أي نبي لأن هذا سب في الدين. ويجب على المسلم أن يدافع عن كل الديانات. حرية الإعتقاد فيها ميزة أنها أول خطوات البحث عن الحقيقة. أي صاحب ديانة سابقة أفضل في الحوار معه من المُلحد. حرية الإعتقاد مبدأ في الإسلام ويجب أن نفهم قوله تعالى (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) وأول جنود الإيمان هو الكفر: عندما يكفر أحدهم بالإله فهو يستره لأن كفر معناه ستر ولا يستر إلا موجود واجب الوجود. وعلى المسلم عندما يدعو للإسلام أن يكون متكلاً على الله تعالى ويدعو بالحكمة والموعظة الحسنة وإذا كان هناك جدال فليكن جادلهم بالتي هي أحسن. وإن شاء الله أن يكون ما حدث فتنة تفرز خيراً وعلينا فتح أبواب الإعلام في الغرب للحوار وللخروج من هذه الأزمة باللغات الأجنبية ونتوجه لهم بالمنهج الغربي في التفكير لنحاورهم ونشرح لهم.
سؤال: مكث الرسول r في مكة 13 عاماً يتعرض للأذى ثم جاء الإذن من الله تعالى بالخروج إلى المدينة. فهل هذه العملية هي هجرة عادية أو هي فرار من الأذى؟ وما هي أهم الملامح في هذه الهجرة؟ وما الفرق بين الخروج والهجرة؟
الذي قال هذا اللفظ أي أن الرسول r خرج فراراًً من الأذى ترسبت في ذهنه المفاهيم المغلوطة. ونحن تعودنا الإعتماد على الغير في البحث والدرس ويقال فلان رأيه كذا لكن لا يحدد هو رأيه. هذه الغلطة لو صُححت في معتقداتنا ستحل مشاكل كثيرة. الرسول r بشر يختلف عن باقي البشر ويتميز عنهم. وعندما نسمع الآن من يقول في رده على الإساءات للرسول r (إلا رسول الله) فهل يعني هذا أننا نسمح بالإهانة لغير الرسول r؟ يجب أن نعيد فهم هذه الجملة فقد يُفهم منها أنه يمكن لأحد أن يسب الله أو القرآن أو الإسلام. الإستثاناء في هذا القول محدود وكل كلمة نستعملها في ردّنا على الإساءات قضية سنحاسب عليها. لما نقول الرسول r هاجر كما هاجر أبو بكر وعمر نكون لم نفهم الحدث. (إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ) هذا التميز بأنه يوحى إليه وهذا إصطفاء في ذاتيته ليتلقى الوحي. إصطفى الله تعالى من البشر الرسول ومن الملائكة جبريل u لكن هل الأنبياء والرسل مثل بعضهم؟ كل واحد يتميز بشيء وإختار تعالى آخر رسول ليحمل الرسالة الخاتمة مختلفاً عن غيره من سائر الأنبياء والرسل وهو متميز عنهم جميعاً (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (40) الأحزاب) شخص النبي r بشر لكنه ليس مثل البشرثم هو بشر مصطفى لكنه ليس كأي مصطفى لأنه خاتم النبيين وليس خاتم المرسلين فقط أنه لو قال خاتم المرسلين يقال أن هناك إحتمال أن يأتي بعده نبي لكن لما قال خاتم النبيين وطالما هو رسول فلن يكون بعده لا نبي ولا رسول وصدق عندما قال r: وأنا العاقب أي ليس بعده نبي. الله تعالى لما كلّف الرسول r قال (فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت) أعطاه مثالاً على رسول أخطأ خطأ. قال تعالى (إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً) يجب أن يصطفى بطريقة معينة والرسالة التي ستأتيك تحتاج إلى صبر ويجب أن لا تخطئ خطأ يونس. ما هو حكم ربك؟ أن يكون آخر الأنبياء؟ أن يكون محمداً؟ نعم الحكم أنك جئت في وضع معين إصبر عليه لأن إيذاءك سيكون مختلفاً عن إيذاء غيرك. لو إستعرضنا كل تكذيب الرسل نجده مختلفاً عن الرسول r. كل رسالة جاءت محدودة بينما محمد r يكذّب إلى الآن لأن قرآنه موجود إلى الآن وإلى يوم القيامة. يجب أن نكون مستعدين لأن ديننا يختلف عن كل الديانات الستبقة. ونحن ندافع عن الرسول r وعن الإله الحق الذي إصطفاه فالعبء على المسلم كبير. فالمولى تعالى يقول لرسوله (فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت). صاحب الحوت لم يصبر على إيذاء قومه فتركهم وغادرهم بدون إذن. القرآن يقول (وذا النون إذا ذهب مغاضباً فظن أن لن نقدر عليه) قال مغاضباً ولم يقل غضبان. مغاضباً جاءت من المفاعلة أي أٌغضِب ولم يغضب من نفسه. تفاعل معه فأغضبه كأن القرآن يلتمس عذراً ليونس عند خطئه أنه لم يستأذن الإله الحق وهو مكلّف برسالة من ربه.الرسول r قال لأبي بكر "أُذِن لي بالخروج" هو لا يخرج إلا بإذن الله تعالى له لأنه مكلّف وهو عبد لصاحب التكليف ولذا قال تعالى في الإسراء (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً) لا يمكن لمحمد r أن يرفض الإسراء أو أن يذهب بنفسه.
ظنّ: أي علِم عِلم اليقين وتأكد أن لن نقدر عليه (نضيّق عليه). يونس فعل هذا لأنه مطمئن أن الله تعالى لا يقدر عليه (يضيّق عليه) وهذا خطأ وجاءت النتيجة مباشرة.
(إذ أبق إلى الفلك المشحون): رحم الله الدكتور عبد الجليل عيسى ففي تفسيره لهذه الكلمة أبق قال الأبق أصلاً هو هرب العبد من سيّده بدون إذنه. أبق يعني خرج بدون إذن الله تبارك وتعالى. يونس u هاجر لأنه تفعّل بالمغاضبة. هجر المكان والتكليف ولم يستأذن ربه. هذا ما فعله محمد r: الرسول r مكث في مكة 13 سنة متحمّلاً الإساءة ولم يخرج من مكة إلا بعد أن أذِن الله تعالى له وقال وهو خارج من مكة (لولا أن أهلك أخرجوني ما خرجت) وفي القرآن الكريم يقول تعالى (إذ أخرجه الذين كفروا). نحن نفعل أشياء خارجة عن النكليف بدون أن نشعر وعندنا مبررات والله تعالى رفض مبررات يونس u (فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون) مستحيل أن يبقى ليوم يبعثون لأنه سيموت والحوت قبر ليونس والحوت سيموت لأنه مخلوق ويونس سيموت. يجب أن نعرف المعنى ولازم المعنى المراد أن الذي أنقذ يونس أنه كان من المسبحين أي أنه ساعة أخطأ لم يردّ الأمر على الآمر كما فعل إبليس لأن هذا خطأ ليس له توبة. لكن يونس موحّد وتاب إلى الله تعالى فتاب الله تعالى عليه (فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين). هو ظلم نفسه وهذا أبشع أنواع الظلم. القرآن ينهى الرسول r أن يكون مثل يونس u ولذا لم يخرج r من مكة إلا بعد أن أذِن الله تعالى له.
أول درس نأخذه هو أن كل الرسل والأنبياء يهاجرون إلى الله تعالى هجرة ليست مكانية وهناك أنبياء لم يهاجروا لا مكاناً وزماناً وإنما هاجروا واقعاً مثل لوط وإبارهيم ومحمد عليهم جميعاً الصلاة والسلام هؤلاء خرجوا بإذن من الله تعالى لأنهم مكلّفين من الله تعالى لذا قال تعالى لنبيّه r (ولا تكن كصاحب الحوت) ومحمد r ليس كذلك وهذه دفاعاً عن رسول الله r وهو الذي صبر 13 عاماً وهو الذي أذِن للمسلمين المضطهدين في مكة أول البعثة بالهجرة إلى الحبشة ولم يهاجر معهم وقال r: أُريت مكان هجرتكم. ولم يرد في القرآن كله أن الرسول r هاجر وإنما جاء لفظ الإخراج (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ (13) محمد).
سؤال: ماذا كان يبني الرسول r في مكة؟ وما هو مغزى الصبر وبناء الإنسان المسلم ومغزى الهجرة إلى بلاد النصارى في الحبشة ثم الهجرة إلى المدينة؟
لما بعثه الله تعالى بعثه بتكليف. خطاب التكليف من الإله الحق للرسول كان مبدعاً لدرجة أن تقف مذهولاً (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) لازم المعنى أنه مبعوث رسولً ورسالته ستعني شيئاً خلاصته رحمة لمن يتّبعه من العالمين (من الإنس والجن). تتدخل السماء لإنقاذ العالمين من النار التي يذهبون إليها بذاتيتهم.
قال تعالى (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) العبادة هي عملك وصلاتك وزكاتك وهي جوهر الحياة وهي كل شيء. أن تعبد الله، أن تطيعه، تصلي، تزكّي يقول r في الحديث الشريف "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا ومن أبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد أبى".
في مكة أعدّ الرسول r العدة لبناء الشخصية التي ستكون في المدينة. من جوانب الهجرة إلى الحبشة عرض الإسلام ولم يكن خروجاً للراحة من الأذى في مكة، كفار قريش لحقوا بالمسلمين المهاجرين عند النجاشي وبهاذ لفتوا نظر النجاشي إلى المسلمين المهاجرين فسمع منهم النجاشي وأسلم الناس في الهجرة. ذكاء عرض جعفر بإختيار سورة مريم لقراءتها على النجاشي وقد كان جعفر حصيفاً فقال النجاشي: إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة، ويقول تعالى (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (13) الشورى) فقال عنه أنه كلام واحد من مشكاة واحدة. وكلمة مشكاة إختارها النجاشي وهو ليس رسولاً فيها معاني من القرآن والله تعالى وصف رسوله r بأنه رحمة وسراج منير ووصف القرآن بأنه نور (واتّبعوا النور الذي أنزل معه) وقال تعالى (مثل نوره كمشكاة فيها مصباح) وهذا يدل على أن الله تعالى إذا فتح لرجل طريق الهداية فهذه نفحة. الرسول r أراد أن يُسلِم عمه أبو طالب لكنه لم يُسلم ويأتي شخص لا يعرف الرسول r ولم يره سابقاً فآمن به مثلنا نحن الآن نحبّه ولم نره. ولهذا علينا دائماً أن نتذكر ما قاله أهل الجنة بعد أن دخلوا الجنة (الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله) فالهداية بداية ونهاية من الله عز وجل ولهذا قال تعالى لرسوله (ليس عليك هداهم).
سؤال: التخطيط للهجرة: كل شيء بأمر الله تعالى لكن علينا السعي والتخطيط. والسؤال هو لماذا لم يُخرج جبريل u الرسول r من مكة كما أخذه في رحلة الإسراء والمعراج؟ وماذا نتعلم من الأخذ بالأسباب؟
الإسلام كدين سيكون عبئاً علينا وتكليف علينا ولهذا فالمسألة ليست سهلة (أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون) هذا فهم غير صحيح فلو كنت تعتقد أنك بمجرد إيمانك ستكون في الجنة. فالفتنة والإبتلاء واقع عليك ويجب أن تُمتحن في إيمانك لأن سلعة الله غالية كما في الحديث" ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة". الجنة جزاء دائم وليست لكل الناس ويجب أن يكون إختبارها صعباً لأنها غالية جداً. كل شيء في إسلامنا يجب أن يكون في إطار هذا المفهوم. على قدر إيمان العبد يُبتلى. كثرة الإبتلاءات عند بعض الناس تدل على إيمانه.
البعض يجزع عند الإبتلاءات ولو فهموا أنه ساعة دخلوا الإسلام يجب أن يحصل لهم تمحيص وإبتلاء وهذا ما حصل في عهد الرسول r. البعض فكّر أنه إذا آمن فقط يمكنه أن يجلس ويتقاعس فهذا لا حرج فيه لكن هذا لا ينفع (إلا تنصروه فقد نصره الله) الآيات فيها إبداع في العرض يختلف عن معطياتنا في العرض (فقد نصره الله) جواب الشرط جاء بصيغة الفعل الماضي وهذه الآية يقول المستشرقون أنها خطأ لأن جولب الشرط يجب أن يكون فعلاً مضارعا (فسينصره الله) ونسوا أن المتكلم هو الله تعالى صاحب القرآن واللغة. اللغة لها قواعد قُعِّدت من القرآن. لماذا قال تعاالى (فقد نصره الله)؟ لأنه تعالى هو الفاعل القادر ونصره أزلي ولا يأتي فجأة. المؤمن يطمئن لأنه لو حصل له إبتلاء حتى لو كان غير معتاد فعليه أن يقول الحمد لله ويرى لماذا حصل هذا الإبتلاء هل بتقصير منه أو أنه إبتلاء، وهذه ليست عقوبة لأن الدنيا ليست دار عقوبات وإنما دار إبتلاءات للفت النظر فقط لأننا لا نتحمل العقوبة في الدنيا. قال تعالى (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس لنذيقهم بعض الذي عملوا) قال بعض الذي عملوا ولم يقل كل الذي عملوا (لعلهم يرجعون) فالذي يحصل لك هو لفت نظر حتى ترجع إلى المنهج. أنت تطمئن وتتراخى فتحصل لك إبتلاءات لكي يتلفت نظرك وترجع إلى المنهج. وما حصل لبعض الأقوام في القرآن لفت نظر لنا وجزء من العقاب لهم ويوم القيامة يأتيهم العقاب الحقيقي. ولهذا لم يتضمن القرآن أسماء الشخصيات في القصص لتكون عامة ففرعون مثلاً يمثّل كل حاكم ظالم وهكذا ولكنه تعالى خصص في قصة واحدة وذكر الإسم بالتحديد وهي (مريم) لأنها مريم واحدة وها ليس مثالاً وإنما إعجاز.
هناك إبتلاءات وفتن وعلى المسلم أن يفهم معنى الصبر ويدرب نفسه عليه حتى يبني الإنسان المسلم القوي الدعوة الإسلامية القوية لينشرها في العالم.
بُثّت الحلقة بتاريخ 22/2/2006معنوان الحلقة: الدروس المستفادة من الهجرة (2)
تقديم علاء بسيوني
كيف ننصر رسول الله r؟
(إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (40) الأنفال)
ما هي دلالة الصياغة اللفظية في قوله تعالى (إلا تنصروه فقد نصره الله) نصره جاءت بصيغة الفعل الماضي. المعتاد عند من درس اللغة بسطحية أن يأتي جواب الشرط فعلاً مضارعاً كما أن فعل الشرط مضارعاً ةالمستشرقون أثاروا هذه القضية ليثبتوا أنهم ليسوا على دراية بلغة القرآن. المشهور أن نقول: إن تذاكر تنجح (أي إن تذاكر الآن تنجح مستقبلاً). فعل جواب الشرط مستقبلي حتى تقوم بالعمل المطلوب منك. الفعل فعل شرط يجب أن نفهم سبب دافع للنجاح أو سبب واقع النجاح. وفعل جواب الشرط أيضاً. المولى تعالى في هذه الآية يعلمنا درساً ثانياً لأنه لو تريد فعلاً أن ينجح إبنك حقق له جواب الشرط بدليل كأن تقول له:(إن تذاكر نجحت كفلان). المولى تعالى يقول (إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه ) الجملة جاءت بدليل الجواب وهذه ليست أول مرة ينصر الله تعالى رسولهr. هذه الآية تتعلق بغزو تبوك إلا أنها مطلقة (إلا تنصروه الآن) لا تنصره بمعنى أنه محتاج إلى النصر أنت إذا نصرت الرسول r جاءك النصر من الله تعالى وإن تخاذلت جاءك العقاب منه سبحانه وتعالى. فالآيات لا توقع الجزاء وإنما توقع دليل الجواب.
مسألة أن يفهم الإنسان أن كل شيء يفعله فإنما يفعله لنفسه لأن الله تعالى غني عن العالمين ورسوله كذلك. قلنا في الحلقة السابقة أن قوله تعالى (فاصبر لحكم ربك) حكم الله تعالى سابق أزلاً كما جاء في سورة الصافات (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (173)) فنصر المرسلين مقدّر أزلاً. ننظر في كلمة رسول في اللغة من الذي أرسله؟ هل الذي أرسله أحبه أو لا أحبه؟ هل الذي ارسله قوي أو ضعيف؟ هذا يختلف. نأخذ الكلمة عامة فما بالك برسول من عند الإله الحق؟ لذلك تقول الآية (ولقد سبقت كلمتنا) شيء أزلي يتعلق بكُنه الذي أرسل: الله تعالى القادر القوي. الرسول لا يُترك هكذا لأن الذي أرسله هو الله تعالى وقدرة هذا الرسول مستمدة من قدرة الله تعالى. كان ممكناً أن يخرج الرسول r من مكة بلحظة كما حصل في رحلة الإسراء. لما قال تعالى (فقد نصره الله) جاء بثلاث (إذ) في الآية: (إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ) كل منها لحظة نصر. ثلاثة مواقف زمنية نصره الله تعالى بواحد فقط (ثاني إثنين). نصر الله لا يحتاج عدواً ولهذا يجب أن نوقع هذا في قلوبنا. الله تعالى نصره بواحد فقط هو أبو بكر كأن نصر الله تعالى كان مكافأة للصديق. لما ذهب الصديق إلى الرسول r وقال: إئذن لي بالهجرة قال له r: إنتظر. ولو قال له الرسول r إذهب لذهب. هذه المكافأة جاءت لأبي بكر الصديق على أشياء عملها (فمكافأة الصديق أن ينصر الله تعالى رسوله بأبي بكر). وهل يحتاج الرسول r نصرى أبي بكر؟ لا لكن المكافأة لأبي بكر. نصر الله تعالى لرسوله من ساعة إصطفائه وإختياره وهذه أزلية ولم تأت هكذا هند زواج عبد الله وآمنة (والدي الرسول r) كلا. كل شيء عند الله تعالى أزلي ساعة أراد الخلق وفي الحديث:" إن الله خلق القلم فقال له اكتب فكتب مقادير الخلائق قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة" المولى عز وجل ساعة قضى الخلق كتب كل شيء في اللوح لأنه إله حق وقوي ومهيمن وقدير ومقتدر. ولذلك (فقد نصره الله) لما جاء بالتوقيع (إذ أخرجه) إخراجهم له كان نصراً من الله تعالى فكفار قريش توقعوا أنهم لو أخرجوه سينتهي أمره (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30) الانفال) ويوقفوا دعوته لكن (ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين) فلما أخرجوه من مكة هم لا يعلمون أن خروجه فيه نصر الله (إذ أخرجه الذين كفروا) هم الفاعل الذين أخرجوه لكنه r خرج ليذهب إلى المدينة ويبني الإسلام الذي سيشع على العالمين. لما عاد الرسول r فاتحاً قال: ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: أخ كريم وإبن أخ كريم فقال : إذهبوا فأنتم الطلقاء. هذا نصر، النصر تحقق بفتح مكة والخروج كان مسألة دقيقة وعودته r تؤكد نصر الله تعالى.
(إذ هما في الغار) نصرة ثانية. لما يأتي قصاص الأثر ويقول إنتهت آثارهم هنا فإما أن يكونوا صعدوا إلى السماء أو نزلوا في تخوم الأرض ولم يذكر الغار وكان واجباً عليهم أن يدخلوا الغار ويفتشوه ولكن الله تعالى صرف أذهانهم عن الغار وهذه نصرة ثانية .
(إذ يقول لصاحبه) نصرة ثالثة أنهم لم يرونهم في الغار ولذلك الصديق يقول: لو أن أحدهم نظر إلى موقع قدمه لرآنا فقال r: لو رأونا ما استقبلونا بعوراتهم (لأن أحدهم وقف يبول على مدخل الغار). فالرسول r مثبّت وأبو بكر جزع قليلاً.
(فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها) السكينة أزلية وليست حاصلة الآن لأن الله تعالى نصرة سايقاً. أنزل سكينة مسبقة على محمد r وأيده بجنود لم تروها. إختلف المفسرون فيها وبعضهم قال أن السكينة نزلت على أبي بكر لكن الصديق ليس له وقع هنا إلا أنه أول إثنين. (الضمير عائد على الرسول r أنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود)
مسألة اليقين عند الرسول r وأبو بكر في معية الله تعالى فهل معية الله تعالى خاصة بالرسول r أم أنه يمكن أن نستفيد منها نحن المسلمين؟
معية الله تعالى تحتاج منا للتخلّق بأخلاق تستوجب معية الله تعالى. لما تكون في معية شخص ترتب نفسك بحسب الشخص الذي أنت في معيته. من أراد أن يفيد من معية الله تعالى فعليه أن يتخلق بأخلاق خاصة والرسول r كان عليها طوال حيته. معية الله يجب أن يتحلى من أرادها بأخلاق دائمة ومعية الله هذه يبكي عليها العارفون. هذه تحتاج إلى شرح. لما تكلم الصديق تكلم الرسول r الذي إصطفاه ربه وعلّمه (علم الإنسان ما لم يعلم) وعلى رأس الإنسان هنا محمد r (علّمه شديد القوى) أمور أخذها الرسول r بكنهه وذاتيته. أبو بكر تكلم بكلامنا كلنا بكلام أي إنسان عادي وليس رسولا: لو نظر أحدهم إلى موضع قدميه لرآنا. فقال له الرسول r: "ما ظنك بإثنين الله ثالثهما؟" ما معناها؟ في القرآن معناها (لا تحزن إن الله معنا) معية الله تعالى في نظر الرسول r تتوقع واقعاً أو هيئة؟ الله تعالى لا يُرى ولا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار والرسول r كان يعني الإثنين: فمن كان في معية الله تعالى لا تدركه الأبصار وهو القادر سبحانه على أن يعمي الأبصار عن رؤية من كان في معيته (فلن يراهم أحد). الرسول r خرج من بيته في مكة من بين كفار قريش وأمام أعينهم ولم يروه هم نظروا ولم يبصروه فالنظر واقع لكن البصر لم يتحقق. الله تعالى وحده هو الذي يصرّف الأبصار عنهم هو الذي لا تدركه الأبصار سبحانه.
قال تعالى (فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون) الفيروسات والميكروبات داخلة في نطاق رؤيتك فهو مما لا تبصر. هو في مدى بصرك لكنها في منتهى الصغر بحيث لا تراها وهذه من قدرة الله تعالى ثم لما تستخدم المجهر ترى أشياء لا يمكن أن تراها بالعين المجردة مع أنها في مدى بصرك تنظر إليها ولكن لا تراها. ثقة الرسول r في الرد (لا تحزن) واقع إذن فقد نصره الله.
ثاني إثنين: بعض المفسرين ثاروا على أن يقال أن الرسول r هو ثاني إثنين لكنهم لم ينتبهوا إلى قول الرسول r :" ما ظنكم بإثنين الله ثالثهما" وفي القرآن الكريم (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم) فلا يجب أن نهتم بقضايا لا تهم أساساً. لما ننظر إلى توقيع القرآن في قوله تعالى (رابعهم، سادسهم) هذه أعداد زوجية ونحن نعلم أن الله تعالى واحد أحد. لماذا قال رابعهم وسادسهم؟ لأن الثلاثة لما يجلسوا مع بعض يتناجى إثنين وينفرد الثالث ويعتقد