حلقة خاصة بمناسبة ذكرى الإسراء والعروج 2
يبدأ المقدم الأستاذ هاشم بالترحيب بالدكتور هداية والتذكير بأنه يُصحح لنا مفاهيم خاطئة في الأمة منها تصحيح أن طه ويس ليسا من أسماء الرسول r ولكنها من الحروف المقطعة في القرآن ومفهوم الهجرة بأن المسلمين هاجروا لكن الرسول r أُخرِج من مكة وهي إذن حاثة إخراج وليست هجرة وكذلك صحح لنا مفهوم الإسراء والمعراج وطلب من الدكتور إعادة الفرق بين العروج والمعراج.
يقول الدكتور هداية أن الشائع بين الناس قول الإسراء والمعراج للدلالة على هذه الحادثة العظيمة والإسراء حدث والمعراج هو مكان العروج وعندما نعطف يجب أن نعطف مكاناً على مكان فنقول (المسرى والمعراج) أو نعطف حدثاً على حدث فنقول (الإسراء والعروج) ونحن لا يعنينا مكان العروج نفسه بقدر ما يعنينا مفهوم كل كلمة ومدلولها ونقف عند الحادثتين على أنهما أهم حدث بالنسبة للمسلمين من حيث الفرائض لأن في ها فرضت الصلاة وهذه هي أهم جزئية من العروج. هناك العديد من الأحاديث الموضوعة التي تتحدث عن المرائي التي رآها الرسول r في رحلة العروج ونحن لا نخرج عن الكتاب والسنة الصحيحة بِفَهم أهل السلف الصالح. ونحن كمسلمين عندما سنقف بين يدي الله تعالى يوم القيامة لن يسألنا عن المرآئي التي رآها الرسول r في العروج وإنما سيسألنا عن الصلاة. ولا يهمنا ماذا رأى الرسول r لكن من الحديث الصحيح نلاحظ كم تحفّظ الرسول r في رواية ما رأى لأنه صعب على الأمة أن تتخيل في حينها وفي ذلك العصر ما رأى بالفعل أما بالنسبة لنا اليوم ونحن نتابع ونحن جالسين في مكاننا ما يجري في قارة أخرى فهذا الأمر يُقرّب الحادثة إلى أذهاننا أكثر.
حادثة الإسراء والعروج هي حادثة خارجة عن إلف العادة إلى إطار المعجزة. والله تعالى صدّر الحادثة في بداية سورة الإسراء بقوله تعالى (سبحان الذي أسرى بعبده) الفعل يعود إلى قوة خارقة والفعل في هذه الحادثة يُضاف إلى الله تعالى لا إلى الرسول r حتى الرؤية كانت من الله تعالى (لنريه من آياتنا). فالواقعة كلها تخرج من إلف المعتاد إلى المعجزة وهي تخرج عن نطاق تصورنا وعقولنا وتقبّلنا وعن النواميس فتعود إلى النطاق الإيمان بالغيب. جعل الله تعالى الجنة للمؤمنين المتّقين وهي مكافأة على إيمانهم ويقينهم ولم يصف الله تعالى المتقين في بداية سورة البقرة صدفة (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3)) فأول توصيف للمتقين هو أنهم يؤمنون بالغيب ثم يقيمون الصلاة ثانياً فجاء الإيمان بالغيب قبل الصلاة. تقع بنود كثيرة تحت الإيمان بالغيب منها أنه عندما يحدثنا الرسول r عن وصف جبريل نصدّقه ونأخذ بما يقول على أنه إيمان بالغيب وعندما يحدثنا أنه رأى كذا وكذا نصدقه إيماناً بالغيب. وتصوير الحادثة في سورة الإسراء (سبحان الذي أسرى بعبده) يوضح لنا أن رب محمد هو الذي أسرى به فمن الإيمان بالغيب أن نسمع ونصدّق ما أخبر به محمد r ونتذكر موقف الصدّيق أبي أبكر مما قاله المشركون بعد حادثة الإسراء والعروج وكيف أن ردّه عليهم أكّد أن الحادثة لا تُصدّق لكن بما أن محمداً قالها فنحن نصدّقه لأنه هو الصادق الأمين والذي أطلق عليه هذا الوصف هم المشركون أنفسهم فالرسول r لم يكذب في حياته قطّ. وعندما تثير هذه الحادثة جدلاً إلى يومنا هذا فهذا إعجاز آخر من الله تعالى. وعندما نسمع (سبحان الذي أسرى بعبده) يجب أن يستقر في قلوبنا أنه كلما سمعنا أو خطر على بالنا أمر لا يُصدّق نقول (سبحانك) تنزيهاً لصاحب الواقعة الحقيقي سبحانه وتعالى وتنزيهاً لمن أسرى بعبده r. ويجب أن نوقّع في قلوبنا (سبحان الذي أسرى بعبده) فوصفه تعالى بعبده ولم يقل رسوله أو نبيّه لأن هذه الرحلة هي للعبد وليس للرسول أو النبي ومحمد r في هذه الرحلة كان عبداً لأن هذا ما أراده الله تعالى وما أراده الله تعالى أن يقع سيقع وما أراده الله أن يراه سيراه ويؤكّد ذلك قوله تعالى (لنريه من آياتنا) ولم يقل ليرى وإنما لنُريه والرسول r سيحصل له تغيير معيّن حتى يرى ما شاء الله تعالى أن يُريه فلا يناقش الرسول r في هذا لأن القرآن الكريم صادق (أفتمارونه على ما يرى) وليس له علاقة بما رأى وما رآه أراه الله تعالى إياه فالفعل يبقى لله تعالى. ففي سورة الإسراء قال تعالى (لنريه) وفي سورة النجم قال تعالى (لقد رأى من آيات ربه الكبرى) هذا بعد أن جُهّز الرسول r وأُعِدّ فأصبح قادراً على الرؤية. وهنا صدق موسى u في طلبه (قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ) لم يقل رب أريد أن أرى مثلاً وإنما قال رب أرني أنظر إليك لأن موسى لا يملك أن يرى بذاته وإنما يرى بتحويل من الله تبارك وتعالى. فالواقعة تدخل في نطاق المعجزة فسبحان الذي أوقعها وأسرى بعبده.
والعبودية هنا نتوقف عندها فول قلنا أن إنساناً ما عبدٌ لآخر ففيه ذُلّ والعبد نفسه يتضايق بوصفه بالعبد أما عندما نقول عبد الله فهذا شرف كبير أن أكون عبداً لرب العالمين والله تعالى اختار هذا اللفظ (عبده) ليُخرِج محمداً عن نطاق الفعل ويشرّفه بأنه نبي ورسول والأعلى منهما أنه عبد لله رب العالمين وهنا أتلقّى العبودية وأفهمها. فالواقعة لها توقيعات مهمة فأنا كمسلم عبد لله رب العالمين وهذا شرف وفي الحياة عندما يأتيك تكليف من شخص آخر يكون هذا شاقاً عليك لكن الأمر يختلف عندما يأتي التكليف من الله تعالى رب العالمين. قلنا في الحلقة السابقة أن الصيام والحج والزكاة جاء التكليف بها على الأرض أما الصلاة فهي عملية تحتاج إلى مكان معين لفرضها فيستدعي الله تعالى الرسول r ويكلّفه في مقام القرب بها. ونحن نعلم أن أول ما يُسأل العبد عنه يوم القيامة هو الصلاة فإن صلُحت صلُح سائر عمله وإن فسدت فسد سائر عمله. وهذا الحديث يؤكّد قوله تعالى (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر) فالذي يؤدي الصلاة بحقها تنهاه صلاته عن الفحشاء والمنكر وسصلح سائر عمله ولذلك فُرضت الصلاة في مكان القُرب قال تعالى (كلا لا تطعه واسجد واقترب) لأن الله تعالى لمّا افترض الصلاة على الرسول r وأمّته افترضها في مكان القرب أي إن سجدت يا محمد اقتربت والرسول r يقول "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" والسجود أهم أركان الصلاة في إثبات الخشوع لأن الإنسان يضع أعلى وأشرف جزء في جسده على الأرض. قال تعالى لمريم عليها السلام (واسجدي واركعي) قدّم السجود على الركوع دلالة على الخشوع في الصلاة.
يسأل المقدم مستوضحاً الحديث الصحيح الذي ذكرت فيه حادثة الإسراء والعروج ومسألة فرض الصلاة وما معنى الصلاة وهل هي صلة بين العبد وربه؟
صحيحا البخاري ومسلم هما أصح الكتب في الأحاديث يليهم الإمام أحمد وقد ذكروا حديث الإسراء والعروج لكنهم لم يذكروا المرائي كلها وإنما ذكروا منها واقعة أو اثنتين بأحاديث اتّصل سندها بالرسول r ونحن يعنينا من الحادثة أنها حدثت والإيمان بها واجب على كل مسلم ولأني مسلم أفهم الهجرة والإسراء والعروج وقلنا أن الهجرة كانت للمسلمين أما الرسول r فقد وصفه تعالى في القرآن الكريم بأنه أُخرِج ولم يخرج بنفسه.
أنا أؤمن بالقضية في القرآن واخترت حديث مسلم أو البخاري وقد اتفقا في أمور واختلفا في أمور بسيطة لا يُبنى عليها أنها خلافات. الحديث في مسلم يقول :
"أُتيت بالبراق (وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل. يضع حافره عند منتهى طرفه) قال، فركبته حتى أتيت بيت المقدس. قال، فربطته بالحلقة التي يربط به الأنبياء. قال، ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين. ثم خرجت. فجاءني جبريل عليه السلام بإناء من خمر وإناء من لبن. فاخترت اللبن. فقال جبريل صلى الله عليه وسلم : اخترت الفطرة. ثم عرج بنا إلى السماء. فاستفتح جبريل فقيل : من أنت؟ قال : جبريل. قيل : ومن معك؟ قال : محمد. قيل : وقد بعث إليه؟ قال : قد بعث إليه. ففتح لنا. فإذا أنا بآدم. فرحب بي ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء الثانية. فاستفتح جبريل عليه السلام. فقيل : من أنت؟ قال : جبريل. قيل : ومن معك؟ قال. محمد. قيل : وقد بعث إليه؟ قال : قد بعث إليه؟ ففتح لنا. فإذا أنا بابني الخالة عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا صلوات الله عليهما. فرحبا ودعوا لي بخير. ثم عرج بي إلى السماء الثالثة. فاستفتح جبريل. فقيل : من أنت. قال : جبريل. قيل. ومن معك؟ قال : محمد صلى الله عليه وسلم. قيل : وقد بعث إليه؟ قال : قد بعث إليه. ففتح لنا. فإذا أنا بيوسف صلى الله عليه وسلم. إذا هو قد أعطي شطر الحسن. فرحب ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة. فاستفتح جبريل عليه السلام. قيل : من هذا؟ قال : جبريل. قيل : ومن معك؟ قال : محمد. قال : وقد بعث إليه؟ قال : قد بعث إليه. ففتح لنا فإذا أنا بإدريس. فرحب ودعا لي بخير. قال الله عز وجل : {ورفعناه مكانا عليا} [19/مريم/ آية 57] ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة. فاستفتح جبريل. قيل من هذا؟ قال : جبريل. قيل : ومن معك؟ قال : محمد. قيل : وقد بعث إليه؟ قال : وقد بعث إليه. ففتح لنا. فإذا أنا بهارون صلى الله عليه وسلم. فرحب ودعا لي بخير. ثم عرج إلى السماء السادسة. فاستفتح جبريل عليه السلام. قيل : من هذا؟ قال : جبريل. قيل : ومن معك؟ قال : محمد. قيل : وقد بعث إليه؟ قال : قد بعث إليه. ففتح لنا فإذا أنا بموسى صلى الله عليه وسلم. فرحب ودعا لي بخير. ثم عرج إلى السماء السابعة. فاستفتح جبريل. فقيل : من هذا؟ قال : جبريل. قيل : ومن معك؟ قال : محمد. قيل. وقد بعث إليه؟ قال : قد بعث إليه. ففتح لنا. فإذا أنا بإبراهيم صلى الله عليه وسلم، مسندا ظهره إلى البيت المعمور. وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه. ثم ذهب بي إلى السدرة المنتهى. وإن ورقها كآذان الفيلة. وإذا ثمرها كالقلال. قال، فلما غشيها من أمر الله ما غشي تغيرت. فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها. فأوحى الله إلي ما أوحى. ففرض علي خمسين صلاة في كل يوم وليلة. فنزلت إلى موسى صلى الله عليه وسلم. فقال : ما فرض ربك على أمتك؟ قلت خمسين صلاة. قال : ارجع إلى ربك. فاسأله التخفيف. فإن أمتك لا يطيقون ذلك. فإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم. قال، فرجعت إلى ربي فقلت : يا رب! خفف على أمتي. فحط عني خمسا. فرجعت إلى موسى فقلت : حط عني خمسا. قال : إن أمتك لا يطيقون ذلك فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف. قال، فلم أزل أرجع بين ربي تبارك وتعالى وبين موسى عليه السلام حتى قال : يا محمد! إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة. لكل صلاة عشر. فذلك خمسون صلاة. ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة. فإن عملها كتبت له عشرا ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئا. فإن عملها كتبت سيئة واحدة. قال : فنزلت حتى انتهيت إلى موسى صلى الله عليه وسلم فأخبرته. فقال : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : قد رجعت إلى ربي حتى استحييت منه".
(المسند الصحيح رقم 162).
وعندما وصف الرسول r البُراق وصفه بوصف يعرفه أهل ذلك الزمان وبما يناسب فِكر العصر الذي كان أما إسم البراق قهو من البرق بمعنى السرعة ووصفه الرسول r أنه يضع حافره عند منتهى نظره فهو سريع جداً. وتوجد الكثير من الأحاديث التي تصف أنه عندما جاء يركبه لم يرض البراق فقال له جبريل ما ركبك خير منه قطّ وهذه كلام لا قيمة له ونحن نأخذ بما قاله لنا الرسول r "من حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" وأنا هنا أوضح للمشاهدين الفرق بين الأحاديث الصحيحة والضعيفة.
الذي يعنينا ما قاله الرسول r وهو أنه ركب البراق من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وهنا أتمنى أن تكون حياتنا اهتمام بالوقائع الصحيحة واستقاء العِبرة بصرف النظر عن الحقلئق غير الصحيحة وأنبّه أنه يوجد كتاب في الأسواق بعنوان : عن اين عباس وفيه الكثير من الأحاديث العجيبة.
ثم يقول الرسول r في الحديث وهذه نقطة اعترض عليها العلماء أن الرسول r ربط البراق بحلقة كان الأنبياء يربطزن بها عند المسجد الأقصى فيقول العلماء وهل سيُسرق البراق حتى ربطه الرسول r؟ فنوقل نحن تعلّمنا من الرسول r عندما جاءه رجل معه بعير له فسأله أتركها وأتوكل على الله فقال له الرسول r أعقلها وتوكل. والحديث في مسلم مسلم صحيح والرسول r يعلم الأمة كلها أنه بالرغم من أنه نبي وفي صحبة جبريل u أخذ بالأسباب وهذا تعليم وكلام رسول الله r. ثم يتابع الرسول r حديثه أنه ربط البراق ثم صلّى ركعتين وهنا يقول البعض أن الصلاة لم تكن مفروضة فكيف صلّى الرسول r؟ نقول أن محمداً r كان يصلي منذ بداية بعثته لكن الصلاة التي فُرضت في العروج هي المفروضة على الأمة لكنه هو كنبيّ r كان يصلي بالهيئة التي كانت وقد علّمه جبريل الوضوء والصلاة. وهنا أنبّه أن الطبري في كتابه يعتبر أن السراء والعروج حدثت عند بداية البعثة وهذا كلام مردود وكذلك ابن خلدون في تاريخه تكلّم عن الإسراء والعروج في ثلاثة سطور "أُسري بي من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ثم عُرِد به إلى السماء فرأى سدرة المنتهى وجنة المأوى. وهذا الكلام كله يدلّ على أن الأحداث لا تهمنا.
صلّى الرسول r الركعتين ثم يقول " ثم عَرج بنا" عند مسلم و "عُرِج بنا" عند غيره وأغلب الروايات أنه عُرج به بالبراق والضمير يعود على البراق أو على صحبة جبريل ولا يهمنا كيف عرج. ثم تكلم r عن وصوله إلى السماء الأولى فاستفتح جبريل فقيل : من أنت؟ قال : جبريل. قيل : ومن معك؟ قال : محمد. قيل : وقد بعث إليه؟ قال : قد بعث إليه. ففتح لنا. فإذا أنا بآدم. فرحب بي ودعا لي بخير وهكذا في كل سماء طانت الملائكة تقابله بالترحيب وكان r يصف لنا في كل سماء وجود نبي من الأنبياء والبعض يسأل لماذا كان آدم u في السماء الأولى وغيره من الأنبياء كل في سماء معينة فنقول أو آدم أول الأنبياء ومن الأولى أن يكون في السماء الأولى ويعنينا من هذا الأمر أن الرسول r كان يلتقي في كل سماء بنبيّ فيرتقيه بمعنى أن الرسول r هو أعلى مكاناً ممن ارتقاهم وقلنا أن ادريس u وُصِف في القرآن (ورفعناه مكاناً علّيا) والرسول r ارتقاه يعني أنه أعلى من المكان العليّ وكل هذا له مدلول عند المسلم الواعي. وفي الثانية التقى عيسى ويحيى وهنا أحبّ أن ألفت نظر المشاهدين أن البعض يقول كيف يأتي في الحديث أن الرسول r كان يقول أنا كثيراً وهو نهى المسلمين عنها وكما يقولون الآن أعوذ بالله من كلمة أنا ولا بد من تصحيح هذا المفهوم لأن الذي نهى عنه الرسول r أن يقول شخص يطرق الباب على أحد عندما يُسأل من هو: أنا وإنما يجب أن يقول اسمه فهذا هو المنهي عنه وليس قول الإنسان عندما يتكلم عن نفسه أنا وأنا. وفي الثالثة يلتقي بيوسف u ويصفه الرسول r أنه أُوتي شطر الحسن ويجب أن نفهم أن الرسول r أُوتي الحُسن كله وهو r له توصيف يختلف عن كل الأنبياء والمرسلين وأنه يرتقي فوق الجميع ويؤم الجميع في صلاته حتى تظهر إمامته للأنبياء والمرسلين جميعاً فهو r العبد والرسول والنبي وعنده الكمال في أي شيء وُصِف به أي نبيّ غيره. وكان r إذا مشى بين اثنين يبدو زكأنه أطولهم وأعظمهم وكلمة منه كخُطَب الناس جميعاً لأنه أُوتي جوامع الكلِم r وفيه قال برنارد شو: لو أن محمداً بيننا الآن لحلّ مشكلات العالم كلها وهويشرب فنجان قهوة.
في السماء الرابعة التقى بإدريس u وفي الخامسة بهارون أخو موسى (وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (29) هَارُونَ أَخِي (30) طه) وفي السادسة التقى موسى u لم يوجهه موسى إلى شيء هنا قيرتقيه الرسول r ويلتقي في السابعة بإبراهيم r الذي يوجهه فيقول له: إنك لاقٍ ربك فاجعل كل أمرِك لأمّتك. وابراهيم u تلقّاه كأبّ لأنه r من ذرية اسماعيل وابراهيم u هو الذي سمّانا المسلمين أما موسى وعيسى وباقي الأنبياء كانوا من ذرية اسحق. وعندماموسى r كانت لديه الخبرة مع بني إسرائيل في المجادلة والمناقشة فبعد أن يصد الرسول r إلى سدرة المنتهى وهنا نسمع الكثير من الروايات التي ليس لها سند صحيح وفي الحلقة القاة إن شاء الله سنتكلم عن بعض المرآئي ونناقشها.
علينا أن نرجع إلى ما قاله القرآن في سدرة المنتهى (عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (15) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (16)) ما يغشى مفتوحة ومحمد r عندما يقول غشّاها الله ما غشّى لا يستطيع مخلوق أن يصفها من شدة ما فيها من بهاء وصفاء وجمال يُبهر لدرجة أنك لا تستطيع أن وصفها. هذه الجزئية واضحة في القرآن والسنّة (ما زاغ البصر وما طغى) وعندما يتكلم الرسول r عن شيء فقد رآه حقاً (لقد رأى من آيات ربه الكبرى) واختلف المفسرون وأهل اللغة في معنى الكبرى هل رأى الكُبرى من آيات ربه أو رأى آيات متعددة كبيرة؟ وهل هناك آية كبرى اختص بها الرسول r؟ وفي قوله تعالى (فأوحى إلى عبده ما أوحى) من الذي أوحى؟ جبريل u بواسطة من الله تعالى أو الله تعالى مباشرة دون واسطة؟ الحديث يشرح هذا فيقول : فأوحى إليّ ربي ما أوحى ففرض عليّ خمسين صلاة في كل يوم وليلة. فالوحي عائد إلى الله تعالى مباشرة بدون واسطة ولقد ذكرنا سابقاً أن الصيام والحج والزكاة فرضت من الله تعالى بواسطة جبريل أما الصلاة فمباشرة من الله تعالى. سمع رسول الله r الأمر بالصلاة فسمع وأطاع فلما قابل موسى u في طريق العودة وهنا أذكر ما سأله الأخ المشاهد الحلقة الماضية عن كيف أن الرسول r ذهب تسعة أشواط يسأل ربه التخفيف وكيف استحيا في المرة الأخيرة وأقول له أنه يجب أن نأخذ مدلول المعنى وليس المعنى من الكلام. في رواية البخاري أنه كان يحط في كل مرة عشرة وفي رواية أخرى أنه حطّ النصف وفي حديث الإمام مسلم الذي يجب أن نأخذه كله بما جاء فيه أنه كان يحطّ في كل مرة خكساً وهذا يدل على أنه r قطع تسعة أشواط في الذهاب والعودة طالباً النخفيف من ربه وأنا أراها منطقية. إن أحدنا إذا كان مع من يحب لا يريد أن يقوم من أمامه أو يتركه وهذه العودة للرسول r إلى ربه "إرجع إلى ربك فاسأله التخفيف" كانت فرصة له r أن يعود إلى ربه. وموسى r خبرته مع بني إسرائيل كان يطلب من الرسول أن يسأل ربه التخفيف والرسول r لا يحب المجادلة وكان فرِحاً بعودته إلى ربه في كل مرة وفي الحديث لما طلب موسى منه العودة للتخفيف آخر مرة كان r يريد العودة لكن الحياء منعه "استحييت من ربي" أنا أراها منطقية فالواحد منا عندما يصلي بخشوع لا يريد أن يترك الصلاة . الرسول r في كل مرة كان يسأل ربه التخفيف كان يدفعه في كل مرة تجربة موسى مع قومه فوجدها الرسول r فرصة سانحة للعودة إلى ربه وهذه قضية أصعب من أن يفهمها كل الناس. الموضوع فوق العادة وهذه فرصة لم تسنح لأحد قبل محمد r. هذه قضية والقضية الأخرى أن الرسول r يتكلم عن التكليف بصورة جميلة فيقول: "ففرض عليّ " الفرض تأخذه النفس البشرية عادة على أنه تكليف فتستصعبه والرسول r يأخذ التكليف على أنه عبد ويعتبره هدية من ربه. كان الرسول r عندما يفرغ من الصلوات الخمس في المسجد ما إن يدخل بيته حتى يفزع إلى الصلاة وإذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة وإذا هجع الناس بالليل يبيت r لله ساجداً أو راكعاً أو قائماً حتى تتوم قدماه وكان r في صلاته يطيل من الدعاء بعد التشهد ويُخفف عندما يؤم المسلمين أما في بيته فكانت السيدة عائشة رضي الله عنها تصف الرسول r في صلاته وطول قيامه حتى تتورم قدماه وطول ركوعه وسجوده وجلوسه قبل التشهد وعندما تسأله لم يفعل هذا وقد غفر الله تعالى له ما تقدم من ذنبه وما تأخر كان r يقول: أفلا أحب أن أكون عبداً شكورا". لقد أخذ r مسألة الصلاة بعين الهدية من الله تعالى "ففرض عليّ" كأنه يقول أهداما الله تعالى أو هدانا تعالى إلى أن نسجد بين يديه فالحمد لله الذي كرّم جباهنا بالسجود له سبحانه وتعالى. وحتى نعرف قيمة الصلة بين الرسول r وربه ننظر كيف أنه r كان يفزع إلى الصلاة كلما حزبه أمر أو يقول لبلال :"أرحنا بها يا بلال". وصدق الإمام مالك في فهمه إذا أردت أن أناجي ربي أقوم إلى الصلاة وإذا أردت أن يناجيني ربي أقرأ القرآن.
وأهم نقطة في الصلاة هي أنه فُرضت في السماء والأبدع أن الوضوء مقدمة الصلاة وأقول للذي يسأل أنه يسرح في الصلاة أن علينا أن نضع في دماغنا ونحن نغسل العضو في الوضوء أن نوقع في قلوبنا ما قاله الرسول r أنك ساعة تغسل كل عضو تخرج الذنوب مع الماء أو مع آخر قطرة من الماء فإذا ارتكبت ذنباً بين وقتي الصلاة بلسانك فتذكر ذلك وأنت تتمضمض واسأل الله تعالى المغفرة وانوي عدم العودة وكذلك يدك أو أي عضو تغسله في الوضوء والوضوء والصلاة عند رسول الله r كان كما جاء في حديثه لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل فيه خمس مرات في اليوم هل يبقى من دَرَنه شيء؟ هكذا هو الوضوء والصلاة تغسل الذنوب والمعاصي وقال r الصلوات الخمس فيما بينها ورمضلن إلى رمضان والجمعة إلى الجمعة كفّارات لما قبلها ما اجتُنِبت الكبائر. ونلاحظ أنه r لم يذكر الحج هنا لأن الحج مرة واحدة في العمر لمن استطاع إليه سبيلا.
والله تعالى شرع التيمم كما قلنا في الحلقة السابقة لينبهنا إلى قيمة الوضوء وليعلمنا أننا نحتاج إلى طهارة وليس إلى نظافة قبل أن نقف بين يدي الله تعالى في الصلاة مصداقاً لقوله تعالى (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) ذكر التوابين أي كثيرري العودة إلى الله تعالى من غير معصية والرسول r كلن يستغفر الله ويتوب إليه في اليوم سبعين مرة ولم يقل تعالى في الآية التائبين لأن التائب هو الذي يتوب عن معصية أما التوّاب فهو الذي يعود إلى ربه من غير معصية. ومن توضأ على وضوئه فهو نور على نور والرسول r يصف أمته يوم القيامة بأنه يُحشروا غُرّاً محجّلين من بياض وجوههم وبياض في أيديهم وأرجلهم لأنهم كانوا يُحسنون الوضوء. فإذا توضأنا بإحسان صلّينا بإحسان وخشعنا في الصلاة وفي سورة المؤمنون أول ما وصف به تعالى المؤمنين قال (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) المؤمنون) أول مرحلة هي الخشوع في الصلاة ومن هذا علينا أن لا ندع حادثة الإسراء والعروج تمرّ إلا ونتعلم منها أن أهم ما فُرِض فيها هو الصلاة ولننظر إلى ختام الصلاة والتشهد والناس يخلطون بين التشهد والصلاة على الرسول r الذي كان يقول التشهد كاملاً في التشهد الأوسط وفي التشهد الأخير والتحيّات في الصلاة تعني التشهد والصلاة على الرسول