كتاب لمسات بيانية في نصوص من التنزيل

(إصدار دار عمّار للنشر والتوزيع، عمّان الأردن)

 كتابٌ بديع للأستاذ الدكتور فاضل بن صالح السامرائي وفقه الله وبارك في علمه، قدّم له كما يلي:

يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك. وبعد، فهذه جملة من نصوص التنزيل العزيز سُئلت عن سر التعبير في بعضها واخترت بعضها من سور متعددة لأبيّن طرفاً مما فيها من أسرار تعبيرية ولمسات فنية لعل فيها نفعاً لدارسي القرآن ولتكون خطوة أخرى بعد كتاب التعبير القرآني في بيان شيء من أسرار هذا السِّفر العظيم كتاب الله الخالد.

قال لي بعضهم بعد أن اطلع على كتاب التعبير القرآني لو أسميته الإعجاز القرآني فقلت له: هذا عنوان أكبر مني وأنا لا أستطيع أن أنهض ببيان الإعجاز القرآني ولا بشيء منه وإنما هو دراسة في بيان شيء من أسرار التعبير القرآني العظيم الذي لا تنتهي عجائبه.

إن هذا الكتاب وكذلك كتاب التعبير القرآني ليس في بيان الإعجاز القرآني وليس هو خطوة  واحدة في هذا الطريق وإنما هو خطوة في طريق قد يُصل السالك إلى طريق الإعجاز أو شيء من الإعجاز.

إن إعجاز القرآن أمر متعدد النواحي متشعب الإتجاهات ومن المتعذر أن ينهض لبيان الإعجاز القرآني شخص واحد ولا حتى جماعة في زمن ما مهما كانت يعة علمهم واطلاعهم وتعدد اختصاصاتهم إنما هم يستطيعون بيان شيء من أسرار القرآن في نواح متعددة حتى زمانهم هم، ويبقى القرآن مفتوحاً للنظر لمن يأتي بعدنا في المستقبل ولما يجدّ من جديد. وسيجد فيه أجيال المستقبل من ملامح الإعجاز وإشاراته ما لم يخطر لنا على بال.

وأضرب مثلاً لتعدد نواحي الإعجاز فإني سمعت وقرأت لأشخاص مختصين بالتشرع والقانون يبيّنون إعجاز القرآن التشريعي، ويبينون اختيارات الألفاظ التشريعية في القرآن ودقتها في الدلالة على دقة التشريع ورفعته ما لا يصح استبدال غيرها بها، وإن اختيار هذه الألفاظ في بابها أدق وأعلى مما نبيّن نحن من اختيارات لغوية وفنية وجمالية.

وقرأت وسمعت لأشخاص متخصصين بعلم التشريح والطب في بيان شيء من أسرار التعبير القرآني من الناحية الطبية التشريحية ودقتها يفوق ما نذكره في علم البلاغة. فألفاظه مختارة في منتهى الدقة العلمية. من ذلك على سبيل المثال إن ما ذكره القرآن من مراحل تطور الجنين في الرحم هي الذي انتهى إليها العلم مما لم يكن معروفاً قبل هذا العصر مما دعا علماء أجانب إلى أن يعلنوا إسلامهم. وليس ذلك فقط، بل إن اختيار تعبير (العلقة) و (المضغة) – مثلاً أعجب اختيار علمي.

فاختيار التعبير بـ (العلقة) اختيار له دلالته، فإن المخلوق في هذه المرحلة أشبه شيء بالعلقة وهي الطفيلية المعروفة. وكذلك التعبير بـ (المضغة) فالمضغة كما قرأنا في كتب التفسير، هي القطعة من اللحم قدر ما يمضغ الماضغ. ولكن لاختيار كلمة (مضغة) سبب آخر، ذلك أن المضغة هي قطعة اللحم الممضوغة أي التي مضغتها الأسنان، وثد أثبت العلم الحديث أن الجنين في هذه المرحلة ليس قطعة لحم عادية بل هو كقطعة اللحم التي مضغتها الأسنان، فاختيار لفظ المضغة اختيار علمي دقيق. إنه لم يقل "قطعة لحم صغيرة" ولو قال ذلك لكان صواباً ولكن قال: مضغة لما ذكرت وربما لغيره أيضاً والله أعلم.

وقرأت فيما توصل إليه علم التاريخ وما دلت عليه الحفريات الحديثة من أخبار ذي القرنين أدق الكلام وأدق الأخبار ما لم يكن يعرفه جميع مفسري القرآن فيما مضى من الزمان. وأن الذي اكتشفه الؤرخون والآثاريون وما توصلوا إليه في هذا القرن منطبق على ما جاء في القرآن الكريم كلمة كلمة ولم يكن ذلك معلوماً قبل هذا القرن البتة.

وقرأت في اختيار التعبير القرآني لبعض الكلمات التاريخية كـ (العزيز) في قصة يوسف، وكاختيار تعبير الملك في القصة نفسها، واختيار كلمة (فرعون) في قصة موسى، فعرفت أن هذه ترجمات دقيقة لما كان يُستعمل في تلك الأزمان السحيقة فـ (العزيز) أدق ترجمة لمن يقوم بذلك المنصب في حينه، وأن المصريين القدامى كانوا يفرقون بين الملوك الذين يحكمونهم فيها إذا كانوا مصريين أو غير مصريين، فالملك غير المصري الأصل كانوا يسمونه الملك والمصري الأصل يسمونه فرعون وأن الذي كان يحكم مصر في زمن يوسف u غير مصري، وهو من الهكسوس فسماه الملك، وأن الذي كان يحكمها في زمن موسى u هو مصري فسماه فرعون، فسمى كل واحد بما كان يُسمى في الأزمنة السحيقة.

وعرفت من الإشارات الإعجازية في مختلف العلوم كما في أسرار البحار والضغط الجوي وتوسع الكون وبداية الخلق ما دعا كثيراً من الشخصيات العلمية إلى إعلان إسلامهم.

بل إن هناك أموراً لم تُعرف إلا بعد صعود الإنسان ف الفضاء واختراقه الغلاف الجوي للأرض، وقد أشار إليه القرآن إشارات في غاية العجب ذلك أن الإنسان إذا اخترق الغلاف الجوي للأرض، وجد نفسه في ظلام دامس وليل مستديم ولم تُر الشمس، إلا كبقية النجوم التي نراها في الليل. فالنهار الذي نعرفه نحن، لا يتعدى حدود الغلاف الجوي فإن تجاوزناه كنا في ظلام لا يعقبه نهار. وقد أشار إلى ذلك القرآن إشارة عجيبة في قوله (وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (37) يس) فجعل النهار كالجلد الذي يُسلخ وأما الليل فهو الأصل وهو الكل، فشبّه الليل بالذبيحة، والنهار جلدها، فإن سلخ الجلد ظهر الليل فجعل النهار غلافاً والليل هو الأصل.

وقال: (وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (14) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (15) الحجر) أي لو مكنّاهم من الصعود إلى السماء لانتهوا إلى ظلام وقالوا (سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا) وغير ذلك وغيره.

وعلى هذا فالإعجاز القرآني متعدد النواحي متشعب الإتجاهات ولا يزال الناس يكتشفون من مظاهر إعجازه الشيء الكثير فلا غرو أن أقول إذن أن الإعجاز أكبر مما ينهض له واحد أو جماعة في زمن ما.

إن التعبير الواحد قد ترى فيه إعجازاً لغوياً جمالياً وترى فيه في الوقت نفسه إعجازاً علمياً أو إعجازاً تاريخياً أو إعجازاً نفسياً أو إعجازاً تربوياً أو إعجازاً تشريعياً أو غير ذلك.

فيأتي اللغوي ليبيّن مظاهر إعجازه اللغوي وأنه لا يمكن استبدال كلمة بأخرى ولا تقديم ما أُخّر ولا تأخير ما قُدّم أو توكيد ما نُزع منه التوكيد أو عمد توكيد ما أُكّد. ويأتيك العالم في التشريع ليقول مثل ذلك من وجهة نظر التشريع والقانون ويأتيك المؤرخ ليقول مثل ذلك من وجهة نظر التاريخ، ويأتيك صاحب كل علم ليقول مثل ذلك من وجهة نظر علمه.

إننا ندل على شيء من مواطن الفن والجمال في هذا التعبير الفني الرفيع ونضع أيدينا على شيء من سُمو هذا التعبير ونبيّن إن هذا التعبير لا يقدر على مجاراته بشر بل ولا البشر كلهم أجمعون، ومع ذلك لا نقول إن هذه هي مواط الإعجاز ولا بعض مواطن الإعجاز وإنما هي ملامح ودلائل تأخذ باليد وإضاءات توضع في الطريق، تدل السالك على أن هذا القرآن كلام فني مقصود وُضع وضعاً دقيقاً ونُسج نسجاً محكماً فريدا، لا يشابهه كلام، ولا يرقى إليه حديث (فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (34) الطور).

أما شأن الإعجاز فهيهات أنه أعظم من كل ما نقول وأبلغ من كل ما نصف وأعجب من كل ما نقف عليه من دواعي العجب. إن هذا القادم من الملأ الأعلى والذي نزل به سيد من كبار سادات الملأ الأعلى فيه من الأسرار ودواعي الإعجاز ما تنتهي الدنيا ولا ينتهي.

قد ترى أن في قولي مبالغة وادعاء أو انطلاقاً من عاطفة دين أو التهاب وجدان وليس بوسعي أن أمنعك من هذا التصور، ولا أن أرد عنك ما ترى.

ولكن لو فتح القلب المقفل وأُوقد السراج المعطل وأشرقت بالنور حنايا لم تكن تعرف النور ولا مست فؤادك نفحة من روح الملك القدوس وهبّت على أودية نفسك نسمة من عالم الروح وسمعت صوتاً يملأ نفسك قادماً من بعيد من الملأ الأعلى يقول (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (16) الحديد) و (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (17) القمر). لوقفّ شعر بدنك واقشعرّ جلدك ومار فؤادك وتحركت السواكن واضطرب بين جنبيك ما اضطرب والتهب فيه ما التهب وانهمرت الدموع تسيل في شعاب القلوب التي قتلها الظمأ وأقفرها الجفاف تغسل الأوضار وتروي حبات القلب وتندّي اليبس وتُحيي الموات فعند ذاك تذوق ما لم تعهد له مذاقاً ولا طعماً وتحسّ ما لم يكن لك فيه سابق معرفة ولا إحساس وتصيح بكل جوارحك قائلاً والله لقد آن والله لقد آن! وعند ذاك تعرف ما أقول وتفهم ما أشير إليه ولكن أنّى لي أو أُصلك إلى هذا؟!

زكيف أوصلك وأنا المنقطع ، وأعطيك وأنا المحروم؟ ولا حول ولا قوة إلا بالله.

إنما هي دلائل أضعها في الطريق وإشارات وصوى وشيء من خافت النور في مصباح ناضب الزيت غير نافع الفتيل عسى الله أن ينفع بها سالكاً ويجنّب العثار سارياً في الليل البهيم، فتنالنا منه دعوة صالحة تنعنا في عرصات القيامة.

وفي الختام لا أجد خيراً من أوصيك ما أوصى به رسول الله r صاحبه أبا ذر وليكن ذلك منك على ذكر وإياك أن تنساه:

يا أبا ذر أحكِم السفينة فإنّ البحر عميق

وخفّفِ الحمل فإنّ العقبة كؤود

وأكثِر الزّاد فإن السفر طويل

وأخلِص العمل فإن الناقد بصير. 

ويحتوي الكتاب على المواضيع التالية:

  1. سورة الفاتحة

  2. من سورة المائدة

  3. قصة ابراهيم في سورتي الحجر والذاريات

  4. قصة موسى في سورتي النمل والقصص

  5. من سورتي المؤمنون والزمر

  6. من سورتي المؤمنون والمعارج

  7. من سورتي الطور والقلم

  8. من سورة القمر

  9. من سورة الجمعة

  10. من سورة المنافقون

  11. من سورتي المعارج وعبس

  12. من سورتي المعارج والقيامة

  13. سورة القيامة

  14. سورة البلد

اللمسة البيانية الأولى :

من سورتي الطور والقلم. (ص 168-169)

قال تعالى في سورة الطور:( فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (29)).

وقال في سورة القلم :( مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2)).

 فزاد قوله :(بكاهن) على ما في سورة القلم ، فما سبب ذاك ؟

والجواب : أن هناك أكثر من سبب دعا إلى هذه الزيادة.

1- منها أنه فصل في سورة الطور في ذكر أقوال الكفرة في الرسول صلى الله عليه وسلم ، فقد ذكروا أنه كاهن ، وذكروا أنه مجنون ، وذكروا أنه شاعر . ( أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون). وقالوا إنه كاذب :(أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون).

في حين لم يذكر غير قولهم إنه مجنون في سورة القلم :(ويقولون إنه لمجنون) فناسب ذكر هذه الزيادة في سورة الطور.

2- ومنها أنه ذكر في سورة الطور قوله :(أم لهم سلم يستمعون فيه فليأت مستمعهم بسلطان مبين) والاستماع مما تدعيه الكهنة لتابعيهم من الجنِّ ، فناسب ذلك ذكر الكهنة فيها. 

3- ومنها أنه ذكر السحر في سورة الطور فقال :(أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون ). فناسب ذكر السحر ذكرَ الكهنة.

4- ومما حسن ذلك أيضاً أنه توسع في القَسَم في أول سورة الطور بخلاف سورة القلم ، فقد قال :(والطور * وكتاب مسطور * في رق منشور * والبيت المعمور * والسقف المرفوع* والبحر المسجور).

في حين لم يقسم في سورة القلم إلا بالقلم وما يسطرون. فناسب التوسع في الطور هذه الزيادة. 

5- ذكر في سورة القلم في آخر السورة قول الكفرة ، إنه لمجنون ولم يزد على هذا القول ، فقال :(وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون) فرد عليهم في أول السورة بنفي الجنون عنه فقال:(ما أنت بنعمة ربك بمجنون). فناسب آخر السورة أولها.

ثم انظر من ناحية أخرى كيف ناسب التأكيد بالباء الزائدة في النفي (بمجنون) التوكيد باللام في الإثبات (لمجنون) لأن الباء لتوكيد النفي واللام لتوكيد الإثبات. والله أعلم.

اللمسة البيانية الثانية

من سورتي المعارج والقارعة (ص 198-200)

قال تعالى في سورة المعارج :( وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (9)).

وقال في سورة القارعة :( وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (5)).

فزاد كلمة (المنفوش) في سورة القارعة على ما في المعارج ، فما سبب ذاك؟

والجواب - والله أعلم :

1- أنه لما ذكر القارعة في أول السورة ، والقارعة من (القَرْعِ) ، وهو الضرب بالعصا ، ناسب ذلك ذكر النفش ؛ لأن من طرائق نفش الصوف أن يُقرعَ بالمقرعة. كما ناسب ذلك من ناحية أخرى وهي أن الجبال تهشم بالمقراع - وهو من القَرْع – وهو فأس عظيم تحطم به الحجارة ، فناسب ذلك ذكر النفش أيضاً.

فلفظ القارعة أنسب شيء لهذا التعبير. كما ناسب ذكر القراعة ذكر (الفراش المبثوث) في قوله :(يوم يكون الناس كالفراش المبثوث) أيضاً ؛ لأنك إذاقرعت طار الفراش وانتشر. ولم يحسن ذكر (الفراش) وحده كما لم يحسن ذكر (العهن) وحده.

2- إن ما تقدم من ذكر اليوم الآخر في سورة القارعة ، أهول وأشد مما ذكر في سورة المعارج . فقد قال في سورة المعارج :(تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة * فاصبر صبراً جميلاً * إنهم يرونه بعيداً* ونراه قريباً). وليس متفقاً على تفسير أن المراد بهذا اليوم ، هو اليوم الآخر. وإذا كان المقصود به اليوم الآخر فإنه لم يذكر إلا طول ذلك اليوم ، وأنه تعرج الملائكة والروح فيه. في حين قال في سورة القارعة :(القارعة * ما القارعة * وما أدراك ما القارعة) فكرر ذكرها وعَظَّمها وهوَّلها. فناسب هذا التعظيم والتهويل أن يذكر أن الجبال تكون فيه كالعهن المنفوش. وكونها كالعهن المنفوش أعظم وأهول من أن تكون كالعهن من غير نفش كما هو ظاهر. 

3- ذكر في سورة المعارج أن العذاب (واقع) وأنه ليس له دافع (سأل سائل بعذاب واقع * للكافرين ليس له دافع) ووقوع الثقل على الصوف ، من غير دفع له لا ينفشه بخلاف ما في القارعة ، فإنه ذكر القرع وكرره ، والقرع ينفشه وخاصة إذا تكرر ، فناسب ذلك ذكر النفش فيها أيضاً.

4- التوسع والتفصيل في ذكر القارعة حسَّن ذكر الزيادة والتفصيل فيها ، بخلاف الإجمال في سورة المعارج ، فإنه لم يزد على أن يقول :(في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة).

5- إن الفواصل في السورتين تقتضي أن يكون كل تعبير في مكانه ، ففي سورة القارعة ، قال تعالى :(يوم يكون الناس كالفراش المبثوث * وتكون الجبال كالعهن المنفوش). فناسبت كلمة (المنفوش) كلمةَ (المبثوث).

وفي سورة المعارج ، قال :(يوم تكون السماء كالمهل * وتكون الجبال كالعهن*). فناسب (العهن) (المهل).

6- ناسب ذكر العهن المنفوش أيضاً قوله في آخر السورة :(نار حامية) لأن النار الحامية هي التي تذيب الجبال ، وتجعلها كالعهن المنفوش ، وذلك من شدة الحرارة ، في حين ذكر صفة النار في المعارج بقوله :(كلا إنها لظى * نزاعة للشوى) . والشوى هو جلد الإنسان. والحرارة التي تستدعي نزع جلد الإنسان أقل من التي تذيب الجبال ، وتجعلها كالعهن المنفوش ، فناسب زيادة (المنفوش) في القارعة من كل ناحية. والله أعلم.

7- كما أن ذكر النار الحامية مناسب للقارعة من ناحية أخرى ، ذلك أن (القَرَّاعة) – وهي من لفظ القارعة – هي القداحة التي تقدح بها النار.

فناسب ذكر القارعة ، ذكر الصوف المنفوش ، وذكر النار الحامية ، فناسب آخر السورة أولها.

وبهذا نرى أن ذكر القارعة حسَّنَ ذكر (المبثوث) مع الفراش ، وذكر (المنفوش) مع الصوف ، وذكر النار الحامية في آخر السورة. والله أعلم.

اللمسة البيانية الثالثة (منقول من موقع لمسات)

قصة موسى عليه السلام في سورتي النمل والقصص (ص 90 إلى ص 113)

أهداف ذكر سورة موسى عليه السلام

قال لي أحدهم مرة لو كتبت في قصة موسى في سورتي النمل والقصص، فإن بينهما تشابها كبيرا ولا يتبين سر الاختلاف في التعبير بينهما من نحو قوله تعالى: "فلما جاءها نودي" و "فلما أتاها نودي" ، وقوله: "وأدخل يدك في جيبك" و "اسلك يدك في جيبك" وما إلى ذلك.

فأنهدني قوله إلى أن أكتب في ذلك، وطلبت من الله أن يعينني على ما عزمتُ عليه، وأن يبصرني بمرامي التعبير في كتابه الحكيم، وأن يفتح عليّ من كنوز علمه الواسع الذي لا يحد فتحا مباركا، إنه سميع مجيب.

من سورة النمل

 بسم الله الرحمن الرحيم

 وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ {6} إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَاراً سَآتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ {7} فَلَمَّا جَاءهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ {8} يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ {9} وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ {10} إِلَّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ {11} وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ {12} فَلَمَّا جَاءتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ {13}‏ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ {14}

من سورة القصص

 بسم الله الرحمن الرحيم

فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آَنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (29) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (30) وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآَمِنِينَ (31) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (32) قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (33)

من هذين النصين تتبين طائفة من الاختلافات في التعبير أدوّن أظهرها:

النمل

     القصص

إني آنست نارا

آنس من جانب الطور نارا

ـــــــ

امكثوا

سآتيكم منها بخبر

لعلي آتيكم منها بخبر

أو آتيكم بشهاب قبس

أو جذوة من النار

فلما جاءها

فلما أتاها

نودي أن بورك

نودي من شاطئ الواد الأيمن

وسبحان الله رب العالمين

ـ

يا موسى

أن يا موسى

إنه أنا الله العزيز الحكيم

إلي أنا الله رب العالمين

وألق عصاك

وأن ألق عصاك

يا موسى لا تخف

يا موسى أقبل ولا تخف

إني لا يخاف لدي المرسلون

إنك من الآمنين

إلا من ظلم

ـــــ

وأدخل يدك في جيبك

اسلك يدك

في تسعِ آيات

فذانك برهانان

ـ

واضمم إليك جناحك ممن الرّهْب

إلى فرعون وقومه

إلى فرعون وملئه

إن الذي أوردته من سورة النمل، هو كل ما ورد عن قصة موسى في السورة.  وأما ما ذكرته من سورة القصص فهو جزء يسير من القصة، فقد وردت القصة مفصلة ابتداء من قبل أن يأتي موسى إلى الدنيا إلى ولادته، وإلقائه في اليم والتقاطه من آل فرعون، وإرضاعه ونشأته وقتله المصري وهربه من مصر إلى مدين، وزواجه وعودته بعد عشر سنين وإبلاغه بالرسالة من الله رب العالمين، وتأييده بالآيات، ودعوته فرعون إلى عبادة الله إلى غرق فرعون في اليم، وذلك من الآية الثانية إلى الآية الثالثة والأربعين.

 فالقصة في سورة القصص إذن مفصلة مطولة، وفي سورة النمل موجزة مجملة. وهذا الأمر ظاهر في صياغة القصتين، واختيار التعبير لكل منهما.

هذا أمر، والأمر الثاني أن المقام في سورة النمل، مقامُ تكريم لموسى أوضح مما هو في القصص، ذلك أنه في سورة القصص، كان جو القصة مطبوعا بطابع الخوف الذي يسيطر على موسى عليه السلام، بل إن جو الخوف كان مقترنا بولادة موسى عليه السلام، فقد خافت أمه فرعونَ عليه، فقد قال تعالى: "وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي" القصص: 7، ويستبد بها الخوف أكثر حتى يصفها رب العزة بقوله: "وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا" القصص:10

ثم ينتقل الخوف إلى موسى عليه السلام، ويساوره وذلك بعد قتله المصري: "فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفاً يَتَرَقَّبُ 18". فنصحه أحدُ الناصحين بالهرب من مصر لأنه مهدد بالقتل: "فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ 21"  ، وطلب من ربه أن ينجيه من بطش الظالمين: "قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ 21" . فهرب إلى مدين وهناك اتصل برجل صالح فيها، وقص عليه القصص فطمأنه قائلا: " لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ 25"

وهذا الطابع ـ أعني طابع الخوف ـ يبقى ملازما للقصة إلى أواخرها، بل حتى إنه لما كلفه ربه بالذهاب إلى فرعون راجعه وقال له: إنه خائف على نفسه من القتل: "قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ 33"، وطلب أخاه ظهيرا له يعينه ويصدقه لأنه يخاف أن يكذبوه: "وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ 34"

في حين ليس الأمر كذلك في قصة النمل، فإنها ليس فيها ذكر للخوف إلا في مقام إلقاء العصا.

فاقتضى أن يكون التعبير مناسبا للمقام الذي ورد فيه. وإليك إيضاح ذلك:

v      قال تعالى في سورة النمل: " إِنِّي آنَسْتُ نَاراً "  وقال في سورة القصص: "آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَاراً"

 فزاد : " مِنْ جَانِبِ الطُّورِ" وذلك لمقام التفصيل الذي بنيت عليه القصة في سورة القصص.

v      قال في سورة النمل: "إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَاراً"  وقال في سورة القصص: " قَالَ لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَاراً" بزيادة "امْكُثُوا". وهذه الزيادة نظيرة ما ذكرناه آنفا، أعني مناسبة لمقام التفصيل الذي بنيت عليه القصة بخلاف القصة في النمل المبنية على الإيجاز.

v      قال في النمل: " سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ". وقال في القصص: " لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ". فبنى الكلام في النمل على القطع "سَآتيكُم" وفي القصص علىالترجي "لعَلّي آتيكُمْ". وذلك أن مقام الخوف في القصص لم يدعه يقطع بالأمر فإن الخائف لا يستطيع القطع بما سيفعل بخلاف الآمن. ولما لم يذكر الخوف في سورة النمل بناه على الوثوق والقطع بالأمر.

 هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى إن ما ذكره في النمل هو المناسب لمقام التكريم لموسى بخلاف ما في القصص.

 ومن ناحية ثالثة، ؟إن كل تعبير مناسبٌ لجو السورة الذي وردت فيه القصة، ذلك أن الترجي من سمات سورة القصص، والقطع من سمات سورة النمل. فقد جاء في سورة القصص قوله تعالى: "عَسى أن ينْفَعَنا أوْ نَتّخِذَهُ وَلَدا" وهو ترَجٍّ. وقال: ""عَسَى رَبّي أَن يَهْدِيَني سَوَاءَ السّبيلِ" وهو ترجٍّ أيضا. وقال: " لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ" وقال "لَعَلّكُم تَصْطَلونَ"، وقال: "لَعَلّي أَطّلِعُ إلى إِلَهِ موسَى"، وقال: "لَعَلّهُمْ يَتَذكّرونَ " ثلاث مرات في الآيات 43، 46، 51، وقال: "فَعَسَى أَنْ يَكونَ مِنَ المُفْلِحينَ"، وقال: "ولَعَلّكُم تَشكُرونَ 73"وهذا كله ترجّ. وذلك في عشرة مواطن في حين لم يرد الترجي في سورة النمل، إلا في موطنين وهما قوله: "لَعَلّكُمْ تَصْطَلونَ"، وقوله: "لَعَلّكُمْ تُرْحَمونَ"

 وقد تردد القطع واليقين في سورة النمل، من ذلك قوله تعالى على لسان الهدهد: "أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ"النمل:22 ، وقوله على لسان العفريت لسيدنا سليمان: "أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ" النمل: 39  وقوله على لسان الذي عنده علم من الكتاب: "أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ " النمل:40

فانظر كيف ناسب الترجي ما ورد في القصص، وناسب القطع واليقين ما ورد في النمل.

ثم انظر بعد ذلك قوله تعالى في القصة: "سَآتيكُمْ مِنْها بِخَبَر" ومناسبته لقوله تعالى في آخر السورة: "الْحَمْدُ لِلّه سَيُريكُمْ آيَلتِهِ فَتَعْرِفوَها 93" وانظر مناسبة "سَآتيكُمْ" لـ "سَيُرِيَكُمْ".

 وبعد كل ذلك، انظر كيف تم وضع كل تعبير في موطنه اللائق به.

v      كرّر فعل الإتيان في النمل، فقال: "سَآتيكُمْ مِنها بِخَبَر أوْ آتيكُمْ بِشِهابٍ"،  ولم يكرره في القصص، بل قال: "لَعَلّي آتيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أوْ جَذْوَةٍ"

 فأكد الإتيان في سورة النمل لقوة يقينه وثقته بنفسه، والتوكيد يدل على القوة، في حين لم يكرر فعل الإتيان في القصص مناسبة لجو الخوف.

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى إن فعل (الإتيان) تكرر في النمل اثنتي عشرة مرة. (انظر الآيات: 7 مرتين، 18، 21، 28، 37، 38، 39، 40، 54، 55، 87)

وتكرر في القصص ست مرات (انظر الآيات 29، 30، 46، 49، 71، 72) فناسب تكرار (آتيكم) في النمل من كل وجه.