حلقات برنامج لمسات بيانية
لمسات بيانية في آي القرآن الكريم للأستاذ الدكتور فاضل صالح السامرائي
الدورة البرامجية الجديدة في قناة الشارقة (11/2/2007م)
تابع سورة الحديد:
نظرة عامة على الآية (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (3)):
قال تعالى (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) الأول الذي ليس لوجوده بداية وهو قبل كل شيء، الآخر الذي ليس لوجوده نهاية، ليس لوجوده بداية وليس لوجوده نهاية، ليس بعده شيء لأنه آخر (هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ (88) القصص) هذا من حيث الدلالة. الظاهر لها دلالتان في اللغة وهما مقصودان في الآية: الأول: الظاهر هو الذي ظهر للعقول بالدلائل، تجلّى للعقول بالدلائل التي أقامها على وجوده فهو ظاهر (أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ (10) إبراهيم) إذن هو ظاهر ظهر بآياته ومعجزاته الدالة في الكون. إذن الظاهر الذي ظهر للعقول وتجلّى كما قال أحدهم: لو كُشِف الحجاب ما ازددت يقيناً. والظاهر يأتي بمعنى الغالب في اللغة أي العالي على كل شيء من الظهور أي الغَلَبة (فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (14) الصف) ظاهرين أي غالبين. إذن الظاهر لها دلالتان: الذي ظهر للعقول وتجلى للعقول بآياته والظاهر هو الغالب القهّار. الباطن أيضاً لها دلالتان، الأولى: غير المدرك بالحواس المحتجب عن الأبصار كما قال تعالى (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103) الأنعام)، والباطن أيضاً الذي يعلم كل شيء وويعلم بواطن الأمور وخفاياها، ما ظهر وما بطن من الأمور. إذن الظاهر لها دلالتان والباطن لها دلالتان هذا من حيث اللغة. الكلمة أحياناً يكون لها أكثر من دلالة تُراد ويحتملها السياق. هو اذن الذي تجلى وهو الغالب القهار وهو المحتجب عن الأبصار الذي لا تدركه الأبصار وهو الذي يعلم خفايا الأمور وبواطنها.
تعريف الصفات: ما قال تعالى: هو أول آخر ظاهر باطن وإنما قال (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ) بالتعريف لأن التعريف هو للقصر أي أنه لا يشاركه في هذه الصفات أحد يعني ليس معه أول ولو قال هو أول يحتمل أن يشاركه أحد أما الأول فهي حصر، تحديداً والآخر تحديداً والظاهر إذن لا يشاركه في هذه الصفات أحد ولا شيء. الأمر الآخر أنه لم يقيّد هذه الصفات بشيء لا بإضافة ولا وصف فلم يقل مثلاً هو أول الحكماء، أول الأغنياء، الأول في كذا وبعد ذلك تتقيد الأولية بما أضاف أو بما يليها. هذه مطلقة لم يقيدها بشيء إذن هو الأول على الإطلاق ليس بموجب شيء معين ولا مقيد بأمر معين، هو الأول. الأول بالنسبة لمن؟ ومتى؟ لكل شيء فهو سبحانه قبل الزمن وكلمة الأول تخرج من نطاق الزمن ولو أراد أن يقيدها لقيدها فأنت يمكن أن تقول: هو الأول في الفصل مثلاً، هو الأول في السباق. لو قلت هذا الطالب هو الأول هذه يحددها أنت ما يريد فقد تكون القرينة مقولة وقد تكون مفهومة من السياق والمقام هو الذي يحدد وليس من الضروري أن تنطق كل القرائن. هنا في هذه الآية ليس من قرينة تحدد فهو الأول والآخر والظاهر والباطن على الإطلاق وعلى القصر والتعريف هنا يفيد القصر وعدم التقييد يفيد الإطلاق.
فائدة العطف في (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ):
ما قال تعالى هو الأول الآخر كما قال في موضع آخر (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (23) الحشر) لأن العطف يأتي في الصفات فيما تباعَد من الصفات لأنه يصير أمراً مستغرباً، أما في الصفات القريبة فلا يؤتى بالعطف. أحياناً تأتي الواو للإهتمام وللتباعد ما بين الصفات. إذا كانت الصفات متباعدة يؤتى بالواو يعني ليست متقاربة من حيث أحداثها، مثلاً أنت تقول تتكلم مع شخص عن فلان وهو يعرفه لكن لا يعلم مثلاً أنه شاعر فتقول له: هو شاعر، فيقول : هو شاعر؟ فتقول وطبيب، الشعر والطب متباعد فيقول وطبيب؟ يستغرب من إجتماع هذه الصفات المتباعدة التي لا يعلمها هو في شخص، لذا تأتي الواو فإذا تباعدت الصفات فيحسن الإتيان بالواو. (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ) الأول والآخر والظاهر والباطن صفات متباعدة ليست مثل العزيز الحكيم المتقاربة العزة والحكم متقاربة لكن الأول والآخر منتهى التباعد والظاهر والباطن منتهى التباعد.
هذه الآية دلّت على إبطال الشِرك: هو الأول إذن ليس معه شريك إذن دلت على إبطال الشرك لأنه الأول إذن ليس معه شريك وأنه الغني المطلق، هو الأول إذن كل ما نراه من الأمور هو الذي أوجدها لأنه هو الأول لأنه هو الغني المطلق لا يحتاج إلى شيء لأنه قبل كل شيء الخالق القادر. ثم دل قوله (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) على العلم المطلق فهو الإله الحق في العلم والغنى والقدرة والوجود وعدم الشرك. (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) أي محيط علمه بكل شيء في الكون.
ما دلالة استخدام صيغة عليم ولم يقل عالم أو علام؟
عليم صيغة مبالغة على وزن فعيل، علاّم أيضاً صيغة مبالغة على وزن فعّال، عالم إسم فاعل. مبالغة تعني كثرة في الأشياء، هو القرآن له تخصيصات في الإستعمال أحياناً يخصص بعض المفردات بمعنىً معين وإستعمال معين ودلالة معينة بما يدل على القصد في الإستعمال. سابقاً فيما قبل، العرب لغوياً يقولون الريح والرياح ويستعملون الريح للشر والرياح للخير، والقاعدين في القرآن القاعدين عن الجهاد مع أن القعود هو ضد القيام لكن القرآن خصصها هكذا. ليس كلام العرب التخصيص ولكن القرآن يخصص في الإستعمال. إنما هو يخصصها بمعنى من المعاني وهذا يدل على التحديد والإرادة في التخصيص. لما يخصص كلمة بمعنى معين مثلاً الصلاة خصصها بمعنى واحد وهو العبادة، الصوم والصيام، الصيام خصصها للعبادة في القرآن والصوم خصصها الصمت ولا تجد في القرآن كلمة صوم للعبادة وإنما كلمة صيام (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ (183) البقرة) بينما الصوم خصصها للصمت (إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا (26) مريم) الصوم عن الكلام. القرآن أحياناً يخصص المفردة بمعنى من معانيها. اللمسة البيانية في هذا التخصيص يدل على القصد في التعبير أنه ليس كلاماً ملقى هكذا لكنه مقصود.
كلمة عالِم في القرآن لم ترد إلا في عالم الغيب مفرداً أو الغيب والشهادة، إما الغيب وإما الغيب والشهادة في القرآن كله لم ترد كلمة عالِم في 14 موضعاً لم ترد بمعنى آخر. مقترنة بالغيب (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) الجن) أو بالغيب والشهادة (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (73) الأنعام) أو لم تقترن (عالِم) إسم فاعل لا يدل على الكثير عادة فاستعملها بالمفرد الذي لا يدل على التكثير. (عليم) خصصها للغيوب (وَأَنَّ اللّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (78) التوبة) لا تجد كلمة علام في القرآن في غير علام الغيوب ولم ترد إلا مع الغيوب جمع الغيب مجموعة، العلاّم كثرة والغيوب كثرة مثل سمّاع وسميع في القرآن: سمّاع استعملها في الذمّ (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ (41) المائدة) (وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ (47) التوبة) وسميع إستعملها تعالى لنفسه (وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) واستعملها في الثناء على الإنسان (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2) الإنسان) وسماع لم يستعملها إلا في الذم. إذن القرآن يخصص في الاستعمال. عليم مطلقة ويستعملها في كل المعلومات على سبيل الإطلاق (بكل شيء عليم) يستعملها إما للإطلاق على الكثير أو يطلقها بدون تقييد (واسع عليم) أو يستعملها مع الجمع أو فعل الجمع. مثلاً لما يقول (وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79) يونس) هذه مطلقة (كل) تدل على العموم، (بكل شيء عليم) هذا إطلاق، أو على العموم. قلنا إذن يستعملها مطلقة (إِنَّ اللّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ)، أو عامة (بكل شيء عليم) أو مع الجمع أو مع فعل الجمع. مع الجمع (وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمينَ) جمع، (فَإِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ) جمع، (وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ) جمع، (إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) جمع. إما أن تستعمل عامة مع لكل الخلق، كل شيء أو مطلقة (واسع عليم) (سميع عليم) ليست مقيدة بشيء أو بالجمع (المتقين، المفسدين، الظالمين، بذات الصدور) أو بفعل الجمع (وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ (215) البقرة) لم يقل وما تفعل من خير، (وَاللّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (19) يوسف) (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (28) النور) للجمع أو فعل الجمع. إذن كلمة عليم لم تحدد بشيء معين إما للعموم أو كونها مطلقة من كل شيء أو مع الجمع أو مع فعل الجمع لم يأت مع متعلق مفرد مطلقاً في القرآن لا تجد عليم بفلان أو بفعل فلان. علاّم محددة، عالِم محددة، عليم هذه استعمالاتها. إذا أراد أحدهم أن يدرس هذه الاستعمالات تدرس في باب تخصيص الألفاظ القرآنية، هذه ظاهرة في القرآن وقد نأخذ عليها عدة حلقات لاحقاً.
هذه الآية مرتبطة بما بعدها: الأول مرتبط بقوله (هو الذي خلق السموات والأرض) الذي خلق السموات والأرض هو الأول، الآخر مرتبط بقوله (وإلى الله ترجع الأمور)، الظاهر قلنا لها معنيان إذا كان بمعنى الغالب يقول بعدها (له ملك السموات والأرض) فالذي له الملك غالب، وإذا كان بمعنى المتجلي للعباد (الذي خلق السموات والأرض) لأن السموات والأرض آيات دالة على وجوده، الباطن إذا كانت بمعنى المحتجب يرتبط بقوله (وهو معكم أينما كنتم) وإذا كان بمعنى الذي يعلم بواطن الأمور وخفاياها فيرتبط بقوله (وهو عليم بذات الصدور) (وهو بكل شيء عليم). إذن الآية مرتبطة إرتباطاً بما قبلها وهذه سمة في القرآن الكريم كل كلماته مرتبطة وسبق أن قلنا أن الرازي يقول أن سور القرآن كلها كالآية الواحدة بل كالكلمة الواحدة في ترابطها.
نظرة عامة على الآية (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (4)):
قوله تعالى (الذي خلق السموات والأرض) يدل على أنه المالِك لهما هو خلقهما إذن هو المالِك إضافة إلى أنه الأول هو الخالق إذن هو المالك. دل قوله في قوله (له ملك السموات والأرض) قبلها وبعدها على أنه هو المالك إذن هو المالك وقبلها وبعدها هو الملِك لأن المُلك من الحكم هو ملك مالك إذن هو مالك الملك كما قال تعالى في آية أخرى (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ (26) آل عمران). المُلك من الحُكم (أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْر (51) الزخرف) صاحبه ملِك، المِلك بكسر الميم من التملّك البيع والشراء صاحبه مالك. المُلك بضم الميم صاحبه ملِك والمِلك بكسر الميم صاحبه مالِك. (له ملك السموات والأرض) إذن هو الملِك. كل من الملِك والمالك له تصرف يختلف عن الآخر. لما قال له مُلك يعني هو ملِك، فرعون ملِك مصر لكنه ليس مالكاً لها، هو يحكم ولا يملك أما الله سبحانه وتعالى ذكر أكرين: له ملك إذن هو ملِك وقال خلق السموات والأرض إذن هو مالك إذن هو مالك الملك السموات والأرض هو خلقخما فهي ملكه وهو الملِك المالِك كما قال في آية أخرى (مالك الملك). المُلك هو مِلكه كما يملك المالك أي شيء ولذلك في سورة الفاتحة نزلت الآية مرتين (مالِك يوم الدين) ونرلت (ملِك يوم الدين) قراءتين متواترتين وكان الرسول r يقرأ بهما حتى يجمع معنى مالك الملك ينبغي أن تنزل مرتين: مالِك تدل على معنى وملِك تدل على معنى وهو مالك وملك فأنزلها ربنا تعالى مرتين مرة مالك ومرة ملك. إذن الذي خلق السموات والأرض هو يملكهما وقال قبلها وبعدها (له ما في السموات والأرض) إذن هو الملِك إذن هو مالك المُلك. لما كان كل من الملِك والمالِك كلاهما ينبغي أن لا يندّ عنه في ملكه شيء. المالك ينبغي أن يعلم كل شيء عما يملكه. المالك ينبغي أن يعلم ماذا يملك والملك ينبغي أن يعلم ماذا يملك، إذن كلاهما المالك والملك ينبغي أن يعلما عن ملكه أو عن ما يملك إذا كان مالكاً ولما كان ربنا سبحانه وتعالى مالك الملك إذن ينبغي أن يعلم كل شيء في مِلكه فقال (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) لأنه لا يصح لملك أو مالك أن لا يعلم شيئاً فيما يملك ولذلك لا يندّ عنه في ملكوته شيء لا المسكن ولا الساكن في الأرض ولا في السماء كلها. وليس ذلك فقط، ليس يعلم فقط وإنما أول مرة ذكر العلم المطلق (يعلم ما يلج) ليس ذلك فقط وإنما هو يُبصر ما فيهما (بما تعملون بصير) ليس العلم فقط لأن العلم قد يأتي عن طريق الإخبار. الفرق بين العليم والبصير أن العليم قد يأتي عن طريق الخبر وليس بالضرورة أن يرى فالملِك قد تأتيه الأخبار دون أن يبصر. هذه مرحلة أخرى ليس فقط يعلم وإنما هو يُبصر أيضاً (والله بما تعملون بصير) وأيضاً له مرتبة فوق الإبصار وهي المعيّة والمصاحبة (وهو معكم) لأن البصير قد يبصر عن بعيد، معكم تفيد أنه معنا (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) ق) (والله معكم أينما كنتم) فهذه مرحلة فوق الإبصار، وله مرتبة فوق ذلك في الآية وليس فقط المعية والمصاحبة وإنما هو يعلم ماذا نفعل والسبب ظاهراً وباطناً ويعلم عمل كل عامل لِمَ عمله؟ لأنه أحياناً أنت ترى الإنسان يعمل عملاً وأنت لا تعلم لِمَ فعل ذلك؟ الله تعالى ليس فقط يعلم العمل ولا يبصره ولا معه وإنما يعلم لِمَ فعله. (بما تعملون بصير) بصير لها معنيان: البصر الرؤية هو سبحانه يرى لأنه قال (قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46) طه) ولكن ليس كرؤيتنا لأنه كل ما خطر ببالك فالله خلاف ذلك. تأتي البصر بمعنى الرؤية وتأتي بمعنى علِم دواخل النفوس بصير بما يعمل العاملون. بصير ليست بمعنى واحد (قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ (96) طه) هذا بصر وبصير بالشيء أي بدواخل الأمور.
هذه الآية ذكرت كل مراتب العلم:
عليم (يعلم ما يلج ) إذن هو يعلم الداخل والخارج والصاعد والنازل، هذا العلم.
مصاحب لنا أينما كنا (وهو معكم أينما كنتم)
مبصر لأعمالنا (والله بما تعملون بصير)
ويعلم لِمَ فعلنا ذلك
إذن إستوفى كل مراتب العلم وهذا يتناسب مع الآية السابقة (وهو بكل شيء عليم) وارتبطت بها ارتباطاً. في الآية السابقة قال تعالى (وهو بكل شيء عليم) وهذه الآية (والله بما تعملون بصير) لم يقل وهو بما تعملون بصير مع أنه استعمل (هو) في الآية لأنه تكرر الضمير (هو) فأراد أن يغير.
عرفنا ترتيب الآية وهيكلها لكن ننظر الآن كيف استعملها؟ لو لاحظنا قال (يعلم ما يلج في الأرض) لم يقل يعلم ما يولِج في الأرض (يلج بمعنى يدخل) أي يعلم ما يولجه هو، الله تعالى من قدرته أنه يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل إنما قال (يلج) أي يدخل، من حيث العلم عادةً الشخص الفرد يعلم ما يفعله هو ولو قال يولج لكان طبيعياً أنه يعلم ما يفعله هو وما يولجه هو، هذه قدرة (يولج) وتلك علم (يلج) لكن لما قال (يلج) فهذا يدل على العلم، هو ما قال يعلم ما يولِج لأنه قطعاً هو يولِج فهو يعلم لكنه قال (يلج) هذا يدل على العلم. وقال (وما يخرج) وما قال وما يُخرِج وقال وما ينزل ما قال وما يُنزِل وقال وما يعرج ولم يقل وما يُعرِج وهذا يدل على العلم فقال ما يدل على العلم هذا أمر. والأمر الآخر قدّم تعالى ما يتعلق بالأرض على ما يتعلق بالسماء (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا) لأن الكلام على أهل الأرض (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ) إذن لما كان الكلام على أهل الأرض يتكلم عن مسكنهم لما قال (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) يتكلم عن الأرض فيبدأ بأهل الأرض. مع أنه قال (خلق السموات والأرض) قدّم السموات هنا لأن خلق السموات أسبق. لكن هنا يتكلم عن العلم فقدّم الأرض.
الأمر الآخر من الناحية الفنية ناسب بين صورتين فيما يتعلق بالأرض والسماء، صورة فنية: بالنسبة للأرض قال (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا) وفي السماء قال (وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا) وفي الأرض قال (ما يلج) وفي السماء (وما ينزل) وكلاهما نزول إلى أسفل (ما يلج في الأرض) إنزال ودخول. هذه ما يلج في الأرض ينزل فيها وكثير مما ينزل من السماء هو يلج في الأرض من مطر وغيره. ثم قال (وما يخرج منها) و (وما يعرج فيها) وكلاهما إرتفاع وعلو. إذن من الناحية الفنية ناسب وليس فقط إختيار مفردات لكن يناسب بين الصور: ما يلج وما ينزل، وما يخرج وما يعرج وكما قلنا أن كثيراً مما ينزل قد يلج في الأرض وكثيراً مما يخرج يعرج إلى السماء: (وما يخرج منها) فيها احتمالين ما يخرج منها من الحشرات والنبات أو ما يخرج من محيطها. هذه الفكرة العامة عن الآية.
ما دلالة استخدام بعض الأفعال المحددة: السموات جمع والأرض مفرد؟
القرآن لم يذكر الأرض بالجمع مطلقاً، السموات سبع ولم يجمع كلمة الأرض في القرآن أبداً وإنما قال (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ (12) الطلاق) أما في الحديث فجمع الأرض على أرضين "طوِّق من سبع أراضين". (من السماء) لم يقل السموات لأن السموات ذكرها مع الخلق.
بُثّت الحلقة بتاريخ 26/2/2007م
سؤال 8: لماذا جاءت كلمة (واستوى) مع موسى u في الآية (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (14) القصص) بينما لم ترد مع يوسف u (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (22) يوسف)؟
إستوى في اللغة معناها إكتمل شبابه واكتملت قوته، إكتمال الشباب والقوة. نلاحظ السياق الذي وردت فيه استوى واضح موطن القوة البدنية (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا (15) القصص) هذا منتهى القوة، عندما ذهب إلى مدين (وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24)) الصخرة على البئر تحتاج لعشرة أشخاص رفعها موسى u وحده وسقى لابنتي شعيب، بنت الرجل الصالح قالت (قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (26) القصص) هذا كله يناسب استوى أما مع يوسف u لم يذكر شيء من هذا، لما كان هناك ما يتعلق بالقوة ذكر استوى. يوسف u كان في السجن (وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23) يوسف) ليس هناك داعي لذكر استوى. بلغ أشده أي بلغ العمر المناسب قسم يقول ثلاثين وقسم يقول أربعين. مع يوسف u لم يكن هناك داعي لذكر موقف القوة ولا ندري إن كان قوياً أم لا. المناسب أن يذكر استوى في قصة موسى u لأنها تدل على القوة. استوى مناسبة في الآية.
سؤال 9: في سورة ق قال تعالى (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (12) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (13) وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (14) ق) لم يقل في الأنبياء الآخرين (إخوان) ولكن قال (وإخوان لوط) مع أنه ورد في القرآن في موضع آخر (قوم لوط)؟
هذا السؤال سُئل للدكتور حسام النعيمي بشكل آخر فأجاب عنه إجابة بديعة. قوم لوط في معاصيهم لا يشبهون معاصي قوم أي نبي آخر، حالة خاصة وهي حالة إتيان الذكور من العالمين (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ (80) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ (81) الأعراف) هذه لم ترد في الأنبياء الآخرين وما سبقهم بها من أحد. في قصة سيدنا لوط ما قال لهم كما قال الأنبياء الآخرون (اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) مع أنه في سورة الشعراء قال كما قال الأنبياء الآخرون (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (163) الشعراء) لكن التركيز على هذه الفاحشة إتيان الذكور من العالمين وهذه المعصية قضية خاصة بالذكور لا بالإناث، خاصة بالذكور وإخوان لوط ذكور وليست أخوات، الرجال، الذكور يأتون الذكور بخلاف الأقوام الأخرى التي هي عامة ولا يقول قوم لأن هذا يدل على العموم، عموم القوم أما إخوان لوط فالتركيز على هذه المسألة (إتيان الذكور) فقال إخوان لوط لا إخوان صالح أو إخوان هود.
قوم لوط وردت في العقوبة صحيح أن الفاحشة عمّت الذكور لكن القوم كذبوا وحتى النساء كذبت، وما وردت كلمة قوم لوط في القرآن إلا في عقوبة القوم وبعدها تأتي الآيات أنه أهلكهم، والعقوبة لا تخص الذكور وإنما هي عامة. أصل المسألة أن هذه المعصية (إتيان الذكور) ما سبقهم بها من أحد فقال إخوان لوط ولم يذكر عقوبة وإنما قال (فكيف كان وعيد) لكن كل المواطن التي ورد فيها قوم لوط يذكر بعدها العقوبة والعقوبة لا تخص الذكور وإنما القوم كلهم. فكلمة قوم لوط وردت في العقوبة لأن العقوبة عمّتهم.
سؤال 10: إعادة توضيح الفرق بين الآيتين في سورة الأنعام (وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (99)) و (وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (141))
الآيتان في سورة الأنعام، الأولى جاءت في بيان قدرة الله من قوله (إِنَّ اللّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (95) فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (96)) الآيات في سياق بيان قدرة الله. الآية الأخرى وردت في سياق الأطعمة، قبلها آيات عن الأطعمة (وَقَالُواْ هَـذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَن نّشَاء بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لاَّ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاء عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ (138)) (وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (141)) السياق في الأطعمة (قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (145) وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُونَ (146)) هذه الآية وقعت في سياق بيان المطعومات وتلك الآية وقعت في سياق بيان قدرة الله. الآية الأولى (وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (99)) انظروا فيها تدبر أما في الآية الثانية (وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)هذه في المطعوم.
نأتي إلى الإستعمال: المُشتبِه هو الملتبس من شدة التشابه، إشتبهت عليه القِبلة أي إلتبست. المتشابه قد يكون فيه صفة متشابهة واحدة لكن لا يؤدي إلى الإلتباس ويسهل التفريق بينهما في معنى من المعاني وليس بالضرورة أن يؤدي إلى الإلتباس. أما الاشتباه لكثرة التشابه فيما بينهم يلتبس عليكم هذا الشيء. يقال إشتبه عليه الأمر أي إلتبس عليه الأمر ، هذا من حيث اللغة إشتبه وتشابه، أيها الأدلّ على قدرة الله؟ أن يجعله متشابهاً أو مشتبهاً؟ أن يجعله مشتبهاً أدل على قدرة الله تعالى فجعلها في سياق بيان قدرة الله (انظروا إلى ثمره). المتشابه جعلها في سياق الأكل.
النفي (وغير متشابه): قال في الحالتين (وغير متشابه) لأنه لو قال "وغير مشتبه" قد يكون متشابهاً لأن شيئين قد يتشابهان ولكن لا يشتبهان وقد يشبه شيء شيئاً من دون إلتباس. ولو قال "وغير متشبهاً" قد يكون متشابهاً، غير ملتبس وقد يكون متشابه، إذن نفي التشابه ينفي الإشتباه والالتباس. لما يقول (وغير متشابه) يعني قطعاً غير مشتبه، نفى الإثنين معاً. وإذا قال وغير مشتبه ليس بالضرورة أن ينفي التشابه هو غير ملتبس ولكن قد يكون متشابهاً والله تعالى أراد أن ينفي الإثنين. فلما قال (غير متشابه) يعني غير أيضاً مشتبه فإذن في الحالتين قال غير متشابه فنفى التشابه في الحالتين لأنه لو قال في الأولى غير مشتبه قد يكون متشابهاً. وهذا أدلّ على قدرة الله يفعل ما يشاء.
سؤال 11: ما مدلول (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) أقسم تعالى بالفلق مقابل أربعة أشياء فهل للفلق عظمة كبيرة حتى أقسم الله تعالى به؟
المشهور في الفلق أنه الصبح وأيضاً في اللغة هو الخَلْق كله (فالق الإصباح). الفلق في اللغة: الصبح والشقّ والخلْق، الخلْق كله فَلَق هذا من حيث اللغة. إذا كان بمعنى الخَلْق فإذن إرتباطها بالمعنى واضح لأنه كله من الخلق (من شر ما خلق، من شر غاسق إذا وقب، من شر النفاثات في العقد، من شر حاسد إذا حسد). إذا كان بهذا المعنى اللغوي فهذا خلْق ولكن رتبها ترتيباً وانتقل من العام إلى الخاص (من شر ما خلق) هذا عام أي كل ما خلق، ثم يأتي إلى الأخص (غاسق إذا وقب) أي الليل إذا إعتكر ظلامه هذا أخص لأنه من جملة ما خلق، الغاسق هو الليل إذا اعتكر ظلامه ووقب يعني دخل أي إذا دخل الليل المظلم البهيم. إذا كان الفلق بمعنى الخَلْق وهو معنى لغوي موجود فهي مرتبطة بما بعدها بشكل واضح، كله فلْق فقط رتبها ترتيباً بيانياً وانتقل فيها من العام إلى الخاص: (من شر ما خلق) هذا عام، كل ما خلق، (من شر غاسق إذا وقب) أخص، (من شر النفاثات في العقد) هذا أخص وأقل لأن كل يوم يدخل الليل لكن كم عدد النفاثات؟، (من شر حاسد إذا حسد) أخص وأقل، النفاثات جمع وحاسد مفرد إنتقل من العام إلى الخاص ورتبها ترتيباً بيانياً وهذه قمة البلاغة وهي مقصودة أن ترتب ترتيباً بيانياً فنياً بدقة متناهية.
إذا كان الفلق بمعنى الصبح (من شر غاسق إذا وقب) الفلق يعقب الغاسق أو الليل، فإذا كان المقصود بالفلق هو الصبح فارتباطها بما بعدها واضح (من شر غاسق إذا وقب) وهو الليل، والله تعالى يزيل ظلمة الليل ويزيل شروره ويأتي بفلق الصبح والقادر على إزالة ظلمة الليل قادر على إزالة ما بعده من الشرور التي ذكرها (من شر النفاثات في العقد) المسحور في ظلام لا يتبين أمره و (من شر حاسد إذا حسد) والمحسود في ظلام، هذا كله ظلام. الذي أزال ظلمة الليل (غاسق إذا وقب) وجاء بالفلق يزيل كل الشرور ظلمة المسحور والحاسد فاستعذ بالله يزيل عند هذه الشرور، يستعين لها الإنسان بالله تعالى. سواء كان الفلق الخلق أو الصبح فارتباطها واضح والفلق يأتي بمعنى الشقّ كأنه يفلق الصبح من ظلام الليل.
سؤال من المقدم: في سورة الفلق الإستعاذة بواحدة ثم إستعاذ من كثير أما في سورة الناس فاستعاذ بكثير من واحدة فقط فما اللمسة البيانية؟
ما ذكره في سورة الناس أخطر مما ذكره في سورة الفلق. أولاً سورة الفلق الشخص إستعاذ من أمور ليس له فيها حيلة (من شر ما خلق، من شر غاسق إذا وقب، من شر النفاثات في العقد، من شر حاسد إذا حسد) وإذا وقعت عليه وقعت في صحيفة حسناته إذا كان صابراً محتسباً، إذا وقع على الإنسان شر من أي من هذه الشرور يصبر ويُثاب. في سورة الناس تدخل في قائمة سيئاته ويحاسب عليها في الدنيا والآخرة (من شر الوسواس الخناس) الذي يدفعه ليسيء في حق نفسه وحق الآخرين (الذي يوسوس في صدور الناس). كل الأمور في الشرور هي من شر الوسواس الخناس سواء كان ذلك في حق نفسه أو في حق الآخرين وحاسب عليها في الدنيا والآخرة. إذا اعتدى على الآخرين يحاسب في الدنيا إذا طاله القانون ويحاسب عليها في الآخرة إذا لم يأخذ العقاب في الدنيا. لذا هي أخطر لذا قال (قل أعوذ برب الناس، ملك الناس، إله الناس) ثلاثة أشياء ورتبها ترتيباً عجيباً: رتبها بأن هذه الأمور المذكورة هي هكذا دفع الشرور بين الناس في تعامل الحياة. إذا وقعت للإنسان مشكلة لا يعرف أن يحلها يستعين أولاً بأهل الخبرة وهم الرب والرب هو المرشد والموجّه والمعلم والمربي (رب)، فإذا لم تحل المشكلة يلجأ للسلطة والقضاء (ملك) فإذا لم تحل بالقضاء يلجأ لرب العالمين يحلّها (الله)، هذا التعامل في الحياة رتبها تعالى في سورة الناس. الرب هو المرشد والموجه والمعلم فأنت تستعين بأهل الخبرة والمرشد والمعلم أو يوجهوك عندما يحصل لك مشكلة يوجهونك لكن لم تحل القضية تلجأ للقضاء (الملك) لم تحل، تلجأ لله تعالى. حتى الترتيب البياني ترتيب عجيب: في المضاف (رب، ملك، إله) إتجه من الكثرة إلى القلة وفي المضاف إليه إتجه من القلة إلى الكثرة (الناس). بدأ بالرب وقد يكون في المجتمع مرشدون وموجهون كثيرون، الملك أقل من الربّ (الموجهون وقد نقول رب الدار) في الدنيا، كم ملك في الدنيا؟ الإله أقل من الملك إذن إتجه من الرب (أكثر) إلى ما هو أقل (الملك) إلى الواحد الأحد (الإله) رتبها من الكثرة إلى القلة. المضاف إليه (كلمة الناس) رتبها من الكثرة إلى القلة: رب الناس لكل مجموعة من الناس لديهم من يعلّمهم، لكل مجموعة من يعلمهم فهو ربهم، ناس الملك أكثر من ناس الرب لأن الدولة فيها ملك واحد، وناس الإله أكثر من ناس الملك. سُنّة الحياة في الخصومات: رب، ملك، إله رتبها بالمضاف من الكثرة إلى القلة وبالمضاف إليه من القلة إلى الكثرة. ولم يأت بالواو ما قال رب الناس وملك الناس وإله الناس حتى يدل على أنها ذات واحدة لا تحتمل ذوات متعددة، والواو قد تفيد المغايرة. عندما حذف الواو أفاد أنها لذاتٍ واحدة. إذا استعذت بالرب فهو الله وإذا استعذت بالملك فهو الله وإذا استعذت بالإله فهو الله، ذات واحدة. لذا قال (قل أعوذ برب الناس، ملك الناس إله الناس).
لم ينتقد أحد في صدر الإسلام القرآن وإنما قالوا (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَـذَا (31) الأنفال) فلما تحداهم قولوا مثله ما قالوا لكن لما جاء الجهل في اللغة العربية وفي البلاغة بدأت الأسئلة. ومن أوتي بصراً في الأسلوب يقطع بأن هذا القرآن لا يمكن أن يكون كلام بشر.
سؤال 12: (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (60) الأنعام) فهل كلمة جرحتم هي من الجرح أو من الألم أو ما هو مدلولها في اللغة العربية؟
من معاني الجرح الفعل. الجرح هو الشقّ بالسيف أو الآلة والجوارح هي اليدين والرجلين وسميت جوارح لأنه يجرح بهما. اجترحوا السيئات أي اكتسبوها، فعلوها، وسميت الجوارح لأنه يجرح بهما الخير والشر يكتسب بهما. الجوارح هي الأعضاء العامة. ما جرحتم أي ما عملتم، ما كسبتم.
سؤال 13: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (97) النحل) هل المقصود حياة طيبة في الدنيا أو في الآخرة أو في الدنيا والآخرة معاً؟
قسم قال هي حياة الجنة وقسم قال هي مطلقة في الدنيا والآخرة لكن يجب أن نفهم ما الحياة الطيبة؟ قد ترى مؤمناً صالحاً يعيش في ضنك فما المقصود بالحياة الطيبة؟ في الدنيا هي الرضا بقضاء الله تعالى وقدره يرضى بقضاء الله وقدره ويستقبل قضاء الله وقدره بنفس رضية خاصة إذا علم أن هذا يدخل في قائمة حسناته. إذا وقع عليه شيء مما يكره واستقبله بصبر فهذا يدخل في قائمة حسناته لذا قسم من الناس كان يدعو الله تعالى أن يمتحنه لأنه يعلم بأن الله تعالى يمتحن الناس ويعطي الممتَحنين في الآخرة أموراً يتمنى الناس أن لو امتحنوا في حياتهم كلها. ففي هذه الحالة الرضا بقضاء الله وقدره واستقبال ذلك بنفس رضية فرق عن الآخر الذي لا يؤمن بالله يكون قلقاً
ثم هو الإيمان الذي هو من الأمن النفسي والأمن مشتقة من الإيمان، الذي يؤمن بالله هو في أمن نفسي ليس قلقاً بل هو في اطمئنان وكثير من الأمراض النفسية هي نتيجة القلق. لو أخذنا بهذه الدلالة الواسعة ستكون حياة طيبة في الدنيا والآخرة. لأن الإنسان لا بد أن يصيبه شيء فإذا كان مؤمناً سيستقبله بنفس رضية وسيكتبه تعالى له في ميزان حسناته والآخر يستقبله بقلق وشدة فيقلق. إذا أخذناها في هذا المعنى ستكون حياة طيبة في الدنيا والآخرة وحياة طيبة في الجنة.
الفرق بين الحياة والمعيشة أن الحياة عامة والمعيشة رزق.
سؤال 14: في الحديث الشريف: " كلٌ يُغفَر له الله إلا المجاهرون" تخريج المجاهرون بالرفع وليس بالنصب؟
أنا أعرف الحديث "كل أمتي معافى إلا المجاهرون" وسواء كان الحديث بهذه الصيغة أو تلك يبقى السؤال عن إعراب المجاهرون. (إلا) بمعنى غير. (إلا) تأتي بمعنى (غير) كما أن (غير) تأتي بمعنى (إلا) مثلاً الآية التي يستشهد بها النحاة (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا (22) الأنبياء) المفسرون والنُحاة قالوا (إلا) هنا بمعنى غير ولا يصح أن تكون أداة إستثناء، لا يجوز أن تكون أداة إستثناء لأنه لو أثبت الإستثناء لأثبت تعدد الآلهة وهذا يتنافى مع جلال الله تعالى. هذه الآية ظاهرة وهم يضعون لها شروطاً. فإذن هنا (إلا المجاهرون) أي غير المجاهرين فليس فيها إشكال.
إعراب (إلا اللهُ) في الآية (لو كان فيهما آلهة إلا الله): هذه فيها أمر (إلا) عند النحاة بمعنى (غير) ولا يجوز الإستثناء. وإعرابها النحاة مختلفون: قبلها مرفوع (آلهةٌ) والصفة تكون مرفوعة أيضاً، معنى الآية لو كان فيهما آلهة غير الله. إعرابها: قسم يقول (إلا اللهُ) صفة تكون مرفوعة، هي (إلا) صفة لكن الحركة ذهبت إلى ما بعدها على طريقة العاريّة. مثلاً عندنا في العربية (أل) قد تكون إسماً موصولاً، وصفة صريحة كما نقول أقبل القائمون، أقبل المسافرون، هي (أل) إسم الموصول ولكن الإعراب تخطّاها لما بعدها (مسافر)، (أل) هي المفروض أن تُعرب (رأيت البائع، مررت بالبائع) الإعراب يتخطاها لما بعدها مع أنها اسم موصول عن طريق العاريّة ينتقل الإعراب من (أل) إلى ما بعدها. وكما انتقل الإعراب من (أل) إلى ما بعدها في الآية أيضاً (إلا اللهُ) انتقل الإعراب من إلا إلى (اللهُ) هذا التخريج الأول وهو أشهر التخريجات.
التخريج الثاني أن (إلا) هنا داخلة على جملة مبتدأ حُذِف خبره. يعني إلا المجاهرون غير معافين. (إلا) لم تدخل على مفرد هنا وإنما على مبتدأ وخبر، المبتدأ مذكور وحُذِف الخبر جوازاً كما يقال: "كلهم أحرموا إلا أبو قتادة" يعني إلا أبو قتادة لم يُحرِم. في كلتا الحالتين سواء أعربناها صفة والإعراب سيكون على ما بعدها (العاريّة) أو داخلة على جملة مبتدأ وخبر محذوف (إِلَّا مَن تَوَلَّى وَكَفَرَ (23) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (24) الغاشية). (إلا اللهُ) صفة وآلهةٌ قبلها مرفوعة فجاءت (إلا اللهُ) مرفوعة.
بعض الآيات تستشكل على غير المتعلم أما المتعلم وأهل اللغة فيعرفونها. والقرآن ليس كتاباً نحوياً ولم يجمع أبواب النحو ولا جمل النحو مثلاً (لا سيما) لم ترد في القرآن. فالقرآن كتاب هداية وتوجيه وليس كتاب نحو ولم يجمع تعبيرات نحوية أو القواعد النحوية وكثير من المفردات والتعبيرات النحوية والأحوال غير موجودة في القرآن.
بُثّت الحلقة بتاريخ 1/3/2007م
أسئلة المشاهدين خلال حلقة 1/3/2007م:
ما معنى كلمة الجبت والطاغوت؟ وهل هي موجودة في لغة العرب؟ وهل هناك علاقة بين كلمة جبت وegypt ؟
هل توجد في القرآن كلمات غير عربية؟ وإذا وجدت كلمات غير عربية فكيف نفسر قوله تعالى (قرآناً عربياً)؟
ما إعراب كلمة (كلمةَ) في آية سورة الكهف (كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (5) الكهف)؟ من حيث الإعراب هذا يسمى الفاعل المفسَّر بالتمييز يعني كبرت الكلمة كلمة وتأتي في مواطن وقد نتكلم عن هذه لماذا يؤتى بمثل هذا في حلقة قادمة. الفاعل المفسر بالتمييز يأتي في الأمور المهمة كالتفخيم والتعظيم. كبُرت: فِعل، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي الكلمة، (كلمةً) تمييز. أصل الجملة كبرت الكلمةُ كلمةً تخرج من أفواههم، مثل قوله (ساء مثلاً القوم).
هل الزينة عائدة على الأرض في الآية (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (7) الكهف)؟ وإذا كانت عائدة على الأرض فهل هذا يعني أنه نحن كبشر ليس لنا الحق أن نتمتع بها.
ما دلالة عدم ذكر (هو) في الآية (وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) الشعراء) مع أنها ذكرت في آيات سابقة (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) الشعراء)؟ الناس والمذاهب والفلسفات لم تختلف في أن الله تعالى هو الذي يميت ثم يحيي لكنهم اختلفوا هل هو الله الذي يُطعِم والذي يسقي أو هو الإنسان؟ في الفلسفات القديمة قالوا خلق الإنسان الموتى لكن من نعّمنا؟ قال تعالى كلها ربنا يفعلها فما كان فيه خلاف أكّده (الذي هو يهدين، والذي هو يطعمني، فهو يشفين) كل الذي فيه خلاف أكّده والذي ليس فيه خلاف لم يحتاج لتوكيد (والذي يميتني ثم يحيين).
ما الفرق بين كلمة رب وكلمة الله في الآيات: (249) البقرة و (112) الأنعام و (137) الأنعام و (187) الأعراف؟
ما الفرق بين نفصّل ونصرّف ونبيّن؟
ما الفرق بين الآيات (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (11) آل عمران) و (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللّهِ فَأَخَذَهُمُ اللّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (52) الأنفال) و (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَونَ وَكُلٌّ كَانُواْ ظَالِمِينَ (54) الأنفال)؟ ما الفرق بين كذبوا بآياتنا وكفروا بآياتنا؟
في سورة النساء ختمت آية المواريث بالنسبة للذكور بقوله تعالى (إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيما حَكِيمًا (11)) وفي آية المواريث بالنسبة للأزواج ختمت بقوله (وَاللّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (12)) فما اللمسة البيانية في هذا الاختلاف؟
ورد في القرآن الكريم ذكر عصى موسى u بأوصاف مختلفة مرة جان ومرة ثعبان ومرة حية فما الفرق بينها؟
ورد ذكر السوء ومعه بجهالة في أكثر من موضع في القرآن ولم يذكر السيئات إلا مع نوع آخر من الذنوب التي لم يتوب منها فهل يمكن توضيح الفرق وما الفرق بين لفظ السوء والسيئات لغوياً؟
تتمة سورة الحديد
سؤال من المقدم: قال تعالى في سورة الحديد (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (4)) وقال في سورة سبأ (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (2)) اختلف ختام الآيتين وفي آية سورة سبأ لم يذكر (وهو معكم أينما كنتم) فما هي اللمسة البيانية في الآيتين؟
في الدراسات القرآنية السياق يوضح كثيراً من الإجابات عن الأسئلة. عندما نرى آيتين تختلفان في كلمة أو في ذِكر أو عدم ذِكر فالرجوع إلى السياق يوضح هذا الأمر كثيراً. لو لاحظنا هذه الآية في سورة الحديد (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ) قال تعالى قبلها (وهو بكل شيء عليم) هذا يدل على علمه وإحاطته بكل شيء، (وهو معكم أينما كنتم) هذا مناسب للعلم ويترابط معه. وبعدها قال تعالى (وهو عليم بذات الصدور) فهذه الآية متناسبة مع السياق التي وردت فيه وهو العِلم قبلها وبعدها (وهو معكم أينما كنتم) (والله بما تعلمون بصير) متناسب مع ما قبله (وهو بكل شيء عليم) ومتناسب مع ما بعده (وهو عليم بذات الصدور). هذا الموقع غير موجود في سورة سبأ، هذا أمر.
الأمر الآخر قال تعالى (وهو معكم أينما كنتم) في سورة الحديد وهذا يدل على المراقبة ولذا جاء بعدها بما يدل على معرفته بعَمَلنا قال (والله بما تعملون بصير). وفي سورة سبأ قال في ختام الآية (وهو الرحيم الغفور) وفي الحديد قال (والله بما تعملون بصير) هذا متناسب مع المراقبة (وهو معكم أينما كنتم). إذن في سبأ ختمها (وهو الرحيم الغفور) فأراد تعالى أن يرحم الناس بالرحمة والمغفرة فرفع ذِكر المراقبة، أليس من رحمته أن يرفع ذكر المراقبة؟ عدم ذكر المراقبة أنسب مع الرحمة والمغفرة، أن تراقب الإنسان في كل شيء هذا ليس من الرحمة إذن ختام الآية (وهو الرحيم الغفور) أراد الله تعالى أن يرحم الناس فرفع ذِكر المراقبة في آية سبأ بخلاف آية سورة الحديد التي فيها العِلم (وهو معكم أينما كنتم)، هذا أمر.
الأمر الآخر في آية سبأ ذكر الآخرة قبل الآية وبعدها، بدأت الآية في سورة سبأ (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (1)) الآخرة ليست وقت عمل ولا مراقبة وإنما وقت جزاء. الآية التي بعدها في الساعة (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ (3)) قبلها وبعدها الكلام في الساعة والساعة ليست لا وقت مراقبة ولا وقت عمل. آية الحديد (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (4)) إذن آية الحديد في بداية خلق السموات والأرض وهو زمان بداية الأعمال واستمرارها، وفي سورة سبأ زمان طيّ صفحة الأعمال، الآخرة هي طيّ صفحة الأعمال، فما قال (وهو معكم أينما كنتم) في آية سبأ لأنه ليس وقتها وانطوت صفحة الأعمال في الآخرة وانتهت فلذلك لم يذكرها بينما في سورة الحديد فهو زمان بداية الأعمال وزمان المراقبة (هو الذي خلق السموات والأرض) فإذن السياق مختلف: في سبأ في الآخرة وهو في طيّ صفحة الأعمال وفي الحديد في بداية صفحة الأعمال ولذلك وضع المراقبة مع السياق الذي يقتضي وضعها فيه ورفعها من السياق الذي لا يقتضي سواء كان في الآخرة أو في وقوعها ما يتعلق بالآخرة.
الأمر الآخر جو السورة أحياناً يظهر إختيار العبارات أو ذِكر أو عدم الذِكر: في سورة الحديد تردد فيها ذكر العلم والمراقبة (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (3)) (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (4)) (وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (6)) (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (10)) (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22)) (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ (25)) كلها عِلم، جو السورة يتردد فيه العلم. في سورة سبأ الذي شاع في جو السورة ذِكر الآخرة (وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ (1)) (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ (3)) (أُوْلَئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4)) (أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ (5)) (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (7)) (بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ (8)) (إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (21)) (وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ (23)) (قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (26)) (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (29)) (قُل لَّكُم مِّيعَادُ يَوْمٍ لَّا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ (30)) (وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (31)) (فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاء الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (37)) (وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (38)) (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاء إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (40)) (وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ (51)) إلى آخر السورة سورة سبأ شاع فيها ذِكر الآخرة، وفتحت بذكر الآخرة وختمت بذكر الآخرة وهذا لا يتناسب مع جو المراقبة. ذاك جو العِلم يتناسب مع (وهو معكم أينما كنتم). إذن في كل الأمور: ما قبل الآية وما بعدها، ختام كل آية من الآيات يتناسب، السياق، بداية الأعمال وطيّ صفحة الأعمال، كل هذا يتناسب مع وضع كل تعبير في مكانه. ثم ختمها بقوله (والله بما تعملون بصير) قدّم العمل على البصر لأنه ورد بعدها (وهم معكم أينما كنتم) قدّم عملهم لأن الكلام عليهم أنفسهم (وهو معكم أينما كنتم) ما قال بصير بما تعملون.
سؤال من المقدم: ما الحكمة من التكرار في القرآن؟
بحسب السياق الذي ترد فيه والغرض، هو كتاب هداية، هذا تصريف للآيات (كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (58) الأعراف) يأتي بها بصور شتى حتى تتردد في النفس وحتى تثبت في الذهن وحتى تثبت في القلب يردد معاني هنا وهناك إضافة إلى الإعجاز في التعبير، إختيار العبارات كل واحدة مناسبة في مكانها. خذ الرسل لما أتوا إلى أقوامهم أمروهم بأمر واحد (فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ) فهذا المعنى وهو يتعلق بدواعي الإيمان يثبتها بصور شتى، بأمور شتى وتصاريف شتى لأن القصد هو تثبيت العقيدة في النفس. تصريف الآيات هو ترتيبها وتغييرها من حالة إلى حالة حتى يثبتها في النفس فيأتي بمثال ويركز في كل مسألة على ما يريد أن يتحدث عنه. وقد يكون التكرار هو من أعذب الكلام في البلاغة حتى في الشعر وفي غير الشعر لما يقول الشاعر:
يا موقِد النار بالهندي والغار هيا اشتري حَزَناً يا موقِد النار
(فيا قفر معنٍ ويا قفر معنٍ) أحياناً التكرار يكون من أعذب الكلام في موطنه وله فوائد كثيرة.
ختمت الآية في سورة الحديد بـ (بما تعملون بصير) في آية الحديد يتناسب مع ذكر المراقبة (وهو معكم أينما كنتم) وفي آية سبأ السياق في الآخرة ذكر الرحمة (وهو الرحيم الغفور) فرفع ذِكر المراقبة لأنه أنسب مع الرحمة.
سؤال من المقدم: يقول تعالى (بما تعملون بصير) وفي آية أخرى يقول (بصير بما تعملون) فهل للتقديم والتأخير لمسة بيانية؟
التقديم والتأخير يأتي لسبب والسياق قد يكون الحاكم والموضح للأمور. إذا كان سياق الكلام أو الآية في العمل يقدّم العمل وإذا لم يكن السياق في العمل أو إذا كان الكلام على الله سبحانه وتعالى وصفاته يقدّم صفته. من باب تقديم العمل على البصر: (وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (110) البقرة) بهذا العمل بصير، إذا كان السياق عن العمل يقدم العمل على البصر وإذا كان الكلام ليس في السياق عن العمل أو الكلام على الله تعالى وصفاته يقدم صفته. (وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (265) البقرة) هذا إنفاق، (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (233) البقرة) (وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إَلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (237) البقرة) (وَإِنَّ كُـلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (111) هود) (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112) هود) الكلام على العمل فقدم العمل (أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (11) سبأ) قدم العمل، (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (40) فصلت) هذا في القرآن كله إذا كان الكلام ليس على العمل أو على الله تعالى (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (96) البقرة) ليس فيها عمل، (وَحَسِبُواْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ ثُمَّ تَابَ اللّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (71) المائدة) لا يوجد عمل، (إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18) الحجرات) يتكلم عن الله تعالى فيقدم صفة من صفات الله تعالى.
هذا في العِلم والخبرة والعمل وليس فقط في العلم والبصر وهذا خط عام في القرآن. (إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271) البقرة) هذا عمل فقدم العمل على الخبرة، (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (10) الحديد) الإنفاق عمل فقدم العمل، (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (234) البقرة) هذا عمل فقدم العمل. بصير وخبير تستعمل بحسب السياق. (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (88) النمل) ليس في الآية عمل فقدم الخبرة لأن الكلام ليس على عمل الإنسان ولكن على صنع الله الذي أتقن كل شيء.
نظرة عامة على آية سورة الحديد (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ (5)):
في الآية التي قبلها ذكر خلق السموات والأرض (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ) الصانع قد لا يكون ملكاً، خلق السموات والأرض هو خلقها، هو صنعها. الخلق قد يكون ابتداء أي سوّاها وقد يكون صنعها (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ (88) النمل) الصناعة لا تقتضي أن يكون ملِكاً، صانع الشيء ليس بالضرورة أن يكون ملكاً حاكماً. الآية الأولى قال (هو الذي خلق السموات والأرض) فعلها وسوّاها، الصانع قد لا يكون ملكاً. هذه الآية قال (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ) يعني هو الملك وليس فقط الصانع، هو الصانع وهو الملك وقلنا أن المُلك هو من الحُكم والملِك من التملك. هذه الآية قال (له ملك السموات والأرض) تدل على المُلك وقبلها يدل على الملكية (هو الذي خلق السموات والأرض). كلمة خلق يصح نسبتها للإنسان (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14) المؤمنون) هذا ممكن لأن عيسى u قال (أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ (49) آل عمران). هل بالضرورة أن يكون الخالق ملكاً؟ ليس بالضرورة أن يكون ملكاً فأناس كثيرون يصنعون أشياء لكنهم ليسوا ملوكاً. قبلها قال (خلق السموات) هو صنعها (صنع الله الذي أتقن كل شيء) هذه واحدة. والآية بعدها هو ليس صانعاً فقط وإنما هو ملك أيضاً (له ملك السموات والأرض) هو الذي خلق تحديداً وله الملك تحديداً فإذن هو الملك وهو الصانع الذي صنع وهو الملك فلا ملِك سواه لأنه قدّم (له ملك) ليس هناك ملك سواه وإن ملكه ممتد بعد انقضاء الدنيا (له ملك السموات والأرض).
(وإلى الله ترجع الأمور): المفسرون يذكرون فيها أمرين: الأمور كلها ترجع إليه وهو الذي يقطع في الأمور ويبتّ فيها والمعنى الآخر إثبات المعاد أي الآخرة (فإذن هو الذي يقطع ويبتّ فيها وليس هنالك ذاتٌ إلا الله حصراً وليس هناك جهة أخرى تقطع في الأمور وتبتّ فيها كل أمور السموات والأرض ترجع إلى الله حصراً هو يقطع فيها. وإثبات المعاد الآخرة. وتقديم الجار والمجرور تفيد الحصر (وإلى الله) لله فقط سواء المقصود المعاد (ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (11) السجدة) (إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (30) القيامة) إلى الله حصراً لا إلى جهة أخرى. لو قال: ترجع الأمور إلى الله ليس فيها حصر وقد يحتمل أن ترجع إلى شيء آخر. (له ملك السموات والأرض) ملك السموات والأرض له حصراً. التقديم والتأخير إذا كان التقديم على العامل (نقدم الفاعل على الفعل مثلاً صار مبتدأ، نقدم المفعول به على الفعل: أكرمت محمداً، محمداً أكرمت)، نعبدك - إياك نعبد، نستعينك – إياك نستعين، أي حصراً. إياك نعبد أصلها نعبدك فلما قدم الكاف (إياك) صارت العبادة حصراً لله تعالى لذا لم يقل إيانا إهدِ وإنما قال إهدنا الصراط المستقيم لأنه لا يصح ولا يجوز لأنها تعني اهدنا ولا تهدي أحداً غيرنا، خُصّنا بالهداية ولا تهدي أحداً سوانا، إهدنا أي خُصّنا بالهداية مثلما قال الأعرابي لرسول الله r: اللهم إرحمني ومحمداً ولا ترحم أحداً سوانا. فلا تقول: إياي ارزق لا تصح ولا تجوز وإنما قُل ارزقني لأن إياي ارزق تعني أنك تطلب الرزق فقط لنفسك. التقديم والتأخير لها دراسة مقصودة وفيها رسائل.
(يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (6)):
هذه فيها أمرين: فيها دلالة على القدرة (يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل) ارتبطت بقوله (وهو على كل شيء قدير) في أوائل السورة. إذن هذه (يولج الليل في النهار) دالة على القدرة. يولج بمعنى يُدخل.
سؤال من المقدم: ألا يدل يولج الليل في النهار على أنه يولج النهار في الليل أيضاً؟
يولج الليل في النهار لا تعني بالضرورة أنك تولج النهار في الليل وإنما جعل الإثنين ليشمل الليل والنهار. يولج أصلها من فعل ولج يلِج (يعلم ما يلج) الفعل في الأصل من دون زيادة: ولج يلِج ويلج بمعنى يدخل.
الفرق بين يلج ويدخل: يدخل أوسع وتستعمل في أشياء كثيرة (فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30) الفجر) كأنما الولوج في شيء يحتاج إلى ضيق والدخول أوسع.
إرتباط الآية بما قبلها وبعدها: هذه دلالة على القدرة (وهو عليم بذات الصدور) والآية فيها أمران: فيها القدرة وفيها العِلم. القدرة هي ما ارتبط بما قبلها (وهو على كل شيء قدير) والعِلم مرتبط أيضاً بما قبلها وما بعدها، قبلها قال (بكل شيء عليم) (وهو عليم بذات الصدور) ذات الصدور أي مكنوناتها وخفاياها. المكنونات والخفايا التي تلزم الصدور ولا تريد أن تطلع عليها أحداً. (ذات) مؤنث ذو، ذو للمذكر أي صاحب وذات للمؤنث أي صاحبة، نقول هو ذو مال أي صاحب مال، ذات الصدور أي الأشياء الخفية المختصة بالصدور، التي تملكها الصدور، المكنونات الخفية الملازمة لها.
(آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (7)):
سؤال من المقدم: ختمت هذه السورة بقوله تعالى (لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ) وفي سورة الإسراء قال تعالى (إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9)) بالتأكيد فما دلالة هذا التأكيد؟
أولاً نظرة عامة على الآية: أولاً: (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ) أمرهم بشيئين: الإيمان بالله والرسول والإنفاق. هذا الأمران يطبعان السورة إلى حد كبير الإيمان بالله والرسول وليس الإيمان على العموم، الإيمان بالله والرسول يشيع ذكرهما في السورة كلها لم يذكر أركان الإيمان الأخرى (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ (7)) ذكر قسماً من أركان الإيمان وهو الإيمان بالله ورسوله، (وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ (8)) (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاء (19)) (أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ (21)) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ (28)) صبغة عامة تطبع السورة في عمومها، والإنفاق (وأنفقوا).
الإيمان بالله والرسول لم يذكر أركان الإيمان، والانفاق يطبعان السورة إلى حد كبير (وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ (7)) (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ (10)) (مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا (11)) (إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (18)) (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ (24)) السورة مطبوعة بهذين الطابعين، لم يذكر جميع أركان الإيمان ولا عموم العمل الصالح وإنما ذكر جانباً من العمل الصالح وهو ما يتعلق بالانفاق. ومع أنه ذكر القتال لكنه لم يأمر به (لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا (10)) ما قال قاتلوا ولكن قال أنفقوا، جاء فيها ذكر للشهداء (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ (25)) من مظنّة الجهاد لكن الانفاق هو الطابع العام في السورة وليس عموم العمل الصالح. جزء من العمل الصالح وقسم من أركان الإيمان، السورة لها منهج هذين الأمرين.
(وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه) رغّبنا في الانفاق أكبر ترغيب فقال تعالى (وأنفقوا مما جعلكم) جاء بـ (مما) للتبعيض لو قال وأنفقوا ما جعلكم مستخلفين لأنفقوا الكل. (جعلكم مستخلفين فيه) هو ربنا تعالى جعلكم واستخلفكم وهو الذي يطلب الانفاق، ما قال (وأنفقوا مما أنتم مستخلفين فيه) هو سبحانه أعطانا المال وهو يأمرنا بالانفاق، (جعلكم) يعني هو الذي أعطانا إياه، (مستخلفين فيه) فالأموال هي أموال الله تعالى استخلفكم فيها ثم كانت لغيركم ثم نقلها إليكم وستنتقل إلى غيرنا سواء في حياتنا أو بعد موتنا. فإذن كل هذه الأمور هو الله تعالى استخلفنا فيها، المال ماله وهو استخلفنا فيه ولن يبقى، كان لغيرنا ثم نقله إلينا وهو بين أيدينا وقد ينتقل إلى غيرنا في محيانا أو بعد مماتنا فلم لا تنفقون؟ هو أعطانا الأموال فلماذا لا تنفق ولك أجر كبير؟ إذن دواعي الانفاق متكاثرة والمال هو مال الله تعالى هو استخلفنا فيه، كان لغيرنا ثم وصل إلينا ثم ينتقل منا إلى غيرنا وهو أعطانا إياه فلماذا لا ننفق ولنا أجر؟ فإذن الترغيب في الإنفاق إلى حد كبير فأنفق ولك أجر.
بُثّت الحلقة بتاريخ 5/3/2007م
سؤال 15: في قصة نوح u في الآية (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاء لِّمَن كَانَ كُفِرَ (14) القمر) هل (كُفِر) وافقت السياق (وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاء عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاء عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (13)) أم لها معنى؟ ولماذا لم تأت (كَفَر)؟
الذي كُفِر هو سيدنا نوح u (جَزَاء لِّمَن كَانَ كُفِرَ) أي كُفِرت دعوته وأمره. (فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ (10) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاء عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاء عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (13)) تجري بأعيننا أي برعايتنا ولا يمكن أن تكون هذه الرعاية لمن كان كَفَر وكيف تجري بهم وهم غرقوا؟ الذي كُفِر تعود على سيدنا نوح u أي هي تجري جزاء لسيدنا نوح الذي دعا ربه أني مغلوب فانتصِر فحمله رب العزة على ذات ألواح ودسر وهي سفينة وهي تجري برعايته سبحانه جزاء لمن كان كُفِر. فلا يصح أن تكون جزاء لمن كان كَفَر. جزاء أي ثواباً لصبره على قومه ودعوته وهو دعا ربه أني مغلوب فانتصِر فربنا سبحانه وتعالى استجاب له وحمله.
سؤال 16: ما معنى قوله تعالى (فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ (27) الملك)؟
الزلفة أي القريب، الآية تتكلم عن يوم الحشر وهي في سورة الملك (قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24)) هو يعدهم بالحشر وهم يسألون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (25))؟ (قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ (26) فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ (27)) لما رأوه قريباً منهم لأن الزلفى هي القُرب، يقال ذو زلفة أي قريب. أزلفت والزلف (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (90) الشعراء) أي قُرِّبت، (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى (3) الزمر) أي الأصنام تقربهم إلى الله تعالى. فالزلفة هي القُرب. (فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً) رأوا يوم القيامة، يوم الحشر وكانوا من قبل يستبعدون هذا الحشر فلما رأوه زلفة سيئت وجوه (فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي ساءهم رؤيته (سيئت) فعل مبني للمجهول. (ساء) فعل يتعدّى نقول ساءتني رؤيته، إذن سيئت مبني للمجهول ووجوه نائب فاعل. لما رأوا الحشر قريباً منهم ساءت الوجوه رؤيتهم، أصلها ساء يوم القيامة وجوه الذين كفروا فقيل سيئت وجوه. سيئت يوم القيامة وجوه الذين كفروا، وبناها للمجهول لأن المعنى واضح والكلام على الحشر واستبعادهم وهو قريب أمامهم. أنتم تشاهدونه الآن وخرجوا وراءه والحشر أمامهم كما قيل (وأزلفت الجنة للمتقين) أزلفت للتقريب وليس بالضرورة أن يكون فيه شيء من الهدوء والسكينة. لم يقل فلما رأوه قريباً.
ما دلالة التعبير بكلمة (زلفة) بغض النظر عن أي كلمة أخرى؟ الزلفة بمعنى تقرّب إليه، تزلّف إليه أي تقرّب إليه شيئاً فشيئاً، يفعل الحِيَل ليتقرب حتى في الصلاة قال تعالى (وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ (114) هود) الزُلف من الليل هي أقرب الصلاة إلى النار وهما المغرب والعشاء. الزُلَف من الليل أي ما هو أقرب إلى النهار وهما صلاتي المغرب والعشاء. هذا يراه كثير من المفسرين وبعضهم يرى أن معناه تقرّب إلى الله بصلاة الليل وليس بالضرورة صلاة المغرب والعشاء. فالزلفة فيها تقرّب على العموم.
سؤال 17: في سورة يونس (قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (35)) ما دلالة استخدام إلى الحق، للحق؟
الفعل هدى يتعدّى بنفسه ويتعدّى بـ (إلى) ويتعدى باللام. يتعدّى بنفسه (اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ (6) الفاتحة) (فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (43) مريم)، يتعدى بـ (إلى) (يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ) (وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (6) سبأ) ويتعدى باللام (يَهْدِي لِلْحَقِّ) (بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (17) الحجرات) (وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ (43) الأعراف)، هذا الفعل هدى. يبقى ما دلالة كل تعبير حتى نفهمه:
المتعدي بنفسه (اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ) مثلاً هذا يقال لمن كان على الصراط ولمن كان بعيداً عنه، الفعل هدى يقال في حالات يحددها السياق. من كان بعيداً عن الصراط يمكن أن نقول له إهدنا الصراط كقول إبراهيم u لأبيه (فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا) وأبوه ليس على الصراط وإنما بعيد عنه. قول الرُسُل (وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا (12) إبراهيم) وهم على الصراط، هم أنبياء الله وهم على الصراط. (إهدنا الصراط المستقيم) الذين يقولون إياك نعبد وإياك نستعين مؤمنون على الصراط قالوا (إهدنا الصراط المستقيم). إذن المتعدي بنفسه يقولها لمن هو على الصراط أو بعيداً عن الصراط. إهدنا السبيل قد يكون بعيداً عن السبيل وقد يكون هو على السبيل أي ثبّتني عليه وعلّمني ما فيه.
المتعدّي بـ (إلى) الموجودة في الآية تقال لمن كان بعيداً عن الصراط تحديداً. لما تقول اهدني إلى الصراط أنت بعيد عن الصراط فيوصلك إليه (فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاء الصِّرَاطِ (22) ص) أنت أوصلنا إليه، هم مختلفون ليسوا على الصراط. لذا قال تعالى (قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ) هل منهم من يوصِل إلى الحق؟
التعدية باللام تكون لمن وصل إلى الغاية، إلى غاية الأمر، إلى المنتهى. اللام تأتي للتعليل، لطلب العِلم وتستعمل لانتهاء الغاية (لأجل مسمى).
الإنسان يحتاج إلى هذه الهدايات كلها فمن كان بعيداً عن الصراط يحتاج من يوصله إلى الصراط ويدلّه عليه، فمن وصل يحتاج من يعرّفه بالصراط لأنه قد يستدل أحدهم على الطريق لكن لا يعرفه. المرحلة الأولى أن يوصله إلى الصراط والمرحلة الثانية أن يعرّفه ماذا في الطريق من مراحل، هل هو آمن، ماذا فيه؟ والذي هو سالك في الطريق يحتاج من يوصله إلى آخر الغاية، آخر الطريق لذلك لا تجد في القرآن مع اللام إهدنا للصراط وإنما تجد نهاية الأمور (يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء (35) النور) (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا) (بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ). هذه هي مسألة هدى الإنسان يحتاجها كلها.
الآن نأتي إلى الآية: شركاؤهم لا يعرفون أين الحق ولو سألتهم أين الحق لا يعرفون أين الحق وأين الصراط هم أصلاً لا يعرفون الحق ولا الصراط أين هو (قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ) هم لا يعرفون أين الحق. إذن المرحلة الأولى من الهداية وهو أن يعلم أين هو الصراط غير موجودة، إنتفت الأولى فانتفت الثانية. (قُلِ اللّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ) الله تعالى يوصلكم للنهاية وليس فقط يهديكم إلى الحق هذا آخر الهدايات. إذن هو الله تعالى ليس فقط يهدي إلى الحق، آلهتكم لا تعلم أين الحق لكن الله تعالى يهدي للحق، يوصلكم إلى آخر المطاف والمطاف إلى الجنة. رب العالمين تعدى كل المراحل (قل الله يهدي للحق) شركاؤهم لا يعلمون الحق والله تعالى يوصلكم إلى نهاية الحق ونهاية المطاف لذا يقول أهل الجنة (الحمد لله الذي هدانا لهذا) رب العالمين هداهم لهذا أوصلهم للجنة وهي آخر الغاية (وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ).
فإذن الأولى واضحة (يهدي إلى الحق) (قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ) هذا استفهام إنكاري أي هل من أصنامكم من يدلكم على الحق أين هو؟ لكن الله تعالى يهدي للحق، إلى آخر الغاية يهديكم إلى الحق ويهديكم للحق ويهديكم الحق، يهديكم إلى الصراط ويهديكم الصراط ويهديكم إلى نهاية الأمر.
سؤال 18: ما دلالة تكرار (هم) في الآية (وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (37) يوسف) بينما في سورة الأعراف لم يكرر (هم) (الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ (45))؟
نعرف الحكم النحوي لماذا التكرار؟ التكرار يفيد التوكيد. (هم كافرون) آكد من عدم ذِكر (هم). من أهم أغراض التكرار في اللغة التوكيد. إحدى الآيتين مؤكدة والأخرى ليست مؤكدة. نوضح المسألة أولاً في الأعراف (فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (44) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ (45)) من دون تكرار. لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله. نأخذ آية شبيهة بها في سورة هود (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أُوْلَـئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَـؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (18) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (19)) كرّر (هم). لو لاحظنا الآيتين: زاد على الأولى الإفتراء على الله الكذب (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا) أما في الأولى فما قال وإنما قال (الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا). في سورة هود قال (الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) زاد على الأولى الإفتراء على الله الكذب وكذبوا على ربهم. إذن زاد على الصد عن سبيل الله وبغيها عوجاً الكذب على الله هل له درجة واحدة؟ كلا. لو أردنا أن نضع (هم) نضعها في المكان الذي وضعت فيه لأن هؤلاء زادوا الافتراء والكذب على الله فاستحقوا التوكيد.
نأتي إلى سورة يوسف وآيات أخرى: في سورة يوسف (إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (37)) أيّ الأشد، الكافر أو الظالم؟ الكافر أشد لأن الظالم قد يكون مسلماً. هناك قال (الظالمين) وهنا قال (كافرون) أيهما الأولى بالتوكيد؟ الكافرون أولى فوضع (هم) مع الكافرين.
في سورة فصلت (وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ (6) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (7)) من الأشدّ، المشرك أو الظالم؟ المشرك أشدّ فقال (وهم كافرون) إذن هو يؤكد حيث ينبغي التوكيد. أقل ما ذكر في الأعراف (وهم بالآخرة كافرون) فلم يؤكد وكل المذكور بعده أشدّ إما أن زاد الإفتراء على الله فكرر وأكّد وإما أنه وصفهم بالكفر وهو أشد من الظلم ووصفهم بالشرك وهو أعظم من الكُفر. إذن وضع كل تعبير في مكانه في البلاغة. التكرار يفيد التأكيد. زيادة في الكفر بالآخرة وإلا لم يؤكّد. هم أنفسهم يؤكدون مفرهم. يعني عذا أشد كفر لأن الكفر بعضه أشد من بعض وهو ليس مرتبة واحدة فلما ذكر أموراً أشدّ أكّد الكفر وكانوا أكثر كفراً وأبعد في الكفر (هم كافرون).
سؤال 19: ما سبب تكرار بعض الكلمات في الآيتين في سورة غافر (أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ (21)) و(أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ (82))؟
ينبغي أن نعلم الفرق بين الواو والفاء في التعبير حتى نحكم. الواو لمطلق الجمع، الجمع المطلق، قد يكون عطف جملة على جملة (فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (96) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (97) الأنعام). الفاء تفيد السبب، هذا المشهور في معناها (درس فنجح) فإذا كان ما قبلها سبباً لما بعدها أي الذي قبل يفضي لما بعدها يأتي بالفاء ولا يأتي بالواو لأنه لمطلق الجمع. هذا حكم عام ثم إن الفاء يؤتى بها في التبكيت أي التهديد. لو عندنا عبارتين إحداهما فيها فاء والأخرى بغير فاء وهو من باب الجواز الذِكر وعدم الذِكر نضع الفاء مع الأشد توكيداً. (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً (137) النساء) ليس فيها فاء. (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (34) محمد) لأنهم لا تُرجى لهم توبة. وفي الأولى هم أحياء قد يتوبون. لما لم يذكر الموت لم يأت بالفاء ولما ذكر الموت جاء بالفاء (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الضَّآلُّونَ (90) آل عمران) (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ (91) آل عمران) الآيتان فيهما نفس التعبير: النفي بـ (لن) واحدة جاءت بالفاء (وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ) انتهى عملهم. النُحاة يقولون قد تأتي الفاء للتوكيد.
هناك أمران: الأول أن الفاء تكون للسبب (سببية) " درس فنجح" سواء كانت عاطفة "لا تأكل كثيراً فتمرض" يُنصب بعدها المضارع. ينبغي أن نعرف الحكم النحوي حتى نعرف أن نجيب. (تستكمل الإجابة في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى)
أسئلة المشاهدين خلال حلقة 8/3/2007م
ما دلالة الخطاب بـ (يا أيها الناس) في الحج (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ (27) الحج) (وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا (97) آل عمران) بينما الخطاب في الصلاة وغيرها بـ (يا أيها الذين آمنوا)؟
ما الفرق بين أنزل وأوتي في الآية (قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136) البقرة)؟
ما الفرق بين بني وأبناء في الآيات (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ (31) النور) و (لَّا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاء إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاء أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (55) الأحزاب)؟
ما دلالة الضمّ في (عليه) في الآية (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (10) الفتح)؟
لماذا جاءت صافات ويقبضن في الآية (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (19) الملك)؟ لم يقل صافات وقابضات؟
ما دلالة أن يعود الضمير على واحد (يرضوه) فقط في الآية (يَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ (62) التوبة) ولم يقل يرضوهما بما أنه ذكر الله ورسوله؟
ما الفرق بين النزغ والوسوسة في الآيات (مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي (100) يوسف) و (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا (20) الأعراف)؟
ما الفرق بين الآية (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ (82) غافر) والآية (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (44) فاطر)؟ ولماذا قيل في الأولى أولم وفي الثانية أفلم؟
ما اللمسة في ذكر (وهذا أخي) في الآية (قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَـذَا أَخِي (90) يوسف) مع أن إخوة يوسف يعرفون أخاهم بنيامين؟
ما الفرق بين الآية (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) لقمان) والآية (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (25) الأحقاف)؟ ولماذا قيل في الأولى عامين وفي الثانية ثلاثون شهراً وما هي دلالة ذكر وحذف (إحساناً)؟
ما الفرق بين الآية (وَجَاء السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالْواْ إِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (113) الأعراف) و (فَلَمَّا جَاء السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (41) الشعراء)؟
هل كان تأثير القرآن الكريم على جميع العرب الأوائل أم فقط على البلغاء منهم لأن القدرة الكلامية كانت متباينة بينهم؟
ما إعراب (وقومَ نوح) في سورة الذاريات (وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (46)) ولماذا جاءت منصوبة؟
عندما يتحدث القرآن على لسان الأنبياء فهل هذا الكلام كان كلامهم بهذه الصيغة البليغة أم أن الله تعالى تحدث على لسانهم؟
ما هو اشتقاق كلمة شيطان وهل لها جذور عربية؟