حلقات برنامج لمسات بيانية
لمسات بيانية في آي القرآن الكريم للأستاذ الدكتور فاضل صالح السامرائي
الدورة البرامجية الجديدة في قناة الشارقة (11/2/2007م)
تابع سورة الحديد
(ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ (27))
نظرة عامة على الآية: قال سبحانه وتعالى قبل هذه الآية (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ (26)) ثم قال (ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ (27)) إذن ربنا سبحانه وتعالى بعد أن ذكر نوح وإبراهيم وقال وجعلنا في ذريتهم النبوة والكتاب قال وقفينا بعيسى ابن مريم. ذكر عيسى أولاً لأنه آخر الرسل قبل النبي الخاتم، السلسلة تنتهي عنده وخاتمة الرسل تنتهي قبل محمد r عند عيسى وتنتقل إلى بني إسماعيل عند سيدنا محمد r، هذا أمر والأمر الآخر هو ذكر الكتاب الذي أنزل إليه وذكر أتباعه (وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً) ذكر الكتاب وذكر أتباعه ويذكر عنهم أمراً من الأمور فلا بد من ذكره. ولما أراد أن يذكر كتابه وأتباعه وأراد أن يخصهم بأمر ثم يذكر هذا الأمر فلا بد أن يذكره. إذن ذكر الكتاب الذي هو الإنجيل (وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ) ثم ذكر أتباعه (وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً) ثم هو تفرد عن بقية الرسل هو من ذرية إبراهيم لكن ليس من جهة الأب وإنما من جهة الأم ويختلف عن جميع الرسل فإذن هناك جملة أمور تقتضي ذكره. أبرزها ذكر الكتاب وذكر أتباعه وذكر أموراً تتعلق بأتباعه إضافة إلى أمور أخرى ولذلك اقتضى هذا الأمر أن يُخصص بالذكر. عيسى تنتهي الرسالة به قبل سيدنا محمد r يمتد نسبه إلى إبراهيم ولكن يختلف عن جميع الرسل لأنه من جهة الأم ثم ذكر كتابه وأتباعه فالأمر يقتضي أن يُذكر.
سؤال من المقدم: هنا قال (وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) وفي سورة المائدة قال (وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) فما دلالة الاختلاف؟
الآية (وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ (46)) السؤال هو لماذا قال (ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِرُسُلِنَا)؟ وقال في آية الحديد (وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) ولم يقل وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم كما قال في المائدة؟. أول مرة قال (ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِرُسُلِنَا) ثم لم يقل في عيسى وقفينا على آثارهم وإنما قال وقفينا بعيسى ابن مريم ثم قال في المائدة (وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) إذن هناك أكثر من سؤال. أولاً ما معنى قفّينا؟ معنى قفى على أثره يدل على قرب ما بين الماشيين أي جاء الثاني قبل أن يزول أثر الأول، الأثر لم يزل بعد فمعناه يصير قرب ولو كان الوقت طويل يزول الأثر ولا يبقى. لو تأخر الأمر أعواماً طويلة يزول الأثر. تلك قال (وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم) لأن الرسل متتابعة وهنا بالنسبة لعيسى قال وقفينا بعيسى ابن مريم معناه إذن أن المسافة طويلة بين عيسى ومن قبله، ويُذكر أن آخر واحد قبل عيسى هو يونس ابن متى وبينهما حوالي 800 سنة. آخر من يُذكر من الرسل قيل يونس في أوائل القرن الثامن قبل الميلاد يعني 800 سنة هذا ليس على أثره وإنما (وقفينا) ليس على أثره.
سؤال من المقدم: في الآية قبلها (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ (26) الحديد) (ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِرُسُلِنَا (27)) ثم تفيد التراخي في اللغة العربية إذن الفترة طويلة؟
لكن لم يزل الأثرالأول بدليل أنه بعد إبراهيم إسماعيل (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا (54) مريم) (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ (27) العنكبوت) اسحق ويعقوب ويوسف وهو رسول بنص القرآن (وَلَقَدْ جَاءكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءكُم بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا (34) غافر) إذن الفترة بين نوح وابراهيم وحتى عيسى قريبة نوعاً ما والأثر موجود بينما بين عيسى وآخر نبي فترة طويلة كما ذكر المؤرخون 800 سنة فانعدمت الآثار لذا قال (وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ).
سؤال: في المائدة قال (على آثارهم) لوجود الأثر؟ التقفية في المائدة ليست في الرسل وإنما في تقفية الربانيين والأحبار ولو قرأنا آية المائدة تحتلف عن هذه الآية. لو قرأنا آية المائدة (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44)) يحكم بها الربانيون والأحبار ولم يقل وقفينا على آثارهم وهم لم ينقطعوا أصلاً فالأحبار والربانيون موجودون والأحبار جمع حِبْر وهو العالِم والربانيون جمع ربّاني إذن هؤلاء لم ينقطعوا. في سورة المائدة (وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم) متعلقة بالربانيين والأحبار وفي آية الحديد متعلقة بالأنبياء والرسل خاصة فلما كانت في الرسل قال (وقفينا) ولم يقل على آثارهم ولما كان الكلام على الربانيين والأحبار وهو لم ينقطعوا قال على آثارهم.
سؤال من المقدم: (وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ) ما معنى رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم؟ (رهبانية ابتدعوها) هذا يسموه من باب الاشتغال يعني وابتدعوا رهبانية. رهبانية الترهب أي الانقطاع إلى الله تعالى والتبتّل وما إلى ذلك. قال (وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً) وابتدعوا رهبانية (رهبانيةً منصوبة على الاشتغال وهي مفعول به لفعل محذوف يفسره المذكور معناه وابتدعوا رهبانية) إذن جعل في قلوبهم رأفة ورحمة وابتدعوا رهبانية لأن الرهبانية لا تكون في القلب، رهبانية ليست معطوفة مباشرة على (وجعلنا). إذن هي وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة، وابتدعوا رهبانية (وابتدعوا) الواو هنا عطف جملة على جملة (وجعلنا). قد يظن البعض أن رهبانية معطوفة على جعلنا رأفة ورحمة وقسم من المفسرين قالوا هكذا ولكن كيف جعلها وكيف ابتدعوها وهو لم يكتبها عليهم فكيف جعلها إذن؟ هذه الظاهرة تسمى الاشتغال مثل (وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً (106) الإسراء) أصلها وفرقنا قرآناً (وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) الرحمن) أصلها رفع السماء. وهنا (ورهبانية ابتدعوها) أي ابتدعوا رهبانية ما كتبناها عليهم، إذن هو لم يكتبها عليهم فكيف يجعلها؟ (وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً) وابتدعوا رهبانية ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله. ما معنى إلا ابتغاء رضوان الله؟ إذن هم ابتدعوا الرهبانية لأحد أمرين: ليرضوا ربهم هذا أحد الرأيين في التفسير. في الإخبار قال (فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا) يعني هم ابتدعوها ولم يرعوها حق رعايتها كما يجب على الناذر إذا نذر عليه أن يفي بالنذر. ابتدعوا رهبانية ليرضوا الله لكن لم يفعلوها هذا أحد التفسيرين، وفي الإخبار عنهم بقوله (ورهبانية ابتدعوها) ذمٌ من وجهين: الوجه الأول أنهم ابتدعوا الرهبانية والدين لا يؤخذ بالابتداع حتى لو كان لغرض رضوان الله لأن رضوان الله يأتي بما شرع الله، بالاتباع وليس بالابتداع كيف تظنون أن هذا يرضي ربنا فتفعل ما تشاء لا يمكن هذا وإنما هذا ذم. أولاً كونهم ابتدعوا الرهبانية حتى أياً كانت النية الابتداع لا يشفع، السُنّة الحسنة في العبادة في أصل العبادة يعني العبادة أصلها موجودة يزيد في العبادة الموجودة لكن الرهبانية ابتداع ابتدعوا على أنسفهم أمور ومع ذلك لم يوفوا بها. إذن هناك أمرين: الأمر الأول أنهم ابتدعوا الرهبانية والدين لا يؤخذ بالابتداع حتى لو ابتغوا رضوان الله والأمر الآخر أنهم لم يوفوا بها يعني ابتدعوها ولم يفوا بها. إذن الذمّ صار من جانبين الابتداع وعدم الإيفاء بحقها. حتى المفسرين في قوله تعالى (إلا ابتغاء رضوان الله) ذهبوا إلى أمرين في تفسير الآية: أولاً هم ابتدعوها لغرض ابتغاء رضوان الله والآخر لم نكتبها عليهم، لم نكتب إلا ابتغاء رضوان الله وهذا يسمى استثناء منقطع. إذن هذا لم نكتب عليهم إلا ابتغاء رضوان الله والمفسرين يذهبون إلى أمرين أنهم ابتدعوا الرهبانية لغرض رضوان الله لكن لم يرعوها والأمر الآخر أنه لم يكتب عليهم الرهبانية (ما كتبناها عليهم) وإنما كتبنا عليهم ابتغاء رضوان الله فيقدرون فعلاً محذوفاً. (فما رعوها) متعلق برهبانية ابتدعوها وما رعوها حق رعايتها.
إذن (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا) هذه جملة لوحدها استثناء منقطع ليست متعلقة بابتداع الرهبانية، هذا أمر والأمر الآخر أنهم ابتدعوها ما كتبناها عليهم، لماذا ابتدعوها؟ ابتغاء رضوان الله ولم يرعوها حق رعايتها. إذن إلا ابتغاء رضوان الله قد تكون متعلقة بابتداع الرهبانية أو بما كتب الله عليهم.
سؤال من المقدم: في هذه الآية قال تعالى (فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ) وقبلها مباشرة قال (فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا) لم عبّر عنهم بالذين آمنوا ولم يقل فآتينا الذين رعوها حق رعايتها أجرهم؟
دل قول ربنا تعالى أن مناط الأمر هو الإيمان وليس غير ذلك من رهبانية مبتدعة. لماذا لم يقل فآتينا الذين رعوها حق رعايتها حتى لا يظن أن الله تعالى يرضى عن الابتداع حتى لو كان لغرض رضوانه. لو قال فآتينا الذين رعوها حق رعايتها معناه يرضى عن قسم من الابتداع وربنا لا يرضى عن الابتداع. لم يقل الذين رعوها حتى الذين رعوها حق رعايتها ربنا لا يرضى بذلك لأنها مبتدعة. لذلك قال (فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ) رجع إلى المسألة الأولى مسألة الإيمان. (رأفة ورحمة) ثم قال (ورهبانية ابتدعوها) إذن هو ذمّهم في هذا، ابتداع الرهبانية ذمّهم ربنا لا يريد إلا ابتغاء رضوانه بالرشع الذي شرعه. هناك فريق اتبع سيدنا عيسى وهناك فريق ابتدع الرهبانية. فريق ابتدع الرهبانية مع أن في قلبه رأفة ورحمة وفريق اتبع عيسى. العابد في قلبه رأفة ورحمة لكن عليه أن يعبد ربه بما شرع الله. الذين ابتدعوا الرهبانية في قلوبهم رأفة ورحمة وهذه لا تكفي المهم أن يتبع شرع الله لا أن يبتدع حتى لو كان في قلبه كل الرأفة والرحمة، مهما كان في قلبه من رأفة ورحمة إذا لم يتبع شرع الله لن يرضى عنه إذن مناط الأمر بالايمان والإتباع. لو قال وآتينا الذين رعوها حق رعايتها يعني ربنا يرضى عنهم وسيؤتيهم أجراً. قال الذين آمنوا أي لم يبتدعوا. حتى لو رعوها حق رعايتها يسقط هذا ومناط الأمور هو الإيمان وقال (فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا) ولم يقل الذين رعوها حق رعايتها حتى لا يفتح باب للإبتداع ولذلك قطع هذا الأمر.
سؤال من المقدم : (فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ) والآية قبلها (فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ)؟
لو قال هنا فمنهم مهتد معناه يُظن أن الذين ابتدعوا الرهبانية يوصف بالهداية وربنا لا يصفهم بالهداية ولذلك لم يذكر وإنما قال (وكثير منهم فاسقون) ولم يقل فمنهم مهتد كما قال في الآية السابقة، الآية الأولى (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ) هذه مسألة اتباع الرسل أما هنا فرهبانية مبتدعة لو قال فمنهم مهتد سيظن أن هنالك في الابتداع هداية إذن قال فمنهم مهتد أي من الذين ابتدعوا ورعوها حق رعايتها كان يصفهم بالهداية والله تعالى لا يريد الابتداع. حتى لو رعوها حق رعايتها لم يقل فمنهم مهتد لئلا يفتح باباً للابتداع ولئلا يُظن أن نوعاً من الابتداع فيه هداية. فقطعه مرتين بقوله (فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ) ولم يقل الذين رعوها ولم يقل فمنهم مهتد وإنما قال (وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ). نلخّص القول أن الذين اتبعوا عيسى في قلوبهم رأفة ورحمة لكن هناك صنفان صنف آمن وصنف ابتدع ذمّه الله تعالى من جهتين أنه ابتدع ولم تشفع له نيّته ثم لم يراعي ما ابتدع لأنه نذر ولم يفي بنذره ثم تكلم عن الذين آمنوا وليس عن الذين ابتدعوها لم يقل وآتينا الذين رعوها حق رعايتها أجرهم وإنما قال الذين آمنوا يعني أسقط الابتداع مهما كانت النيّة. (وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ) أي كثير منهم أي من عموم المؤمنين، قليل متبعون (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103) يوسف). مسألة الأكثرية في القرآن تحتاج إلى نظر (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ (106) يوسف) (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103) يوسف).
سؤال من المقدم: وآتيناه الإنجيل وفي المائدة قال (وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ (46)) ولم يقل في آية الحديد فيه هدى ونور؟
في المائدة ذكر قبلها التوراة وقال فيها هدى ونور فلما قال (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ (44)) وذكر الإنجيل في الآية نفسها (وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ (46)) هو ذكر التوراة وقال فيها هدى ونور وذكر الإنجيل فيه هدى ونور فلا يسكت عنه وإنما فيه هدى ونور. الهدى والنور عام في الكتب في التوراة والإنجيل والقرآن. في الحديد لم يذكر هدى ونور (وآتيناه الانجيل)؟ لا يذكر دائماً أن فيه هدى ونور هذا يحدده السياق، عندما ذكر الكتب السماوية التوراة والانجيل والقرآن في سياق واحد ذكرها، ذكر التوراة (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44) وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45) المائدة) ثم ذكر آتيناه الانجيل فيه هدى ونور لما ذكر التوراة فيها هدى ونور ناسب أن يذكر الانجيل فيه هدى ونور هناك تكلم عن التوراة وذكر أمور تتعلق بالأحكام (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ) هنا لم يذكر شيئاً يتعلق بالأحكام (وآتيناه الانجيل).
سؤال من المقدم: أليس هذا تناقض في النص القرآني أنه مرة يقول هدى ونور ومرة لا يقول؟ التناقض في أن يقول مرة فيه هدى ونور ومرة يقول ليس فيه هدى ونور أما أن تذكر بعض الصفات وأحياناً لا تذكر لأن السياق لا يقتضي كما تقول في كلامنا العادي تذكر شخصاً وتقول جاء فلان وفلان وفلان وأحياناً عندما تذكر صفات عن فلان تقول فلان جيد وكذا وكذا، أحياناً تذكر الإسم فقط ولا تذكر شيئاً من الصفات وليس دائماً تذكر الصفات، (ذلك الكتاب لا ريب فيه) وأحياناً إذا أردت أن تذكر (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (24) الذاريات) مرة قال مكرمين ومرة لم يقل (وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْراَهِيمَ (51) الحجر). لما قال مكرمين ذكر ما يتعلق بالمكرمين ولما لم يقل مكرمين لم يتعلق. مرة قال بعجل حنيذ (فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (69) هود) ومرة سمين (فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاء بِعِجْلٍ سَمِينٍ (26) الذاريات)، الحنيذ هو السمين فالحنيذ هو المشوي الذي يقطر وَدَكه أي دهنه فكلمة حنيذ تعني سمين ومشوي وما زال حاراً يقطر وَدَكه، لا تناقض بين سمين وحنيذ، السمين صفة من الصفات ولا تعارض ولا تناقض بينهم. وهذا دارج في لغة العربية حتى في كلامنا العادي أحياناً تقول سافرت إلى بلد وذهبت عند فلان وبقيت عندهم ليلة وقضيت حاجة ومرة تذكر مكارمهم فتقول ذهبت إلى فلان وذبحوا لي وسهروا معي بالتفصيل، أنت تريد أن تركز على أي شيء؟ لهذا لم يقل ربنا وآتيناه الانجيل فيه هدى ونور لأنه لا يحتاج ذكر التوراة ثم بعدها ذكر وأنزلنا إليك الكتاب، ذكر التوراة والانجيل والقرآن.
سؤال من المقدم: من المخاطب في هذه الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (28))؟
هذا خطاب عام للمؤمنين كافة من أهل الكتاب وللمؤمنين بمحمد r. المؤمنون من أهل الكتاب من اليهود والنصارى، المؤمنون بموسى وعيسى من أهل الكتاب يطلب منهم ربنا أن يتقوا الله ويؤمنوا بالنبي الخاتم r والمؤمنون من المسلمين عليهم أن يثبتوا على ذلك (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا (136) النساء) أي اثبتوا. فالمؤمنون المسلمون يطلب منهم الثبات على ما هم عليه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ). هذا الطلب هو أحد أمرين: بالنسبة لأهل الكتاب الإيمان بالنبي الخاتم وأنه لا يشفع لهم إلا أن يؤمنوا بالنبي الخاتم وبالنسبة للمسلمين أن يثبتوا على ذلك (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ) آمِنوا الثانية تدل على الثبوت وليس على طلب الإيمان لأنهم مؤمنين. فالخطاب إذن لأهل الكتاب وللمسلمين أهل الكتاب يطلب منهم الإيمان بالنبي الخاتم والمسلمين يطلب منهم الثبات على ما هم عليه من الإيمان.
سؤال من المقدم: ما معنى كفلين؟ أي نصيبين من الأجر. في الأحزاب قال (وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (31)) وفي القصص (أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا (54)) وهنا قال كفلين لماذا الاختلاف وما الفرق بين الكفل والأجر؟ الكفل هو النصيب وأحياناً بمعنى المِثل. قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ (28) الحديد) أي نصيبين من الرحمة أي يضاعف لهم الأجر إذن لماذا لم يقل أجرهم كما في آية القصص؟ الأجر في اللغة هو الجزاء على العمل ، أصل الأجر الجزاء على العمل تقول أعطه أجراً، استأجره أي يعمل عملاً مقابل مال. الكِفل ليس له علاقة بالعمل وإنما نصيب. الكفل هو المِثل وقد يكون في الخير أو في الشر. لكن السؤال لماذا قال هنا كفلين من رحمته وقال في القصص والأحزاب أجرهم وأجرها؟ قلنا أن الأجر هو الجزاء على العمل وهنا لم يذكر عملاً وإنما التقوى والإيمان بالرسول هذا ليس عملاً وإنما قلبي الآن ما ذكر العمل بينما في القصص قال (أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (54) وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (55)) إذن ذكر الأجر بمقابل العمل قال (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) (لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ) وفي سورة الأحزاب (وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ) إذن الأجر مقترن بالعمل أما الكفل فهو النصيب.
سؤال من المقدم: في الآية (وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ) أين النور في الدنيا أو الآخرة؟
هو عام في الدنيا والآخرة قال (هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (9) الحديد) (أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (122) الأنعام) وذكر أنه في الآخرة (لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ (19) الحديد) وفي سورة الحديد ذكر ربنا تعالى أن يوم القيامة يعطى لهم نور والمنافقون يضرب بينهم بسور له باب. إذن (وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ) هذا عام في الدنيا والآخرة.
سؤال من المقدم: في الأتعام قال (وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ) وفي الحديد قال (وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ) ولم يقل في الناس؟
آية الحديد عامة بينما الكلام في الأنعام اكتنفه الكلام عن الناس أصلاً، الكلام في الأنعام عن الدنيا وذكر معاملاتهم وافتراءاتهم وضلالاتهم بخلاف سورة الحديد. (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (116) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (117) فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (118) وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (119) وَذَرُواْ ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ (120) وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (121) أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (122)) الكلام عل الناس في سورة الأنعام قبلها وبعدها أما في الحديد فلم يذكر معاملات الناس وأحوالهم وإنما ذكر بشكل عام ربنا قال (وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ) لم يقل في الناس لأنه في الآخرة ليس المشي في الناس وإنما يمشي به وحده والنور له وحده لا يشاركه به أحد (يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ (13) الحديد) في الآخرة ليس المشي في الناس وإنما النور له وحده وليس في الناس وليس يمشون به في الناس بينما في الأنعام هذه في الناس ومعاملاتهم وأحوالهم في الدنيا لذا قال (وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ) أما تلك فهي عامة في الآخرة لكن لا يمشي به في الناس. (وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ) في الدنيا والآخرة ولو قال في الناس لكان في الدنيا فقط كما قال في الأنعام قال (في الناس) والكلام على الدنيا.
ختمت السورة (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّن فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29)) فكرة عامة: لما نزلت الآية (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ (52) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (53) أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (54) القصص) قال أهل الكتاب هذا لنا خاصة ربنا يؤتينا أجرنا مرتين لأنه ناداهم الذين آتيناهم الكتاب. (أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ) قال أهل الكتاب هذه لنا. (أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا) الذين أسلموا من أهل الكتاب كانوا يفخرون على المسلمين أن الله تعالى قال أن الذي يسلم منهم له أجرهم مرتين وأنتم تأخذون أجركم مرة واحدة فحزن المسلمون فأنزل ربنا تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ) وفي الاية السابقة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) فإذن هذا عام (لئلا يعلم) حتى يعلم أن أهل الكتاب أن فضل الله ورحمته ليس محصوراً بهم.
دلالة (لئلا) هي ليعلم وهذه اللام قسم من النحاة يقولون هي زائدة أصلها لأن لا واللام زائدة، (لئلا) اي ليعلم أهل الكتاب وهذه تزاد إذا كان اللبس مأمون والمعنى متضح وقسم من النحاة يسمونها صلة ويسمون كل الحروف الزائدة صلة هذه الحروف لو أسقطتها يبقى المعنى مستقيماً لكن يبقى التوكيد. ما معنى الزائدة؟ أي لو أسقطتها بقي المعنى مستقيماً (وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ (46) فصلت) لو أسقطتها المعنى يبقى مستقيماً لكنها أفادت التوكيد، هذا معنى الزائدة، (إِنَّ هَـذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَـهٍ إِلاَّ اللّهُ (62) آل عمران) أي ما إله إلا الله إذن لا حروف زائدة في القرآن وإنما هي تفيد التوكيد. هو مصطلح وقسم سموها صِلة ويتجنبون كلمة الزيادة وقسم قالوا نسميها زائدة لكن نقول هي مزيدة للتوكيد وتزاد بشرط أن يكون اللبس مأموناً والمعنى متضحاً. وهذه ليست الوحيدة في القرآن قال تعالى (قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (92) أَلَّا تَتَّبِعَنِ (93) طه) ويقول تعالى لإبليس (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ (75) ص) وفي آية أخرى (قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ (12) الأعراف). (ألا) بمعنى أن واللام مزيدة للتوكيد لو أسقطتها يبقى المعنى وهذه لا تزاد إلا إذا كان اللبس مأموناً والمعنى متضحاً ليس فيه شك. إبليس لم يسجد ونعلم أن المعنى متضح. (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّن فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29)) حتى يعلم وفيها توكيد المسألة، لا يقدرون على فضل الله وإنما لا يقدرون على شيء من فضل الله ربنا قدر أنه يؤتيكم كفلين من رحمته لكل من آمن برسوله واتقى حتى لا يفخر أهل الكتاب أنه يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء..
سؤال من المقدم: ختمت الآية في سورة الحديد بالتعريف (وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) وفي آل عمران (وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174) آل عمران) فما الفرق؟
في آل عمران في أُحد وفي نجاتهم مما كان يراد بهم (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174)) هذا أكبر أو النور والرحمة والمغفرة؟ انقلبوا لم يمسسهم سوء، المغفرة والرحمة والنور أكبر لذا قال ذو الفضل العظيم.أما لو مسهم سوء لهم أجر. أما كفلين من رحمته ويغفر لكم ويجعل لكم نوراً هذه أكبر إذن والله ذو الفضل العظيم. التعريف يفيد العموم والشمول والتنكير يفيد التقليل.
أسئلة المشاهدين خلال حلقة 18/6/2007م:
المُدغم، هل كل مشدد في القرآن أو في اللغة نطلق عليه لفظ مُدغم أم هذا مصطلح تجويدي خاص بالقرآن؟ فهل كل مشدد يمكن أن يطلق عليه مدغم؟ هذا مصطلح لغوي وليس خاصاً.
ما الفرق بين التحطيم والتهشيم (فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ (45) الكهف) (قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18) النمل)؟
لماذا خص السيئة بالكفل والحسنة بالنصيب في الآية (مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا وَكَانَ اللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتًا (85) النساء) ؟
في سورة الطور (يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَّا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ (23)) التنازع يكون في شيء شاق وقد نهينا عن التنازع (وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ (46) الأنفال) فهل التنازع في الدنيا مذموم وفي الآخرة محمود؟ التنازع هنا ليس معناها الخصومة كما في الدنيا وإنما تعني التبادل أحدهم يعطي الآخر حتى في الدنيا نقول نتنازع الكؤوس أي نتبادلها.
ما معنى نقدر في الآية (وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ (87) الأنبياء) ؟ نقدر معناها نضيّق وليس بمعنى الاستطاعة مثل (وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16) الفجر) أي فضيّق عليه رزقه. فيونس u ظن أنه في متسع لن نضيق الله عليه هؤلاء لم يستجيبوا فيذهب إلى مكان آخر والله تعالى لن نضيق عليه. قدَر معناها ضيّق (فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ) أي فضيّق (اللّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاء وَيَقَدِرُ (26) الرعد) يقدر أي يضيّق.
من الذي خشي في الآية (فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80) الكهف) ؟ هذا قول العبد الصالح وليس قول الله تعالى.
بُثّت الحلقة بتاريخ 18/6/2007م
سؤال: ما دلالة استخدام إسم الإشارة (ذلك) في الآية (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (2) البقرة) بدل إسم الإشارة هذا؟
إسم الإشارة نفس الإسم أحياناً يستعمل في التعظيم وأحياناً يستعمل في الذم والذي يبين الفرق بينهما هو السياق. كلمة (هذا) تستعمل في المدح والثناء "هذا الذي للمتقين إمام" ويستعمل في الذم (أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (41) الفرقان) (كذلك) تستعمل في المدح "أولئك آبائي فجئني بمثلهم" أولئك جمع ذلك وهؤلاء جمع هذا، والذم. (ذلك) من أسماء الإشارة و(تلك) من أسماء الإشارة (قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ (32) يوسف) تعظيم، وأحياناً يكون في الذم تقول هذا البعيد لا تريد أن تذكره فهنا الذي يميز بين ذلك الاستعمال والسياق. (ذلك الكتاب لا ريب فيه) هنا إشارة إلى علوه وبعد رتبته وبعده عن الريب وأنه بعيد المنال لا يستطيع أن يؤتى بمثله (ذلك الكتاب لا ريب فيه) دلالة على البعيد والله تعالى قال في نفس السورة (وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ (24)) هذا الأمر بعيد عن المنال أن يؤتى بمثله. إذن ذلك الكتاب إشارة إلى بعده وعلو مرتبته. والقرآن يستعمل (هذا) لكن في مواطن (إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ (9) الإسراء) عندما قال يهدي للتي هي أقوم يجب أن يكون قريباً حتى نهتدي به لكن لما قال ذلك الكتاب هو عالي بعيد لا يستطاع أن يؤتى بمثله. ثم إنه لم يذكر القرآن إلا بـ (هذا) ولم يقل (ذلك) كلما يشير إلى القرآن يشير بـ (هذا) (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ (19) الأنعام) (وَمَا كَانَ هَـذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللّهِ (37) يونس) (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَـذَا الْقُرْآنَ (3) يوسف) (قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88) الإسراء) لأن القرآن من القراءة وهو مصدر فعل قرأ وكلمة قرآن أصلاً مصدر، قرأ له مصدرين قراءة وقرآناً (فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) القيامة). لما تقرأ تقرأ القريب إذن هذا هو القرآن. الكتاب بعيد ليس قراءة وإنما قد يكون في مكان آخر وهو في اللوح المحفوظ يسمى كتاباً. هناك فرق بين الكتاب والقرآن فالكتاب فيه بعد متصور أما القرآن فيكون قريباً حتى يُقرأ. حتى في كلمة الكتاب لما يقول أنزلنا يقول كتاباً (وَهَذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَانًا عَرَبِيًّا (12) الأحقاف) (وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ (92) الأنعام). لو قال هنا في آية البقرة هذا الكتاب لا ريب فيه لكن كونه بعيد أن يؤتى بمثله لأنه في السورة نفسه قال (فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا) يعني بعيد عليكم فإسم الإشارة (ذلك) دل على علوِّهِ منزلة.
سؤال: لماذا لم يقل ويتقي في الآية (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (52) النور)؟
هذه قراءة حفص أما بقية القُرّاء يقرأونها يتقِهِ. وهذه لغة لبعض العرب في كل معتلّ حُذِف آخره ، عموم العرب يقولون يتقي وبعضهم يقول يتق، مثل بقية المجزوم من الأفعال الصحيحة لم أرْ زيداً، فهذه لغة حفص أخذ بهذه اللغة بينما عموم العشرة يقرأونه ويتقِهِ بالقاف المكسورة، والهاء مفعول به معناها ويخشى الله ويتقي الله. إذن هذه لغة نزل بها جبريل تخفيفاً فقرأ بها حفص ورواها أهل اللغة واستشهدوا لها بشواهد والتسعة الآخرون أخذوها باللغة المشهورة (يتقِهِ).
سؤال: ما معنى كلمة الصمد؟
الصمد تشكيلتها الصرفية من صمد يصمد على وزن فَعَل بمعنى إسم المفعول مثل السَلَب بمعنى المسلوب هي من أوزان إسم المفعول أي المصمود إليه مثل الهَمَل أي المُهمل. صمد بمعنى المصمود هذا الوصف يوصف به الإنسان إضافة إلى أنه يوصف به الخالق مثل رؤوف ورحيم ربنا تعالى وصف بها الرسول r بأنه رؤوف رحيم. الصمد هو السيد المقصود إليه في الحوائج صمد إليه أي قصده، والصمد أيضاً الغني الذي ليس فوقه أحد، الذي لا عيب فيه، من الرجال الذي ليس فوقه أحد هذا من الناحية اللغوية عن الصمد. بمعنى المقصود في الحوائج (الله الصمد) هذا مرتبط بقوله لم يكن له كفواً أحد لو كان له نظير ما كان هو المقصود دون غيره، ومرتبط بالمعوذتين بعد السورة لأن الذي يخاف شيئاً ويحذر يصمد للذي يدفع عنه ويلتجيء إليه. لم يقل المقصود لأن الصمد له أكثر من معنى كما ذكرنا فإذن هو الصمد بكل هذه المعاني ولو قال المقصود لكان معنى واحداً من معاني الصمد فاستعمل كلمة تجمع أكثر من معنى ولم يقيد الصمد بشيء لم يقل المصمود إليه بشيء ولم يقيد الصمد ولم يذكر بأي شيء مقصود حتى يدل على الإطلاق ولو قيّده بشيء سيكون مصموداً إليه بذلك الشيء، ولم يقل المصمود إليه وقلنا أن الصمد بمعنى إسم المفعول لأن المصمود إليه تقال للذي صُمِد إليه ولو مرة واحدة أنت صمدت إلى فلان مرة واحدة تقول مصمود إليه لكن الصمد للإطلاق على وجه الثبوت وفيها تكرار وكثرة الصمود والثبات أما المصمود إليه تقال لمن صمد إليه ولو مرة واحدة فاختار الصمد للدلالة على الثبوت في المعاني الكثيرة.
سؤال: لماذا وردت كلمة (وَاسْجُدِي) التي وردت لمريم مرة واحدة في القرآن؟
لم تتكرر لأنه لو خاطب أيّ أنثى أخرى وأمرها بالسجود لقال اسجدي وهناك كلمات عديدة لم تتكرر في القرآن مثل الصمد والنفاثات والفلق وغاسق ووقب وضيزى ولو اقتضى الأمر لكررها.
سؤال: ما اللمسة البيانية في القنوت والركوع والسجود في الآية (يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) آل عمران)؟
أما اللمسة البيانية في الآية (يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ) هذه كلها لم تتكرر لأنه لم يخاطب بها أنثى لكن هذه الآية متدرجة من الكثرة إلى القلة، اقنتي عموم العبادة في الأصل، قنت أي عبد وخضع (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا (9) الزمر)، واسجدي أقل من القنوت واركعي أقل لأن السجود أكثر من الركوع ولكل ركعة سجدتان وهناك سجود ليس في الصلاة كسجود السهو والتلاوة والشكر فالسجود أكثر من الركوع. لماذا التدرج من الكثرة إلى القلة؟ في آية أخرى تدرج من القلة إلى الكثرة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77) الحج). في الآية قال واركعي مع الراكعين والراكعين مذكّر وصلاة المرأة في بيتها أكثر، لمّا قال مع الراكعين (مع الرجال في المساجد) مفضولة ولو صلّت في بيتها لكان أفضل. لما قال مع الراكعين أخّرها وقدّم ما هو أفضل. الرسول r قال لا تمنعوا النساء مساجد الله لكن صلاتها في البيت أفضل. في آية أخرى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) بدأ من القلة إلى الكثرة وهذا بحسب ما يقتضيه السياق.
سؤال: سورة ما دلالة تحول الخطاب في الآيات الثلاث الأولى في سورة عبس (عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَن جَاءهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3)) من المبني للمجهول إلى الخطاب المباشر مع الرسول r؟
هذا من باب الالتفات في البلاغة ياتفت من الغيبة للحاضر ومن الحاضر للغيبة لكن لماذا؟ إكراماً للرسول r لم يقل له عبست وتوليت أن جاءك الأعمى فإكراماً له قال عبس وتولى والتفت إليه لما كان في الخطاب خير لأنه r كان منشغلاً في الدعوة إلى ربه يأمل إذن هو الآن في دعوة، في أمل كان يرجو خيراً ويأمل خيراً إذن لم يكن منشغلاً عنه باللهو أو أمر غير مهم وإنما بأمر من أمور الدعوة (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى (4) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى (6)) تصدى له لدعوته للإسلام. إذن هو ذكر الغيبة إكراماً للرسول r (عَبَسَ وَتَوَلَّى) والتفت في الخطاب إكراماً له، كان منشغلاً بالدعوة فعاتبه عتاباً، (فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى) هو r تصدى له لدعوته للإسلام وليس لأمر من أمور الدنيا إذن هو كان منشغلاً بأمور الدعوة وحاملاً همّ الدعوة فلم يقل له عبست وتوليت ثم إشعاراً له وإن كان خلاف الأولى لكن كان منشغلاً يحمل همّ الدعوة. فإذن عاتبه ربنا وفي الحالتين كان فيه إكرام للرسول r لم يقل له عبست وتوليت حتى لما قال (أما من استغنى فأنت له تصدى) ليس ذماً وليس عتاباً شديد اللهجة لأنه r كان منشغلاً بأمور الدعوة وكان يريده أن يزّكى، هذا مسلم من المسلمين مقدور عليه يمكن أن يستدعيه لاحقاً ويجيب على سؤاله أما الآن فقد حانت فرصة لدعوة هؤلاء وهذا الظرف لا يحين دائماً. واستعمل كلمة أعمى إعذار للرجل السائل أنه هذا معذور أعمى ولو كان رأى الرسول r مشغولاً لما سأله. هو لو كان بصيراً لما سأل الرسول r لأنه كان رآه منشغلاً ولم يسأله وجاء في وقت آخر. فالآيات فيها غاية الإكرام للرسول r (عبس وتولى) يتكلم عن غائب وهي أكرم من (عبست وتوليت) استخدام ضمير الغائب أكرم من المخاطب إذن الإكرام في الإلتفات في الحالين إكراماً له في الغيبة (عبس وتولى) وإعذار له في قوله (وما عليك ألا يزكى) التحول من ضمير الغيبة إلى المتكلم ومن المتكلم إلى الغيبة يسمى الإلتفات ويذكر عموماً هناك أمر عام في الالتفات أنه لإيقاظ النفس لأن تغيير الأسلوب يجدد نشاط السامع وينتبه أن الخطاب كان عن غائب ثم تحول إلى حاضر، هذا أمر عام في الالتفات أنه يثير انتباه السامع ويجعله ينتبه مثلاً (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1)) يتكلم تعالى عن نفسه ثم قال (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2)) ولم يقل فصلّ لنا إذن هذا إلتفات. كل مسألة في القرآن فيها إلتفات عدا هذا الأمر كونه لتنبيه السامع فيها أمر. لماذا التفت في (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2))؟ الصلاة للرب وليس للمعطي، لو قال فصلّ لنا أي لأننا أعطيناك صلّ حتى لا يُفهم أن الصلاة من أجل العطاء لمن يعطي لكن الصلاة للربّ سواء أعطاك أو لم يعطيك . الصلاة ليست للعطيّة وإنما من باب الشكر فالالتفات في كل مسألة في القرآن له غرض.
سؤال: ما دلالة استخدام كلمة الرحمن في الآية (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ (3) الملك) مع أن الكلام عن خلق السموات؟
سورة الملك تبدأ بالكلام عن الله سبحانه وتعالى (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2) الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ (3)) الذي خلق سبع سموات فالكلام عن الرحمن هذا أمر والأمر الآخر أن السموات من خلق الرحمن ولما قال ما ترى من خلق الرحمن دخل فيها السموات كلها وغير السموات ولو قال السموات لم يدخل غير السموات وقد يكون هناك تفاوت في غيرها. لو قال ما ترى في خلق السموات من تفاوت نفى التفاوت في خلق السموات ولم ينفه في غيرها. السموات من خلق الرحمن تدخل في خلق الرحمن ودخل فيها كل ما خلق الرحمن إذن ما ترى فيه من تفاوت ولو قال ما ترى في خلق السموات إذن نفى التفاوت عن السموات أما غيرها فلم ينفه عن غيرها من خلق الرحمن. الأولى والأكرم أن يقول خلق الرحمن لأن دخل فيها السموات وكل خلق الرحمن ومنه السموات ولو قال السموات كان يكون هناك احتمال أن هناك تفاوتاً في غير السموات. رب العالمين يوجه بصرنا إلى أمور كثيرة في خلق الأرض وفي خلق السموات وغير السموات (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2) الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ (3)) وكلها من خلق الله. ثم تكلم عن السموات وقال (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ (5)).
سؤال: ما دلالة تخصيص ذكر الإبل في الآية (أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) الغاشية) دون سائر الأنعام الأخرى؟
لا أرى شيئاً يماثل الإبل (البعير) لو نظرنا في الإبل العرب يستعملونها كل حين في عظم جثتها وشدة قوتها تحمل الأحمال الثقيلة إلى الأقطار البعيدة وتصبر على الجوع والعطش ثمانية أيام ولا يوجد حيوان في الدنيا يشبهها وترعى من كل ما تيسر وانقيادها للإنسان الصغير والكبير، تتأثر تأثراً كبيراً بالصوت الحسن (حادي الإبل) إذا أسرع الحادي تُسرع تتأثر بالصوت في حركتها، ويؤكل لحمها ويشرب حليبها ويستفاد من وبرها. هل يوجد حيوان في الدنيا مماثل له نفس الصفات؟ قد يكون هناك حيوانات ضخمة لكن ليست كالإبل التي فيها نِعَمٌ كثيرة. الإبل إسم جمع ليس له مفرد. والقرآن يستعمل كلمة الجمل (وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ (40) الأعراف) الجمل هنا في الأغلب أنه الحبل الغليظ. إضافة أن البعض ذكر أن قوله تعالى بعدها (وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) الغاشية) قالوا من الناحية الفنية سنام الجمل مثل الجبل. نحتاج لنتدبر ونتأمل كل مخلوقات الله تعالى والله تعالى ضرب لنا أمثلة في الحيوانات مثل الذبابة لكن ليس فيها كما في الإبل من نِعَم. التدبر مطلوب في كل أمور خلق الإبل في كل أحوالها في صبرها وانقيادها وتذليلها ورعيها وكل شيء، تأمل كيف خُلِقت وكيف نستفيد منها كلها في لحمها ووبرها وحليبها وفي ظني ليس هناك حيوان مماثل للإبل. وهذا الاستفهام في الآية (أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ) للتذكير بالنعمة.
سؤال: ما الفرق بين الآيتين في سورة التوبة (فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (55)) والآية (وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (85))؟
نقرأ الآيتين: الآية الأولى (فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (55)) والآية الثانية (وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (85)). في الآيتين أكثر من اختلاف والسائل ذكر اختلافاً واحداً (أموالهم ولا أولادهم) وهناك خلاف آخر في ليعذبهم وأن يعذبهم والخلاف الثالث قال في الحياة الدنيا وفي الدنيا وهذه أوجه الاختلاف بين الآيتين. قلنا أن السياق يبين لنا كثير من الإجابات على الإسئلة. الآية الأولى (فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ) في سياق الأموال والأولاد والخطاب عن المنافقين تحديداً (قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ (53) وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ (54) فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (55)) وقال بعدها (وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (58)) إذن هي في سياق الأموال. الآية الثانية السياق مختلف (فَإِن رَّجَعَكَ اللّهُ إِلَى طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُواْ مَعَ الْخَالِفِينَ (83) وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ (84) وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (85)) هذا جهاد. إذن إحداهما في سياق الأموال والإنفاق والثانية في سياق القتال والجهاد. لما كان السياق في الأموال جاء بـ (لا) زيادة في التوكيد لأنه في سياق الأموال أما الثانية فليست في سياق الإنفاق فقال (أموالهم وأولادهم)، هذا أمر والأمر الآخر جاء باللام في مفعول يريد وهذا يؤتى بها لزيادة في التوكيد (أريد لأفعل أقوى من أريد أن أفعل) هذه اللام عند النحاة أحد أمرين إما أن تكون مزيدة لغرض التوكيد لأن أراد فعل متعدي (فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا (79) الكهف) الآن دخلت اللام في مفعوله والأصل أن يعذبهم فجاء باللام للزيادة في التوكيد لزيادة العذاب. إذن لما كان في مقام الإنفاق والأموال قال (إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا) (بها) أي بالأموال. اللام في مفعول الإرادة تأتي للتوكيد (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33) الأحزاب) و (يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ (28) النساء) اللام يؤتى بها لزيادة التوكيد في المفعول به مع فعل أراد أو يريد. ثالثاً: قال في الأولى (فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) المال هو عصب الحياة فلما كان في سياق الأموال قال الحياة الدنيا أما الثانية ففي سياق الجهاد والجهاد مظنة الموت والقتال فلم يقل الحياة وإنما هي فقد الحياة فالقتال مظنة فقد الحياة. المال هو للحياة والجهاد والقتال مظنة فقد الحياة فلم يقل الحياة وإنما قال الدنيا (فِي الدُّنْيَا) فكل تعبير في مكانه وكل آية تؤخذ في سياقها وكل كلمة موضوعة في مكانها وكل كلمة عاشقة لمكانها في القرآن الكريم.
أسئلة المشاهدين خلال حلقة 21/6/2007م
(قَالُواْ تَاللّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (73)) (قَالُواْ تَالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ (85)) (قَالُواْ تَاللّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللّهُ عَلَيْنَا (91)) (قَالُواْ تَاللّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ الْقَدِيمِ (95)) عندما يُقسِم إخوة يوسف يستعملون تالله فما دلالة هذا القسم؟
ما اللمسة البيانية في استعمال (لك) في الآية (قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (72) الكهف) (قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا (75) الكهف)؟
(وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا (71) مريم) هل معنى الآية أننا كلنا سنذهب إلى النار؟ وهناك آية أخرى (مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (89) النمل) والورود على النار فزع وسنكون في حالة فزع إذا وردنا على النار والله تعالى يقول (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (72) مريم) فما معنى الورود؟
مداخلة من أحد المشاهدين: صيغة الرحيم للآخرة وفق لصياغته واشتقاقه أما الرحمن فهي للدنيا لأنه صيغة متبدلة.
ما الفرق بين يفعلون ويعملون؟
هل جنة آدم هي جنة الخلد أو هي على الأرض؟
بُثّت الحلقة بتاريخ 21/6/2007م
بعض الملامح البيانية والبلاغية في سورة الحديد:
نذكر قسماً من الملامح في خاتمة الكلام على سورة الحديد: بدأت السورة بالتسبيح لله سبحانه وتعالى (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) هذه فيها إشارة إلى أن نكون مع المسبحين لله لأنه في خاتمة سورة الواقعة قال (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (96)) كأنها إشارة أن نكون مع المسبحين لله مع كل ما في السموات والأرض. وكل السور التي تبدأ بالتسبيح يكون فيها العزيز الحكيمان هذان الإسمان الكريمان أو شبيهان بهما إما في الآية أو في السورة، كل سورة تبدأ بالتسبيح إما يقول العزيز الحكيم أو نحو هذا أو السورة لا تخلو من هذين الإسمين العزيز الحكيم إلا آية واحدة في السورة ختمت بقوله تعالى (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) التغابن) وختم السورة بقوله (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18) التغابن)، لماذا؟ أولاً التسبيح هو التنزيه عن كل نقص والتقص يظهر عادة إذا شخص ليس عنده مسؤولية لا يظهر عليه نقص لكن إذا كان حاكماً أو عزيزاً أو حاكماً يظهر عليه نقص إذا كان عزيزاً وانتهت عزته إلى الحكم فالعزة تسبق الحكم أو الحكمة فإذن ربنا سبحانه وتعالى في هذين الأمرين الذين يظهر فيهما العيب على الآخرين هو ينزه عن كل نقص في عزته وحكمه وحكمته ولذلك كل السور التي تبدأ بالتسبيح الآية نفسها يقول (العزيز الحكيم) أو ما في هذا المعنى وهو آية واحدة (له الملك) وهذه عزة ومنتهى العزة أن يكون له الملك إذن له الملك في معنى من المعاني هو العزيز الحكيم له الملك (وله الحمد) من الحكمة فإذن تصبح بمعنى العزيز الحكيم وقد أنهى السورة بقوله تعالى (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18) التغابن). هذا أمر. والأمر الآخر في السورة أنه ذكر في هذه السورة من صفات الله ما لم يذكر في موضع آخر في القرآن (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (3)) هذه الصفات لم ترد في موطن آخر وهذه من الأمور الخاصة بالسورة. أمر أكثر من مرة بالإيمان بالله والرسول وبالإنفاق وهذه تطبع السورة عموماً وليست أركان الإيمان عموماً وإنما الإيمان بالله والرسول دون الإيمان بالأمور الأخرى (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ (7)) (وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ (8)) (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ (19)) ونسأل لماذا؟ طالما آمن بالله ورسوله ستأتي بقية الأركان تباعاً. وذكر الإنفاق خصوصاً ولم يذكر عموم العمل الصالح (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ (10)) لم يذكر عموم العمل الصالح وفي الإيمان ذكر الإيمان بالله والرسول وفي العمل ذكر الإنفاق وذكر القتال لكن لم يحض عليه (لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا (10)). ثم ذكر النساء والرجال (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ (12)) (يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ (13)) (إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ (18)) ثم ذكر من مشاهد القيامة مشهد لم يذكر في مكان آخر.ومسألأة المنافقين والسور والمحاورة بين المنافقين والمؤمنين (فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ (13)) ذكر يوم القيامة (يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم (12)) لكن ليست بالصورة التي ذكرها في سورة الحديد من السور والمحاورة والنور. وبعد أن ذكر ما ذكر من مشاهد الآخرة وصفات الله وقدرته أهاب بالمؤمنين أن تخشع قلوبهم لذكر الله (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ (16)) وبين لنا أمراً من أمور الحياة في غاية الأهمية وهي أن الحق لا يقوم بنفسه وإنما يحتاج إلى قوة تنفيذية (وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ (25)) وذكر في السورة تفضله على عباده في أكثر من مرة (وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) حتى في الجنة ذكر (وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (21)) ولم يذكر عملاً وهذا من تفضله عليهم وختمها (وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) وذكر أن المؤمنين يؤتهم كفلين من رحمته وهذا من الفضل العظيم الذي تفضل به على عباده (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (28) لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّن فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29)) ثم ذكر الإنفاق وحده وإذا ذكر الإنفاق وحده يقول له أجر كريم وإذا ذكر الإيمان والإنفاق يقول له أجر كبير باعتبار اتسعت الدائرة وكبرت فيقول له أجر كبير. هذه ملامح سورة الحديد.
موضوع الفاصلة القرآنية:
فكرة عامة عن الفاصلة القرآنية: الفاصلة القرآنية هي خاتمة الآية ولا شك أن القرآن واضح كما يبدو يُعنى بالانسجام الموسيقي في الفاصلة القرآنية إلى حد كبير (للعالمين نذيرا، فقدره تقديرا) (بل عباد مكرمون، بأمره يعملون) ويتوصل إلى ذلك بما تتيح اللغة استعماله فيمد في موطن لا نراه موطن مدّ (فأضلونا السبيلا، قواريرا) أو يحذف طلباً للإنسجام (ما ودعك ربك وما قلى) (ينفعونكم أو يضرون) أو يقدم لفظة على أخرى ويؤخرها في موطن آخر (خبير بما تعملون) (بما تعملون خبير) لكن نؤكد في مسألة الفاصلة القرآنية أن القرآن لا يفعل ذلك على حساب المعنى قطعاً ولا يمكن البتة أن يكون المعنى جانباً (الفاصلة خارج القرآن تساوي الشعر) والفاصلة مقصودة لذاتها ويأتي بالفاصلة منسجمة إذا اقتضى المعنى ذلك وإذا اقتضى المعنى غير ذلك لم يراعي الفاصلة أصلاً لأن المعن هو السيد في القرآن الكريم سواء كان في الفاصلة أو فير غير الفاصلة أو في التعبير القرآني وأحياناً يأتي بفاصلة لا تشبهها فاصلة أخرى. الفاصلة في السورة القرآنية قد تكون على نمط واحد من أول السورة إلى آخرها مثل سورة ق كل آياتها تنتهي بحرف قبله مدّ بالواو أو الياء (الوعيد، الوريد، قعيد، خروج) سورة الحجرات كلها (عظيم، عليم، تشعرون) الفتح كلها تنتهي بالفتح عند الوقف (مبينا، عظيماً) وتتغير الفاصلة في بعض السور إما يؤسس فواصل أخرى على نمطها أو على غير نمطها وقد يرجع إلى النمط الأول وقد لا يرجع. أحياناً يأتي بفاصلة ثم يأتي بفاصلة أخرى على نمط آخر يؤسس على نمطها فواصل ثم يرجع إلى النمط الأول أو لا يرجع ونضرب أمثالاً وهي كثيرة في البقرة وآل عمران والنساء ففي البقرة مثلاً (إن الله مع المتقين، المحسنين) ثم يأتي وراءها (شديد العقاب، أولي الألباب) ثم يأتي وراءها (الضالين، غفور رحيم) (من خلاق، سريع الحساب) أحياناً تأتي السورة على نمط معين ثم يغير وقد يعود وقد لا يعود ففي سورة المرسلات (والمرسلات عرفاً) ثم يغير (فإذا النجوم طمست) ثم تأتي فاصلة جديدة (ألم نهلك الأولين) هذا النمط انتهى. في سورة النجم (والنجم إذا هوى) ثم تأتي (أزفت الآزفة، تعجبون) لم تأتي على نمطها وانتهت المسألة وهي تحتلف عما قبلها وعما بعدها. المعنى هو السيد ولا يبحث القرآن عن الألفاظ وقد يأتي بفاصلة ليس في سياقها مثلاً أو ليس في السورة مثلها تكون خاصة وبعد آيات كثيرة قد يأتي بآية على نمطها أو لا يأتي. تأتي فاصلة تختلف عما قبلها وما بعدها ثم يأتي فواصل أخرى ثم تأتي في مكان آخر على نمط هذه الفاصلة مثلاً في سورة محمد (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (10)) ليس في سياقها على نمطها ثم في الآية 24 (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) هذه على نمطها لكن بعد آيات كثيرة. وأحياناً يأتي بفاصلة ليس في السورة واحدة على نمطها وإنما تكون متفردة ليدل على أن المقصود ليس الموسيقى (نقول موسيقى لنوضح للناس فقط). في سورة طه (فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (78)) هذه ليست على نمط هذه الآية في السورة كلها، في الأنبياء (قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (66)) متفردة، في الإسراء (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ (1)) ليس في السورة على نمط هذه الآية وآياتها 111 آية (كبيرا، شكورا،) لم ترد في موطن آخر في السورة، في الفرقان (فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاء أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (17)) لم ترد مثلها في السورة كلها والسورة كلها ممدودة (السبيلا) وفي الأحزاب (السبيلا) وفي السورة نفسها (وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (4)). في سورة ص الآية الأولى (ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (1)) إذن حتى نفهم أن المعنى هو المطلوب ولذلك يأتي بآية متفردة أو آية في مكان وآية في مكان آخر. (ما ودعك ربك وما قلى) ذكرناها سابقاً وقلنا لأمرين ما ودعك ربك قلنا فيها إكرام في الذكر والحذف لأن التوديع يكون بين المتحابين فقال ما ودعك إكراماً للرسول r والقلى بين المتباغضين فما قال له ما قلاك إكراماً له أن يناله القِلى، ما قلاك وما قلى أحداً ممن تبِعك فهي عامة. إذن الفاصلة القرآنية يحدث فيها تغيير لغرض معين (لكم دينكم ولي دين) لم يقل ديني وفي آية الزمر قال (قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي (14)) مع أن الآيات قبلها وبعدها تشبه آيات سورة الكافرون.
سؤال من المقدم: هل هناك سمات عامة لتغيير الفاصلة القرآنية؟
قلنا هناك أغراض وسأذكر أمثلة من حينها لكن قبلها الحروف التي استعملت في الفواصل هل كل الحروف استعملت؟ في العربية 28 أو 29 حرفاً جاءت كلها فواصل قرآنية إلا الخاء. الهمزة (سميع الدعاء، أفئدتهم هواء) الألف (والليل إذا يغشى)، الباء (في شك مريب)، التاء (اقتت، أجلت)، التاء المربوطة (القارعة، الآزفة)، الثاء (فحدث، كالفراش المبثوث)، الجيم (البروج، أزواج)، الحاء (إذا جاء نصر الله والفتح، والعاديات ضبحا)، الدال (ولدينا مزيد، شقي وسعيد)، الذال (بعجل حنيذ، عطاء غير مجذوذ)، الراء (قدير، بصير)، الزاي (عزيز، تؤزهم أزّاً)، السين (إذا عسعس، تنفس،الجواري الكنس)، الشين (لإيلاف قريش، المنفوش)، الصاد (مناص، محيص)، الضاد (عريض، وعرضا)، الطاء (محيط، قنوط)، الظاء (غليظ، حافظ)، العين (يطاع، الرجع)، الغين (بلغيا)، الفاء (قول مختلف، من خوف)، القاف (عذاب الحريق، اختلاق)، الكاف (صدرك، وزرك)، اللام (خلال، ظلال)، الميم (عليم)، النون (يبصرون)، الهاء (أخيه وأمه وأبيه، كتابيه، سلطانيه)، الواو (واعبدوا، ضلوا، تعودوا)، الياء (فنسي، صدري)، الخاء هي الوحيدة التي لم ترد وردت متصلة بياء المتكلم (أخي) أو مع التاء (الصاخة) لكن لم ترد منفردة ولعلها ثقيلة في سماعها على الأذن يكون شرخاً للأذن. كل الحروف جاءت فواصل قرآنية ما عدا الخاء إلا متصلة بالياء أو التاء.
أمثلة على الفواصل القرآنية:
مرة يقول (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (151) الأعراف) و(فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (155) الأعراف) الرحمة موجودة في الحالتين في الأولى قال أرحم الراحمين وفي الثانية خير الغافرين في آية جعل خاتمة الآية رحمة والثانية مغفرة فإذا ذكر ذنباً عقّب بالمغفرة وإذا لم يذكر ذنباً عقّب بالرحمة. في الآية الأولى (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (151)) هذا قول موسى لم يذكر لهما ذنباً فقال وأنت أرحم الراحيمن بينما الآية (وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِي مَن تَشَاء أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (155)) عندما ذكر ذنباً قال (خير الغافرين). في آية (إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (109) المؤمنون) لم يذكر ذنباً إذن عموماً هذا خط عام في ذكر هاتين الفاصلتين إذا ذكر ذنباً ذكر الغافرين وإذا لم يذكر قال الراحمين.
مثال آخر في سورة القارعة (وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (8) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (9) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (10) نَارٌ حَامِيَةٌ (11)) في الهُمزة (كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (4) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (5) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (6) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (7) إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (8) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (9)) لم يقل ما أدراك ما هي وفي الأولى لم يقل وما أدراك ما الهاوية. عندنا قاعدة عند أهل اللغة أن الإسم الظاهر أقوى من الضمير ونلاحظ بموجب هذه القاعدة اللغوية أن الوصف في النار في السورتين أيها الأشد والأقوى؟ في القارعة وصفها (نَارٌ حَامِيَةٌ) وفي الهمزة وصفها (نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (6) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (7) إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (8) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (9)) فالنار في الحطمة أشد وليست هذه كهذه، نار حامية تقولها حتى في الدنيا لكن لا تقول نار الله الموقدة فمع الشديدة جاء بالإسم الظاهر وهذه القاعدة. أي واحد في اللغة يعلم القاعدة تقول له ضع الضمير والاسم الظاهر بموجب هذه القاعدة يكون الضمير مع الهاوية والإسم الظاهر مع الحطمة.
أسئلة المشاهدين خلال حلقة 25/6/2007م:
ما دلالة تأخير موسى في الآية (فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى (67) طه)؟
(نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (16) العلق) كيف تكون الناصية كاذبة؟
(فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا (23) الإسراء) ما دلالة كلمة أف هل هي كلمة أو حرف؟ كلمة (أف) إسم فعل مضارع بمعنى أتضجر والدليل على ذلك تنوينها (أفٍ) فالتنوين من علامات الإسم.
(وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ (116) المائدة) الله تعالى يعرف إن كان عيسى قد قال هذا الكلام أم لا فما دلالة السؤال؟
آية المال والبنون هل الواو حرف عطف وهل حرف العطف يهتم بأن المال أهم من البنون أو أن المال يأتي أولاً لأجل البنون؟
ما الفرق بين فعل الأمر إسأل وسل؟ سل إذا بدأنا بالفعل فالعرب تخفف وتحذف (سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ (211) البقرة) وإذا تقدمها أي شيء يؤتى بالهمزة (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ (101) الإسراء) هذه قاعدة عند أكثرية العرب. إذا سبقها شيء يبدأ بالهمزة وإذا بدأنا بها يحذف (سل).
(هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (221) الشعراء) (تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ (4) القدر) كيف تنزل الشياطين؟ الشايطين تستمع وتتنزل على الكهنة.
(إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ (55) آل عمران) ما دلالة متوفيك؟ التوفي ليس هو الموت.
ما هو تفسير الآية (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ (19) الروم) ؟
(إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8) الفجر) ما دلالة استعمال يخلق وهل هي من خلق الله أو من خلق البشر؟
في سورة طه ما اللمسة البيانية في تقديم هارون على موسى (فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (70))؟ كررنا أكثر من مرة أن التقديم والتأخير لا يقوم على الأفضلية ولذلك نلاحظ في الشعراء قال (رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (48)) وفي طه تكرر ذكر هارون كثيراً مع موسى حتى أن فرعون وصفهما كليهما بالسحر (قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (63) طه) والأمر الآخر أن موسى أدركه الضعف البشري (فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى (67)) أما في الشعراء لم يقل هذا وكان كلاماً قوياً مع فرعون فإذن عندنا أمرين: هارون تكرر ذكره كثيراً مع موسى في طه وموسى أدركه الضعف ولم يذكره مع هارون في الشعراء لم يذكر أن موسى أدركه ضعف ولو أردنا أن نقدم ونؤخر موسى أدركه الضعف البشري فأوجس من نفسه خيفة موسى ولم يقل هذا في الشعراء فالتعبير اختلف والمقام اختلف نقدّم هارون في الموطن الذي أدرك موسى الضعف البشري إضافة إلى أن طه تبدأ فيها حرف من حروف هارون وليس فيها حرف من حروف موسى وفي الشعراء فيها حرفين من حروف موسى (طسم) وليس فيها حرف من حروف هارون فهذا أمر آخر. إذن التقديم والتأخير ليس على الأفضلية فقد يقدم المفضول (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (2) التغابن) قدم الكافر على المؤمن (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا (40) الحج) ليس له علاقة بالأفضلية.
بُثّت الحلقة بتاريخ 25/6/2007م
سؤال: ما اللمسة البيانية في ورود لفظة اليم 8 مرات في قصة موسى u ووردت لفظة البحر 8 مرات في القصة نفسها ووردت لفظة البحرين مرة واحدة؟
مسألة البحر واليم ذُكِرت أكثر من مرة في هذا البرنامج وقلنا أن القرآن الكريم يستعمل اليم والبحر في موقفين متشابهين كما في قصة موسى u مرة يستعمل اليم ومرة يستعمل البحر في القصة نفسها (فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ (63) الشعراء) (فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ (40) القصص) اليمّ كما يقول أهل اللغة المحدثون أنها عبرانية وسريانية وأكادية وهي في العبرانية (يمّا) وفي الأكادية (يمو) اليمّ وردت كلها في قصة موسى ولم ترد في موطن آخر ومن التناسب اللطيف أن ترد في قصة العبرانيين وهي كلمة عبرانية. كلمة البحر وردت عامة (وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ (50) البقرة) (وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ (14) النحل) عامة لكن من الملاحظ أن القرآن لم يستعمل اليم إلا في مقام الخوف والعقوبة أما البحر فعامة ولم يستعمل اليم في مقام النجاة، البحر قد يستعمله في مقام النجاة أو العقوبة. قال تعالى (فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ (7) القصص) (أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ (39) طه) هذا خوف، (فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ (136) الأعراف) هذه عقوبة، (فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (78) طه) (فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ (40) القصص) عقوبة، أما البحر فعامة استعملها في النِعم لبني إسرائيل وغيرهم (أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ (63) النمل) (وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ (67) الإسراء) في نجاة بني إسرائيل استعمل البحر ولم يستعمل اليم. استعمل اليم في العقوبة واستعمل البحر في النجاة والإغراق (وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ (50) البقرة) استعملها في الإغراق والإنجاء (وجاوزنا ببني إسرائيل البحر) أي أنجيناهم، (فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَّا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (77) طه) (فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ (78) طه) لم يقل البحر، (فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ (63) الشعراء). إذن يستعمل اليم في مقام الخوف والعقوبة فقط ويستعمل البحر عامة في بني إسرائيل وغيرهم. اليم يستعمل للماء الكثير وإن كان نهراً كبيراً واسعاً. يستعمل اليم للنهر الكبير المتسع ويستعمل للبحر أيضاً. اللغة تفرق بين البحر والنهر واليم: النهر أصغر من البحر والقرآن أطلق اليم على الماء الكثير ويشتق من اليم ما لم يشتقه من البحر (ميموم) أي غريق لذلك تناسب الغرق. العرب لا تجمع كلمة يم فهي مفردة وقالوا لم يسمع لها جمع ولا يقاس لها جمع وإنما جمعت كلمة بحر (أبحر وبحار) وهذا من خصوصية القرآن في الاستعمال. كونها خاصة بالخوف والعقوبة هذا من خصوصية الاستعمال في القرآن.
سؤال: ما الفرق بين استعمال (ما) و(الذي) في الآية (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ (13) الشورى)؟
كلاهما اسم موصول لكن (الذي) إسم موصول يسمونه مختص ويسمونه نصّ أيضاً لأنه يختص بالمفرد المذكر تحديداً، (ما) مشتركة هي و (من) يستعمل للمذكر والمؤنث ويستعمل للمفرد والمثنى والجمع. الفرق اللغوي بينهما أن (الذي) مختص أو نصّ (أي في معنى معين وهو المفرد المذكر) و(ما) مشترِك أو مشترَك وبهذا يقولون أن (الذي) أعرف من (ما) مع أن كلاهما معرفة لكن المختص أعرف. إذن الأسماء الموصولة كالضمائر بعضها أعرف من بعض. إذن (الذي) أعرف من (ما)، نقرأ الآية (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ) الذي أوحينا إليك هو معروف لمحمد r كل ما جاء يعرفه، وهو القرآن الكريم أما ما وصى به نوحاً فهو غير معروف، (وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى) ما وصينا به إبراهيم وموسى غير معروف والتوراة ليست موجودة وكانت محرفة حتى في زمن الرسول ولا يعلم كل ما وصى به من كلمات فالقرآن أعرف مما وصى به إبراهيم وموسى وعيسى ونوحاً، هذا تفسير عام وليس تحديداً نقول لا إله إلا الله كلمة عامة لكن دقائق الأمور والأحكام التي جاء بها إبراهيم موسى وعيسى ونوح لا يعرفها الرسول r فـ (الذي أوحينا) أعرف فجاء بما هو أعرف لما هو أعرف وجاء لمن دونه في المعرفة بما هو دونه بالمعرفة (ما وصى به) وكل كلمة في مكانها بحسب القاعدة.
الفرق بين الوحي والوصايا: الشريعة قد يكون فيها وحي وقد يكون فيها وصايا، مع نوح وعيسى وموسى وإبراهيم قال (ما وصى) ومع الرسول r استعمل (أوحينا إليك) لهذا استخدم الذي وما.
سؤال: ما دلالة استخدام كلمة ربنا في السؤال والله في الجواب وكلمة أنزل في السؤال في الآية (إِذْ جَاءتْهُمُ الرُّسُلُ مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاء رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (14) فصلت)؟
الفرق بين الله والرب معروف: الله لفظ الجلالة إسم العلم مشتق من الإله كما يقال والرب هو المربي والموجه والمرشد لكن سبب الإختيار في الآية (لَوْ شَاء رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً) لو شاء ربنا دعوة الخلق وهدايتهم لأنزل ملائكة لأن الرسل دعوهم إلى عبادة الله (أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ) قالوا (لَوْ شَاء رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً) لو شاء هداية الخلق ودعوتهم كان أنزل ملائكة والرب هو الهادي والموجه والمرشد لذلك أنسب أن يقول ربنا ولذلك كثيراً ما يقترن الرب بالهداية (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (161) الأنعام) (قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62) الشعراء) كثيراً ما يقترن بالهداية، الله سبحانه وتعالى كل شيء بيده (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء (56) القصص) لو شاء ربنا دعوة الخلق وهدايتهم فالمناسب مع الهداية الرب لأنه الهادي والمرشد والمربي، العبادة أقرب شيء لله (أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ) والرب تستعمل لغير الله وهي غير خاصة بالله فنقول مثلاً رب البيت، حتى في سورة يوسف (إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ (23) يوسف) (اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ (42) يوسف) لأن الرب هو القيم والمرشد والموجه فأنسب مع إنزال الملائكة وجعونة الخلق وهدايتهم كلمة الرب.
سؤال: ما دلالة سؤال الجلود فقط دون غيرها من الأعضاء التي شهدت عليهم في الآية (حَتَّى إِذَا مَا جَاؤُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (20) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا (21) فصلت)؟
الجلود تحس العذاب وينالها العذاب وتدركه (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ (56) النساء) العذاب سيقع على الجلود فيسألونها لماذا شهدت علينا؟ أنت حق عليك العذاب فلم شهدت علينا؟ وهي ليست كالسمع والبصر، يا جلود لم شهدت علينا؟ العذاب سينالك ألم تفكري في نفسك؟ الجلود هي فعلاً الأولى بالسؤال لأن العذاب سينال الجلود وكلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها فهي مدركة للعذاب وهي تحس بالألم فيتوجه السؤال لها منطقياً لأنها تشعر بالعذاب وتحس به وتألم به فكان السؤال منطقياً للجلود (وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا) لكن هذا لا ينفي أن السؤال موجه للسمع والأبصار فهي أي السمع والبصر شهدت عليهم أما مناط الشعور والإحساس بالعذاب هي الجلود والجلود شهدت فلهذا انتقدت الجلود بالسؤال.
سؤال: ما دلالة الآية (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) بين آيات الجعل في سورة الأنبياء (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (30) وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (31) وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفًا مَّحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (32) وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (34))؟ وما الفرق بين الجعل والخلق؟
الجعل كما يقول أهل اللغة هو إخبار عن ملابسة مفعوله بشيء آخر أن يكون فيه أو معه أو بحالة أخرى. خلق الله الليل والنهار وخلق الشمس والقمر، لكن جعل فهي ليست هكذا جعل الماء ولكن جعل منه أو جعل فيه أو جعل حالة من حالاته (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) جعل منه، (وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ) هي لبيت هكذا تأتي وإنما تقتضي أكثر من شيء، (وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفًا مَّحْفُوظًا) هذه حالة من الحالات لم يجعلها هكذا وإنما يمكن أن نقول خلق السموات، يتعدى بنفسه لكن لا بشيء آخر لا نقول جعلنا الماء كل شيء حي. قال تعالى (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ (12) الإسراء) لما قال آيتين قال جعل وفي آية أخرى قال (خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ). في الغالب الجعل يتعلق بشيء آخر وليس فقط جعل أي خلق هكذا لكن هنالك شيء آخر في المفعول يتعلق به. (أََنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ) خلق الله الإنسان وانتهى لكن جعل تقتضي أكثر من شيء وأكثر من أن تذكر المفعول وحده وهذا ما نص عليه أهل اللغة. الجعل هو إخبار عن ملابسة مفعوله بشيء آخر بأن يكون له أو منه أو فيه أو حالة من الحالات (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) (وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ) (وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفًا مَّحْفُوظًا) رواسي مفعول جعل ملابسة مفعوله بشيء آخر (في الأرض). هذا هو الفرق بين الجعل والخلق. لما قال (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) ولم يلابسه بشيء آخر قال خلق، (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ (12) الإسراء) خلق أعمّ (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً (30) البقرة) ملابسة لـ في الأرض. خلق ليس خاصاً بالله تعالى (أََنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ (49) آل عمران). فَطَر هو فعل خاص بالله تعالى.
سؤال: ما وجه الإعجاز البلاغي في الآيتين في سورة النحل (يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ (111) وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ (112))؟
نحن لا نتكلم في الاعجاز البلاغي وإنما نتحدث في اللمسات البيانية لأن الإعجاز فهو فوق ما نستطيع نحن نذكر بعض الأمور البيانية في القرآن الكريم. الآيتان هما (يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ (111)) قال وتوفى كل نفس ما عملت وفي آيات أخرى قال (وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ (281) البقرة) وآل عمران (فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ (25)). في آية النحل قال ماعملت. في سياق الأموال يقول (ما كسبت) وفي سياق العمل يقول (ما عملت). في آل عمران (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ (161) آل عمران) الغل هو الأخذ من المغنم قبل اقتسام الغنائم، وهو متعلق بالأموال والكسب فقال (ما كسبت)، في البقرة في سياق الأموال (وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ (281) البقرة) وقبلها أمور مادية من ترك الربا (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (278) البقرة) الربا كسب حرام، آية المعسِر (وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ (280))، آية الدين ((282) البقرة) في سياق الأموال فناسب ذكر الكسب أما آية النحل ليس لها علاقة بالكسب وقال قبلها (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (110) النحل) ليس فيها كسب فالجهاد والفتنة والصبر ليست كسباً. ففي سياق الأموال قال كسب وفي سياق الأعمال قال عمل.
في الآية الأخرى (وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ (112)) نلاحظ قدّم أول مرة الأمن على الرزق قال (قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ) وبعدها مباشرة قدم الجوع على الخوف أي الرزق على الأمن فقال (فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ) ليستا على نسق واحد ولو كانت على نسق واحد لقال الخوف والجوع. فيما يظن أن السياق يقتضي أن يمشي في الآية كما في الأول لكنه قال (كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا) الرزق لا يأتي إلا إذا كانت السُبُل آمنة والمدينة آمنو فإذن لما قال يأتيها رزقها رغداً من كل مكان ويسبق هذا الإتيان الأمن وإلا لا يمكن أن تصل إذا لم تكن السبل والمدن آمنة ولذلك هذا أمر طبيعي فقدم الأمن على الإتيان. (فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ) الإنسان يحتاج إلى الطعام أكثر من الأمن لأنه يموت من غيره حتى لو كان خائفاً فقدّم ما هو أولى وما به دوام حياته وما يحتاجه الإنسان. في كلا الموضعين قدّم الأَوْلى. ثم نلاحظ قال (فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ) لم يقل نِعَم الله أنعم جمع قِلّة ونِعم جمع كثرة، كفران أنعم الله يؤدي إلى هذا فكيف لو كفر الإنسان بالنعم؟! عندما كفروا بالقليل أذاقهم الله تعالى لباس الجوع والخوف فما بالك لو كفروا بالكثير؟!. قال (فأذاقها) للدلالة على المباشرة لأن الإذاقة مباشرة الشيء. ثم قال (لباس) لأن اللباس يشتمل (فأذاقها الله لباس الجوع والخوف) أي شملهم الجوع والخوف كما يشتمل اللباس على الإنسان. قال في آية أخرى (الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ (4) قريش) هذا من باب ذكر النعم وليس من باب كفران النعم. ثم قال (بما كانوا يصنعون) قال يصنعون ولم يقل يعملون أو يكسبون لأن الصنع هو إحسان العمل فهم كانوا يصنعون السوء صناعة وراسخون في هذه الصنعة ولذلك لم يقل يعملون ولكن شملهم العذاب كما يشملهم الجوع والخوف بما كانوا يصنعون. الفرق بين العمل والصنع أن الصنع هو إحسان العمل. و (بما) تحتمل أمرين المصدرية والموصولة (بما) لم يقل بما كانوا يصنعونه لو قال بما كانوا يصنعونه لكانت إسم موصول (بالذي كانوا يصنعونه) يذكر العائد لكن لما قال (بما كانوا يصنعون) تحتمل أمرين: بصنعهم وبالذي يصنعونه، بعموم الصنع وبالأشياء التي يصنعونها. إذن ذكر جملة أمور أدت إلى ما هم فيه.
في الاية قبلها قلنا أن الكسب منوط بالمال في الغالب ولهذا يقول تعالى (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ (134) البقرة) جعلها كالأموال وككسب الإنسان.
سؤال: يميل القرآن الكريم إلى حذف ما هو معلوم أحياناً فما الحكمة من ذكر (فَلَمَّا رَجِعُوا إِلَى أَبِيهِمْ (63)) في سورة يوسف مع أن هذا الأمر واضح من السياق في قوله (وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُواْ بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (62))؟
هم لم يرجعوا بعد وإنما لا يزالون في مصر. لو قرأنا الآية (وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُواْ بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) أي لعلهم يعودون إلى مصر مرة أخرى مرة أخرى يأتون فيمتارون. إذن لعلهم يرجعون إلى مصر مرة أخرى وليس إلى أهلهم فهم لم يعودوا إلى أهلهم فبطبيعة الحال يقول (لعلهم يرجعون).
سؤال: ما سبب سقوط التاء في اللغة العربية كما في قوله تعالى (ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا (82) الكهف) و(فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (97) الكهف)؟
ذكرنا في أكثر من مناسبة مسألة الذكر والحذف من الأفعال وهذه من ضمن ما ينطبق عليه كلامنا. وذكرنا إذا كان الحدثان أحدهما أقل من حدث فيحذف من الحدث القليل ويبقي الحدث الأكبر كما هو. وذكرنا في حينها أن (فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا) قلنا أن (وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا) تحتاج إلى حدث أطول وأشق ولذا قال استطاعوا أما (فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ) الحديث يحتاج إلى زمن طويل. (قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا (78)) وبعدها قال (مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا) في الأولى ذكر الآية وبدأ يتكلم (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ (79)) لم ينتهي الكلام أما الثانية انتهى كلامه ولم يتكلم بعدها بكلمة واحدة وإنما انتقل لموضوع آخر (وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا (83)) في الأولى الكلام لا يزال الكلام مستمراً فقال تستطع أما لما انتهى الكلام قال تسطع. في قوله (قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (64) الكهف) حذف الياء، بينما قالوا (قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَـذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا (65) يوسف) الحدثان يختلفان. الذكر والحذف متعلق بالمقام الذي نتحدث عنه ولطول الحدث أو قلّته ولما كانت البغية لم تكتمل قال (قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ) لأنه كان يبتغي لقاء الخضر، لأن ربنا تعالى أخبر أنه حيث نسيت الحوت هناك ستجده. أما في سورة يوسف هم جاءوا للإمتلاء فأعطاهم الميرة وأرجع إليهم أموالهم فهذا أكثر مما يبغون أما الأولى لم تكتمل البغية لأنه لم ير الشخص الذي يبحث عنه بعد وإنما وصل للمكان فقال (قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ) لما لم تكتمل البغية حذف منها ولما اكتملت لم يحذف وهذا من خصوصية القرآن الكريم.
أسئلة المشاهدين خلال حلقة 28/6/2007م:
ما دلالة كلمة جنح (وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ (61) الأنفال)؟
ما اللمسة البيانية في استعمال مستهم في الآية (وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (46) الأنبياء)؟ وما اللمسة البيانية في كلمة (نفحة)؟ والعذاب أضيف إلى إسم يدل على الشفقة وهو الرب ولم يضف إلى إسم يدل على القهر والجبروت فما اللمسة البيانية في كل هذه المفردات؟
على من يعود الضمير في (ترونها) في الآيات (اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا (2) الرعد) و (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا (10) لقمان) ؟
كل الرسل جاءوا بدعوة التوحيد أولاً أما مع لوط فالدعوة جاءت أولاً لترك الفاحشة ثم التوحيد فما دلالة هذا؟
ما معنى عسى في قوله (وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (185) الأعراف) (فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (19) النساء)؟
ما اللمسة البيانية في استعمال يصنعون في الآية (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) النور) ؟
(قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكْرًا (87) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاء الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (88) الكهف) لماذا قدم ذكر عذاب ذي القرنين على عذاب الله أما في الجزاء بالحسنى فقدم جزاء الله تعالى على جزاء ذي القرنين؟ ولماذا استخدم سوف والسين في جزاء وعذاب ذي القرنين (فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ) و (وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا) أما في جزاء الله ووعيده (فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكْرًا) و (فَلَهُ جَزَاء الْحُسْنَى)؟
بُثّت الحلقة بتاريخ 28/6/2007م
الفاصلة القرآنية:
ذكرنا شيئاً من الأمثلة التي تتعلق بالفاصلة وذكرنا أن المعنى هو الأساس وهو السيّد وسنضرب أمثلة أخرى ليتضح الكلام: ربنا سبحانه وتعالى قال في سورة التكوير (وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (13) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ (14)) في سورة الإنفطار قال (وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (4) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (5)) ما سبب التغيير مع أن الكلام في الآخرة؟ قال (وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ) أي قُرِّبت وأُحضِرت، أزلف بمعنى قرّب (وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (64) الشعراء) أي قرّبناهم. إذن الجنة أُحضِرت فكل نفس تعلم ماذا أحضرت لدخول الجنة؟ ما العمل الذي أحضرته والجنة أمامها؟ العمل الصالح فعلمت نفس ما أحضرت من عمل، الجنة أُحضرت فأنت ماذا أحضرت لهذه الجنة؟ وكل واحد يقول أنا ماذا أحضرت لدخول الجنة. تلك (إذا القبور بعثرت) الكلام قبل الحساب وفي الآية الأولى بعد الحساب أحضرت الجنة أما هنا (إذا القبور بعثرت) ففي أول المشهد قبل الحساب إذن كل إنسان سيحاسب نفسه ما قدمت وأخرت ماذا فعلت؟ ماذا قدّمت وماذا أخرّت من الأفعال؟ فالموقف غير موقف لما كان في إحضار الجنة صار هناك إحضار العمل لأن الجنة أُحضِرت فأنتم ماذا أحضرتم؟ لكن لما كان الأمر في أول المشهد في ابتداء الأمر (وإذا القبور بعثرت) النجاح متوقف على ما قدّمت النفس وما أخرت. لذلك كل واحدة تناسب سياق المقام التي أتت فيه.
المثال الآخر في سورة الكافرون قال تعالى (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6)) حذف ياء المتكلم، خارج القرآن يمكن أن نقول (ولي ديني)، وفي سورة الزمر (قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي (14)) ذكر الياء ولم يحذفها مع أن فواصل سورة الزمر شبيهة بآيات الكافرون، هذه الآية تختلف عما قبلها وما بعدها (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ (11) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (12) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (13) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي (14)) وبعدها قال (فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (15)) الذي قبلها وبعدها يختلف ولا فرق بينها وبين سورة الكافرون إنما على نسق واحد ومع أن الكلمة نفسها ديني ودين وكلتاهما فيه ياء المتكلم أحدهما محذوف والأخرى غير محذوفة وفواصل الآيات متشابهة ما قبلها وما بعدها مثل آية الكافرون. أولاً ننظر في سياقها وهنالك عدة أمور سببت في ذكر وحذف ياء المتكلم هنا وهناك: نلاحظ أن الكلام على الدين في آية الزمر أطول أما في الكافرون فهي آية واحدة (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) هذه الآية الوحيدة في ختام السورة، الكلام في الزمر أطول وأكثر فيما يتعلق بالدين قال تعالى (مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ ، مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي) حتى سورة الزمر من البداية تتكلم عن الدين (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ (2) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ (3)) إذن الكلام على الدين وجو السورة وسياق الآيات أكثر في الكلام على الدين، هذه آية واحدة وهذه آيات متعددة قبلها وبعدها حتى في أول السورة ذكر هذا الأمر، هذا أولاً فإذن الكلام أطول على الدين في سورة الزمر و(ديني) أطول من (دين) لذا ناسب أن يذكر (ديني) في سورة الزمر من حيث الطول هذا أولاً. ثم نأتي للسمة التعبيرية وقلنا في أكثر من مناسبة أن هنالك سمة تعبيرية للسياق أو للسورة ولو نظرنا إلى ضمير المتكلم في سياق آية الزمر وضمير المتكلم في سياق سورة الكافرون سورة الكافرون كلها فيها سبعة ضمائر للمتكلم (لا أعبد مرتين، ولا أنا، عابد (فيها ضمير مستتر)،) فيها سبع ضمائر، الثلاث آيات في سورة الزمر (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ (11) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (12) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (13) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي (14)) فيها ثلاثة عشر ضميراً أما الكافرون ففي السورة كلها سبع ضمائر، هذه الآيات الثلاث فيها ثلاثة عشر ضميراً (إني، أُمرت، أعبد، مخلصاً، وأُمرت، أكون، إني، أخاف، عصيت، ربي، أعبد، مخلصاً، ديني) هذه سمة تعبيرية، تقريباً ضعف الضمائر في سورة الكافرون فذكر الياء مع السمة التعبيرية للسياق، هذا أمر آخر. من ناحية أخرى سورة الكافرون هي ترك للعبادة (لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (4) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5)) إذن هي متاركة وترك العبادة أما الزمر فهي في العبادة والأمر بالعبادة وليس لترك العبادة (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ (11) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (12)). في الكافرون ترك العبادة وهنا إثبات العبادة والأمر بها، أيها الأيسر الترك أو العمل؟ ترك الصلاة أو الصلاة؟ الأيسر ترك الصلاة لأن العبادة أشق (فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ (65) مريم)، ترك الصيام أيسر من الصيام والحذف أخف من الذكر فمع المتاركة الخفيف حذف ومع الثقيل والمشقة ذكر. هذه الظاهرة إسمها مناسبة الشيء للحدث. هذا مقتضى الحال والبلاغة مطابقة الكلام لمقتضى الحال. النفي هو عدم حصول الشيء (لا أعبد) إذن سورة الكافرون هي نفي أما الزمر فهي إثبات أو أمرٌ بالإثبات (فاعبد الله) إذن الكافرون هو نفي للحدث أما الزمر فهي إثبات أو أمر في الإثبات فأثبت الياء لما صار إثبات وحذفها لما صار عدم ذكر ونفي.
يجوز في اللغة أن يقول في سورة الكافرون (ولي ديني) لكن نحن نتحدث عن البلاغة وعن المناسبة، لماذا حذف ولماذا اثبت هذه مراعاة لمقتضى الحال هي ليست فقط مسألة تناسب صوتي مع أنه موجود لكن أحياناً يغاير التناسب الصوتي ما قبلها وما بعدها. المشركون كانوا يفهمون أكثر مما نفهم قطعاً ويعلمون أكثر مما نعلم ولذلك هم نأوا عن الإتيان بمثل سورة الكافرون أو الكوثر أو غيرها مع أن الله تعالى تحداهم بسورة وهم نأوا عن ذلك.
مثال آخر: (فَإِذَا جَاء أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ (78) غافر) (فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (85) غافر) قال المبطلون في غافر وفي غافر نفسها قال الكافرون في آية أخرى إذن الفرق بين المبطلون والكافرون مع أن الآيات نفسها. الآية الأولى وردت في سياق الحق (فَإِذَا جَاء أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ) ونقيض الحق الباطل فقال المبطلون. أما الثانية ففي سياق الإيمان (فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (85)) هذا منطق، مع الحق ذكر المبطلون ومع الإيمان قال الكافرون. لا يجوز في البلاغة أن نضع واحدة مكان الأخرى.
مثال آخر: (أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ (26) السجدة) بعدها مباشرة (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاء إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ (27) السجدة) آيتان متتاليتان في سورة السجدة. قال في الأولى (أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ) هذا يأتي عن طريق السماع قرون ماضية يسمعون الأخبار فقال (أَفَلَا يَسْمَعُونَ)، في الثانية (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاء إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ) هذا يُنقل مشاهدة وليس سماعاً فقال (أَفَلَا يُبْصِرُونَ)، لما كان الأمر يأتي عن طريق السماع قال (أَفَلَا يَسْمَعُونَ) ولما كان الأمر مشاهداً يأتي عن طريق المشاهدة قال أفلا يبصرون. ذكرنا سابقاً قوله تعالى (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاء أَفَلَا تَسْمَعُونَ (71) القصص) لما ذكر الليل قال أفلا تسمعون لأن الليل سرمد لا يُرى فيه والآية بعدها (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (72) القصص) لما ذكر النهار قال أفلا تبصرون وعندما ذكر الليل قال أفلا تسمعون.
مثال آخر: (لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ (22) هود) (لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرونَ (109) النحل) الأخسرون أشد خسارة. آية هود التي ذكر فيها الأخسرون هي فيمن صدوا عن سبيل الله وصدوا غيرهم أما آية النحل فهي فيمن صد هو ولم يصد غيره. في هود قال (الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (19) أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (20) أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (21) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (22)) في النحل قال (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ ل