حلقات برنامج لمسات بيانية

لمسات بيانية في آي القرآن الكريم  للأستاذ الدكتور فاضل صالح  السامرائي

الدورة البرامجية الجديدة في قناة الشارقة (11/2/2007م)


الحلقة العاشرة:

تتمة سورة الحديد:

(آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (7)) نظرة عامة على الآية وما فيها من لمسات:

هذه الآية سبق أن تكلمنا فيها على العموم ونذكّر المشاهدين بما ذكرناه في الآية أولاً ثم نواصل. في الآية أمرهم الله تعالى بشيئين: الإيمان بالله ورسوله (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ (7)) والانفاق (وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ (7)) إذن أمرهم بشيئين الإيمان بالله والرسول والإنفاق وهذان الأمران يطبعان السورة ويشيع ذكرهما في السورة. لم يذكر جميع أركان الإيمان في السورة وإنما كرر الإيمان بالله ورسوله (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ (7)) (وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ (8)) (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاء (19)) (أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ (21)) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ (28)) لم يذكر جميع أركان الإيمان وإنما ذكر أمرين: الإيمان بالله ورسوله والإنفاق ولم يذكر عموم العمل الصالح وإنما ذكر الإنفاق وكرره في السورة (وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ (7)) (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ (10)) (مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا (11)) (إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (18)) (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ (24)). لم يذكر جميع أركان الإيمان ولا عموم العمل الصالح وإنما خصص من الإيمان الإيمان بالله ورسوله وخصص من العمل الصالح يكاد يخصص الإنفاق، وذكر القتال لكن لم يأمر به (لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا (10)) وذكر الشهداء (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاء عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ (19)) (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ (25)) لكن الطابع العام من العمل هو الإنفاق. (وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ) استخدم (من) ولم يقل أنفقوا ما جعلكم مستخلفين فيه فنحن مستخلفون في هذه الأموال إستخلفنا فيها وستذهب إلى غيرنا فينبغي أن ننفق منها وقد استخلفنا ربنا فيها. هذا على العموم (فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ) فذكر أن لمن آمن وأنفق أجراً كبيراً.

سؤال من المقدم: في ختام هذه الآية في سورة الحديد قال تعالى (فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ) وفي سورة الإسراء قال تعالى (وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9)) أكّد في الإسراء ولم يؤكد في الحديد لماذا؟

أولاً فواصل الآيات هي أنسب مع كل واحدة لأن الإسراء فيها مدّ (أليما، عجولا) لكن ليس هذا هو السبب الأول أو الوحيد أي ليست مناسبة خواتيم الآيات هو السبب الأول وقد يكون سبباً مكملاً يأتي بعد السبب الأول. المعنى هو السيد وليست الفاصلة. وقد يأتي بسورة كاملة ثم يأتي بآية لا توافقها أي آية ففي بداية سورة الإسراء قال تعالى (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ (1)) ولا تجد مثل هذه الفاصلة في جميع السورة وإنما كلها مدّ. فالمعنى هو الأول لكن قد يأتي مع تمام المعنى ما يناسب الفاصلة. نذكر لماذا أكدّ ولماذا لم يؤكد والنتيجة أنه كل آية مناسبة لفواصل الآيات. في آية الحديد قال تعالى (فالذين آمنوا) بصيغة الفعل أما في الإسراء فقال تعالى (ويبشر المؤمنين) بالإسم. معلوم كما هو مقرر في البلاغة وفي اللغة أن الإسم يدل على الثبوت والفعل يدل على الحدوث والتجدد والإسم أقوى من الفعل، هناك فرق بين أن تقول هو متعلم أو هو يتعلم وهو يتثقف وهو مثقف، هو يتفقه وهو فقيه، هو حافظ أو هو يحفظ من الثوابت في اللغة أن الإسم يدل على الثبوت في اللغة حتى لو لم يقع. في البلاغة عموماً يذكر أن هذا أمر ثابت تذكره بالصيغة الإسمية قبل أن يقع، تسأل مثلاً هل سينجح فلان؟ فتقول: هو ناجح قبل أن يمتحن لأنك واثق أنه ناجح كما قال تعالى (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً (30) البقرة) (وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ (37) هود) لم يقل سأغرقهم. هذا في التعبير أقوى دلالة من الفعل. الإسم يدل على الثبوت والفعل يدل على الحدوث والتجدد. فإذن في سورة الحديد قال (فالذين آمنوا) صيغة فعل وفي الإسراء (ويبشر المؤمنين) فالصيغة الإسمية أقوى.

ثانياً الإيمان في سورة الحديد خصصه الله تعالى بالله ورسوله (آمنوا بالله ورسوله) إذن الإيمان مخصص، أما في الإسراء أطلقها (ويبشر المؤمنين) لم يخصص الإيمان بشيء، جعله عاماً في كل متطلبات الإيمان ليست مختصة بالله ورسوله فالإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، كل أركان الإيمان أطلقها ولم يقيدها فجعلها أعمّ أما في الحديد فالإيمان مخصص بشيئين: الإيمان بالله ورسوله. في الإسراء مطلق لم يخصصه  (ويبشر المؤمنين) هذه في الإسراء أعمّ من آية سورة الحديد.

في سورة الحديد ذكر الإنفاق (وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه) ولم يذكر غيره من العمل الصالح أما في آية الإسراء فقال (الذين يعملون الصالحات) الذين يعملون الصالحات أعم، الإنفاق هو شيء من العمل الصالح فالذين يعملون الصالحات أعمّ من الذين أنفقوا. إذن أولاً كونهم مؤمنين أثبت من الذين آمنوا ثم أطلق الإيمان بكل مقتضيات الإيمان (مؤمنين) ولم يقيده والعمل أطلقه ولم يقيده بشيء لم يقيده بإنفاق (يعملون الصالحات) فلا شك أن آية الإسراء أعمّ فلما كان أعمّ إذن المغفرة والأجر الكبير تُؤكّد للأعمّ الثابت لا للجزئية. مؤمنين أعمّ وأثبت، مؤمنين عامة على الإطلاق وليس فقط بالله والرسول، العمل بإطلاق، عموم العمل وليس فقط الإنفاق إذن توكيد الأجر الكبير أنسب مع الذين ذكرهم في آية الإسراء مع من هو أعمّ في العمل والإيمان وأثبت في الإيمان. إضافة إلى الفاصلة التي في كل آية لكن لو سألنا شخصاً لا يعلم بالبلاغة نقول له أنت عندك آيتان كالتي معنا فأين تؤكد الأجر؟ يقول في الإسراء. بلاغة القرآن كالقوانين الرياضية الثابتة.

سؤال من المقدم: ما الذي يحدث لو لم يؤكد في الإسراء؟

لو كان كلاماً عادياً لا يؤكد لكن لما تأتي في البلاغة ويأتيك موطنين كل واحد في مكان. البلاغة هي مطابقة الكلام لمقتضى الحال بمعنى ماذا يحتاج الحال؟ هل يحتاج توكيد؟ أنت رأيت إنساناً مُنكِراً تؤكد له، غير منكر لا تؤكد له، إنسان منكر إنكار كبير تقسم له هذا ما يقتضيه الحال. أي الحالين يقتضي توكيد الأجر الكبير؟ لو كان كلام متكلم عادي يتكلم بما يشاء لكن هل هو على حد البلاغة أن يكون كلام في مكانين وواحد منهم فيه أمور أرسخ من الآخر وأوسع وأعم تجعلهما بشكل واحد؟!. في سورة يس مثلاً قال تعالى (إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ) وقال (إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ) أكّد أول مرة بـ (إن) وهذا التأكيد جاء بعد تكذيب (إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ (14)) ثم صدر إنكار آخر بعده (قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمن مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ (15)) فاحتاج لتوكيد بالقسم (قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16)) (ربنا يعلم) هذا قسمٌ عند العرب، القَسَم و (إنّ) واللام في (لمرسلون) هذا بعد الإنكار الآخر (قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمن مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ (15) قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16)). لا يستوي أن يقول إنا إليكم مرسلون لأنه زاد الإنكار فزاد التوكيد. القرآن الكريم يبين ذلك تماماً كالمعادلة الرياضية.

سؤال من المقدم: في سورة الحديد قال تعالى (فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (7)) وفي سورة فاطر أضاف المغفرة فقال (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (7)) وفي سورة الملك (إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (12)) فما دلالة ذكر المغفرة مع الأجر وعدم ذكرها؟

كل موطن في القرآن يذكر فيه المغفرة يجب أن يذكر فيه الذنوب والكافرين في سائر القرآن. لما يضيف المغفرة للأجر الكبير لا بد أن يسبقها أو يأتي بعدها الذنوب والكافرين، يذكر في السياق أمرين: الكافرين والذنوب. في سورة فاطر بدأ تعالى بقوله (الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (7) أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (8)) سوء عمله هذا ذنب، (وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (10) فاطر) ذكر الكافرين مع الذنب، (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا) مباشرة بعده في سياق الكفر والذنب. نفس الأمر في سورة الملك (وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (6) إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (7) تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (9) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (11)) ذنب وكافرون، كلما يقول مغفرة وأجر كبير يسبقها أمران الكفر والذنب. في سورة الحديد لم يذكر الكافرين ولا الذنب فلم يذكر المغفرة.

سؤال من المقدم: مع الذنوب يستعمل القرآن اغفر ومع السيئات فيستعمل كفِّر (فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا (193) آل عمران) فهل هناك فرق بين اغفر وكفّر وبين الذنوب والسيئات؟

الذنوب أكبر من السيئات، السيئات صغائر والذنوب كبائر. تستعمل سيئة وقد تكون من اللمم، أنت تقول أسأت إلى فلان ولا تقول له أذنبت معه. فالسيئة قد تقال لصغائر الذنوب والذنوب ما هو أكبر. هذا يقتضي التغيير في المغفرة والتكفير. يقولون أن التكفير هو أصلاً ستر: كَفَر الشيء أي ستره ومأخوذ أصلاً من الزرع فالزارع يسمونه الكافر لأنه يستر البذرة في الأرض، كفرها أي سترها. الكافر في الشريعة هو الذي خرج عن الملة هذا في الاصطلاح وفي اللغة يعني ستر. في العربية البذرة تحفر لها حفرة صغيرة، وأصلاً العرب يسمون الليل كافر ومن أسماء الليل الظلمة والكافر لأنه يستر كما قال الشاعر:

لي فيك أجرُ مجاهد         إن صحّ أن الليل كافر

المغفرة من المِغفَر وهو الذي يُلبس في الحرب حتى يمنع السِهام. أيها الأمنع من الإصابة المِغفر أو التراب في الأرض؟ المِغفر أمنع. الليل يستر لكن لا يمنع سهماً أو إصابة وإنما يستر على العموم لكن لو جاءت ضربة لا تمنع أما المِغفر يمنع، فلما كان الذنب أكبر فهو يحتاج إلى مانع أكبر لذا قال معه مغفرة لأن الذنب أكبر، الذنب يصيب الإنسان إصابة كبيرة فيحتاج إلى مغفرة كما يحتاج المِغفر في الحرب. لما كان الذنب أكبر إحتاج لمانع أكبر ولمغفرة أشدّ. كفر ستر قد تكون بدون منع أو قد تكون بمانع خفيف لذا قال (فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا).

سؤال من المقدم: هل هذا من قبيل الترادف في العربية أم أنه ليس هناك ترادف في العربية؟

هذا كلام طويل بين اللغويين والذي يبدو لي الترادف عندما يكون من لغتني أما في اللغة الواحدة فليس فيها ترادف. لغة تسمي سكين ولغة تسميها مدية، هاتان لغتان، اللهم إلا إذا كانت تراكم اللغة بالاتصال والتأثير والتأثر أما في أصل اللغة فلا أظن أن هناك ترادفاً وكل كلمة وضعت لغرض حتى لو كان هناك تقارب كبير ولكن ليس ترادفاً. في القرآن الكريم حتى لو جاء من لغتين فلا يستعملها مترادفتين. القرآن الكريم الكلمة الواحدة أحياناً يجري فيها تغيير لغرض بما يتناسب مثل توفاهم وتتوفاهم الكلمة نفسها حذف في واحدة والعرب يحذفون. الكلمة نفسها لكن لا يفعل ذلك إلا لغرض، لا يقول توفاهم بمعنى تتوفاهم ولا يستعمل تتذكرون مثل تذكّرون. أما نزل وأنزل فالبناء مختلف (أنزل أفعل ونزّل فعّل) وأفعل غير فعّل، أفطر غير فطّر لكن الكلمة واحدة. تستطع وتسطع، (وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ (2) النساء) الكلام عن اليتامى وفي آية أخرى (لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاء مِن بَعْدُ وَلَا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ (52) الأحزاب) ما قال تتبدل. هذا الفرق في القرآن له غرض ويمكن أن نفرد له حلقة خاصة. كلمة ريح ورياح لها خصوصية في الإستعمال القرآني فالقرآن يستعمل الغيث مثلاً في الخير والمطر في الشر، هذه حالة خاصة بالقرآن وليس بالغة العربية. الصوم الصيام في القرآن لا يستعمل في العبادة إلا الصيام (كتب عليكم الصيام) والصوم في الصمت وليس في العبادة (إني نذرت للرحمن صوماً) أما في الحديث فيستعمل الصوم للعبادة (إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به).

سؤال من المقدم: هل العرب كان لها خصوصية محددة في استعمال ألفاظ محددة؟ مع لغتها لكن القرآن يخصص. من لم يؤمن بالقرآن كان يفهم حينها أكثر مما نقول بدليل أنه عندما تحداهم (والتحدي في الجاهلية كان موجوداً يقول أحدهم للآخر أنا أشعر منك ويقول الآخر أنا أشعر منك فيتنافران ويذهبان إلى محكِّم) قال لهم تعالى (وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ (23) البقرة) لإيلاف قريش سورة وأبو جهل وغيره سمعوا هذا الكلام ولم يأتوا بسورة مثله (قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88) الإسراء) تحداهم بسورة قصيرة مثل الكوثر، الإخلاص، العصر، وهم كان لديهم من الفصاحة ما هو معروف ولم يكن أحدهم يرضى أن يقول له أحدهم أنا أشعر منك!.

سؤال من المقدم: إذا كانت الكلمات هي الكلمات فما سر الإعجاز في القرآن؟ ولم لم يأتوا بمثله؟ هي ليست مسألة رصف كلمات. أذكر في الكلية كان هناك أستاذ يدرِّس الأدب فقال العرب يفهمون الكلام وهو كلامهم فلماذا لا يأتون بقرآن مثله؟ الكلام كلامهم وهم يفهمونه فردّ عليه أستاذ آخر فقال له أنت استاذ أدب تشرح الشعر وتفهم كلام المتنبي فاتِ بمثله! تفهم مفرداته وتعلم مقاصده فإتِ بمثله وأنت أستاذ أدب تشرح للطلبة فاصنع قصيدة مثل المتنبي. فهي ليست مسألة مفردات وكلمات تجمعها وتعرضها لكن فكرة نظم تحدث عنها الجرجاني.

سؤال من المقدم: لماذا جهلنا اللغة العربية ونحن أبناء العرب؟ نحن الآن نتعلم اللغة ونحن لا نتكلمها سليقة ولا نعرفها ونتعلمها وتعلمناها تعلماً مبتوراً، لا نعرف اللغة والناس تجهل اللغة وأذكر طلبة في الصف الرابع تدرس النحو تقول (أوكي) فقلت لها نحو وفي الصف الرابع وتقولين أوكي؟! نحن لا نعلم اللغة والطلبة أصلاً لا يعرفون شيئاً عن اللغة.

استطراد من المقدم: يقولون أن اللغة العربية صعبة جداً في التعلم؟

هذا أيضاً يحتاج ليكون محوراً لحلقة. لا شك أن الإعراب مثلاً فيه صعوبة باعتبار يجب معرفة المرفوع والمنصوب والمجرور والمجزوم ولا شك أن الإنجليزية أسهل. فإذا أردت أن أقول أنا أذهبُ بالإنجليزية أقول: I am going أما في العربية وتقول I want to go نفس الفعل أما في العربية فأقول أريد أن أذهبَ وفي الإنجليزية أقول : I didn’t go نفس الفعل أما في العربية فأقول: لم أذهبْ،. لكن نسأل هل هي الصعوبة المقياس الوحيد؟ لو كان عندما جهازان من الأجهزة التقنية الحديثة وفي أحدهما مزايا مهمة أكبر من الصعوبة التي في الجهاز الآخر بحيث لا يؤدي إلا إلى خدمات قليلة والجهاز الذي فيه صعوبة يؤدي إلى خدمات متعددة فأيها الأفضل؟ الجهاز الذي فيه خدمات يحتاج لتعلم أفضل من الآخر. العربية تماماً مثل جهاز متطور بتقنية عالية جداً بالنسبة للغات الأخرى. أنت تقول: أعطى محمدٌ خالداً كتاباً يقابلها بالإنجليزية: Mohamed gave khaled a book في العربية يمكن أن أقول: أعطى محمدٌ خالداً كتاباً، كتاباً أعطى محمدٌ خالداً (تقديم المفعول به)، خالداً أعطى محمدٌ كتاباً، خالداً كتاباً أعطى محمد، خالداً كتاباً محمد أعطى، أعطى خالداً كتاباً محمدٌ (الفاعل في الآخر)، أعطى كتاباً خالداً محمدٌ، أعطى كتاباً محمدٌ خالداً، أكثر من عشر صور وكل واحدة لها معنى يختلف عن الآخر وكل واحدة لها دلالة تختلف عن الأخرى، كيف تعبر عنها بالإنجليزية والفرنسية؟ بصورة واحدة أما في العربية فقد أعبر عنها بعشر صور مختلفة لا تستطيع لغة أجنبية أن تعبر عنها.

في النفي: لا طالبَ غائبٌ تقال بالإنجليزية: no student is absent أما في العربية فيمكن أن تقول: لا طالبٌ غائباً، وقد ورد في القرآن ما يشبه هذه الحالة (وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ (61) يونس) وورد (وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ (3) سبأ) اختلفت الدلالة. ليس هذا فقط وإنما يمكن أن تقول: ما طالبٌ غائباً، ما طالبٌ بغائب، ما من طالب بغائب، ونأتي بليس: ليس طالباً غائباً (قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ (66) الأنعام) (وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ (108) يونس) النفي مرة بليس ومرة بما والإثنان للنفي والدلالة مختلفة وكل واحدة لها دلالة. وتأتي بـ (إن) النافية، أكثر من عشرين جملة تقابلها في الإنجليزية جملة واحدة. (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) النجم) أولاً نفى بـ (ما) والمرة الثانية بـ (إن)، (وَقُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا هَـذَا بَشَرًا إِنْ هَـذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ (31) يوسف) نفى بـ (ما). اللغات الأخرى بائسة في المعاني بالنسبة للغة العربية الثرية التي هي لغة القرآن. نخصص إن شاء الله تعالى حلقات لإظهار وبيان عظمة اللغة ونصصح الفكرة الخاطئة.

سألت أستاذ لغة إنجليزية عندما كنت في جامعة بغداد أن يترجم لي جملة: "بينما كنت ماشياً" فقال: while I was walking ثم سألته أن يترجم :بينما كنت أمشي" ترجمها نفس الجملة لكن في العربية واحدة فيها إسم فاعل (ماشياً) إسم دال على الثبوت والثانية فعل (أمشي). من هنا جاءت إستحالة ترجمة القرآن ولكن يمكن ترجمة المعاني العامة. (وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ (61) يونس) (لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ (3) سبأ) واحدة في يونس وواحدة في سبأ.

أسئلة المشاهدين خلال حلقة 19/3/2007م:

  1. (بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (28) الأنعام) كيف يعودون؟

  2. ما معنى الحروف المقطعة (ألم) و (حم)؟

  3. في القرآن الكريم يذكر الجن قبل الإنس في مواطن كثيرة (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) الذاريات) أما في سورة الرحمن فقدم الإنس (فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (56) الرحمن) فما دلالة التقديم والتأخير؟

  4. توضيح لما ذكره الدكتور فاضل في حلقة سابقة عن تقديم العمل وتأخيره في (خبير بما تعملون) و(بما تعملون خبير) حيث ذكر أنه عندما يقدم العمل يكون في الآية للإنسان فعل فيه، وتوضيح للآية (إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غُمَّاً بِغَمٍّ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (153) آل عمران)

  5. ما الفرق بين يذّكرون ويتذكرون؟

  6. توضيح الآية (قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (129) الأعراف)؟

  7. ما الفرق في استخدام كلمة الأنعام في الآيات في سورة الحج (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28)) (وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30)) (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ (34))؟

  8. ما دلالة تقديم تعليم القرآن على خلق الإنسان في آية سورة الرحمن (الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4))؟

  9. ما الفرق بين الحسرة (وأنذرهم يوم الحسرة) والندامة (وأسروا الندامة)؟

  10. ما الفرق بين حميم ويحموم؟

  11. ما الفرق بين طوعت (فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (30) المائدة) وسولت (وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (96) طه) (قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا (18) يوسف)؟

  12. ما الفرق بين آلآف وألوف (وهم ألوف) في القرآن؟

  13. ما الفرق بين أتباع وأشياع؟

  14. ما الفرق بين فتنة وفتون (وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا (40) طه)؟

بُثّت الحلقة بتاريخ 19/3/2007م


الحلقة 11

سؤال : ما الفرق بين السوء والسيئات؟

السيئة هي فعل القبيح وقد تُطلق على الصغائر كما ذكرنا سابقاً في حلقة ماضية. السوء كلمة عامة سواء في الأعمال أو في غير الأعمال، ما يُغَمّ الإنسان يقول أصابه سوء، الآفة، المرض، لما يقول تعالى لموسى u (وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى (22) طه) أي من غير مرض، من غير عِلّة، من غير آفة. (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ (5) النمل) كلمة سوء عامة أما السيئة فهي فعل قبيح. المعصية عموماً قد تكون صغيرة أو كبيرة، السوء يكون في المعاصي وغيرها (لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ (123) النساء) صغيرة أو كبيرة. فإذن كلمة سوء عامة في الأفعال وغيرها، أصابه سوء، من غير سوء، ما يغم الإنسان سوء، أولئك لهم سوء العذاب (فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (45) غافر) كلمة سوء عامة وكلمة سيئة خاصة وتُجمع على سيئات أما كلمة سوء فهي إسم المصدر، المصدر لا يُجمع إلا إذا تعددت أنواعه، هذا حكم عام. ولكنهم قالوا في غير الثلاثي يمكن أن يُجمع على مؤنث سالم مثل المشي والنوم هذا عام يطلق على القليل والكثير إذا تعددت أنواعه ضرب تصير ضروب محتمل لكن المصدر وحده لا يُجمع هذه قاعدة.

سؤال: هل الزينة عائدة على الأرض في الآية (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (7) الكهف)؟ وإذا كانت عائدة على الأرض فهل هذا يعني أنه نحن كبشر ليس لنا الحق أن نتمتع بها.

قال تعالى (زينة لها) مؤنث ولذلك لاحظ لو أخذنا تمام الآية وما بعدها قال تعالى (وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (8)) أي ما على الأرض. (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (7) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (8)) أي لجاعلون الزينة وما فيها للأرض. هي زينة تتنزين والناظر ينظر فيها ويبتهج بالزينة وبما فيها من زينة وزهور كما قال تعالى (وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاء بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (16) الحجر) (إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (6) الصافات) هي زينة للسماء والناظر يبتهج بهذه الزينة ويذكر ربّه. فالزينة هي للأرض والله تعالى قال (حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ (24) يونس). فالزينة للأرض ونحن نُسرّ بهذه الزينة ونبتهج بها كما قال تعالى (وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاء مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ (60) النمل) تُبهج الناظر.

سؤال: ما معنى كلمة الجبت والطاغوت؟ وهل هي موجودة في لغة العرب؟ وهل هناك علاقة بين كلمة جبت وegypt ؟

الطاغوت: الطاغوت يذكرون له معاني، هو من الطغيان، اشتقاقه العربي من الطغيان، فِعلها طغى (وعندنا فعلوت، أصلها طغووت ثم صار بها إبدال، هذه مسائل صرفية لا نريد أن ندخل فيها)، عندنا مصادر على فعلوت مثل الملكوت والجبروت (فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (83) يس) ورهبوت وهي عندنا في العربية وهي مصادر تدل على المبالغة كما في الحديث " جللت الأرض والسماء بالعزّة والملكوت". طاغوت من هذه الأوزان لكن صار فيها تداخل صرفي وإبدال كلمة (أصلها طغووت على وزن فعلوت). هي من الطغيان، من الفعل طغى. كل رأس في الضلال يسمى طاعوت (ما عُبِد من دون الله) حتى الساحر يسمى طاغوت والكاهن والصنم وفي العربية المارد من الجن يسمى طاغوت وهي عامة وكلمة طاغوت تستعمل للمذكر والمؤنث والمفرد والجمع. للمفرد طاغوت وللجمع طاغوت وللمذكر طاغوت وللمؤنث طاغوت. عندنا جمع (طواغيت) وعندنا طاغوت مثل الطفل يُجمع على طفل وأطفال وضيف يجمع على ضيف وضيوف وخصم قد يكون مفرد وقد يكون جمعاً (وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21) ص) عندنا كلمات قد تكون جمع وقد تكون مفرد حتى كلمة عدو وأعداء، عدو مفرد وجمع (فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (77) الشعراء) عندنا كلمات تكون الكلمة تعبر عن المفرد والجمع بحسب السياق الذي وردت فيه ومنها طاغوت. يوجد طواغيت في اللغة مثل طفل وأطفال (أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء (31) النور) (وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا (59) النور). الطاغوت موجودة والطواغيت موجودة.

الطاغوت تستعمل للمفرد والجمع والمذكر والمؤنث فنقول هذا طاغوت وهذه طاغوت. حتى في القرآن الكريم استعملها عدة استعمالات، إستعملها مفرد واستعملها جمع: (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ (256) البقرة) هذا جنس عام، (اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ (257) البقرة) هنا الطاغوت جمع لأن للمؤمنين وليّ واحد وهو الله سبحانه وتعالى (اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ) أما الكافرون أولياؤهم متعددون الشياطين وغيرهم لذا قال تعالى (وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ) للمؤمنين ولي واحد وهو الله تعالى صحيح المؤمنين بعضهم أولياء بعض لكن الولي الواحد هو الله تعالى والكفرة أولياؤهم متعددون لذا لم يقل وليهم الطاغوت. مثال آخر (يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ (60) النساء) مفرد، لماذا مفرد؟ لو نرجع إلى سر النزول سنفهم، أصل النزول: إختصم أحد المنافقين مع يهودي فاليهودي قال نحتكم إلى رسول الله r وقال المنافق نحتكم إلى كعب بن الأشرف (يهودي) فالمنافق الذي يزعم أنه آمن بالله والرسول r يريد أن يحتكم إلى يهودي واليهودي يريد أن يحتكم إلى رسول الله كأنه متأكد أن الحكم له، ففي الآية هنا طاغوت واحد (كعب بن الأشرف) فلذلك قال تعالى (وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ).

مثال آخر للجمع والمؤنث: (وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا (17) الزمر) هنا الطاغوت ليس مفرد وإنما مؤنث جمع أي الأصنام، كيف عرفنا أنها جمع؟ بدليل قوله تعالى في الآية (فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِ (15) الزمر) صار تعددية. فإذن الطاغوت مفرد، جمع، مذكر، مؤنث واستعملت كلها في القرآن الكريم.

الجبت: أحياناً يأتي بمعنى الطاغوت. في كتب اللغة يقولون الجبت ليس من محض العربية في الأصل. وهي عامة تأتي حتى في الحديث "العيافة والطير من الجبت" اليعافة أي الكهنة والسحرة، فالجبت كلمة عامة تطلق على الطاغوت، الساحر، الكاهن، وتطلق الأفعال والأعمال غير المرضية مثل الطيرة والعيافة والاعتقادات الباطلة. والبعض قال هي إسم صنم وأطلقت عامة. الجبت لها نفس دلالة الطاغوت وفيها توسع في المعنى مثل العيافة والطير، تدخل تحتها مجموعة الأفكار والمفاهيم . ليس لها فعل صيغتها هكذا (الجبت) ليس لها جمع ولا مثنى ولا علاقة لها بكلمة egypt . أحد أساتذتنا القدامى في الكلية قال أظنها من جوبيتر لأنه كان هناك من يعبد النجوم (وأنه هو رب الشعرى) هو قال هكذا لكن لا أدري من أين جاء بها؟ لكن الجبْت (بتسكين الباء) ليست من محض العربية أما الطاغوت فمن محض العربية.

سؤال: هل توجد في القرآن كلمات غير عربية؟ وإذا وجدت كلمات غير عربية فكيف نفسر قوله تعالى (قرآناً عربياً)؟

الكلمات التي وردت في القرآن دخلت العربية قبل نزول القرآن وصارت عربية في التعبير، العرب استعملوها. ولا شك أنه ليس كل شيء موجود في الجزيرة العربية، هل كل النباتات موجودة في الجزيرة العربية؟ كل الفواكه؟ كل الألبسة؟ قطعاً لا. وقطعاً لما يصير اتصال في التجارة تدخل مفردات وكلمات وتقارب اللغات يعني تقترب لغة من لغة هذه ليس عندها مثل هذه فتستعمل الكلمات وتدخل لغتها. إذا كان هناك حروف ليست من حروفها تحاول أن تجعل لها حروفاً من حروف اللغة وتدخلها في كلماتها. الكلمات التي في أصولها غير عربية دخلت العربية واستعملها العرب قبل الإسلام بزمن طويل ودخلت في لغاتهم وأعربوها وخضعت للقواعد وأصبحت عربية في الاستعمال ولا نعلم أصولها وقد تكون أصولها غير عربية لكنها الآن أصبحت عربية، قد تكون غير عربية وليست موجودة في الجزيرة العربية مثل سندس واستبرق، العرب لم يكن عندهم مصانع ليستخدموا سندس واستبرق وليس عندهم جميع الأطعمة والفواكه. جميع الكلمات في القرآن عربية الاستعمال قطعاً، القرآن لم يأت بكلمة أعجمية ابتداءً وأدخلها في القرآن. لو أردنا أن نرجع للكلمات الدخيلة الذي يذكرها أهل علوم القرآن نجدها كثيرة لكنها كلها دخلت قبل الإسلام والعرب فهمت هذه الكلمات وكانت تستخدمها في لغتها وفي حياتها فأصبحت عربية الاستعمال. الكلمات الأعجمية أوزانها ليست كأوزان العرب أو تجتمع فيها حروف الدال والزاي مثلاً يضعون لها ضوابط للكلمات غير العربية الأصيلة مثلاً كلمة (مهندز) لا تجتمع الدال والزاي، يضعون بعض الضوابط: اجتماع حروف ليس من طبيعة اللغة أن تجتمع في كلامهم فيقولون ليست عربية أو أوزانها. جميع الكلمات الواردة في القرآن الكريم دخلت في لسان العرب قبل الإسلام ودخلت في كلامهم وأعربوها وأصبحت عربية في الاستعمال.

سؤال: ما الفرق بين الآيتين في سورة الفرقان (إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (70)) و (وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (71))؟

في عموم القرآن إذا كان السياق في العمل يقول (عملاً صالحاً). ننظر إلى السؤال وإلى السياق الذي وردت فيه الآيات: (إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) السيئات هي أعمال غير صالحة والحسنة عمل صالح (فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ) هذه أعمال سيئة وحسنة. ثم يختم الآية (وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) غفور يغفر الأعمال السيئة. نكمل الآية الأخرى (وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا) هذا تائب أصلاً يتوب إلى الله متاباً وليس هناك عمل، في الآية الأولى الله تعالى يتكلم عن العمل يبدل سيئاتهم حسنات يبدلها، يغيرها، هذه أعمال سيئة وأعمال حسنة وكان الله غفوراً رحيماً يغفر لهم الأعمال السيئة. أما في الآية الثانية ليست في ذلك وإنما في التائب (فإنه يتوب إلى الله متاباً) تلك في العمل: سيئات وحسنات وغفران للعمل وهذه في التائب ولذلك لما كان السياق في العمل قال عملاً صالحاً ولما كان السياق في التائب لم يكررها وقال عمل صالحاً (تاب وعمل صالحاً). إذن لما يكون السياق في العمل يقول عملاً صالحاً كما في آخر سورة الكهف أيضاً (مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا (110)) لأنه تكلم عن الأشخاص الذين يعملون أعمالاً سيئة ويكون السياق في الأعمال (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104)) والسورة أصلاً بدأت بالعمل (وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (2)).

مع العمل يقول عملاً أما مع التائب فلا يذكرها فإذا قال خارج القرآن (ومن تاب وعمل عملاً صالحاً) هذا يسموه التوكيد وبيان النوع. لم يقل عمل عملاً صالحاً هذا مصدر مؤكّد مع بيان النوع أفاد فائدتين التوكيد والنوع. (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (62) البقرة) ليست في سياق الأعمال.

سؤال: ما اللمسة في ذكر (وهذا أخي) في الآية (قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَـذَا أَخِي (90) يوسف) مع أن إخوة يوسف يعرفون أخاهم بنيامين؟

يعني هذا أخي عرفته كما عرفتكم وأنتم لم تعرفوني هم دخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون. عرفته لا لأنكم قلتم أنه أخوكم وأنتم لم تخدعوني كما حاولتم أن تخدعوا أباكم جئتم بقميص وقلتم أكله الذئب، نأتي بشخص لا يعرفه يوسف ونقول هذا أخوكم ولا يعرف يوسف لأن أباهم لا يتحمل أن يأخذ الآخر نأت له بشخص لا يعرفه يوسف فنقول له هذا أخوك فمن أين يعرفه هو كما فعلتم مع أبيكم وقلتم أكله الذئب وحاولا أن يخدعوه. لا تتصوروا أنك خدعتموني وأنا عرفته هو أخي فعلاً عرفته بنفسي أنا أعرفه كما عرفتكم أنتم قبل أن تعرفوني بأنفسكم أنا عرفتكم بنفسي. لو جاءوا بشخص آخر وقالوا أبانا لا يتحمل ويأتوا بحمل بعير كان ممكناً أن يفعلوا هذا لكنه لن ينطلي على يوسف لأنه يعرفه كما عرف إخوته. أنتم لن تخدعوني وجئتم بشخص آخر علماً أنه كان ممكناً أن يفعلوا ذلك وقد فعلوه قبل ذلك مع قميص يوسف.

سؤال: ما الفرق بين الآية (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) لقمان) والآية (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (25) الأحقاف)؟ ولماذا قيل في الأولى عامين وفي الثانية ثلاثون شهراً وما هي دلالة ذكر وحذف (إحساناً)؟

العامين والثلاثون واصحة باعتبار حمله وفصاله والحمل يمكن أن يكون ستة أشهر وقسم من الفقهاء استندوا إلى أن أقل الحمل ستة أشهر. هذا الحمل والفصال فذكر أقلّ الحمل وهذه الفترة ليست بيد المرأة أو الرجل لكن أقل الحمل ستة أشهر والفصال في عامين والحمل ستة أشهر فهذه ثلاثون شهراً (24+6).

مسألة إحساناً: في آية أخرى قال (حسناً) (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (8) العنكبوت) وفي آية (إحساناً) وفي آية لم يذكرها. في العنكبوت (حسنا)، في لقمان لم ترد (إحساناً)، في الأحقاف وردت (إحساناً). أولاً المراتب: الإحسان أكرم من الحُسن، تعامل الإنسان حسناً أمر عادي لكن أن تحسن إليه هذه مرتبة أعلى من الحسن. قال (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) لقمان) قال (وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا (15) لقمان) بينما في العنكبوت قال (وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي)، (على أن) فيها تعهد. نقول مثلاً زوجتك ابنتي لتعينني، زوجتك ابنتي على أن تعينني، (على أن تعينني) شرط كما قال تعالى (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ (27) القصص)، (على أن) إشتراط. الوالدان في آية لقمان أشد كفراً يشترطون عليه الكفر (وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي)، في العنكبوت (لتشرك بي) اللام هنا للتعليل. (على أن) أقوى للتشرط وفيها الإستعلاء. فلما كان في العنكبوت أقل المجاهدة قال (حسناً) ليست كالتي في لقمان. في لقمان قال (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) وكل وصية لقمان في المصاحبة مصاحبة الأب لابنه ينصحه ويعلمه ومصاحبة الإبن لأبيه ومصاحبته مع الناس ليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وأكثر وصية لقمان في المصاحبة كيف يتعامل مع الآخرين، في المصاحبة (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17) وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (19)). في العنكبوت ما دام المسألة أقل من ذلك صاحبهما. في الأحقاف لم يجاهداه على شيء (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا (15)) هذان أبوان مؤمنان. أولاً ذكر حالتهم. في لقمان قال (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ) لم يذكر الوضع وإنما ذكر الحمل فقط، في الأحقاف ذكر الحمل والوضع (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا) لأن أحياناً الإنسان شيئاً صعباً لكن يضعه بيسر لكن هنا الحالتين كره ألا يستحق الأبوين الإحسان؟ وهما مؤمنان ومستمران (وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتْ الْقُرُونُ مِن قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (17) الأحقاف) إذن هذان الأبوان مؤمنان لذا استحقا الإحسان أعلى درجة من الحسن. في العنكبوت استحقا الحسن في المعاملة، في لقمان لما جاهداه مجاهدة قوية قال صاحبهما.

ثم هناك مسألة: الله تعالى في جميع القرآن إذا أمر بالبر والدعاء يستعمل الوالدين وليس الأبوين في القرآن كله. مع العلم أن الوالدين مثنى والد ووالدة وغلّب المذكر الوالد والأبوين مثنى وغلّب المذكر الأب والأبوان أب وأم. (وبالوالدين إحساناً) هذه عامة لم يحدد ذكر صفة من كفر أو غيره. (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (28) نوح) (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (41) إبراهيم) (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا (23) الإسراء) لم يذكر في القرآن موقف بر أو دعاء إلا بلفظ الوالدين. في آية المواريث (وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ (11) النساء). (وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ (80) الكهف) ليس فيها مقام ذكر البر لذا قال أبواه أما في الدعاء فقال (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ) لا يستعمل الأبوين. الأبوين يستعملها في مكان آخر.

ما الفرق بين الوالد والأب؟ التي تلد هي الأم والوالد من الولادة والولادة تقوم بها الأم وهذه إشارة أن الأم أولى بالصحبة وأولى بالبر قبل الوالد. لكن في المواريث لأن نصيب الأب أكبر من نصيب الأم استعمل الأب (وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ). في الأموال يستعمل الأبوين وفي الدعاء الوالدين.

سؤال: ما الفرق بين الآية (وَجَاء السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالْواْ إِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (113) الأعراف) و (فَلَمَّا جَاء السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (41) الشعراء)؟

أتمنى أن نأخذ القصتين في الشعراء والأعراف في حلقة خاصة لأن فيها أكثر من سؤال واختلاف. لكن الآن نجيب أنه إذا رجعنا إلى القصة في السورتين: الشعراء والأعراف. في الشعراء تتسم القصة بسمتين بارزتين أولها التفصيل في سرد الأحداث والآخر قوة المواجهة والتحدي لأن موسى أمام فرعون (قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) الشعراء). الآن نأتي في الأعراف ذكر أن ملأ فرعون هم الذين قالوا أن موسى ساحر (قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَـذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (109)) في الشعراء فرعون هو الذي قال وليس الملأ (قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (34)) لأن الكلام كان شديداً بينه وبين موسى. في الشعراء ناسب أن يواجهوا فرعون بالقول لأن هو الذي قال. في الأعراف قال (وَجَاء السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالْواْ إِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (113)) وفي الشعراء قالوا (فَلَمَّا جَاء السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (41)). هناك لم يقولوا قالوا لفرعون لأن المتكلم كان الملأ لأن القائل الأول ليس فرعون. في الشعراء قالوا لفرعون (أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (41)) لم يقولوا إن زيادة في التوكيد وزيادة في سرد الأحداث لما كان التفصيل أكثر قال (أئن). الفرق بين (إن) وأئن، أئن استفهام مضمر (هل تذهب؟) أحياناً حرف الإستفهام يضمر ولا يذكر لكن يفهم من السياق تذهب معي؟ أصلها أتذهب معي؟ إن لنا لأجراً استفهام لكن لم يذكروا همزة الإستفهام. أما في الثانية فالوضع فيه شدة وحدة وتفصيل أكثر والاستفهام أدل على هذا الأمر وصرحوا بالهمزة (أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ).حتى في الجواب قال في الأعراف (قَالَ نَعَمْ وَإَنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (114)) وفي الشعراء قال (قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَّمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (42)) أضاف إذن لأن الموقف مختلف يريد أن ينتصر وكان الكلام شديداً مع موسى ولا يمكن أن يواجهه الحجة. ليس هذا فقط وإنما في الشعراء أقسموا بعزة فرعون (فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (44)) أما في الأعراف ما قالوا هذا الشيء لأن فرعون في مأزق في المناقشة وصار عصبياً فأقسموا بعزة فرعون ولم يقسموا في الأعراف. ونحتاج للنظر في السورتين بتفصيل.

إستطراد من المقدم: ألا يجعل هذا قائلاً يقول أن هذا يدل على تناقض في القصة الواحدة؟ التناقض هو أن تذكر أمراً مخالفاً للآخر لكن أن توجر في ذكر الأحداث أو تفصّل هذا ليس تناقضاً. إذا سافرت وعدت تذكر بالتفصيل ماذا حصل معك وتذكر الأشخاص وأحياناً تذكر أنك سافرت يوماً وعدت. هذا ليس تناقضاً والقرآن مرة يستعمل الإجمال ومرة التفصيل. في قصة إبراهيم قال في موضع (وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُـشْرَى قَالُواْ سَلاَمًا قَالَ سَلاَمٌ (69) هود) (إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ (25) الذاريات) وفي موضع آخر لم يذكر سلام (إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلامًا قَالَ إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ (52) الحجر) لكنه لم يقل أنه لم يرحب بهم.

بُثّت الحلقة بتاريخ 22/3/2007م


الحلقة 12

تابع سورة الحديد

(وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (8))

نظرة عامة على الآية:

الآية التي قبل هذه الآية قوله تعالى (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (7)) إذن كانت الآية طلب الإيمان بالله والرسول (آمنوا بالله ورسوله) ثم قال تعالى (وما لكم لا تؤمنون) أي كيف لا تؤمنون؟ طلب منهم الإيمان، لماذا لا تؤمنون بالله والرسول موجود وجاء بالآيات البينات والدلائل الواضحة أنه رسول من عند الله، (وقد أخذ ميثاقكم). كيف لا تؤمنون بالله؟ هذا إستفهام (ما في (وما لكم لا تؤمنون) إستفهامية) يدعو للعجب كيف أنه مع دواعي الإيمان المتكاثرة والموجودة، كيف لا يؤمنون؟ مع كل الأمور التي ذكرها في الآية ذكر الرسول يدعوهم ليؤمنوا بربهم. ثم (وقد أخذ ميثاقكم) فيها أمر: كيف أخذ ميثاقنا بالإيمان؟ يقال الله تعالى أخذ ميثاقنا بشيئين، والميثاق هو العقد والعهد. أولاً أخذ ميثاقنا بما أودع في عقولنا أنه إذا نظرنا في الآيات الكونية ستفضي بنا حتماً إلى الإيمان بالله تعالى، وما في الآيات من الدلائل الكونية أودع في عقولنا، في المحاكمات العقلية، العقل الذي أودعه الله يحكم. الميثاق، وضعه فيك أنك إذا نظرت في هذا الكون واستعملت عقلك حتماً سيفضي بك إلى الإيمان، هذا ميثاق عقلي. والميثاق الآخر ميثاق فطري، إن الله تعالى وضع في فطرة الإنسان إعتراف بوجود الله وأن الله خالقه ويظهر هذا الأمر إذا وقع الإنسان في ضائقة لا يستطيع أن ينجو منها أو وقع في كرب يقطع الأمل في الأسباب عند ذلك يقول: يا رب. صوت الفطرة الذي أودعه الله تعالى فيه سيظهر (وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا (67) الإسراء) (وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (53) النحل). إذن هناك ميثاق عقلي في المحاكمة العقلية عند كل البشر مسلمهم وكافرهم لو أي إنسان فكر بتجرّد وحيادية تامة في هذا الكون وينظر في هذا الكون وما فيه ويتفكر بما فيه من أمور ودقائق وما إلى ذلك من غايات مرسومة موجودة بحيث إذا كان ينظر في نفسه (وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21) الذاريات) ينظر كل أجهزته موضوعة لغايات مرسومة، كل جهاز من أجهزته موضوع لغاية ويقوم بغاية مرسومة يؤديها، هذا ميزان عقلي في المحاكمة (أفي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ (10) إبراهيم) هذا أمر عقلي يعني المحاكمات العقلية تفضي بك إلى الإيمان ما دمت في حيادية تامة. أيضاً الفطرة مغروسة فيك ويظهر هذا في مواطن وعند ذلك مسلمهم وكافرهم وملحدهم ومن الملحدين من وقع في مأزق كبير ثم يلجأ إلى الله . إذن أخذ الله تعالى منا ميثاقين: ميثاق السماع وهو الحجج البينة التي جاء بها الرسول ونظرت في هذه الحجج وحاكمتها تفضي بك إلى الإيمان. السمع والعقل والمنطق والفطرة كلها تدعوك للإيمان فكيف لا تؤمن إذن؟

إستفهام غرضه التعجب. تضافرت الدواعي العقلية والنفسية والسماع المؤيد بالحجج فكيف لا تؤمن؟ العقل والفطرة والسماع المؤيد بالحجج العقلية فكيف لا تؤمن؟

سؤال من المقدم: كيف نفهم قوله تعالى (إن كنتم مؤمنين) والآية بدأت (وما لكم لا تؤمنون)؟

إن كنتم تؤمنون أي إن كنتم تريدون الإيمان، تعتزمون الإيمان. في اللغة نقول: نحن خارجون إن كنت خارجاً أي إن كنت تنوي الخروج نخرج، هو لم يخرج. القوم راحلون إن كنت راحلاً، هو لم يرحل ولكن إن كنت عزمت على الرحيل فالقوم راحلون إن كنت نويت الرحيل معهم. فإذن إن كنت تنوي الإيمان فإذن دواعي الإيمان موجودة فلِمَ لم تؤمن؟

سؤال من المقدم: ما دلالة استعمال لفظة (بربكم) ولم يقل تؤمنوا به في الآية (وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ)؟

أراد أن يحبب إليهم الإيمان فجاء بلفظ (بربكم) لأن ربكم هو الذي تعهدكم وهو الذي رباكم وأرشدكم وقام عليكم  فالرب هو السيد والقيّم والمرشد والمربي معناه أحسن إليكم. أراد أن يحبب الإيمان بربهم الذي يربّهم يرعاهم ويهديهم فإذن هذا أولاً من باب التحبيب. ثم مناسب للآية بعدها (هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (9)) الرب مهمته الهداية فلما قال يخرجكم من الظلمات إلى النور أي يهديكم وكثيراً ما يقترن لفظ الرب بالهداية في القرآن الكريم (إني ذاهب إلى ربي سيهدين) (قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62) الشعراء) (الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ (6) الفاتحة).

إستطراد من المقدم: ما الفرق بين كلمة الله والرب من حيث اللغة والدلالة؟

الله هو لفظ الجلالة الأعظم (الأكثرون يقولون هو إسم الله الأعظم). وأهل اللغة يقولون هو من ألِه أي عَبَد وتأتي تحيّر. الإله من المعبود في اللغة، من العبادة. فهي أصلها كما يقول أهل اللغة الإله أي المعبود أُسقِطت الهمزة الوسطية فصار عندنا لامان لام التعريف واللام الثانية أُدغِمت فصارت الله. والذي يدل على ذلك (الله) هو إسم علم. وأسماء الأعلام إذا لم تكن ممنوعة من الصرف تنوّن (محمدٌ، محمداً) والممنوع من الصرف يُجرّ بالفتحة (إبراهيمَ وإسماعيل) الله يُجر بالكسرة (باللهِ ورسوله). الذي لا يُنوّن وهو ليس ممنوعاً من الصرف فمعناها هو معرّف بـ (أل) مثل (الرجل). فلفظ (الله) أصلها معرفة بـ (أل) الإله وأنه يجر بالكسرة معناه ليس ممنوعاً من الصرف إذن الله معناها الإله أي المعبود ثم جعل علماً على الإسم الأعظم (الله) معرّف من حيث اللفظ الإله أصبحت اللام لازمة، لو قلت إله ترجعها إلى أصلها (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (84) الزخرف) صارت إسم جنس لكن الله إسم علم بهذه الوضعية. والمشركون إستخدموا كلمة إله واستخدموا كلمة الله (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى (3) الزمر) (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ (38) الزمر).

أما الرب معناها في اللغة المربي وهو الموجه والمرشد والقيّم والرازق ولذلك كلمة رب حتى في اللغة يقصد بها غير الله أيضاً (اذكرني عند ربك () يوسف) (قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ (50) يوسف) يجوز أن يقال رب البيت ورب الدار وتضاف أيضاً فيقال رب العالمين، رب السموات.

سؤال من المقدم: لماذا لم يقل (تؤمنوا بالله) جمع دلالتين لو قال بالله تعود نفس الكلمة ولكنه جمع أمرين في الآية: أنه الله وأنه الربّ لأن قسم يأخذون أرباباً متفرقين من دون الله لكن يقول هو الله وهو الرب يجمع دلالتين لو قال (به) تعود الكلمة نفسها. جمع معنيين هو الله وهو ربكم لا تتخذوا رباً غيره، فرعون قال (فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24) النازعات) (أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39) يوسف). إذن هو الآن جمع دلالتين لما قال (الله، ربكم) في الآية فهو الله وهو ربكم ليس لكم رب غيره. بينما في قريش يعترفون بالله ويتخذون أرباباً من دون الله. هو الله وهو الرب واحد، وهو الذي يخرجكم من الظلمات إلى النور، يهديكم والرب هو المرشد والهادي، وهو تعالى قال: يخرجهم من الظلمات إلى النور يعني يهديهم وأنسب شيء في هذا المقام أن يستخدم كلمة رب.

كلمة رب جمعها أرباب أما لفظ الجلالة الله فليس له جمع ولا قياس وكل كلمة ليس لها نظير لا تُثنّى ولا تُجمع هذه قاعدة. مثلاً كلمة مكة لا تُجمع ولا تُثنّى فهي مدينة واحدة لا يوجد غيرها.

سؤال من المقدم: ما دلالة إن كنتم مؤمنين في الآية بعد قوله وما لكم لا تؤمنون؟

قلنا إن كنتم مؤمنين أي إن كنتم تنوون الإيمان، إن كنتم تعتزمون الإيمان. هذا خطاب عام: إن كنت نويت الإيمان فكيف لا تؤمن؟ خطاب عام لمن آمن ولغير المؤمن هذه حجة ملزمة: كيف لا تؤمن ودواعي الإيمان كثيرة والميثاق موجود في عقلك في فطرتك إضافة إلى الحجج التي جاء بها الرسول؟ تضافرت الدوافع العقلية والسمعية  أنتم يا بشر كيف لا تؤمنوا؟

(إن كنتم مؤمنين) متعلقة (أخذ ميثاقكم) الرسول يدعوكم وقد أخذ ميثاقكم فإن كنت تريد الإيمان ما الذي سيأتي بك إلى الإيمان؟ إما أن يكون منطق عقلي أو سماع الحجج التي يأتي بها الذي يخاطبك والرسول يأتي بالحجج التي تدل على أنه رسول من عند الله وليس من عند نفسه ومن الناحية النفسية والفطرة إرجع إلى نفسك كيف لا تؤمن؟ إن كنت تنوي الإيمان إذن ما هي الأشياء التي تأتي بك إلى الإيمان؟ عقلك؟ موجود، نفسك؟ موجودة، الحجج؟ موجودة، والذي ينظر فيما جاء به الرسول من الحجج ملزمة لا تقبل الشك. والله تعالى هو الذي أخذ ميثاقهم (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) الأعراف) هو أودع فينا الميثاق في عالم الذر أودع في عقولنا بأن نحاكم ونقبل وأودع في نفوسنا سماعاً مؤيداً بالحجج، عقل في النظر والنفس.

سؤال من المقدم: ما فائدة (قد) مع الفعل الماضي في (وقد أخذ ميثاقكم) هل تفيد التأكيد؟

(قد) تفيد التحقيق والتحقيق لا ينفك عنها إذا دخلت على الماضي وأحياناً يجتمع معها التقريب والتوقّع. التحقيق لا ينفك، لا محالة واقع إذا دخلت على الماضي وقد يكون مع التحقق التقريب أو التوقّع أو تجتمع كلها لكن يبقى التحقيق معها. (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ (26) الأعراف) (قد) هنا لا فيها توقّع من بني آدم ولا فيها تقريب لكن فيها معنى التحقيق. (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ (123) آل عمران) فيها توقّع لأن الله تعالى وعدهم بالنصر (وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ (7) الأنفال) وفيها تقريب. التحقيق لا يفارق (قد). إذا دخلت على الفعل المضارع قد يكون للتحقيق والتكثير. (قد) حرف وإعرابها حرف تحقيق مبني (سائر الحروف مبنية).

سؤال من المقدم: ماذا ينقصنا لنتعلم العربية حق التعلم؟

ينقصنا الكثير لأن أصلاً التعليم عندنا في الأصل مبتور منقوص ويجب أن نرجع إلى المصادر الأولى نتعلمها وكلٌ حسب مرحلته فالذي ليس عنده علم أصلاً يجب أن يبدأ بالأوليات تعطيه المعلومات الأولية. كلٌ حسب مرحلته وطالب الكلية لديه معلومات قليلة ليست مكتملة حتى في الإختصاص، في الإعدادية المعلومات ضئيلة مشتتة فحسب المرحلة الدراسية وما المعلومات التي أخذها حتى لو كان في مجرسة دينية لكن ينبغي إذا كان ينوي الدراسة أن يكون هناك أحد أمران في الدراسة حتى في كل المراحل التدريسية في الجامعة وغيرها: أولاً ينبغي ربط الدراسة بالمعنى فالنحو مثلاً ينبغي أن يُربط بالمعنى وليست استكثار أوجه كما يذكر في كتب النحو وينبغي على الأستاذ أن يفسر كل وجه من أوجه النحو ولا يكون هناك أكثر من وجه إلا إذا كانت لغتان. في النحو أوجه يذكرها النحاة لكن كل وجه له دلالة يستثقلها الطالب إذا أخذها مجرد أوجه لكن عندما تربط بالدلالة وبالمعنى يستمتع بها ويجد في نفسه اندفاعاً ولذة لحفظها ومعرفتها. هذا أمر أساسي أنه يجب أن لا يفصل الدراسة النحوية والبلاغية عن المعنى وتعلمها وربطها بالمعنى هذا أمر أساسي والناحية التطبيقية أي التمرين على ما يقرأ، التطبيقات حتى في المرحلة الجامعية.

إستطراد من المقدم: يسأل المشاهدون من أين يأتي الدكتور فاضل بهذا الكلام؟ وهل هناك كتاب موجود يتناول هذه اللمسات؟

كتب التفسير فيها إضاءات عظيمة لكني لم أطلع على كتب تتناول ما نتناوله بهذا التركيز ولا أدري إن كان موجوداً أو لا. في تفسير الكشاف إشارات وإضاءات، روح المعاني للألوسي فيه إضاءات، البحر المحيط، كتب التشابه والاختلاف في درة التنزيل فيها إشارات عظيمة جداً. والأمر يحتاج للإطلاع على كتب التفسير والمعاني والبلاغة.

وفي رد على المقدم متى بدأ الدكتور فاضل رحلته مع هذه اللمسات البيانية في القرآن الكريم أجاب الدكتور أنه درس في هذا المجال كبداية قبل الستينات وحتى في الخمسينات كانت لي عناية كبيرة فيما أقرأ في بعض كتب التفاسير وكنت أستمتع بما أجده في كتب البلاغة وقبل أن أكون طالباً في الكلية قرأت كتاب دلائل الإعجاز للجرجاني أربع مرات فكنت أقرأ وأستمتع وأجد في نفسي هوى كبيراً والأمر بدأ في الستينات بشكل شديد. أما بالنسبة للكتب في هذا المجال فهي موجودة على ما أعتقد في المكتبات وجامعة الشارقة طبعت كتاب على طريق التفسير البياني في جزئيه ودار عمار في الأردن طبعت مجموعة من الكتب منها لمسات بيانية وبلاغة الكلمة في التعبير القرآني والتعبير القرآني وأظن أنها توزعها في الشارقة في بعض المكتبات. (لمعرفة أماكن تواجد كتب الدكتور فاضل اضغط على هذا الرابط).

سؤال من المقدم: (هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (9)) رؤوف رحيم ترد في القرآن معاً فهل وردتا متفرقتين؟ وما الفرق بين الرؤوف والرحيم؟

قبل الإجابة على هذا السؤال نبدأ من أول الآية. قال تعالى (هو الذي ينزل على عبده) هو أي هو لا غيره. واختار كلمة عبد وأضافه إلى ضميره وهذا فيه تكريمان: الأول إختيار كلمة (عبد) لأن الله تعالى في القرآن الكريم لما يذكر (عبد) يذكره في مقام التكريم لأن العبودية نوعان في القرآن الكريم: العبودية الإختيارية والعبودية القسرية. العبودية الإختيارية هي أن الإنسان يختار أن يكون عبداً لله مطيعاً له وبهذا يتفاضل المؤمنون. ففي مقام مدح نوح u قال تعالى (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (3) الإسراء) أثنى على نوح وصفه بالعبودية. وقال تعالى (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً (1) الإسراء) وصفه بالعبودية (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (19) الجن). أما العبودية القسرية فليس فيها فضل لأنه رغم عن الإنسان نحن كلنا عباد الله شئنا أم أبينا (إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93) مريم) عبادة قسرية رغماً عنا، الله تعالى يرزقنا ويختار لنا المكان الذي نولد فيه ويختار الأبوين ويعطينا إمكانيات ونعيش في السنن التي وضعها لا نتجاوزها هذه عبادة قسرية شئنا أم أبينا ليس فيها فضل وكل الناس هكذا (أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاء أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (17) الفرقان) هذه عبودية قسرية ليس فيها فضل وقمة العبودية هي العبودية الإختيارية وحتى الأنبياء يتفاضلون في عبوديتهم لله سبحانه وتعالى (نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (30) ص). فكلمة عبد وسام للشخص من الله تعالى فإذا أضافها إلى ضميره (عبده) نسبه إليه إذن فيها تكريمان لأنه لما ينتسب العبد إلى الله تعالى يكون في حمايته. فقال تعالى (هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) فيها ثلاث تكريمات: هو الذي ينزل على عبده لا غيره، وعبده، وآيات بينات. لماذا؟ ليخرجكم من الظلمات إلى النور، إذن هو الذي ينزل ويخرجكم من الظلمات. وكلمة (عبده) المقصود بها رسول الله r ووصف الآيات بأنها بيّنات ظاهرات بحجة والدلالة واضحة . آيات مقصود بها القرآن الكريم.

من الذي يُخرج؟ (ليخرجكم) فيها إحتمالان وكلاهما يصح: الله تعالى هو الذي يُخرِج والرسول r يُخرِج لأنه هادي. (يخرجكم) يحتمل أن يرجع إلى الله تعالى وأن يرجع إلى الرسول r وكلاهما صحيح. قال تعالى (ليخرجكم من الظلمات إلى النور) يجمع القرآن دائماً الظلمات ويٌفرِ النور لأن الظلمات مصادرها متعددة أما النور مفرد وليس له إلا سبيل واحد وهو الطريق النازل من السماء. ليس هناك هداية على الحقيقة إلا ما جاءت به الرسل. أما الظلمات متعددة الشيطان والنفس وغيرها، لذلك الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم يجمع الظلمات في القرآن ويفرد النور.

سؤال من المقدم: قال تعالى في أول الآية: هو ثم عبده، وفي نهاية الآية قال: إن الله بكم لرؤوف رحيم فلماذا لم يقل مثلاً إنه بكم لرؤوف رحيم؟ وما الفرق بين الرحمة والرأفة؟

هو أوضح من هو بعد أن كان ضميراً جاء بالظاهر، الظاهر والضمير تضافرا على المقصود وحتى لا يشت الذهن لأمر آخر قال (وإن الله بكم لرؤوف رحيم).

الفرق بين الرأفة والرحمة: الرأفة أخصّ من الرحمة والرحمة عامة. الرأفة مخصوصة بدفع المكروه وإزالة الضرر والرحمة عامة (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ (107) الأنبياء)، (فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا (65) الكهف) ليست مخصوصة بدفع مكروه. تقول أنا أرأف به عندما يكون متوقعاً أن يقع عليه شيء. الرحمة عامة (وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا (48) الشورى) فالرحمة أعمّ من الرأفة. عندما نقول في الدعاء يا رحمن ارحمنا هذه عامة أي ينزل علينا من الخير ما يشاء ويرفع عنا من الضر ما يشاء وييسر لنا سبل الخير عامة.

استطراد من المقدم: هل أفردت الرأفة عن الرحمة في القرآن؟

فقط في موطنين في القرآن كله قال (والله رؤوف بالعباد) في موطنين: في سورة البقرة (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ (207) البقرة) وفي سورة آل عمران (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَاللّهُ رَؤُوفُ بِالْعِبَادِ (30)) ما قال تعالى رؤوف رحيم.

يثار سؤال لماذا رؤوف رحيم وهنا في الموطنين اختلف؟ لو لاحظنا السياق الذي وردت فيه الآيتان يتوضح الأمر. في سورة البقرة قال تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ (205) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (206) وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ (207) البقرة) السياق لا يحتمل رحمة لما يقول (فحسبه جهنم) كيف يناسب الرحمة؟ لا يناسب ذكر الرحمة. في الآية الثانية قال تعالى (لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ (28) آل عمران) مقام تحذير وليس مقام رحمة ولا يتناسب التحذير مع الرحمة لأن التحذير يعني التهديد. فقط في هذين الموضعين والسياق اقتضاهم أفردت الرأفة عن الرحمة.

سؤال من المقدم: ما دلالة التوكيد بـ (إنّ) واللام في هذه الآية (وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ)؟

التوكيد بحسب ما يحتاجه المقام، إذا احتاج إلى توكيدين مثلاً لما يذكر الله تعالى النعم التي أنزلها علينا يؤكد وإذا لم يحتج إلى توكيد لا يؤكد ولو احتاج لتوكيد واحد يؤكد بواحد. (وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (143) البقرة) أكّد. (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (19) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّه رَؤُوفٌ رَحِيمٌ (20) النور) ما أكّد. في الآية الأولى كانوا في طاعة (وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) ويقولن هذه الآية نزلت لما تحولت القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة تساءل الصحابة عن الذين ماتوا هل ضاعت صلاتهم؟ وهل ضاعت صلاتنا السابقة؟ سألوا عن طاعة كانوا يعملون بها فأكدّ الله تعالى (إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) أما في الآية الثانية فهم في معصية (يحبون أن تشيع الفاحشة) فلا يحتاج إلى توكيد. في تعداد النعم ( ألم تر أن الله سخر إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) لما هم في طاعة يؤكد ولما يكون في معصية لا يؤكد. ولم يقل في القرآن (والله رؤوف رحيم) أبداً إما مؤكدة باللام و(إنّ) أو (رؤوف بالعباد).

استطراد من المقدم: هل قدمت الرحمة على الرأفة في القرآن؟ وهل جاءت رحيم رؤوف؟ لم ترد رحيم رؤوف في القرآن ووردت فقط رأفة ورحمة (وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا (27) الحديد) لكن ليس بهذه الصيغة. حسب السياق الذي ترد فيه أحياناً من الخاص إلى العام وأحياناً من العام إلى الخاص.

أسئلة المشاهدين خلال حلقة 26/3/2007م:

  1. ما هو الاستفهام الإنكاري في القرآن؟ وكيف نستدل عليه في القرآن؟ وكيف نفرق بينه وبين إحتمال النفي كما في الآية (وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِنْ جُندٍ مِّنَ السَّمَاء وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ (28) يس)؟

  2. وفي اتصال لأحد المشاهدين حول واو الإشباع التي تكلم عنها الدكتور فاضل في حلقة سابقة وذكر أن إشباع الواو قرأ بها ورش في عامة القرآن وأن الإشباع أيضاً يكون في الياء والألف وهي إشباع للحركة التي تسبقها فالألف إشباع للفتحة والواو امتداد للضمة والياء امتداد للكسرة. (أنلزمكموها) هي ثاني أطول كلمة في القرآن وأول أطول كلمة هي (فأسقيناكموه).

  3. الآية هي العلامة، الباحث بكتاب الله يجد كنوزاً وآيات فقوله تعالى (وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ (83) (قَالَ أَكَذَّبْتُم بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (84) النمل) (خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ (37) الأنبياء) (لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا) (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ (22) السجدة) وفي قوله تعالى في قصة إبراهيم u (وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (37) الذاريات) لم يرد العذاب الأليم في بقية الأقوام في تحديد الآية فما الحكمة من تحديد نوع الآية التي تركها الملائكة في قصة إبراهيم u (وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (37) الذاريات)؟

  4. السُرى هو السفر ليلاً فما دلالة ذكر (ليلاً) في آية الإسراء (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً (1))؟

  5. اللغة العربية استطاعت أن تحتضن وتتسع لكل الدلالت والمقاصد الإلهية في نص مدهش بلا إفراط ولا تفريط. هل اصطفى الله تعالى اللغة العربية كما اصطفى رسوله الكريم لأنها مؤهلة لحمل هذا الكتاب الكريم؟ وهل اللغة العربية قديمة أو محدثة؟ هل هذا البيان المرصوص والجرس القرآني مصنوع أم مضمور؟

بُثّت الحلقة بتاريخ 26/3/2007م


الحلقة 13

سؤال: ما إعراب (وقومَ نوح) في سورة الذاريات (وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (46)) ولماذا جاءت منصوبة؟

ننظر في الآية قبلها تتكلم عن فرعون (فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (40)) فصار العطف ظاهراً (وقومَ نوح) معطوفة على الضمير المفعول به في (فأخذناه) أي أخذناه وأخذنا قوم نوح. وقسم يقول معطوفة على (فبنذناهم) أي نبذناه ونبذنا قوم نوح. كثير يكون العطف في حالات مثل في سورة الأعراف (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً (65)) معطوفة على (لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ (59)) الأولى. ليس بالضرورة أن يكون العطف على الأقرب ولكن على المعنى. في سورة الأعراف (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً (65) وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا (73)) معطوفة على (لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ) الأولى ثم تمتد القصص. لما قال تعالى هنا في الذاريات (فأخذناه وجنوده) ثم قال (وقومَ نوح) العطف على الهاء في (فأخذناه). والعطف على ضمير جائز بعضها بشروط وبعضها بغير شروط. فأخذناه وأخذنا قومَ نوح ونبذناه ونبذنا قومَ نوح.

سؤال: ما الفرق بين سلام الملائكة وسلام إبراهيم u في الآية (وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُـشْرَى قَالُواْ سَلاَمًا قَالَ سَلاَمٌ (69) هود) (إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ (25) الذاريات)

هذا السؤال أثير مرات كثيرة وأجبنا عنه بتفصيل ونجيب اليوم إجابة سريعة عنه. (سلاماً) جزء من جملة فعلية هو مفعول لفعل محذوف (يسلِّم تسليماً) والأخرى و(سلامٌ) جزء من جملة إسمية (سلامٌ عليكم).والجملة الإسمية والإسم أقوى وأثبت من الجملة الفعلية هذه قاعدة. وكما ذكرنا في حلقة سابقة هو يتعلّم وهو متعلِّم، هو يتفقه وهو متفقّه. إذن إبراهيم u ردّ التحية بخير منها (وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا (86) النساء) هو ردّ التحية بخير من تحيتهم. همّ حيّوه بحملة فعلية وهو ردّ بجملة إسمية فكان ردّ التحية بأفضل منها (بالجملة الإسمية). فالردّ أفضل.

استطراد من المقدم: هل يجوز أن يقول قالوا سلاماً (سلاماً) مفعول به لفعل (قالوا)؟ هذه ضعيفة والأَولى أن يُقال (قالوا سلاماً) سلاماً مفعول به لفعل محذوف (يسلّم سلاماً). وهو قال (سلامٌ) أي سلامٌ عليكم، سلام مبتدأ والخبر محذوف جوازاً.

سؤال: ما هو اشتقاق كلمة شيطان وهل لها جذور عربية؟

أهل اللغة يضعون إحتمالين لاشتقاق كلمة شيطان: إما من (شاط) أو من (شطن). شطن معناه بعُد وشاط أي احترق (شاط يشيط). يضعون احتمالين إما من شطن فيكون البُعد عن الخير أو كأنه طال في الشرّ هذا إذا كان من شطن. وإذا كان من شاط أي احترق غضباً، فهم يضعون هذين الاحتمالين. إذا كان من شطن (النون أصلية) يكون على وزن (فَيْعال) وفيعال وزن عربي وإذا كان من شاط يصير الوزن (فعلان) لأن النون ليست أصلية. وأنا أرجح أن يكون من شطن لسبب وهو كونه منصرف وليس ممنوعاً من الصرف لأن النون إذا كانت أصلية فيه يكون الوزن منصرف وإذا كانت النون زائدة يكون ممنوعاً من الصرف مثل كلمة حسّان. إما أن تكون من الحُسن أو من الحَسّ (الحَسّ هو القتل) كما في قوله تعالى (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ (152) آل عمران) فإذا كانت من الحُسن يكون منصرفاً لأن النون أصلية وإذا كان من الحَسّ تكون غير منصرفة، شاعر الرسول r حسان بن ثابت ورد ممنوعاً من الصرف فهو من الحَسّ. وكذلك كلمة ريّان إذا كانت من الريّ أو من الريْن. إذا كانت من الريّ فهي ممنوعة من الصرف وإذا كانت من الريْن فهي مصروفة. وأنا أرجح أن شيطان من شطن لأنه منصرف (وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (25) التكوير) القرآن استعملها مصروفة وقد يعترض أحدهم في النحو. الجذر الذي اشتق منه شيطان يدل على الحالة التي مرّ بها إبليس: إحترق غضباً فعصى ربه لما قال له اسجد لآدم أو بعُد في الشرّ وذهب بعيداً فالأمر يحتمل.

سؤال: ما الفرق بين نهايات الآيات في سورة النحل (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (10) يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (11) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (12) وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (13)) وما دلالة الجمع والإفراد في كلمة آية وآيات؟

نقرأ الآيات ليتضح لنا السؤال. الآيات متتابعة (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (10) يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (11) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (12) وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (13)). الآية الأولى ذكر وعدّد أموراً واضحة: الزرع والزيتون والنحيل والأعناب والثمرات وفي الثانية ذكر أموراً عددها: الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم والآية الثالثة قال (وما ذرأ لكم في الأرض مختلفاً ألوانه) لم يعدد شيئاً فسوف تتذكر أنت حتى تعدد ولذلك قال تعالى في ختامها (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (13)). في الأولى ذكر الزرع والزيتون وغيرها وفي الآية الأخرى ذكر الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم. وفي الثالثة اُذكر أنت فسوف تتذكر ثم تذكر لذا ختم الآية بـ (يذّكرون).

الآية الأولى (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (10) يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ) تنبت في الأرض وجزء من الأرض فإنه ذكر ما يتعلق في الزرع والآية (وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ) في الأرض فالآيتين في الأرض وجزء من الأرض. الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم أكثر إذن الأرض آية وهذه آيات. لما ذكر ما يتعلق بالأرض أو جزء منها قال (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً) ولما ذكر الشمس والقمر والليل والنهار والنجوم قال (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ). جزء من الأرض، شيء من الأرض قال (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً). الشمس آية والقمر آية والنجوم آيات لذا قال (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ). لما ذكر جزءاً من الأرض جعلها آية ولما ذكر ما هو أكثر من الأرض جعلها آيات.

هذا أمر وعرفنا استعمال يذّكرون وعرفنا الفرق بين آية وآيات. الأمر الآخر أنه لما ذكر الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم هذه يكفي العقل فيها فقط لمعرفة الله تعالى، العقل وليس العلم. العقل وحده كافٍ لأنه الذي يفرق بين العاقل والمجنون ولأن هذه أشياء يومية يراها العاقل. هذه آيات للذي عنده عقل. الباقي يحتاج إلى فِكر (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (10) يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ) كيف ينزل في الأرض وكيف ينبت به لذا كل آية تتناسب خاتمتها مع ما فيها. (يتفكرون) بمعنى الفِكر يُعمِل فكره، ويعقلون مجرد العقل. التفكير أكثر من العقل. كونك عاقلاً يعني تعرف أموراً والفرق بين العاقل والمجنون أن العاقل يعقل الأمور. وهناك فرق بين يعقل ويعلم: اذي يعلم ينبغي أن يكون عاقلاً لكن العاقل ليس بالضرورة أن يكون عالماً. إذن المرحلة الأولى العقل لأنه مناط التكليف وليس بالضرورة أن يكون عالماً لأن مناط التكليف العقل. والمرحلة الثانية التفكر يُعمِل فكره في أشياء أخرى.

الفرق بين يذّكرون ويتذكرون: أصلهما يتذكر. يذّكرون فيه إبدال التاء دالاً. يسمونه إبدال جائز واُدغِم مثل يتطهرون ويطّهرون ويتبدر ويدّبر ويتضرع ويضّرع وكلها من الإبدال الجائز؟ أصله يتفعل بالتاء ثم أُبدِل إبدالاً جائزاً لسبب وسنشرح هذا لاحقاً في إجابة عن سؤال في موضعه وقد نحتاج لحلقة كاملة.

سؤال: ما هي اللمسة البيانية في (يهدّي) في الآية (أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (35) يونس)؟

سبق أن تحدثنا عن هذه الآية وبينا الاختلاف بين يهدي للحق ويهدي إلى الحق. يهدّي أصلها يهتدي كما قلنا الآن في يتذكر ويّكر. التاء أُبدلت دالاً إبدالاً جائزاً. يهدي فعل مجرّد ثلاثي، يهتدي مزيد بالهمزة والتاء (إهتدى) وفي المضارع يصير يهتدي. ويهدّي إبدال التاء دالاً، هذا من حيث الأصل اللغوي. يهتدي ليس فيه تضعيف، يهدّي فيه تضعيف الدال مضعّفة. التضعيف جاء من التاء عندما أُبدبت دالاً وأُدغمت فصار تضعيف. إذن الفرق بين يهتدي ويهدّي من حيث البناء الأصل واحد مع الإبدال صار تضعيف والأصل ليس فيه التضعيف. وعندنا التضعيف فيه مبالغة مثل كسر وكسّر. هذه الآية الوحيدة في القرآن كله التي وردت فيها (يهدّي) والباقي (يهتدي), ربنا تعالى أراد أن يذكر المبالغة في عدم اهتدائهم وفي القرآن كله الكلام في الإنسان (يهتدي) إلا هذه الآية فالكلام في الأصنام وفيها مبالغة في عدم الإهتداء فأُبدل ليصير مبالغة وتكثير وهؤلاء ايسوا مثل البشر. في الأصنام مبالغة في عدم الإهتداء أُبدل وقال (لا يهدّي) للمبالغة في عدم الهداية.

سؤال: ما دلالة الخطاب بـ (يا أيها الناس) في الحج (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ (27) الحج) (وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا (97) آل عمران) بينما الخطاب في الصلاة وغيرها بـ (يا أيها الذين آمنوا)؟

الحج يختلف عن كل العبادات. لما قال تعالى (وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) هذه دعوة للناس أجمعين للدخول في الإسلام بخلاف ما لو قال صلّوا أو صوموا. دعوة لجميع الناس للدخول في الإسلام، كيف؟ الصلاة الصيام والزكاة الديانات مشتركة فيها. قال تعالى عن إسماعيل (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا (54) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (55) مريم) وقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) البقرة) وقال (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (87) يونس) وكفار قريش كانوا يصلّوا (وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ (35) الأنفال) فلو قال صلّوا لقالوا إنما نصلي ولو قال زكّوا لقالوا إننا نزكّي ولو قال صوموا لقالوا إننا نصوم، إذن هذه الدعوات لو قالها لا تكون دعوة للدخول في الإسلام بخلاف الحج. لم يكن أهل الكتاب من النصارى واليهود يحجون إلى بيت الله الحرام. فلما قال تعالى (وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) معناها كلٌ مدعوون للدخول في الإسلام لأن هذه العبادة الوحيدة التي لم تكن عند أهل الكتاب. هم كانوا يصلّون ويصومون ويزكّون إلا الحج فلم يكونوا يحجون لمكة. ولذلك هذه دعوة للدخول في دين الله. الحد يختلف عن بقية العبادات لأن بقية العبادات موجودة. إذن قوله تعالى (وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) هو دعوة للدخول في الإسلام وإقامة هذه العبادة.

سؤال: ما الفرق بين أنزل وأوتي في الآية (قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136) البقرة)؟

هذه الآية فيها إنزال وإيتاء. نسأل سؤالاً: مَنْ من الأنبياء المذكورين ذُكرت له معجزة تحدّى بها المدعوين؟ موسى وعيسى عليهما السلام ولم يذكر معجزان للمذكورين الباقين. هل هذه المعجزة العصى وغيرها إنزال أو إيتاء؟ هي إيتاء وليست إنزالاً ولذلك فرّق بين من أوتي المعجزة التي كان بها البرهان على إقامة نبوّته بالإيتاء وبين الإنزال، هذا أمر. كلمة (أوتي) عامة تشمل الإنزال والإيتاء. الكُتب إيتاء. أنزل يعني أنزل من السماء وآتى أعطاه قد يكون الإعطاء من فوق أو من أمامه بيده. لما يُنزل ربنا تبارك وتعالى الكتب من السماء هي إيتاء فالإيتاء أعمّ من الإنزال لذلك لما ذكر عيسى وموسى عليهما السلام ذكر الإيتاء لم يذكر الإنزال ثم قال (وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ) دخل فيها كل النبييبن لأنه ما أوتوا من وحي هو إيتاء. (وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ) قد يكون إنزالاً ويكون إيتاء لكن ما أوتي موسى وعيسى عليهما السلام في هذه الآية هذا إيتاء وليس إنزالاً لأنه يتحدث عن معجزة ولأنهما الوحيدان بين المذكورين اللذين أوتيا معجزة. الآخرون إنزال وعندما يتعلق الأمر بالمعجزة قال إيتاء.

سؤال من المقدم: هل العرب كانت تفهم هذا الكلام؟ من حيث اللغة العرب تفهم الفرق بين أوتي وأُنزل بالمعنى العام لكن هنا تأتي لنما نقرأ القرآن ونعلم أن موسى أوتي آيات حتى يُلزِم فرعون وقومه الحُجّة ألزمهم بما آتاه وليس بما أُنزل إليه. وموسى u أُنزِلأ عليه بعد خروجه من مصر. هو أظهر معجزته وليس الكتاب لأن الألواح أخذها بعد أن خرج من مصر. الأمر كان يتعلق بالإيتاء وليس بالإنزال بالنسبة لموسى يتعلق بالمعجزة كالعصا واليد في تسع آيات. وعيسى u كان يتحداهم بالآيات وليس بما أُنزل إليه (وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِىءُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (49) آل عمران) لم يتحداهم أبداً بما أُنزل وإنما بما أُوتي وهما الوحيدان فيما ذكر دعوتهما بالتحدي بما أوتوا وليس بالإنزال.

سؤال: ما الفرق بين بني وأبناء في الآيات (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ (31) النور) و (لَّا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاء إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاء أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (55) الأحزاب)؟

يجب أن نعرف أولاً الفرق بين أبناء وبني. (نستكمل الإجابة إن شاء الله تعالى في الحلقة القادمة)

أسئلة المشاهدين خلال حلقة 29/3/2007م:

  1. ما الفرق بين ذكر الياء وعدم ذكرها في سورة الزمر (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53)) (قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ (20))؟

  2. في سورة طه (قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّنْ تُخْلَفَهُ وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (97)) الفعل الوحيد الذي ورد بهذه الصيغة وهي حذف أحد حرفي التشديد مع أن المقام مقام مبالغة في العكوف وليس مقام تقليل إذا اعتمدنا أن الزيادة في المبنى تدل على الزيادة في المعنى فما العِلة من ذلك؟

  3. في الأذان يقول المؤذن (حي على الصلاة) هي حيّ هنا بمعنى هيّا أو هي فعل أمر فإذا كانت هكذا أليس من الأَولى أن نقول حيّ إلى الصلاة؟ حيَّ بالفتحة إسم فعل مبني على الفتح بمعنى أقبِل. حيَّ بالفتحة أما حيِّ فهو فعل أمر من حيّا يحييّ من التحية. هذه حيَّ بالفتحة كما يقولونها الآن وهي إسم فعل أمر بمعنى أقبِل وإسم الفعل يقال بلفظ واحد للمفرد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث فتقول مثلاً: صه للواحد والإثنين والجمع والمذكر والمؤنث وكذلك (هلُمّ إلينا) هلُمّ مفرد مع أنهم قالوا لإخوانهم جمع. إذن حيَّ بالفتحة إسم فعل أمر بمعنى أقبِل مبني على الفتح ويقال بلفظ واحد للمفرد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث ويقال حيَّ على وليس حيَّ إلى.

  4. ما معنى الدنو في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (59) الأحزاب)؟

  5. ما الفرق بين نصرّف ونفصّل ونبيّن الآيات في قوله تعالى (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُم مَّنْ إِلَـهٌ غَيْرُ اللّهِ يَأْتِيكُم بِهِ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (46) الأنعام) و (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (97) الأنعام) و (مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (75) المائدة)؟

  6. ما الفرق بين نسبة الرسل إلى الله تعالى في الآية (حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ (37) الأعراف) ونسبتهم إليهم في الآية (وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ (101) الأعراف)؟

  7. هل أصل الفعل اجتثّت كما ورد في سورة إبراهيم (وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ (26)) إِجتث أو أُجتُثّ؟ ما هو ضبط الفعل وهل هو فعل خماسي؟ الفعل مبني للمجهول مضموم الحرف الأول مثل أُستِمع وأُنطُلِق ضمّ الحرف الأول في المبني للمجهول وهو فعل خماسي (إفتعل) يُكسر ما قبل الآخر.

  8. ما دلالة ذكر وعدم ذكر الياء في قوله تعالى (وَمَن يَهْدِ اللّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ (97) الإسراء) و(مَن يَهْدِ اللّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي (178) الأعراف)؟

  9. ما دلالة ذكر الواو مع الجنة في الآية (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (73) الزمر) وعدم ذكرها مع أهل النار (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا (71))؟

  10. ما الفرق بين فك رقبة وتحرير رقبة؟

  11. ما الفرق بين الفِرار والهروب في قوله تعالى (لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا (18) الكهف) و (وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن نُّعجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَبًا (12) الجنّ)؟

  12. ما الفرق بين البعث والإرسال (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً (15) الإسراء) (ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا (44) المؤمنون)؟

بُثّت الحلقة بتاريخ 29/3/2007م


الحلقة 14

تابع سورة الحديد

(وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (10)) نظرة عامة على الآية:

الآية السابقة (وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (8)) وهنا قال تعالى (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) يعني لِمَ لا تنفقون في سبيل الله والله تعالى وارث أموالكم وستؤول إليه أموال الخلق كلها (وَلِلّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (180) آل عمران) فأنفقوا حتى تنالوا جزاء المنفقين قبل أن تنتقل رغماً عنكم وتذهب إلى الله تعالى، أنفقوا حتى تنالوا . قال تعالى (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) ولم يقل ولله ميراث أموالكم. هل الإنفاق مقترن بالمال؟ الإنفاق الأصل فيه المال لكن مرة يقول تعالى أنفقوا من المال ومرة مما رزقناهم ينفقون، الرزق أعمّ من المال وهنا لم يحدد، (في سبيل الله) في الغالب أموال، جهاد، لأنه قال تعالى (لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ) الذي يبدو من سياق الآية أنه على المال. عندما قال (وما لكم ألا تنفقوا) ما قال تعالى سوف يهلككم ويميتكم ويأخذ أموالكم إن لم تنفقوا وإنما جعله عاماً يدخل فيه هؤلاء وغيرهم. (ولله ميراث السموات والأرض) إذن أموالكم أنتم أيضاً ستؤول إليه وهذا في القرآن كثير يذكر أمر ثم يأتي بأمر عا يدخل فيه هؤلاء (وَالَّذِينَ يُمَسَّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (170) الأعراف) ما قال لا يضيع أجرهم وإنما قال لا يضيع أجر المصلحين فهذا يدل على أن هؤلاء من المصلحين فالمصلحين أعمّ فدخل فيه هؤلاء ودخل غيرهم فصار في زمرة الأعم، فشمل هؤلاء وشمل غيرهم من عموم المصلحين. (مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ (98) البقرة) لم يقل عدو لهم فأفاد أن هؤلاء كافرون والآية تشمل كل الكافرين، هؤلاء دخلوا في زمرة الكافرين ولا تختص عداوة الله تعالى لهؤلاء وإنما لعموم الكافرين فأفاد أمرين أن هؤلاء كافرين وأن عداوة الله لا تنحصر بهم ولكن بكل كافر. وهنا قال (ولله ميراث السموات والأرض) لم يقل ميراث أموالكم هؤلاء دخلوا في العموم. وقدّم الجار والمجرور (لله) أنها ستؤول إليه حصراً وإذا قال ميراث السموات والأرض لله ليس فيها قصر ولا حصر. التقديم عندنا شكلين: يقدم على العامل وتقديم على غير العامل. مثلاً تقديم الخبر على المبتدأ (ولله ميراث السموات والأرض) ميراث مبتدأ و(لله) لفظ الجلالة خبر مقدّم وهذا من باب جواز التقديم وليس من باب الوجوب لأن ميراث السموات والأرض معرفة مضافة إلى معرفة وليست نكرة  تقديم الخبر على المبتدأ يسمونه من باب تقديم المعمول على العامل وهذا التقديم يفيد التخصيص أو الاهتمام حسب السياق. قد يفيد القصر كما في قوله (إياك نعبد) وأصلها نعبدك. هنا قال تعالى (ولله ميراث السموات والأرض) هذا اهتمام هو ستؤول إليه حصراً ولا تؤول إلى جهة أخرى مع الاهتمام.

(ولله ميراث السموات والأرض) ثم ذكر أنه (لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا) من أنفق وقاتل من قبل الفتح لا يستوي مع من أنفق وقاتل بعده لكثرة الأعداد وقِلة الغنائم لن يستووا، الذي ينفق من بعد النصر حاصل وفيها احتمال غنائم وفيها فائدة. (وكلاً وعد الله الحسنى) كل هؤلاء على سبيل الاستغراق كل من أنفق وقاتل قبل الفتح وبعده بلا استثناء داخلون في وعد الله تعالى بالحسنى والحسنى حاصلة لكن الدرجات في هذه الحسنى تختلف. لم يستثني منهم أحداً كلُ من أنفق وقاتل قبل الفتح أو بعده كلهم داخلون في هذا الوعد، في الحسنى لم يستثني منهم أحداً. لكن الذين أنفقوا من قبل وقاتلوا أعظم وأرفع درجة. الخطاب في الآية للمؤمنين (لَا يَسْتَوِي مِنكُم) (وما لكم ألا تنفقوا) أي كيف لا تنفقون مع أن دواعي الإنفاق كثيرة؟ هذا أسلوب استفهام غرضه التعجب كيف لا ينفق أحدهم وهم يعلم أن هذه الأموال ستؤول إلى الله تعالى؟! فلماذا لا ينفق فينال الأجر؟ أمر عجيب أن لا ينفق قبل أن تؤول إلى الله تعالى رغماً عنه؟! كلمة الميراث هنا هو الذي يأتي بعد زوال المالِك الأول وتوزيع الإرث يكون بعد الموت. كلهم ميتون وليس ميراثكم أنتم فقط سيؤول إلى الله تعالى وإنما ميراث السموات والأرض كله لله تعالى (إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (40) مريم)

سؤال من المقدم: قال تعالى (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) باستعمال (أن) وقبلها قال تعالى (وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) بدون (أن) فما الفرق؟

(أن) الناصبة تفيد الاستقبال في اللغة وهي من مخلّصات الفعل للاستقبال وعند النُحاة النصب علم الاستقبال نصب الفعل المضارع علامة الاستقبال وعندهم النواصب هي مخلصات الفعل للإستقبال. إذن حسب هذه القاعدة (أن) الناصبة تفيد الاستقبال. والفرق بينها وبين الآية التي قبلها (وما لكم لا تؤمنون) أن الإيمان لا يحتمل الاستقبال ولا بد أن تؤمن الآن فلا تدري بعد دقيقة ما الذي سيحصل. أما الإنفاق فيحتمل الاستقبال (أن لا تنفقوا) محتمل أن يكون مطلوب مني الجهاد لكنه غير واقع الآن وقد يكون نصاب الزكاة وقد لا يكون عندك نصاب الزكاة في الصدقات قد لا يكون عندك صدقة ولك أن ترجئها. فرق بين الإيمان والإنفاق فالانفاق يحتمل الإرجاء أما الإيمان فلا يحتمل الإرجاء ولذلك قال تعالى (وما لكم لا تؤمنون بالله) لكنه قال (وما لكم ألا تنفقوا).

سؤال من المقدم: (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل) إسم الموصول (من) جاء مع مفرد (أنفق) ثم قال تعالى (والذين أنفقوا) إسم الموصول صار جمعاً (الذين) والفعل جمع (أنفقوا) فما الفرق؟

(من) و (ما) تسمى الأسماء الموصولة المشتركة أي يشترك فيها المفرد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث (وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (31) الأحزاب) (وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201) البقرة) (من) إذن اسم موصول مشترك واسم الموصول (الذي) مختص لأنه يكون للمفرد المذكر، وعندنا التي للمفرد المؤنث واللذان للمثنى المذكر واللتان للمثنى المؤنث والذين للجمع المذكر واللائي للجمع المؤنث. (من) تحتمل الإفراد وغير الإفراد. (الذين) جمع، فلما كان الإنفاق قبل الفتح كان المنفقون قليلين والمسلمون قليلين فجاء بما يدل على المفرد والقِلّة قال (من أنفق من قبل الفتح) ولما كثروا بعد الفتح استعمل ما يدل على الجمع فقال (الذين أنفقوا). في الموطن القليل قلل وجاء بـ (من) التي قد تستعمل للواحد (والذي تستعمل للواحد على التخصيص) ولو قال (الذي) يعني به واحداً فقط فلا يمكن أن يقول (الذي). أما (من) فتحتمل المفرد والجمع والمثن