برنامج لمسات بيانية
إجابات الدكتور حسام النعيمي على أسئلة المشاهدين
تابع السؤال حول اللمسات البيانية في سورتي النمل والقصص:
|
سورة النمل |
سورة القصص |
|
(إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا سَآَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آَتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (7) فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (8) يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9) وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10)) |
(فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آَنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (29) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (30) وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآَمِنِينَ (31)) |
ذكرنا بعض الأمور التي تتعلق بقصة موسى u وبغيرها من القصص ومن أهم ما ذكرناه أن القرآن الكريم حينما يروي لنا هذه الوقائع هو لا يترجمها ترجمة وإنما الحادثة أو الواقعة تكون قد وقعت والقرآن يعبّر عنها بلغة العرب وبما ينسجم مع سياق السورة التي ترد فيها تلك الجزئية من الحكاية. ولذلك قلنا أحياناً تأتي الكلمات فيها نوع من القوة والشدة وأحياناً يكون فيها نوع من اللين بحسب ما هو موجود. وفي كل الأحوال العبارات تبيّن ما قيل فعلاً يعني هذا الكلام الذي قيل ليس حرفياً لكن كما قيل. نضرب لذلك مثلاً لزيادة الإيضاح: حينما يأتي شخص ويقول بالإنجليزية مثلاً I am at my office أي أنا في مكتبي. هذا الكلام مرتبط بشيء آخر ولا يأتي بدون سابق إنذار أو سابق معرفة. يأتيك شخص ويقول : ماذا قال علي؟ مرّ بك علي؟ ماذا كان شأن علي؟ وعلي هو الشخص الذي قال الجملة (أنا في مكتبي) فتستطيع أنت أن تقول له: قال علي أنا في مكتبي، ويمكن أن تقول: هو في مكتبه فتؤدي الغرض، وممكن أن تقول: جاءني عليّ إلى مكتبي وسلّم وطلبت منه أن يجلس ولكنه كان مستعجلاً وذكر أنه سينتظر في مكتبه. الكلام كله صحيح لكنك أنت تقول هذا الكلام لواقع معيّن لظرف معيّن وتقول هذا لظرف وأحياناً توجز وأحياناً تفصّل. كذلك قصص القرآن: الوقائع هي وقعت يعني موسى u خدم عند شعيب مدة معينة وتزوج ابنته، خرج مع إبنته في طريقه إلى مكان ولادته، إلى مصر وفي الطريق وقع له هذا الحادث الذي هو: نُبّيء وجُعِل رسولاً، رأى هذا النور الذي حسبه ناراً، توجه إليه، كلّمه الله عز وجل، لكن التفاصيل والإختصارات بحسب السورة التي ترد فيها هذه الجزئية. لذلك ينبغي أن نفهم أن هذه السورة تهيمن عليها الأحوال الفلانية وهذه السورة تهيمن عليها الأحوال الفلانية فلما يعرض جزء من القصة هذا الجزء مرتبط بسياق القصة لذلك قلنا في سورة النمل قال (فلما جاءها) وفي القصص قال (فلما أتاها) الفرق بينهما الجيم والتاء وكان يستطيع أن يقول بدل جاءها أو أتاها وصل إليها لكن إختيار حتى يكون نوع من التناظر ونوع من التباين أن يقال هنا (جاءها) وهنا يقال (أتاها) لأن هناك فرق بين جاء وأتى، هذا الفرق الجزئي وإلاّ المعنى العام هو وصول الإنسان إلى مكان. فإذن هذا ينبغي أن يكون في أذهان قارئ القرآن عندما يقرأ ويجد أن القصة تتكرر هي غالباً تعرض مشهداً هنا وتعرض مشهداً هناك، لكن أحياناً يعرض المشهد نفسه بعبارات موجزة وبعبارات مفصلة. التفصيل لأن السورة تفصيلية والإيجاز لأن السورة فيها نوع من الإيجاز وكذلك اختيار العبارة.
سورة النمل ذكرنا أن فيها نوعاً من الإيجاز وفيها مظهر من مظاهر القوة، وسورة القصص فيها تفصيل. في سورة النمل (إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا سَآَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آَتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) يقابله في القصص التي بدأت من ولادة موسى u بكل التفاصيل (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آَنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) أما في النمل فقال مباشرة (إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا) بينما في القصص (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آَنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا) إشارة إلى فرش القصص. سورة القصص مفروشة والنمل موجزة. (وسار بأهله) هناك ما عندنا وسار بأهله. (آنس من جانب الطور) غير موجودة في النمل. هو آنس أي أحسّ بالأنُس لأنه كان في وحشة في هذه الظلمة (من جانب الطور) عيّن المكان لأن فيه تفصيل، السورة تفصيلية (قال لأهله امكثوا إني آنست ناراً) بينما هنا لأن فيها تفصيل قال (امكثوا إني آنست نارا) هو قطعاً قال لأهله لا تتحركوا. في النمل قال (سآتيكم) بكل ثقة أخذ جانب الإطمئنان. هو في نفسه جانبان: جانب الثقة بالله والإطمئنان لأنه كان على دين آبائه من الرسل لكنه لم تُبعث له الرسالة بعد وعنده وحشة الطريق فهو بين هذه وهذه. في سورة النمل تناولت جانب الإطمئنان لأن السورة بكليّتها سورة قوة لأن فيها ملك سليمان وهذا الملك الذي ما كان ينبغي لأحد من بعده (رب هب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي) ففيها قوة لذلك قال (سَآَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آَتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) شهاب أي نار. لعلكم تصطلون أي لعلكم تتدفأون بها. في القصص ما قال سآتيكم وإنما قال: لعلّي آتيكم منها بخبر. (لعلّي) تتناسب مع جو التردد وجو الخوف الموجود في سورة القصص القائمة على الخوف من بدايتها وذكرنا هذا في الحلقة الماضية (فإذا خفت عليه، تعذيب فرعون لبني إسرائيل.يقتل الأبناء ويستحي النساء.) فيها نوع من الخوف والتردد فأخذ جانب التردد (لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار). يقيناً الذي قاله موسى u لا هذا ولا هذا والقرآن يذكر الذي يتناسب مع جو السورة. هو قال لهم هذه نار قد أجد من يخبرني شيئاً عن طريقنا أو آتيكم بشيء من النار. لكن استعمال شهاب قبس، جذوة، هذه من أسلوب القرآن مثل استعمال (نبأ، خبر، هدى) هذا ليس لفظ موسى u ولا يمكن أن يكون لأن الأنبياء لم يكونوا يتكلمون العربية من آدم u بعكس ما يقال أن آدم تكلم العربية ولا ندري بم تكل آدم u لأنه ما عندنا نص صحيح يذكر لنا أن آدم تكلم العربية وهذا الكلام لا ينبغي أن يُقبل أن آدم u قال شعراً بالعربية لأن أوائل الشعر العربي الذي وصل إلينا من قبل امرؤ القيس بقليل قبل ذلك جاء الشعر بطريقة فيها نوع من التكسير ويُرى هذا في شعر عبيد بن الأبرص. المهم أنه ليس هناك سند لهذا الكلام. كل نبيّ تكلّم بلغة قومه (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم) أي بألسنتهم. هذه الصياغة هي صياغة القرآن الكريم هكذا صاغ العبارة حتى يتفهمها العربي ويعيش في أجوائها. موسى u لم يقل إني آنست ناراً وإنما قال هذا المعنى أن هذه النار تُدخل الطمأنينة على قلبي سوف أذهب إليها بهذا المعنى وليس بهذه الألفاظ. لكن الألفاظ هي ألفاظ القرآن الكريم ولذا يتصرف بها بحسب سياق السورة. أحياناً يقول كما في سورة طه مثلاً (أو أجد على النار هدى) بحسب سياق السورة لأن الكلمات تأتي نابتة في مكانها في تلك السورة ومعبّرة عن المعنى نفسه والمعنى العام واحد.
إذن هنا قال (سآتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون) الثقة المتناسبة مع جو سورة النمل. (تصطلون) يعني تتدفأون من صليَ يصلى بمعنى تدفّأ واقترب من مكان الدفء. فإذا صلي في النار فهذا ليس تدفّأ وإنما إحتراقاً (سيصلى ناراً) لكن الإقتراب من دفئها (تصطلون) تتدفأون.
في القصص (أو جذوة من النار) هذا الخائف المتردد لا يقول سآتي بشهاب وإنما جذوة، نويرة، شيء من النار.
(فلما جاءها) في النمل جاء النار وهي لم تكن ناراً (نودي أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين) هو دخل في إطار، في جو هذا الذي ظنّه ناراً هو كان نوراً وهو حسبه ناراً على ما قيل من عبارته أنه رأى ناراً فجاء إلى هذه النار ودخل في وسطها وخوطب أن بورك من في هذه النار ومن حولها (موسى u في داخلها والملائكة يحفّون به) هذا نوع من التكريم ونوع من الترحيب، هم أوقدوا هذه النار التي ليست ناراً (أن بورك من في النار ومن حولها) ودُعي إلى أن يسبح الله تعالى وأن ينزهه في هذا الموضع موضع تنزيه لله سبحانه وتعالى كما قال (أن اخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى) مناسب للسورة التي هي فيها.
(وسبحان الله رب العالمين) كلمة رب العالمين تكررت في القصص الذي خاطب موسى u رب العالمين (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (30)) (رب العالمين) تكررت في القصص. هذا التكرار كأن فيه نوعاً من التأديب لبني إسرائيل أن لا يقولوا: الله ربنا وحدنا ونحن شعب الله المختار كما يقولون نحن شعب الله المختار وبقية الخلق عبيد لنا. أما قوله تعالى (وإني فضلتكم على العالمين) هذا في زمن إتباعكم لموسى u هذا ينبغي أن يُفهم هكذا أن أتباع كل نبيّ هم أفضل الخلق في زمانهم لأن الذي يفاضل بين الناس هو الإيمان فما داموا مؤمنين بنبيّ ذلك الزمان فهم أكرم الناس عند الله تعالى وليس عند البشر فقط (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) فهم أكرم عند الله عندما كانوا أتباع النبي ولم يكن قد جاء النبي التالي. عندما يجيء النبي التالي الذي يتلو النبي الأول على أتباع النبي الأول أن يتّبعوه وعند ذلك يكونون مفضلين على العالمين والذين عصوه يكونون في الدرك الأسفل من النار. هذا التفضيل مستمر مع هذا النبي إلى أن يأتي النبي الذي يليه فإذا جاء النبي الذي يليه عليهم أن يتّبعوه لأنه لماذ أرسله الله عز وجل؟ حتى لا يبقوا على النبي الأول لأنه صار هناك تحويلات وتحويرات وتغييرات فيرسل الله تعالى النبي التالي ليصحح، ألم يقل عيسى u: جئت لهداية الخِراف الضالة من بني إسرائيل؟ لأنهم صلوا وحرّفوا وغيّروا فجاء بالإنجيل. عيسى u جاء حتى يتبعه بنو إسرائيل فلم يتبعوه فهم في أسوأ حال والذين اتبعوا عيسى u هم في أفضل حال عند ذلك. لما جاء محمد r فعلى الجميع أن يتبعوا دينه عند ذلك.بنو إسرائيل ليسوا مفضلين على العالمين أبد الدهر وإنما في زمن نبيّهم. فلما قالوا هذا الكلام الله سبحانه وتعالى يبيّن لهم وتذكير لهم أن الذي خاطب موسى والذي جعله رسولاً خاطبه بربوبية العالمين أنه رب العالمين وليس رب بني إسرائيل فقط حتى يدركوا ذلك. وكرر الكلام في النمل وفي القصص حتى يكون الأمر يقيناً أن الله سبحانه وتعالى خاطب موسى بهذا المعنى أنه هو رب للبشر جميعاً، رب العالمين جميعاً الإنس والجنّ.
سؤال: موسى لم يكن كُلِّف بالرسالة بعد لكن في سورة النمل والقصص ومن الألفاظ الوحدة (رب العالمين) فما مناسبتها وهو لم يُكلّف بعد ولم يقل بنو إسرائيل بعد نحن شعب الله المختار؟
هو يقيناً سينقل لأتباعه هذا الكلام أن الله سبحانه وتعالى نبّأني بهذا النبأ وخاطبني بربوبيته للعالمين أن الله رب العالمين ولا يعقل أن موسى u سيقول لقومه الله ربكم وحدكم وإنما هو الله رب العالمين. لا بد أن يقول موسى u هذا الكلام فهذا تثبيت وتاريخ بهذا الكلام أنه قبل نبوّته أُشعِر بأن الله سبحانه وتعالى هو رب العالمين وبعد نبوته أيضاً وهو يُبلِّغ قومه ذلك لكن قومه معاندون وظلوا على عنادهم إلى يومنا هذا.
(فلما جاءها) و (فلما أتاها) تكلمنا عليها في المرة الماضية وبيّنا الفرق بين الجيم والتاء.
البناء للمجهول في (نودي) هو نوع من التعظيم والتفخيم لله سبحانه وتعالى الذي نادى (أن بورك من في النار) الله تعالى كلّم موسى وقلنا نحن متيقنون مطمئنون نؤمن بذلك يقيناً أن الله سبحانه وتعالى كلّم موسى تكليماً لكن الهيئة أو الكيفية كيف كان الكلام وما ماهية هذا الكلام؟ هذا نؤمن به كما ورد في كتاب الله عز وجل. الكلام صفة من صفات الله عز وجل وصفات الله سبحانه وتعالى لا تدخل تحت عنوان شيء (ليس كمثله شيء) لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله سبحانه وتعالى.
الفعل نادى يستتبع حرف جرّ نادى على فلان أو نادى كذا؟ ناداه مباشرة، ناداه بكذا، تقول: ناديت زيداً وفي آية أخرى ناداه ربه الفاعل معلوم وهنا بُني للمجهول بحسب مكانها هنا، لما قال ناده ربه فيه نوع من التطمين بحسب سياق الآيات ولكن هنا في المكانين (نودي) فيه نوع من التفخيم والتعظيم لذات الله سبحانه وتعالى. البناء للمجهول له أغراض منها تعظيم وتفخيم الفاعل الذي لا نريد أن نذكره وقد يكون للتحقيق بحسب السياق وأحياناً للتنزيه (وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ (10) الجن) تنزيه لله سبحانه وتعالى هن نسبة الشر إليه بينما مع الرشد ذكروا إسم الله تعالى (أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا). البناء للمجهول للمفعول أي إخفاء الفاعل له أغراض كثيرة في لغة العرب منها التنزيه منها التفخيم والتعظيم. فهنا من تعظيم الله تعالى وتفخيمه.
(أن بورك من في النار) أنزل الله عز وجل البركة على موسى u (مَنْ) وعلى الملائكة (ومن حولها).
سؤال: موسى u إعتقد أنها نار وهي ليست ناراً ولكن الله تعالى قال (بورك من في النار) فكيف نفسر هذا؟
على فهم موسى لها هو فهمها ناراً ولم يفهمها نوراً ما زال يعتقدها ناراً وهو في عجب من أمره لأنه لم يكن يعرف شيئاً غير النار. هي ليست ناراً لأنها لم تحرقه وليس هناك وقود. مع إبراهيم u كان هناك وقود وخشب أما هذه فهي أرض منبسطة على الجبل ليس هناك خشب، هو ينظر، لا يوجد شيء يحترق ولم يجد أحداً والله سبحانه وتعالى أزال وحشته بهذا الخطاب المباشر وثبّت قلبه بالآيات لما قال (ألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جانّ) الجانّ هو الأفعى الصغيرة في أول فقسها من بيضتها وليس الجنّ. الجان من أسماء الأفعى الصغيرة وهذه تكون سريعة الحركة. وعصاه كانت غليظة فهي أفعى غليظة (ثعبان مبين) لكن حركتها فيها نوع من السرعة كسرعة الأفعى الصغيرة. فاضطرب وهرب ولم يعقّب ولم ينظر وراءه. شيء طبيعي أن يخاف لأن المشهد مخيف: هو في ظلمة الليل وإذا به يرى شيئاً يظنه ناراً، جاء إليه وإذا الأرض ليس فيها حريق أو حطب أو شيء من نار لكن الشيء الذي أمامه هو مظهر من مظاهر النار، هو دخل في داخله وكلّمه الله سبحانه وتعالى فصار يُخاطب.
سؤال: هل سمعت زوجة موسى مخاطبة الله عز وجل له؟
هذا خاص بموسى u ثم إن المكان بعيد والله تعالى عندما يخاطب رسوله لا يسمعه الآخرون، الخطاب يكون للرسول على وجه التعيين ثم قلنا هذا الخطاب لا نستطيع أن نقول هو صوت من أصوات الناس. كيف نودي؟ الله أعلم. هذا أمر خاصٌ بالله سبحانه وتعالى. ناداه الله عز وجل بكلامه الذي هو صفة من صفاته سبحانه وتعالى، ميف هو؟ الخوض فيه لا يؤدي إلى نتيجة، نؤمن به (يؤمنون بالغيب) كلام الله عز وجل غيب. تكلّم الله تعالى وخاطب موسى وسمع موسى لكن كيف تكلّم وكيف سمع موسى هذا لا يستطيع أحد أن يصل فيه إلى نتيجة لذلك نقول هذا غيب نؤمن به كما ورد في كتاب ربنا سبحانه وتعالى لكن أن نقول ما تكلم الله عز وجلّ، تكلّمت شجرة، تكلمت حجرة هذا لا يجوز وإنما تكلم الله سبحانه وتعالى وسمع موسى ووعى ما يقال له ولذلك نفّذ لما قال (ألق عصاك) ألقاها.
قال (إنه أنا العزيز الحكيم) وهناك قال (أني أنا الله رب العالمين) يمكن قيل له أنني أنا الله رب العالمين العزيز الحكيم القادر المتصرّف، يمكن قال له كل هذا الكلام لكن هنا إختار هذا الكلام وهنا إختار هذا الكلام لأن العزة والحكمة تتناسب مع القوة التي هي في سورة النمل. ورب العالمين عامة ذُكِرت هناك أيضاً فخصّص النمل بكلمة العزيز الحكيم لما فيها من قوة.
(إنه أنا الله رب العالمين) لما يعرّف بمن هذا الذي يكلمه إستعمل ضمير الشأن (إنه) للتفخيم والتعظيم، إنّ الشأن، إنّ الأمر، إن هذا الذي يخاطبك يسمى ضمير الشأن أو ضمير القصة يعني أن الشأن والقصة والموضوع الذي أنت معرّض له (أنا الله العزيز الحكيم) بالعزة والحكمة. في القصص لأن فيها تفصيل شرح لنا النداء من أي جهة كان أما في النمل لم يشرح. في القصص قال (نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ) من جهة الشجرة (أن يا موسى) تفصيل. هناك أن التفسيرية أو التفصيلية .
في النمل قال (وألق عصاك) واختصر أما في القصص فقال (وأن ألق عصاك) تفسير لأن فيها تفاصيل جاءت كلمة أن التفسيرية كأنها تفسير. ننظر في هذه الفاء في (فلمّا) يسميها علماء اللغة الفاء الفصيحة يعني التي تفصح عن كلام محذوف وهي تتكرر في لغة العرب وتتكرر في القرآن الكريم لأنه في غير القرآن كان المفروض أن يقال (فألق عصاك فألقاها موسى فصارت أفعى فلما رآها تهتز). العربي يختصر أحياناً فالقرآن على سُنّة العربي إختصر واستعمل الفاء مفصحة عن محذوف (وألق عصاك فلما رآها تهتز) مفهوم لما قيل له ألق عصاك ألقاها مباشرة إشارة إلى الإستجابة كما قال في موضع آخر (وأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق) إضرب بعصاك هذا أمر فانفلق، ما قال فضرب البحر. هذه الفاء الفصيحة مكررة في الآيتين إشارة إلى أنه إستجاب فوراً: ألق عصاك، فألقاها. ومثلها (إضرب بعصاك الحجر فانفجرت) الفاء الفصيحة حيثما وجدت الفاء تعبّر عن كلام محذوف فهي الفصيحة وليس لها تأثير في الفعل وإنما هي عاطفة تعطف جملة على جملة.
(فلما رآها تهتز كأنها جانّ) الأفعى رآها على الأرض لم يُخيّل له وإنما هي رؤية حقيقية. تخيّل ذلك الجو المخيف في البداية ثم رأى النور فيه نوع من التطمين وكُلِّم ولكن مع ذلك طبيعة البشر هؤلاء الرسل هم بشر كما قال r: "إنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد" فهم بشر فالطبيعة البشرية هو بيده عصى كان يتوكأ عليها، ألقاها، وبمجرد أن ألقاها فإذا بأفعى عظيمة تتحرك حركة سريعة جداً كأنها الأفعى الصغيرة فمن حقه أن (ولّى مدبراً ولم يعقّب) لا يحتاج أن يلتفت وراءه لأنه كان خائفاً.
بُثّت الحلقة بتاريخ 15/7/2006م
أسئلة وردت خلال الحلقة تتعلق بموضوع الحلقة وأجوبة الدكتور حسام عليها:
مداخلة من الدكتور محمد هلال من أميركا: في الفرق بين سآتيكم ولعلّي آتيكم ننتقل إلى الوضع الذي كان فيه موسى فما هو المانع أن يقول لزوجه إني آنست نارا سأذهب لأقتبس من النار شهاب قبس أو جذوة وطبيعي أن تعارضه زوجته قالت كيف تتركني في هذا المكان الموحش فيقول لها امكثوا في البداية يقول لعلّي ويكون متردداً ثم يأتيه الرجاء فيقول سآتيكم. (لعلي) فيها رجاء لشيء مقبل عليه غير متأكد منه ولما تيقن أنه سيذهب قال سآتيكم. ربما يصل إلى النار فيجدها مشتعلة فيأتيهم بشهاب قبس وربما يجدها جذوة فيقول بجذوة فهو يقول أشياء وما قاله موسى يكمل بعضه بعضا.
التوجيه الذي ذكره الدكتور لا مانع من أن يتصوره الإنسان هكذا. القول الذي قاله شيء ممكن جداً ويمكن القول الذي أوردناه لأنه ما عندنا دليل قاطع على ما قاله وليس عندنا دليل قاطع لما أوردناه ولكن هذا يستشف من سياق الآيات. هل تكلم موسى مرتين؟ ما عندنا شيء ينفيه فالذي تفضّل به ممكن أن يكون مما فتح الله عز وجل به عليه لكن لا نقطع بشيء لكن نقول هذا الذي بدا لنا من خلال النظر في آيات الله سبحانه وتعالى.
سؤال 215: ذكر الدكتور أن الأنبياء لا يتكلمون اللغة العربية وفي رحلة الإسراء والمعارج قال الأنبياء للرسول r أهلاً بالأخ الصالح والنبي الصالح؟
هذا خارج حياة الأرض هذا في العالم الآخر في عالم الغيب لأن الله سبحانه وتعالى طوى لحبيبه محمد r الزمان بحيث عرض عليه ما بعد قيام الساعة، عرض عليه أناساً يعذبون وهو رآهم حقيقة وليس مجازاً ليس عندنا شيء إسمه مجاز. الله سبحانه وتعالى أمامه المستقبل ماضي يراه ماضياً أكرم حبيبه محمداً r بأن عرض عليه ما سيكون بعد قيام الساعة لأنه رأى الجنة وما فيها ورأى النار وما فيها وهذا شيء غيب خارج قوانين الأرض. ونحن عندنا إشارات أن كلام أهل الجنة وكلام الآخرة سيكون بالعربية. أسماء الملائكة عربية: لما يتحدث القرآن عن النار خازنها مالك ومالك إسم عربي وخازن الجنة رضوان ورضوان إسم عربي. أول ما يموت الإنسان اللذان يوقظانه ويحاسبانه منكر ونكير أسماء عربية. هذه مؤشرات وعندنا حديث لا أدري إن كان ضعيفاً : " أُحبّ العرب لثلاث لأني عربي، كلام أهل الجنة عربي، والمسلمون يحبون العرب" الحديث الضعيف غير الموضوع يؤخذ منه لأنه لما يكون الحديث ضعيفاً أي هناك إحتمال خمسين في المئة أن يكون الرسول r قاله أما الموضوع فهو كذب. الضعيف عليه إشكال معناه صحيح لأن الرسول r عربي والمسلمون يحبون العرب لأنهم كانوا يتبركون بالعرب قبل أن تتردى أحوالنا كان العربي إذا ذهب إلى باكستان وتركيا يتمسحون به ويتبركون به ثم لما جاءوا ورأوا ما رأوا. (توضيح هذا السؤال على هذا الرابط)
سؤال 216: (أن بورك من في النار ومن حولها) بدأت المباركة لموسى r ثم جاءت للملائكة فهل هذه دلالة أن موسى r أفضل من الملائكة بتقديمه عليهم وغمرة موسى في هذا النور هو دلالة على قربه من الله عز وجل وأن درجته وقربه أعلى وأسمى من درجة الملائكة بدليل قوله تعالى (أن بورك من في النار ومن حولها)؟
نحن عندنا سجود الملائكة لآدم u دليل على أنه بطاعتهم لله سبحانه وتعالى رفعوا آدم منزلة عليا وهذه المفاضلة أنا عادة أبدأ كلامي بالصلاة والسلام على رسول الله r أشرف خلق الله أجمعين. عقيدتنا نحن نعتقد أن النبي أعلى قدراً من الملائكة، الملائكة مكلّفون بشيء ينفذونه أما النبيّ فهو يعيش بين الناس ويدعو ويبذل ويضحي فلا مانع من ذلك على أن وجود العطف الواو في (ومن حولها) الواو يقول علماؤنا لا تقتضي الترتيب. أنت يمكن أن تقول سأل عنك زيد وخالد لا تقتضي الترتيب. أما الفاء تقتضي الترتيب والتعقيب (سأل عنك زيد فخالد) بالتعقيب مباشرة. ثم بالتعقيب والتراخي (زيد ثم خالد) والواو ليس فيها ترتيب ليس شرطاً (زيد وخالد) يمكن سألا عنك معاً ويمكن زيد قبل ويمكن خالد قبل. إذا أردت النص على الترتيب تستعمل الفاء أو ثم.
توضيح لما جاء في الحلقة السابقة عن أن لغة أهل الجنة العربية:
نحن كنا في الحلقة الماضية في السؤال 215 تكلمنا على لغة أهل الجنة عرَضاً وذكرنا الحديث "أحبُّ العرب لثلاث، أو احِبّوا العرب لثلاث) وأنا في وقتها قلت لا أدري مقداره من الصحة وهذا أمر ينبغي أن نوضحه. رجعت إلى المظانّ فتبين لي أنه حديث موضوع يعني هذا الكلام ما قاله رسول الله r. قد يكون معناه صحيحاً يعني الرسول r عربي، هذا صحيح، القرآن عربي هذا صحيح، كلام أهل الجنة يكون عربياً لا ندري المهم أنه لم يصدر من رسول الله r فلا يجوز أن يقال قال رسول الله r أو يقال ورد في الحديث (أحب العرب لثلاث) المعنى قد يكون صحيحاً. خلال تقليبي في هذه المظانّ وجدت كلاماً كثيراً هو صحيح مثلاً: القصة المشهورة عن الإمام أحمد ويحيى ابن معين: ذهبنا إلى الرصافة، صلّينا في مسجد فأخذ القصّاص يتكلم فقال: حدثني أحمد بن حنبل ويحيى ابن معين وذكر كلاماً فيما يتعلق بأجر من يردد كلمة لا إله إلا الله (ترداد كلمة لا إله إلا الله شيء حسن) حتى قال حدّثني قال رسول الله r فلما انتهى من الكلام جاء يجمع المساعدات (ويبدو أنه كان يأخذ أجراً) فقال له يحيى تعال: سمعتَ من فلان؟ قال نعم، قال هذا أحمد بن حنبل وأنا يحيى ابن معين أنت لا تعرفنا ونحن لم نقل هذا الكلام. قال: كانوا يقولون لي أنكم حمقى والآن تبيّنت أنكم حمقى أليس في الدنيا سواكما أحمد بن حنبل ويحيى ابن معين؟ هذا لإتراء مع أن الكلام في فضائل لا إله إلا الله لكن لا يجوز أن يُنسب لرسول الله r كلاماً لم يقله حتى إذا كان صحيحاً لذا اقتضى التنويه لأننا ذكرناه في الحلقة الماضية.
سؤال 217 : في سورة يوسف قال تعالى (إنه ربي أحسن مثواي) وفي آل عمران (ومأواكم النار وبئس مثوى الظالمين) ما هو المثوى؟.ولماذا لم ترد كلمة مثوى في حال أهل الجنة أبداً؟ ولا يوجد نص على أن الجنة مثوى المؤمنين
في هذه الآية والآية التي تليها جملة أمور يوقف عندها لكن سنقف بقدر السؤال ثم نتحول إلى بعض الأمور التي ينبغي أو يوقف عندها. المثوى يقولون في اللغة المنزل أو المكان الذي يثوي فيه الإنسان. والثواء هو الإنحسار في مكان ويكون عادة الإنسان فيه قليل الحركة مثل المسكن، المنزل، الحجرة التي يبيت فيها، المنزل الذي يبيت فيه حركته محدودة فيها بخلاف الفضاء أنت تستطيع أن تمشي أميالاً لذلك يقول الشاعر: رُبّ ثاوٍ يملّ منه الثواء، يعني يستقر في وضعه إلى أن يملّ موضعه منه ويقول أيضاً:
فما دون مصر للغنى متطلب قال بلى إن أسباب الغنى لكثير
فقلت لها إن الثواء هو التوى وإن بيوت العاجزين قبور
الثواء هو التوى يعني هذا الإستقرار في مكان واحد وإن كان فيه حركة فهو حركة ضيّقة، هو يريد أن ينطلق (إنه ربي أحسن مثواي) يعني هذا المكان الذي أنا فيه، أحسن منزلي. ويفرقون بين ثوى وأوى (أوى وآواه) لاحظ الفرق: الهمزة بدل الثاء، الهمزة فيها قوة وهي حرف شديد، أوى فيها نوع من الضم (آوى إليه أخاه) جعله يستقر لكن ضمّه إلى المأوى غير المثوى. والمأوى استعمل في النار وفي الجنة فالجنة تضم صاحبها والنار تضم صاحبها لكن شتان بين الضمتين، بين إحتضان الجنة للإنسان وإحتضان النار للإنسان. فكلمة الثوى والثواء استعملت في حال الدنيا لأنه منزل يثوي إليه أو يأوي إليه لذلك نجدها في أكثر من سورة في حال الدنيا. في الآخرة إستعمل اللفظة للنار لماذا؟ لأن الجنة ليست منطقة ضيقة محصورة إنا نتبوأ من الجنة حيث نشاء، فيها السعة والإنطلاق. لاحظ مثلاً: (أكرمي مثواه) أي نُزُله في الدنيا. (وما كنت ثاوياً في أهل مدين)، (والله يعلم متقلبكم ومثواكم) الأماكن التي تتقلبون فيها، تنتقلون إليها والمكان الذي تستقرون فيه (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ). هذا سؤال السائل لماذا لم تستعمل كلمة المثوى مع أهل الجنة؟
أما الآية (وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23)) هذه من الأماكن التي وقف عندها. ما دلالة استعمال (التي هو في بيتها) ولم يقل امرأة العزيز أو لفظة أخرى؟
في الغالب لا يذكر القرآن الأسماء. العلماء يقولون فيه أمران: الأول هو سترٌ عليها وعدم فضيحة لأن يرتبط هذا بإسمها. والأمر الثاني وهو الأرجح نوع من الترفّع عنها وبيان عظمة موقف يوسف u. الترفّع عدم ذكر إسمها (التي هو في بيتها) وبيان عظمة موقفه أنه هو تابع، هو في بيتها والمفروض عندما يكون في بيتها أن يسمع وأن يطيع فهي سيّدته والأمر من سيّدته وهو ينبغي أن يخاف منها فضلاً عن أن كونه في بيتها وهو شاب يتطلع إلى جمالها يمكن أن يدخل في نفسه شيء تجاهها لكن يخاف باعتبار أنه عبد مملوك يخاف أن يعرض لها وإنما هي عرضت له وهذه فرصة بالنسبة له. فكأنما يريد القرآن أن يبيّن لنا هذا الموقف النبيل العظيم من هذا الإنسان الذي نُبّيء، الذي صار نبيّاً فيما بعد وفي حال شبابه لم يكن نبياً، فهذا نوع من رفعة شأنه. ورفعة الشأن هذه تجعلنا نفسر الآية الثانية بما فسرها به كثير من العلماء المدققين المحققين (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24)) ولذلك هم يرجحون الوقف عند (همّت به) صحيح أنه في المجمع أن يصل الكلام إلى أن يقف عند (ربه) لكن الوقف عند (همت به) يوضح المعنى: ولقد همت به (وقف) وهمّ بها لولا أن رأى برهان ربه. (لولا) أداة شرط تأخذ فعل شرط وجواب شرط. لاحظ في قصة موسى u (وإن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها) إذن الجواب تقدّم يعني: لولا أن ربطنا على قلبها لأبدت به أو لكادت أن تبدي به لكن هي ما أبدت به.
أصل التركيب خارج القرآن لم يرد أن يهتم بهذه المشاكلة. في غير القرآن كان يمكن القول ولولا أن ربطنا على قلبها كادت أن تبدي بولدها، أن تُظهِر نوعاً من الفرح أنه ولدها. وهنا أيضاً لولا أن رأى برهان ربه لأنه هو رأى براهين ربه أولاً من معرفته بشريعة أبيه يعقوب، هو على شريعة والشريعة هي البرهان (واتبعت ملة آبائي) هو على شريعة، هو كان متّبِعاً لملّة آبائه وكان ملتزماً بقيَم ومُثُل ومبادئ الشريعة فهذا هو البرهان وهو برهان عند جميع الناس. وسبق أن ذكرنا قصة رجل من أصدقائي وهو رجل عادي من الناس عرض لشيء قريب لما عرض ليوسف u أيضاً وهو كان مستأجراً غرفة عند أناس أثناء دراستنا، جاء إلينا وقال ائتوني بكتبي وأوراقي من هذا البيت فسألناه ما الحكاية؟ قال دخلت علي أمّ المنزل شبه عارية فصفعها وخرج. ما صار في قلبه شيء لأنه ملتزم ولأنه يخشى الله عز وجل ويخاف أن يموت في أي لحظة فماذا يقول لله عز وجل. هذا ليس كيوسف u ويوسف أعلى وأجل وأعظم منه. لذلك البعض يقولون : قيل إبن عباس قال رأى أباه كذا وقيل ابن عمر قال كذا. كلام يمكن أن يؤثر في أفسق الناس، الإنسان إذا رأى أباه جاء طائراً في الهواء وضربه على صدره أو صار يعض على إصبعه، هو أبوه ويراه أمامه فيكفّ. هذه ليس فيها قيمة ليوسف u، القيمة الحقيقية لهذا الذي جعله الله عزّ وجل من المخلَصي. إنه ابتداء ما حدث في قلبه هذا الشيء إبتداءً وهو ترفّع وتعالى على من عرضت عليه هذه المرأة عليه حتى يكون الأمر واضحاً لأنه في كتب التفسير كلاماً وأنا نقلت عبارة لأحد المفسرين: " وأما أقوال السلف (كلها قيل كذا وقيل كذا بهذه الروايات التي لا تصح) فالذي نعتقده (اعتقاداً وليس ظنّاً) أنه لم يصح منها شيء (كله كلام نراه في بعض كتب التفسير) لأنها أقوال متكاذبة يناقض بعضها بعضاً (ما يقول أحدهم أن يوسف رأى أباه أو غيره) مع كونها قادحة في بعض فسّاق المسلمين فضلاً عن المقطوع لهم بالعصمة وبالجملة لا ينبغي التعويل على ما شاع في الأخبار والعدول عما ذهب إليه المحققون الأخيار) هذا ما ذكره الإمام أبو الثناء الألوسي وهو من كبار علماء الأمة.
البعض يقول أن الآية (ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه) تعني أنها همّت بهفعلاً وهمّ بها تركاً لكن نقول هذا تأويل لا تحتمله اللغة. فما الدليل على أنه همّ بها تركاً وهمّت به فعلاً؟ هو تركها فعلاً ولم يهمّ بها تركاً ولم يكن هناك همٌّ في نفسه وإنما نفّذ ذلك وتركها وانصرف عنها.
والبعض يقول أن الهمّ من يوسف بمعنى الحزن. نقول أن الهمّ هو أن يمكون شيء في النفس يحمله على فعل ما. همّ به أي صار في نفسه شيء يحمله على فعل شيء ما قد ينفّذه وقد لا ينفّذه. لأن عندنا حديث: من همّ بحسنة ففعلها كتبت له حسنة إلى عشر حسنات إلى سبعمئة ضعف ومن همّ بسيئة فلم يفعلها كتبت له حسنة (هذا من كرم الباري عز وجل) ومن همّ بسيئة ففعلها كتبت له سيئة. فالهمّ حديث النفس تحدّثه نفسه بشيء يريد أن يفعله.
(كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلَصين): إبتداء هذا الأمر ما حدث في نفسه وحاشا لهؤلاء أن يحدثوا أنفسهم بما لا يرضي الله سبحانه وتعالى.
المعنى الدلالي لكلمة (المخلَصين): أي الذي أخلصه الله سبحانه وتعالى لطاعته ولذلك إبليس عليه لعنة الله في الدنيا والآخرة قال (إلا عبادك منهم المخلَصين) ونسأل الله سبحانه وتعالى دائماً أن يجعلنا من عباده المخلَصين.
المخلِص هو الفاعل أي هو اذي أخلص لله والمخلَص أخلصه الله سبحانه وتعالى لطاعته ولذلك الإمام الألوسي يقول: هذا لا يليق أن يُنسب لفسّاق المسلمين: مسلم فاسق يعيش في بيت إنسان يطعمه ويسقيه ويلبسه ويربيه ومع فسقه فهو لا يعتدي على نساء البيت وإنما يعتدي على النساء في الخارج يسمح له فسقه مع عِظم جرمه لكن في الداخل يقول لا هؤلاء أناس يكرمونني ولذلك يقول الألوسي لا يصح أن يُنسب لفسّاق المسلمين.
إذن في جهنم قال مثوى لأنه منحصر فيه حصر لذا قال (إنها عليهم مؤصدة) هي نار ومغلقة، أما الجنة ففيها مجال للحركة. الثواء فيه مقام محدود. إن الثواء هو التوى والتوى هو الموت والهلاك. وكما قال الشاعر: فقلت لها إن الثواء من التوى وإن بيوت العاجزين قبور لأن الذي يعجز يبقى في بيته فهذا قبر.
سؤال 218: ما معنى إناثاً في قوله تعالى (إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (117) النساء)؟
العلماء يقولون حالات الموجودات هذه إما أن تكون فاعلة والفاعل غير المنفعل هو الله سبحانه وتعالى يعل ولا يقع عليه فعلٌ جلّت قدرته، هو الله تعالى. العوالم الأخرى كالإنس والجن والملائكة فاعلة من جهة ومنفعلة من جهة: الله سبحانه وتعالى يفعل فيها ما يشاء وهي تفعل هذه الأفعال الظاهرة. والجمادات منفعلة غير فاعلة. فالأشياء المنفعلة غير الفاعلة العرب تشير إليها بالتأنيث. ويقول بعض العلماء عندنا الذكر والأنثى وفي غالب المحلوقات الأنثى أضعف من الذكر حتى يقولون الحديد الليّن يسموه حديد أنيث أي مؤنث والبعض في العامية يسميه مخنث. فالشيء الضعيف يشيرون إليه بالتأنيث. فالقرآن الكريم على طريقتهم (إن يدعون من دونه إلا إناثا) أشياء صغيرة لا تستطيع أن تقدم لهم شيئاً، هذا قول. والقول الثاني على اللفظ أن أكثر أصنامهم أسماؤها على التأنيث: اللات والعزى ومنات وعندهم هُبَلأ مذكر. جمهور العلماء المفسرون يميلون إلى القول الأول أن العربي إذا أراد أن يشير إلى أمر بالضعف يشير إليه بالتأنيث، هذه لغة العرب.
كيف استعملت لغة العرب في جمع المذكر السالم (النون) وجمع المؤنث السالم (التنوين)، في المذكر السالم (الواو الياء) مهندسون في حال الرفع ومهندسين في حال النصب والجرّ، في حال الرفع في جمع المؤنث السالم استعمل الضمة التي هي واو صغيرة (مهندساتُ) وفي النصب والجر استعمل الكسرة التي هي ياء صغيرة (مهندساتِ) فأعطى الكبير للمذكر وأعطى الصغير للمؤنث. مهندسون ألحقها النون ملفوظة ومكتوبة ، مهندساتٌ تنوين ملفوظ وغير مكتوب. فتخيل هذه لغة العرب فهي مع التأنيث حتى في المنع من الصرف يقول الإسم المؤنث نزل مرتبة فسُلِب منه التنوين زعلامة الجر الأصلية مثل: فاطمةُ وزينبُ لا تنوّن ولا تُجرّ بالكسرة وإنما بالفتحة : سلّمت على فاطمةَ لأن الجرّ بالكسرة علامة الإسم المتمكن الأمكن. فهذه لغة العرب فلا يعترض أحدهم أن المؤنث لفظ ضعيف، عندهم المؤنث دون المذكر هذه لغتهم فإذا قال (إناثاً) يعني أصناماً ليس الأنثى بمفهومنا الآن. (ألكم الذكر وله الأنثى) لأنهم جعلوا الملائكة التي هم عباد الرحمن إناثاً والملائكة خلقٌ خاص لا نستطيع أن نقول هم ذكور أو إناث والله أعلم.
سؤال 219: ما دلالة الواو في (وثامنهم كلبهم) (سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ الكهف)؟
هذه الواو فيها كلام كثير لعلمائنا وجدل لكن الذي نخلص منه بشكل مختصر وبصورة موجزو أن هذه الواو هي واو عاطفة تعطف جملة على جملة سابقة لأن الكلام انتهى: سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم، إنتهى الكلام. قد يكون قريب منه ما نجده في اللغة الإنجليزية أنه عندما يعددون أشياء ثم يصل في الآخر فيقولand يضع حرف العطف في الآخر. هذا قال به بعض العلماء القدماء من غير المطلعين على اللغات الأجنبية، قال هذا يمكن أن يكون إشارة إلى إنتهاء العدد. بعض العلماء يرى أن هذه إنتهاء الكلام، العدد فجيء بالواو وهي واو عاطفة حتى يقول بعضهم لوسقطت في غير القرآن لا تؤثر ( سبعة ثامنهم كلبهم).
القسم الآخر من العلماء يقول هذه الواو قبل كلمة ثمانية هي كأنها من آثار الأعداد القديمة، الإستعمالات القديمة وكانت باقية عند قريش بمعنى أن العدد الأعلى الذي ينتهي عنده الحساب هو السبعة زبهذا فسّروا: سبع سموات، سبع أراضين، سبعين مرة، سبعمائة. والقرآن نزل بلغة قريش فبقيت هذه الواو لذلك سميت بواو الثمانية (وثامنهم) وهذا الإستعمال الذي كان خاصاً بها أحياناً.
قد يكون هناك رأي ثالث يقول: في بعض الأحيان الكلمة أو الرقم يُغيّر لسبب من الأسباب ويثبت هذا التغيير، الرقم يحدث فيه تغيير أو إضافة وهذا التغيير يثبت. كأنما كانت سبعة ثمانية ثم صارت وثمانية باعتبارها آخر شيء ثم ثبتت عندهم. في رواية عن أبي بكر ابن عياش يقول هذه في لغة قريش هكذا لا يقولون ثمانية لوحدها وإنما يقولون وثمانية يجعلون معها الواو وهذه رواية ينبغي أن تدقق ويثبت منها هذا وردت عند آخرين؟ هل السند صحيح؟ وما ترويه كتب اللغة والمعاجم لا نستطيع أن نطمئن إليه كلّياً إنما نطمئن إليها بقدر حينما يكون مما هو شائع لكن عندما يكون منفرداً نحتاج إلى تدقيق. نضرب مثالاً على تغيير العدد: الآن لو ذهبت إلى المملكة المغربية ستجد لديهم بعض العادات الرائعة في التعامل في السوق فعندما تشتري شيئاً وتعطي البائع مبلغاً من المال يعيد لك الباقي ويقول لك بسم الله وكذكلك لما يعطي المال للبائع يقول بسم الله. لو سألت أي واحد في السوق أن يعدّ لك الأرقام سيقول: واحد، إثنان، ثلاثة،...، ثمانية، تسعود، عشرة.تسعود تعني تسعة. سألنا عنها فقال لا هو الرقم تسعة الذي بين الثمانية والعشرة يضيف إليه الواو والدال، هذه مسألة مستغربة فقلنا لماذا؟ قال لاحظ لما أقول تسعود آخرها سعود، آخرها سعادة بينما لو قلت لك تسعة فكأني أدعو عليك أن تكون شحاذاً (تسعى) من السعي. هذا في ذهن العامّة أما في الفصيح فهم من بلغاء الكلام. الآن هذا الذي وجدته على مدى ثلاث سنوات عندما كنت في جامعة محمد الخامس جزاهم الله كل خير على حسن تعاملهم. فهو لا يقولون تسعة ويندر أن تسمع شخصاً يقول تسعة لأنه يشعر كأنه يدعو عليك. فلا يبعد أن يكون وثامنهم مع الفارق في التوجيه أنها كانت آخر العدد في القديم ثم حوفظ عليها هكذا عند القرشيين. لا يبعد لكن الرأي الذي يميل إليه علماء النحو غالباً هو أنها واو عاطفة نتيجة إنتهاء الكلام أشبه بما هو معمول به في اللغة الإنجليزية. وهي لا تؤثر في الإعراب، الجملة تكون عاطفة (جملة إسمية معطوفة على ما سبق) أو عند ذلك تكون واو إستئنافية يستأنفها ويكون ثامنهم كلبهم شأنها شأن رباعهم كلبهم وشأن سادسهم كلبهم بعد الصفات والمعارف أحوال فهي تكون صفة والواو عاطفة أو زائدة تعدّ. وما ثبت في لغة العرب أن هذه الواو تأتي مع رقم غير الثمانية وهذا الذي جعلنا نشكك في مسألة أنه واو الثمانية لأنه ما عندنا روايات أخرى وآثار أخرى ونصوص أخرى ولصقت بها الواو هكذا. لذا رأي عموم النحويين هو المرجّح.
سؤال 220: ما دلالة إستخدام المفرد ثم الجمع في الآية (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112) النحل)؟
الكلام على قرية ثم قال كانت آمنة مطمئنة، الحديث على مفرد مؤنث، يأتيها رزقها، فكفرت، فأذاقها الله، ثم قال (بما كانوا يصنعون). لم يقل بما كانت تصنع وهذا نوع من الإلتفات لأن هذا الصُنع الذي عوقبوا بسببه هو لم يكن من صُنع القرية بعامّتها. لما قال (كانت آمنة) يريد أن يشير إلى القرية بكاملها فيها أمان، هي آمنة، شوارعها آمنة وحيواناتها آمنة وكلها في أمان، يريد أن يعطي صورة الأمن العام. ذكر القرية لأنه معلوم أن أهلها كانوا آمنين كما قال في موضع آخر (واسأل القرية) أي إسأل أهل القرية، الكلام على أهل القرية لكن بدأ بهذا العموم حتى يبيّن الخير الشامل واستمر الكلام. لما ورد إلى سبب الخسران وسبب المعصية (الباء في بما كانوا يصنعون هي للسببية) أي بسبب. لو قال بما كانت تصنع يبقى الكلام عاماً على أهل القرية لكن أراد أن يبين أن الذين يحاسبون هم هؤلاء العقلاء لأن هذه الواو في تصنعون (واو جماعة العقلاء) نسب الكفران إليها جميعاً فحتى يبين أن المراد هنا سكان القرية إلتفت في الآخر وذكرهم.
القرية كانت آمنة بكليّتها يشملها الأمن مطمئنة هذا الإطمئنان العام، يأتيها رزقها رغداً والروق يأتيها عاماً لكل من في القرية، فكفرت بأنعم الله نسب الكفران إليها وهو حقيقة لهؤلاء العقلاء الذين صرّح بهم بعد ذلك. هو نسب الكفران إليها (فكفرت بأنعم الله) إستمراراً للسياق، فأذاقها الله لباس الجوع والخوف لأن الكل ذاق لو قال في غير القرآن فكفروا فأذاقهم يصير هناك نوع من الخلل، يصير أذاقهم للعقالاء بينما لباس الجوع والخوف أصاب القرية كلها حتى حيواناتها. فهي آمنة مطمئنة بحيواناتها يأتيها رزقها رغداً بحيواناتها والعقلاء وغير العقلاء حتى يكون هناك مظلة شاملة، فكفرت لأن بعدها فأذاقها. كفرت بعقلائها لأن غير عقلائها لا ينسب إليهم الكفر لكن هنا كفرت. لو قال كفروا في غير القرآن لا يستطيع بعدها أن يقول فأذاقها وإنما سيقول فأذاقهم وعند ذلك غير العقلاء ذاقوا أيضاً الجوع والخوف فبقي الكلام مستمراً. الغضب عندما ينزل يعمّ وينزل على المطيعين وعلى العصاة لكن الكفران هو للعقلاء فبيّن ذلك فيما بعد لما انتهى الكلام ورسم الصورة. قرية آمنة مطمئنة، كفرت، فأذاقها الله لباس الجوع والخوف ثم قال بما كانوا يصنعون ما قال بما كانت تصنع لأن الصناعة التي أدت إلى غضب الله سبحانه وتعالى خاصة بالعقلاء فيُفهم من جميع الكلام الذي يدور على التأنيث هو أهل هذه القرية لكن المظلة العامة شملت الأحياء الذين فيها بعقلائها وغير عقلائها، بحيواناتها لأن الخير الذي كان يأتيهم كان يأتي لكل من في القرية، وفي الآخر إلتفت ليبين السبب الحقيقي فيما أصاب القرية. والإلتفات هو التحول من صورة إلى صورة.
في القرآن الكريم قوله تعالى (وإن طائفتان من المؤمنين اقتلوا فأصلحوا بينهما) فيها إلتفات أيضاً. الطائفة ليست فرداً وإنما طائفة مجموعة فحتى يبين أن الإقتتال كان فردياً. إختلط قومان فقال: اقتتلوا ما قال إقتتلتا كتلة مع كتلة وإنما قال طائفة من أفراد وطائفة من أفراد اقتتلوا عند ذلك قال (فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء) عاد للطائفة، (فأصلحوا بينهما) وأصلحوا بين الطائفتين لأن الصلح أو إعلان الحرب سيكون على طائفة. الصلح بين طائفتين يأتي ممثل لهذه الطائفة وممثل لهذه الطائفة.
سؤال 221: لماذا جاءت كلمة جاثية منصوبة في (وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً (28) الجاثية)؟
الجثو هو الركوع على الركبتين. يجثو على الأرض أي يهبط إلى الأرض جاثياً على ركبتيه.
جاثيةً: ينبغي أن تأتي منصوبة لأنه رأى لكن الإعراب يختلف. عندما تقول: رأيت زيداً ماشياً، ماشياً إعرابها حال لبيان حا زيد، وهذه (رأى) البصرية أي أبصرته ماشياً. عندنا (رأى) الذهنية التي هي بمعنى اعتقد أو علِم هذه أيضاً يأتي بعدها منصوباً لكن تعرب مفعولاً ثانياً. تالنصب حاصل لكن الإعراب يختلف. في القول: رأيت اللهَ أكبرَ كل شيء: أكبرَ مفعول ثاني. رأيت زيداً ناجحاً، ناجحاً ليست حالاً هنا وإنما مفعول ثاني لأن رأى هنا هي رأى الذهنية لكن لما تكون رأى بصرية فيكون ما بعدها حال.
(وترى كل أمة جاثيةً) في حال الجثو هنا ترى بمعنى البصر. رأيت زيداً ناجحاً (رأى بمعنى العلم) فتكون ناجحاً مفعولاً ثانياً. فكلمة جاثية منصوبة في الحالتين لكن بحسب الإعراب وبحسب المعنى.
سؤال 222: ما دلالة استعمال صيغة الجمع مع أن الخصمان مثنى في قوله تعالى (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ (19) الحج)؟
هذا كالسؤال الذي أجبنا عنه سابقاً، لو نظرنا في السياق ولو أكملنا الآية لتبين لنا ذلك هما هذان خصمان لم يكونا شخصين وإنما مجموعتين مجموعة هنا (فالذين كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (19) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (20) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (21) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (22)) إذن هذا الخصم الأول، هذا جمع ما قال فالذي كفر وإنما قال (فالذين كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (19) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (20) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (21) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (22)). بعدها (إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (23) وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ (24)) هذا الخصم الثاني. كلمة الخصم تستخدم في القرآن الكريم للدلالة على المفرد والمثنى والجمع نقول: هذا خصم، هذان خصم،هؤلاء خصم ويمكن أن نقول هؤلاء خصوم فتستعمل كلمة خصم للإفراد والتثنية والجمع. لما استعمل خصمان أي فئتان وليس بمعنى فرد بدليل ما أتبع ذلك. صحيح قال خصمان لكن قال اختصموا لأنهم جماعتان.
في قصة سيدنا داوود u قال تعالى (خصمان بغى بعضنا على بعض) كلمة بعض في اللغة الأصل فيها بمعنى واحد أن تكون للواحد كما في قوله تعالى (وإذ أسرّ النبي إلى بعض أزواجه) أي إلى واحدة منهن. إلا إذا تكررت كما في الآية (وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض) يكون مجموع من مجموع. إذا لم تتكرر فالفصيح في (بعض) أنها للواحد. خصمان بغى أحدنا على الآخر. (بغى بعضنا على بعض) بعض بمعنى واحد.
من أسباب النزول للآية موضع السؤال يقولون أنها نزلت في بدايات غزوة بدر. سبب الخصام هو من أجل الله سبحانه وتعالى وفي سبيل الله تعالى. يقولون هي نزلت فيما وقع في أول معركة بدر لما خرج الإمام علي رضي الله عنه وكرم الله وجهه وسيد الشهداء حمزة وشيبة هؤلاء قال المشركون أخرجوا لنا نظراءنا من قريش فهؤلاء خصم ويقابلهم الثلاثة الذين هم من قريش. هذا في الأصل لكن كما نقول دائماً خصوص السبب لا يقيّد عموم اللفظ فالآية عامة وإن كانت نزلت في هذين الخصمين.
بُثّت الحلقة بتاريخ 22/7/2006متوضيح فيما يتعلق بالحروف المقطعة
هما كتابان وصلا إلينا من إبنتنا سوزان هاشم من الأردن: الكتاب الأول فيه كلام يتعرض للحروف المقطعة والثاني يتعرض لقصة آدم u وما حصل له مع إبليس. وهذا يقتضي أن نعقب عليهما بشيء ينفع المشاهد. الكتابان لمؤلف واحد، الكتاب الأول نُشِر في حياة مؤلّفه والثاني بعد وفاته. كون الكتاب منشوراً بعد وفاته قد يعفيه من مسؤولياته ويضع المسؤولية على الناشرين لأن المؤلف حفظه من غير نشر إلى أن مات مع أنه كتبه في حياته معناه أنه كان متردداً في نشره. وسأذكر شيئاً مما هو عام فيما يتعلق بالحروف المقطعة وبغيرها مما يخص كتاب الله عز وجل. ينبغي أن يعتني الإنسان بالنظر في كتاب الله سبحانه وتعالى وفقاً لتخصصه. يعني لما يكون الإنسان خريج الثانوية العامة ثم لظرف ما خاص به اشتغل في أمور الزراعة ثم ذهب إلى فرنسا للحصول على دبلوم عالي في الزراعة ثم يعود ليشتغل في وزارة الزراعة في بلد ما هذا لو كتب لي فيما يتعلق بالتربة وبالنبات في كتاب الله عز وجل أقول هذا في تخصصه أما أن يكتب أشياء لا شغل له بها. هذا لا يعفيه أنه مخلص لدينه ومخلص لربّه لكن الإخلاص شيء والدقة في العمل والإنجاز شيء آخر. هذا أقوله للناس جميعاً فلا يأتي شخص متخصص بالطبّ ويتكلم عن اللغة لكن يكتب ما يتعلق بالطب في كتاب الله عز وجل وكذلك في علم الفلك لأننا نحتاج لمثل هذا.
الكتاب الذي نُشِر فيما يتعلق بالحروف المقطعة هو بناه على حروف الجُمّل أو حساب الجُمّل. الجُمّل من جَمَل، جمهور الناس لا يعرفونها وفي زمن الرسول r كان من معرفة خاص الخاصة من اليهود. جَمَل الشيء أي جكع المفرّق فاستعمل لأهل الحساب، والفاعل من جَمَل : جامِل، الجامع للحساب جامِل. فهو حساب خاص بهؤلاء الجامعين المحاسبين وضعوا لكل حرف رقما -ً وقد تكلمنا سابقاً عنه - وصاروا يجمعونه. وأريد أن أشدد على أن مسألة الإعجاز العددي فُرِغ من إسقاطها وأكثر من عالِم قال: ما هذا مجال سليم وإنما هو مجال فيه مآخذ. الرجل – كاتب الكتابين – من إخلاصه دخل في أمر لو اعتقده يخرج من المِلّة. مثلاً يقول : ألم = 71 لأن الألف 1 واللام 30 والميم 40. حاسب الجُمّل حساب قديم والعرب أخذوه بطريقتين: أهل الأندلس أخذوه بطريقة وأهل المشرق أخذوه بطريقة وهناك فارق ستة أحرف بين أهل المشرق وأهل المغرب في حساب الأرقام للحروف. هذا العلم قديم، حساب الجُمّل أي حساب المحاسبين قديم وكلن يختص به عدد من اليهود فلا يُعقل أن ينزل القرآن بشيء لا يفهمه إلا خاص الخاص من اليهود. الكاتب يقول ألم = 71 معنى ذلك أن سورة البقرة كانت في الأصل 71 آية ثم زاد الله تعالى عليها شيئاً فشيئاً إلى أن صارت 286 وهذا إتهام لله سبحانه وتعالى في علمه أن الله تعالى ما كان يعلم أن سورة البقرة ستكون 286 آية فلما أنزل 71 أنزل (ألم) على قدر 71 ثم جاء يجمع ويطرح ويحذف وقال في مكان من الأمكنة هذا ينطبق إذا قسمت الآية 24 قسمين والآية 25 قسمين تزيد آيتين أو أن الآيتين نقلتا إلى مكان آخر، هذا كلام لا يمكن أن يُقبَل ولو اعتقد الكاتب هذا الكلام يخرج من المِلّة لأنه يتهم الله سبحانه وتعالى في علمه. شيء حسن أن نستفيد من القدماء لكن الآن لا يُرخّص لأحد أن ينقل كلاماً من غير تخريج خاصة أن الآن الأحاديث كلها خُرِّجت وبُيّن الصحيح من السقيم ولا يليق بمن يكتب كتاباً علمياً ألاّ يخرّج الحديث وهذا متوفر الآن على الكمبيوتر بضغطة زر واحدة يمكن أن تخرّج الحديث وتتحقق من صحته أو ضعفه وقد كُتِب كثيراً في هذا الموضوع. فالآن لا يجوز أن ننقل كلاماً ممن هبّ ودبّ وكتبنا للأسف فيها الغثّ والثمين فتأتي وتلتقط ما لو وضعته على طاولة التشريح يظهر لك أنه موضوع، تنقله وتقول هذا ورد في الكتاب الفلاني. نقول له ماذا قال العلماء عنه؟ هل قالوا هذا صحيح؟ أم قالوا هذا موضوع؟ الكاتب ينقل في كتابه من غير تدقيق أو تخريج، هذا كلام عام لكل كتاب فلا يجوز أن ننقل بدون تخريج. أذكر الشيخ عبد القادر الخطيب كان يصلي إماماً في مسجد في الأعظمية وأنا صغير أصلي الجمعة وكانت خطبته فيها نوع من التجويد حتى في كلامه ليسمع الناس بعيداً فذكر حديثاً ولما انتهى من الحديث قال: حديث ضعيف (يخرِّج الحديث) وهو يخطب يقول لهم حديث ضعيف. فلا بد إذن من التخريج.
فإذن مسألأة الحروف المقطعة الكاتب نقل عن الزمخشري، نقل رأياً ضعيفاً هو أورده ثم أغفل ما ركّز عليه الزمخشري. الزمخشري ركّز على نقطتين: الأولى أن هذه الأحرف علامات الإعجاز فكأن القرآن الكريم يقول للعرب أن هذا القرآن الذي أعجزكم مادّته بين أيديكم إصنعوا منها سورة. والأمر الثاني أنها دليل نبوة محمد r هذا كلام الزمخشري (527هـ) بعد سنة يمضي على وفاته 900 عام. هذه الأحرف دليل على نبوة محمد r لأنه r نطق بأسماء الحروف (لما نقول: كتب ونسأل أمّياً أن يحللها فلن يقول كاف، تاء باء وإنما سيقول كه) وهذا معناه أن الرسول r كان يسمع جبريل u ويكرر ما يُقال له. لأنه ثبت أنه أميّ و (ألم، كهيعص) هذا كلام متعلِّم لأنه كان يقول أسماء الحروف التي يتعلمها المتعلمون، هذا كلام الزمخشري قديماً ولعلّه أخذه ممن قبله لا ندري لكن أقدم من ذكر هذا هو الزمخشري ثم تكرر ذكر ذلك عند الناس. فمسألة حساب الجُمّل فيما يتعلق بكتاب الله عز وجل ينبغي أن تسقط. ولا نقول نلغي فكرة حساب الجُمّل نهائياً لأنه هناك من يؤرّخ بحساب الجمّل بناء المساجد. الدكتور رشيد الأعظمي العبيدي كان يؤرّخ بناء المساجد، أي مسجد يُبنى يؤرّخه بحساب الجُمّل بأسهل ما يكون ويكتب تاريخه شعراً. وقد حاولت لما شرحت أرجوزة الراغبين في أخلاق حامل القرآن وفهمه للدين أن أؤرّخ ذلك شعراً فقلت فيه:
بالحمد هذا الشرح قد أكملناه تاريخه تم بفضل لله
(تم بفض لله) تجمعها تعطي تاريخاً. وقد كنت سابقاً أكتب الشعر فأكتب سبعين أو ثمانين بيتاً وكنت أُنشد الشعر ولما جئت إلى التاريخ لم يكن سهلاً لكن الدكتور رشيد كان مشهوراً بذلك وكذلك أخاه.
هذا فيما يتعلق بالكتاب الأول. كل ما يتعلق بحساب الجُمّل لا يؤتى به إلى كتاب الله. وما يقال عن الحساب العددي في القرآن يقول: الجنة وردت كذا مرة والنار كذا مرة، هذا الحساب كله مبني على ما أورده محمد فؤاد عبد الباقي في معجمه، في الإحصاء لكن ليس في كل مكان وليس عاماً ويكون فيه تخلّف وهذا فرغ المؤلفون من هدمه حتى لا يشتغ به أحد، هُدِم وانتهى حاله.
الأمر الثاني فيما يتعلق بكتابه الثاني: الكاتب مخلص وغيور لكنه دخل في هذه المطبات لأنه اشتغل في غير تخصصه. لا بد من التعليق على هذا الكتاب لأنه أنت لما تجد أسطورة من الأساطير إكتشفها المنقبون حديثاً مكتوبة بالخط المسماري قبل 300 عام ومدفونة، الآن خرجت وعندما فُكّت هذه الرموز تبين أنها إشارة إلأى طزفان نوح لكنها مصوغة صياغة وثنية لأن الذي كتبها كان وثنياً، هو نُقِلت إليه ممن قبله أنه كان هناك طوفان فحاول أن يصوغها صياغة أدبية بالخط المسماري، باللغة البابلية القديمة وفُكّت رموزها. (أتونا بشتم) يمثل نوح، الآلهة اجتمعت - الأصنام بعقليته هناك تعدد الأصنام عنده – وهذا كان يدرسونه لنا في السنة الأولى المتوسطة وفيه نوع من إحداث خلل في ذهن الطفل، أن الآلهة اجتمعت ووجدوا أن سكان الأرض يفسدون فيها ويخربون بها فضبن عليهم فقررت إغارقهم، أحد الآلهة يعطف على البشر فيأتي إلى أتونا بشتم (أي نوح) ويذيع سر الآلهة فيقول له: إصنع سفينة واحمل فيها من الثمار والحيوانات. هذا معناه أنه قد وصلت إليه قصة نوح عن طريق الأنبياء والرسل الذين جاءوا بعد نوح ثم انقطعت الرسالات وصار هناك وثنية فبدأ يؤلّف. عندهم صنم إسمه إبراهام (وهو النبي) فصاروا يعبدونه، هو يقول في الروايات لم يكن موجوداً وإنما هو صنم معبود واليهود تخيّلوا أنه نبي وقالوا هذه القصة لكن إبراهيم مذكور في القرآن. القصة الإيمانية دخلتها الوثنية فصوّرت تصويراً وثنياً. والعرب لما جاء الإسلام كان هناك 360 صنماً في الكعبة، كل قبيلة وضعت تمثالاً لأحد أتقيائها وصالحيها. لما تجد صنماً بإسم إبراهام هؤلاء الذين انحرفوا عن دين إبراهيم صنعوا له تمثالاً ثم صاروا يعبدونه كما فعل العرب.
نقول: قوّم المسألة ولا تجعلها مقلوبة. الكاتب لم ينشر هذا الكتاب في حياته والناشرون ينشرونه بعد مماته؟! إذا وجدنا هذه الآثار المسمارية القديمة نفهمها على حقيقتها أنه كان في الأصل من قبيل الإيمان الذين تحوّل إلى عبادة أصنام مع مرور الوقت كما عبد العرب أصناماً كانت تمثل عباداً صالحين. ينبغي أن يتأنّى الإنسان حينما يبحث في كتاب الله عز وجل. يبحثون في مسائل دنيوية ويقولون تخصص؟! هذا لا يجوز في كتاب الله عز وجل. قد يخطر في ذهنك شيء إعرضه على كبار العلماء والحمد لله كبار العلماء كُثُر في زماننا. فينبغي أن نحذر من مثل هذه الأفكار. حتى الذين اشتغلوا بالحساب أظهروا فشلهم وأكثر من كتاب هُدِم في هدم هذه الفكرة وهم يتكلفون الأمر تكلّفاً. حتى الرقم 19 يحاكمونه أحياناً بناء على الصوت مثلاً: بسم الله الرحمن الرحيم - والقرآن الكريم نزل محكياً لا مكتوباً – هم يحسبون أحياناً على الصوت فإذا لم يوافقهم ذلك يحسبون على الرسم (بسم وبإسم) أحياناً لا يحسبون الألف في بسم. القرآن نزل منظوماً والكلام على توقيفية رسم المصحف أيضاً ذكرنا الدراسة العلمية الدقيقة تقول أن رسم المصحف يمثل خط العرب في ذلك الزمان. هم يستندون إلى الرقم 19 ويستنبطون أحكاماً تخص الطلاق وغيره وهذه كلها غير صحيحة وغير منضبطة ونحن لا نحتاج إلى هذا النوع من الإعجاز. وقد سبق أن وقفنا عند سورة ق الذين قالوا أنها تقسم على 19 وقالوا لذلك قال تعالى وإخوان لوط بدل قوم لوط. وقد سبق وبيّنا في موضعه أنه في سبعة مواضع أغفلوا صوت القاف المشدد جعلوه حرفاً واحداً بينما هو قافان. مثلاً: لقّنه هذه قافان ولا تحسب قافاً واحدة، حتى في المقاطع إحدى القافات نهاية مقطع والثانية بداية مقطع، وبيّنا لماذا جاءت إخوان لوط وليس قوم لوط وذكرنا علاقتها بما قبلها وبما بعدها. (اضغط هنا لقراءة المزيد عن هذا الموضوع)
سؤال 223: ما الفرق بين تذّكرون وتذكّرون وتتذكرون في الإستعمال القرآني؟
كلمة ذكر نحن غالباً نستعملها في الخروج من النسيان، ذكرت الشيء بعد نسيان. لكنه في الحقيقة ليس النسيان فقط. نحن عندنا الأشياء: مثلاً أمامي شيء الذي هو الحاسوب المحمول، هذا له جسم وله كيان، شيء. وله صوت لغوي نعبّر به عنه فسميناه الحاسوب المحول إذا اتفقنا على هذا المصطلح. أنا عندما أقول الحاسوب المحمول حتى لو لم أنظر إليه سيرتسم في ذهني صورة له. لما أقول النخلة، لما أسمع الصوت يرتسم في الذهن صورة النخلة. إذن عندنا الشيء الخارجي وصورته الذهنية وعندنا الصوت الدالّ على الشيء الخارجي الذي هو كلمة (حاسوب) مثلاً. الصوت الدال عليه والصورة الصوتية المخزونة في الذهن لأن عندما أريد أن أقول حاسوب سأستحضر هذه الصورة الذهنية المرتبطة بهذا الشيء، إذن أستحضر أربعة أشياء: شيئان خارجيان (الشيء والصوت المعبّر عنه) وشيئان داخليان (المفهوم الذهني للشيء ولصورته) لأنه لا يخزّن في أذهاننا صور ولا أصوات وخلايا الدماغ لا ندري ماذا فيها؟ فيها مفاهيم. عندما أريد أن أتكلم أستحضر في ذهني ما أريد أن أقوله، أستحضر الصور الذهنية من الأشياء والصور الصوتية، هذا الإستحضار للأشياء هو الذِكر. تحضرها في ذهنك معناها ذكرتها، لم تكن غافلاً عنها لكن لم تكن حاضرة. فالذِكر هو إحضار الشيء والأصل فيه ذهني لذا يقول علماؤنا أصل الذِكر في القلب. وعندما يقولون القلب يعنون منطقة التفكير والإبصار الحقيقي (البصيرة). الذهن يعبرون عنه بالقلب. هذه اللغة، وما عندنا في اللغة أنهم كانوا يقولون الدماغ أو المخ وإنما يقولون القلب لأن أظهر شيء تظهر فيه العلامات: عند الخوف يخفق وعند الفرح يخفق. القلب يعبّر به عن منطقة الفكر والعقل.
الأصل في الذكرالذهن والقلب ولذلك يقول تعالى (الذين يذكرون الله قياماًّ وقعوداً وعلى جنوبهم) و يقول تعالى (فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا). ذكر الله تعالى يعني إستحضار نِعَمِهِ وآلآئه. فذكر نعم الله سبحانه وتعالى وآلآئه نوع من الاستحضار في الذهن وتحدث عليها تغييرات أحياناً قبل أن تأتي إلى الصوت. لو سألتك ما حمع نبأ؟ ستقول: أمباء بالميم معناه في الدماغ جاءت كلمة أنباء، جاءت النون ثم الباء ثم أحدثت تغييراً فغيّرتها إلى ميم ونطقتها أمباء، هذه عملية لا إرادية تتم بسرعة وهكذا الإنسان يؤلف الجملة ثم يتكلمها. إذا كان المراد فيها ليس الكلام وإنما مجرد إستحضار المعاني فما الغرض من استحضار هذه المعاني؟ لا شك أنه العِبرة، نستحضرها للاعتبار.
الذكر في القلب وهو استحضار شيء لغرض العِبرة. فلما تقول (أفلا تتذكرون) يعني أفلا تستحضرون هذه المعاني وتعتبرون بها وتجعلونها عبرة لكم؟ هو ليس لمجرد الاستحضار وإنما إستحضرها لتكن لك بها عِبرة.
الفعل (تذكّر) هو نوع من المطاوعة : ذكّرته فتذكّر مثل علّمته فتعلّم أي قبول الفعل. فهو تذكّر، أنا أتذكر، هي تتذكر، أنت تتذكر، نحن نتذكر (أحرف المضارعة). تتذكرون إذن هذا أصل مثل تتعلمون. وعادة الأصل لا يُسأل عنه يعني لما تقول: كتب زيد رسالة، لا تقل لماذا قلت زيد بعد كتب ورسالة بعد زيد؟ لأن هذا هو الأصل في البنية. لكن لما تقول: كتب رسالةً زيدٌ، نسأل لأنه صار فيها نوع من التغيير، التقديم والتأخير.
يفترض في مثل كلمة (تتذكرون) أن لا يرد السؤال لأنها الأصل. لكن لما يصير تذكّرون يرد السؤال لماذا تذكّرون بالتشديد؟. طبعاً تذكّرون حُذِفت إحدى التاءين وهذا نوع من التخفيف: تقول أنتم تتعلمون ولك أن تقول أنتم تعلّمون أي تتعلمون بإسقاط إحدى التاءين. لما تختصر البنية معناه هناك إختصار في الزمن، في الوقت. تاءان تتحول إلى تاء واحدة إختصرت الزمن فالمعنى إذن يكون فيه شيء من إختصار الزمن.
تذكّرون، تتذكرون، نافع حيثما وردت تذكّرون قرأ تذّكّرون في 17 موضعاً وردت تذكرون بقراءة عاصم برواية حفص، في جميع هذه المواضع أهلنا في المغرب يقرأون تذّكّرون بتشديد الذال، نحن نقرأها تذكّرون. عندنا في حفص يذّكّرون في ستة مواطن.
من أين جاءت تذّكّرون بالتشديد؟ عندنا تتذكرون هذه الأصل، لغة حذفت التاء فصارت تذكرون خُففت واختصر الزمن. اللغة الأخرى أبقت البنية كما هي لكن تتذكرون عندنا مقطعان في الأول (ت/ت) قصير/قصير، سُكّن الحرف الثاني فتحول المقطع من مقطعين قصيرين إلى مقطع طويل مغلق. هذا الإجراء يفعله العرب كثيراً: عندنا في أوزان الشعر العربي البحر الكامل (متفاعلن) (مُ/ت) مقطعان قصيران يتحولان إلى مقطع طويل يسمونه الإغمار وهو زحاف سائغ في البحر الكامل: متفاعلن تتحول إلى مستفعلن. وكذلك في البحر الوافر: مفاعلتن تصير مفاعلن مقطع طويل تتحول إلى مفاعيلن أيضاً زحاف لذيذ سائغ فتحول المقطعان القصيران إلى مقطع طويل مغلق لكن صارت (ت/ت) التاء الثانية ساكنة وإذا جاء بعدها ذال والذال قريب. لاحظ عندما تقول: أقبلت ذكرى لا تلفظ التاء ولكن تلفظها على السليقة بادغام التاء في الذال.حتى لو لم تعرف الإدغام. فالذال الأولى من الذال المشددة هي من التاء الساكنة. التشديد فيه قوة، لاحظ الفرق بين كسر وكسّر، حطم وحطّم، هذب وهذّب فيه زيادة معنى. هذا بيان من أين جاءت الألفاظ، يبقى الدلالة: لم قال هنا هكذا وما فائدة هذه الكلمة هنا؟ (اضغط هنا لمتابعة الإجابة)
سؤال 224: ما هو إعراب لفظ الجلالة في الآية (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28) فاطر )؟
هذه القراءة المتداولة المشهورة وقد يكون هناك قراءة شاذة. لكن القراءة المشهورة المتداولة في القراءات العشر (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) يعني المفعول به مقدّم والفاعل مؤخّر كما تقول – ولله المثل الأعلى – أكرم زيداً محمدٌ: زيداً وقع عليه الإكرام ومحمد فاعل. (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) قُدِّم إسم الجلالة للعناية والاهتمام (اللهَ) تُعرب: لفظ الجلالة مفعولاً به مقدّماً والعلماءُ فاعل.
هناك قراءة شاذة رفعت (إنما يخشى اللهُ من عباده العلماءَ) قراءة شاذة في الحقيقة لكن وجّهت توجيهات كثيرة ونحن غير معنيين بالقراءات الشاذة. من هذه التوجيهات يقولون: إذا تميّز الفاعل من المفعول به عند ذلك لا مانع من اختلاف الحركات ويضربون مثالاً بقول الأعرابي : خرق الثوبُ المسمارَ، يقولون الثوب مفعول به مقدم ولكن رُفِع للمعرفة لأن الذي يخرق هو المسمار وليس الثوب، هذا توجيه وهناك توجيهات أخرى وأنا لا أرتاح لهذا التوجيه فما دامت القراءات شاذة يمكن أن نوجهها توجيهاً إعرابياً. عندنا القراءات التي أجمعت عليها الأمة والتي هي من بقايا الأحرف السبعة التي تقرأ بها الأمة. وذكرنا سابقاً أن ابن محيصن في مكة كان مع ابن كثير لكن مع ذلك جُعِلت قراءته شاذة لأنه ما كان يقرأ بما كان يقرأ به أهل بلده وإنما كان يقرأ بقراءة من يفِد إليهم من الأعراب. هؤلاء الأعراب، هو من قبيلة صغيرة، القبيلة كلها تقرأ هكذا وأهل مكة لم يقرأوا بهذه القراءة فقالوا قراءة شاذة لأن شرط القراءة التواتر مما ترويه الأمة عن الأمة وهؤلاء أفراد لأن الذي يأتي إلى مكة أفراد ولا تأتي القبيلة كلها إلى الحج ولكن يأتي أفراد فيسمعهم يقرأون يسألهم ممن أخذتم هذا؟ يقولون من قومنا، هي قراءة وهم عرب غير متعلمين حفظوا هذا عن رسول الله r، هي رٌخَص لهم ولذلك عمر بن الخطاب نهى ابن مسعود أن يقرأ (عتى حين) في الكوفة
لما سمع عربياً يقرأ (فتربصوا به عتى حين) الحاء عين، سأله : من أين الرجل؟ قال : من العراق، لأن هذه رخصة لهذيل كانت فقط الهذليون يقرأون (عتى) وأجازها لهم الرسول r: ابن مسعود هذلي فكان يقرأ (عتى حين) (وليس كل حاء تُقرأ عين) هذه قبائل. قال عمر: من أين الرجل؟ قال: من العراق، قال: من أقرأك (عتى حين)؟ قال: ابن مسعود. (وابن مسعود صحابي هذلي يقرأ بين يدي رسول الله r : فتربصوا به عتى حين وأجازها له بأمر من ربه) مع هذا يكتب عمر اليه: أن الله عز وجل أنزل القرآن وجعله عربياً وأنزله بلغة قريش فأقريء الناس بلغة قريش ولا تقرئهم بلغة هذيل. ابن مسعود أدرك ماذا يريد عمر فاستجاب. إذن القراءة الشاذة توجّه من حيث الإعراب وتُترك.
بُثّت الحلقة بتاريخ 29/7/2006متوضيح حول مسألة الإعجاز العددي والرقمي في القرآن الكريم
في الحلقة الماضية قلنا إن مسألة الأرقام والأعداد قد فرغ العلماء من إسقاطها حتى علماء الجوانب التطبيقية كتبوا في ذلك وبينوا أن المشتغلين بهذه الأمور لم يحالفهم التوفيق ومعنى ذلك أنه أيّما نشر جديد لمثل هذه الأمور ينبغي ألا يحفل أو يعتني به ولكن عندما يكون عندنا كتاب ضخم من أربع وأربعين وأربعمائة صفحة وجديد مطبوع سنة 2006 على أن صاحبه مهندس أيضاً واشتغل بهذا ويبدو أن حالته المادية لم تسعفه لطبع الكتاب فاتكأ على أحد المحسنين فطبع له الكتاب فكتب له شكراً اعترافاً بفضله. حينما ننظر في هذا الكتاب نتذكر أيضاً ما قلناه في المرة الماضية الغيرة على الدين شيء وأن يكون لهذا الغيور على الدين زاد من العلم الشرعي ومن العلم اللغوي ومن العلم في تاريخ القرآن شيء آخر. قد يكون الإنسان غيوراً ولكنه يخوض في أمور كان ينبغي له مثلاًً لما أنجز كتابة هذا الكتاب أن يعرضه على أهل العلم الشرعي لأن هذا شيء يتعلق بكتاب الله عز وجل. ولن نذكر اسم الكتاب ولا اسم الرجل وأحاول أن أحاور بروح العلم وبهدوء من غير أن يأخذني الانفعال، وإلا الغضب لدين الله عز وجل شيء محمود ولكن نحن على الهواء ونريد أن نتكلم كما قال الشاعر وليد الأعظمي رحمة الله عليه:
يساق للسجن إن سبّ المليك وإن سبّ الإله فإن الناس أحرار
قالها في وقت كان البلد يمشي على هذه الصورة والذي أعلمه أن هناك جهات رقابة فأنا أذكر في بلدي قبل عشر سنوات أو أكثر قدمت شرح "أرجوزة الراغبين في أخلاق حامل القرآن وفهمه للدين" إلى وزارة الإعلام للموافقة على طباعتها فأحالوها على الأوقاف والأوقاف أحالتها على خبير، الخبير قال هذه الأرجوزة مع شرحها يمكن أن تطبع بشرط أن يحذف منها أربعة أبيات مع الشرح، وقد يكون الرقيب مخطئاً وقد يكون مصيباً ولكن هناك رقيب. وهذه الأبيات:
زيارة القبور وفق الدين قد وردت في سنة الأمين
قال الرقيب هذه تبقى وتحذف التي بعدها هي:
ولا نراك ماسحاً أو مقبلاً أو ناذراً أو مستغيثاً سائلاً
فكل ذاك بدعة كبيرة بكل عزم نبتغي تغييره
وهذه الأبيات تتعلق في العقيدة السليمة لكن هذا الرقيب كان هو من أهل القبور فلم تعجبه وامتنع الخبير من الموافقة على طباعة هذا الكتيب الصغير. فالبلد الذي منه هذا الرجل - صاحب الكتاب - أيضاً فيه رقابة ولا شك أن أي إنسان فيه مُسكة (أي قليل) من دين كان لا يوافق على طباعة هذا الكتاب. ممكن أن نقول الرجل متحمس للقرآن ويريد أن يثبت أن القرآن جاء معجزاً بطريقة أخرى غير الطريقة التي ألِفها الناس لكن ثبت أنه متحاملٌُ على العلماء ابتداءً فيقول في الكتاب أن كلمة جنات قيمتها 33 وجهنم 33 إذن هذا تقابل وهذا الكلام ليس صحيحاً حقيقة لأنه هو وضع لنفسه ضابطاً سأذكر هدمه فضابطه غير منضبط فيقول: " ولا أريد الإطالة فمشكلة بعضهم أنهم يحسبون عمق دلالات كتاب الله بطول أنوفهم" هذا لا يليق أن يقال عن العلماء، ثم يقول:" ومشكلة بعضهم الآخر ممن يحسبون أنفسهم أوصياء على دين الله تعالى وظله في الأرض مقدمين التاريخ" - ويقصد بالتاريخ السُنّة وسأثبت ذلك - "مقدمين التاريخ والقال والقيل معياراً لحدود دلالات كتاب الله تعالى مشكلتهم أنهم يحسبون عمق دلالات كتاب الله تعالى بطول لحاهم وبمساحة عباءات مشايخهم فسواء هؤلاء أم هؤلاء يحاربون الإعجاز العددي في كتاب الله لأنه معيار مجرّد يسقط أصنامهم الفكرية وسنرى إن شاء الله كيف أن كلمة الأمية في كتاب الله تعالى تحمل دلالات تختلف عما تحمله قواميسنا اللغوية".
أولاً هذا الرجل قليل البضاعة في تاريخ الخط العربي وتاريخ خط القرآن الكريم، فخط القرآن لم يكن منقوطاً- تم عرض صورة لسورة الروم من مصحف قديم بخط غير منقوط على الشاشة- وليس فيه حركات ولا همزات فالهمزة كما سنأتي قي ذكرها في الصورة الثانية نجد أنها خالية من الهمزة تماماً، والكاتب كما يقول قام بإحصاء أحرف القرآن جميعاً كل حرف كم مرة تكرر- تعرض الصورة الثانية على الشاشة- هذه ورقة من مصحف قيل أنه بخط الإمام علي عليه السلام أو هو مصحفه كتبه غيره المهم أنه في زمن الإمام علي عليه السلام فهو قديم جداً. هم هكذا كانوا يكتبون أو نسخ عليها على شكلها حينما نلاحظ ما فيها نجد أيضاً أن الحرف غير منقوط وغير مشكول والآيات من سورة الحجر (الا من استرق)- في الشاشة كلمة من استرق في الصورة من غير نقط - القاف جاءت في السطرٍ الثاني. ونلاحظ كلمة (إلا) ألف لم ترسم همزة تحتها، فالذي نلاحظه في الصورة أن النقط والهمزات غير موجودة. والكاتب اعتبر وجود الهمزة في مكانين: (ماء وسماء) في الآيات ولم يعتبرها في أماكن أخرى فهو عد بعض الهمزات وبعضها لم يعدها وبناءً على عدِّه ووضع الرقم لها ادعى أن آيات سورة نوح مجموع حروفها عنده 950 فهو عاش 950 سنة ولكن هي في الحقيقة 948 لأن الهمزة مرسومة بالآخر مثل ماء وسماء وعدّها وهي حقيقة لم تكن مرسومة في مصحف الصحابة ولا في مصحف التابعين ولا الذين بعدهم، فحسابه غلط لأن أرقامه 948 لأن هو عد همزتين المسلمون لم يرسموها قديماً ولم تكن مرسومة مثل كلمتي سماء وماء فإذن حسابه غلط. حساب الأرقام لكل حرف كذا عدد غلط لأن الهمزة لم تكن ترسم من قبل وأول من ابتكر وابتدع وخلق الهمزة في الخط العربي الخليل بن أحمد الفراهيدي وقد توفي سنة 170 للهجرة وقال لا توضع في المصحف ووضعها في كتب النحو والأدب بعد ذلك العلماء المتأخرون قالوا هذه تعين مثل الفتحة والضمة والكسرة كانت غير موجودة فالهمزة لم تكن مدونة لا في مصحف ولا في كتاب إلى مجيء الفراهيدي هو الذي ابتكرها فلما سئل لماذا رسمتها هكذا؟ قال:أخذت لها رأس العين لأنها عميقة عمق أعمق من العين أو هي مع العين في مخرج واحد من أقصى الحلق. فعندما يأتي هذا الكاتب ويعدها مرة ولا يعدها مرة في كلمة آدم يقول لا تعدّ حسب لأنه إذا اجتمع معها حرف لا تكون رغم أن كلمة آدم كانت مرسومة ألف.
فهذا في ما يتعلق بعده للحروف هو مخفق في هذا وبناءً على ذلك كل الأرقام المبنية على هذا غلط وهذا عمود أساس من أعمدة نظريته بأنه يجيء بعدد جديد للأحرف يخالف حساب الجُمّل ولا حساب الأبجدية ألف باء تاء ثاء ولا على حساب أبجد هوز بل على حساب كم مرة تكرر الحرف في القرآن. فهو قال أن الألف واحد، اللام اثنان، ورتبها كذلك بأنه يقول أنه أحصى الألف في كلمة قال كم مرة تكرر في القرآن؟ اللام كم مرة تكرر؟ الباء كم مرة تكرر؟ ورتب ترتيباً تنازلياً وهذا الترتيب غير صحيح لأنه دخلت فيه الهمزة واختل ترتيبه ولذلك هذا إن كان دقيقاً في حسابه، - والواو التي عليها همزة حسبها واو رغم أنها تنطق همزة وكذلك الياء التي عليها همزة حسبها ياء والألف حسبها ألف مثل أكل والهمزة التي على السطر قال ننظر إذا كانت تبقى فنعدها وإذا دخل عليها حرف آخر يحملها لا نعدها - فكما نرى هذا النظام غير منهجي.
الأمر الثاني جاء إلى الرقم تسعة عشر - وهذا الرقم مقدس عند بعض الفرق المتأخرة - فهم يقدسون هذا الرقم (كما أن هناك يقدسون الشيطان خوفاً منه ويقولون أنه كان على حق في موقفه من آدم). فجاء إلى الأنبياء وقال النبي أول مرة يرد له اسم نضع له تسلسلاً كم مرة تكرر في القرآن؟ نضرب وروده أول مرة في عدد مرات تكرره تظهر النتيجة نجمع يظهر الرقم نقسمه على 19 فينقسم، ويقول هذا إعجاز! فنسأله سؤالاً: أنت أوردت اسم محمد صلى الله عليه وسلم ثم أوردت اسم أحمد وجمعت لكل منهما رقماً، أليس محمد صلى الله عليه وسلم هو أحمد؟ ففرق بينهما لأنه لو جمعهما لاختل الترقيم، فلو افترضنا التقسيم والتفريق بين الأسماء كما فعل في أحمد ومحمد، يعقوب هو إسرائيل وإسرائيل ورد اسمه في القرآن 43 مرة (كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ (93) آل عمران) فلِمَ لم تعده؟ لأنه لو عده يختل الترقيم عنده فأسقطه تماماً لا يوجد إسرائيل عنده رغم أنه أخذ صحف إبراهيم فعدّ إبراهيم وآل إبراهيم عدّ إبراهيم وامرأة نوح عدّ نوح وامرأة لوط عدّ لوطاً فالمضاف إليه يعدّه فلماذا هنا ما عددته؟ فهو لم يعدّ بني إسرائيل لأنه إذا عدّها 43 في 2 أي في الدرجة الثانية - تأتي كلمة إسرائيل بعد آدم بالترقيم - وعندما يعدّه يختل عنده الترقيم فإذا عدّه وأرجع بني إسرائيل كل الأرقام التي تليها تختلف لأن كلمة بني إسرائيل تأتي بالرقم 2 من حيث الورود فمن رقم 3 إلى رقم 28 و29 ستختلف الأرقام ولن تقبل القسمة على19 وهذا الهدم الثاني.
ويبقى العمود الثالث فهو يحصي عدد الكلمات في الآية ويأتي ببعض آية يحصي عدد كلماتها ويجمع ويقسم على 19 ويقول الناتج كذا فهو لو كان يدور في فلك هذه المسائل الأمر ليس خطيراً فهي اجتهادات ومخطئ فيها، ولكنه سينتقل إلى تطبيق ذلك على أمور ينفي بسببها معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم ويفسر الآيات تفسيراً خاصاً كما يشتهي ويتحدث عن أمور في العقيدة. فما المقصود بالكلمة؟ العلماء عندهم رأي ما الكلمة؟ فالكلمة إما اسم وإما فعل وإما حرف وتقسم بحسب الدلالة هو جعل الكلمة الكتلة بحيث لما يأتي مثلاً إلى فأسقيناكموه (فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ (22) الحجر) يقول هذه كلمة واحدة بينما هي عند العلماء الذين اشتغلوا على اللغة وكانوا معاصرين لأهل اللغة: الهمزة واسقينا أسقا ونا المتكلم المعظم نفسه والمفعول الأول والمفعول الثاني خمس كلمات. بناءً على هذا - جعله الكلمة كتلة - هو يعدّ فعندما تأتي كلمة (فينا) يقول هذه كلمة واحدة (أنا) كلمة (فأسقيناكموه) كلمة وهذا لا يوافق عليه أحد من أهل العلم فهو يضع لنفسه قوانين ويحاول أن يجمع ويقسم. ومثال على فعله هذا ما نجده في كتابه: ففي سورة المائدة (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿73﴾أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿74﴾ المائدة) فعدّ (عما) كلمة واحدة (ويستغفرونه) كلمة واحدة إلى آخره قال هذه 33 وفي (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ﴿30﴾مريم) 33 إذن عمر عيسى عليه السلام 33 سنة، وهي ليست 33 كلمة.
طريقته في الكتاب عن طريق سؤال وجواب وهذا اعتراف منه، يقول فيه كأن السائل يقول له: لقد خالفت إجماع الأمة فهو يُقِرُّ على نفسه بمخالفة إجماع الأمة في مسائل كثيرة من العقيدة إلى الفقه، هذه الجرأة أنت تخالف عقيدة الأمة ما أجمعت عليه الأمة وما تجمع عليه الأمة حقيقة ليس كثيراً فمثلاً مذهب أبي حنيفة ليس فيه ذلك الإجماع الكثير مثلاً قال أبو حنيفة قال الصاحبان، قال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن قال أبو يوسف قال زفر، فهو مذهب واحد وفيه اجتهادات وتأتي أنت وتنسف ما أجمعت عليه الأمة في عقيدتها وتعد ذلك بناءً على 33 هذه الكلمات وهذه الأحرف؟!
ثم لاحظ الأدب مع العلماء آية من الآيات وهي عن العدة - عدة المطلقة طلقة بائنة - هل يجوز أن يراجعها زوجها في أيام العدة وتكون طلقة واحدة ويبقى عليه طلقتان؟ الإجماع منعقد على أن لا تخرج من بيتها وخلال ذلك عسى الله أن يحدث بعد ذلك أمراً بعد هذا الطلاق فربما يراجعها فبالإجماع يقولون راجع في تلك الفترة وتحسب عند ذلك طلقة. هو يقول لا لابد أن تنتهي العدة فبذلك هو يخالف الإجماع وفي اللغة - هو لا يعرف اللغة - فهو يقول:" لقد تمّ الالتفاف على دلالات قوله تعالى، المسألة الأولى التي تم الالتفاف أنهم فسروا (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ (1) الطلاق) أي إذا أردتم تطليق النساء" وهذا التفسير صحيح إذا طلقتم النساء فافعلوا كذا وكذا أي إذا أردت التطليق فالتزم بهذا، ودلالة هذا كما يقول تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ (6) المائدة) أي إذا أردتم القيام إلى الصلاة وليس المقصود قام إلى الصلاة أي وقف يكبر للصلاة فهو لا يفقه القرآن ولا يفقه لغة العرب ويفتي في الوضوء ويفتي في الطلاق ويفتي في كل شيء ويفتي في العقيدة فهو يقول خالفت إجماع الأمة من العقيدة إلى الفقه فهو إذن لم يكتب كتابه لكي يدلل على إعجاز القرآن في العدد وإنما كتب الكتاب ليخالف عقيدة الأمة ويخالف فقها وأنا سأذكر نماذج من كتابه، وهو عندما يقول التاريخ يقصد السُنّة وقد كنا نعلِّم الشباب الذين كانوا في دورات تحفيظ القرآن من الأطباء والمهندسين الذين كانوا يحُفظون القرآن كنا ندرّسهم حتى يتقنوا هذه الأرجوزة التي ذكرت لك شيئاً منها نقول فيها:
ويعرف الحكم من القرآن على أساليب ذوي البيان
وليس على خلاف لغة العرب
ومن نصوص السنة المطهرة وفقاً لما روى الثقاة البررة
هكذا تؤخذ الأحكام وليس 23 زائد 24 هذا حرام. ولاحظ ماذا يقول: "إذن القول بالخروج من النار" نحن عندنا في عقيدتنا كما روى البخاري ومسلم في الخروج من النار أبو سعيد الخدري- ليس عن صحابي واحد- عبدالله بن مسعود، أبو ذر، جابر بن عبدالله، أنس بن مالك، خمسة من الصحابة رووا أحاديث منتشرة تتكلم عن الخروج، خروج المسلم من النار بالشفاعة، فيقول: " القول بالخروج من النار هو افتراءُ على الله" ثم يقول: " ومما يؤكد صحة ما نذهب إليه قوله تعالى (وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً (80) البقرة) تساوي 135 وقوله (وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ (25) آل عمران) تساوي 118 و (ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ ﴿23﴾ آل عمران) لا أدري على أي أساس يجمع الآيات ويكون الناتج 266 يساوي19 * 14 والرابط بين هذه الآيات أنه لا يوجد خروج من النار. ثم يقول:" فالزعم بدخول النار أياماً معدودة والخروج من النار بعد الدخول إليها هو إيمان بالجبت والطاغوت وابتعادُ عن منهج الحق"، البخاري ومسلم وصحابة كرام ينسبون الكلام لمحمد صلى الله عليه وسلم يصير عندنا إيمان بالجبت والطاغوت!! ثم يقول:" فكما أن الدخول في الجنة يعني خلوداً فيها لا خروج منه كذلك فإن الدخول في النار يعني خلوداً فيها لا استثناء فيه والدليل (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ(107) هود) العدد 350 (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ (108) هود)391، 350 زائد 391 يساوي 741 يساوي 19 * 39. هذا هو الدليل الذي يستند إليه أما البخاري ومسلم فلا دليل له!!.
مسألة الردة ما حكم المرتد؟ يقول:" ولو أخذنا العبارات القرآنية التي تلقي الضوء على حقيقة المرتدين وعلى مصيرهم لرأينا مسألة كاملة - يعني مجموع آيات تتكامل بالأرقام - تبين لنا أن عقوبتهم هي من عند الله وأنها في الدنيا لا تتجاوز استبدال الله تعالى لهم بقوم آخرين يحبهم ويحبونه" والآية الأولى التي استدل بها تصفعه (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ (217) البقرة) إحباط العمل في الدنيا بالعقوبة، ويقول أيضاً أن الكوثر هو القرآن ونحن لدينا أحاديث في البخاري ومسلم أن الكوثر هو نهر في الجنة أو حوض في الجنة قال الرسول صلى الله عليه وسلم (إنه نهر وعدنيه ربي عز وجل عليه خيرُ كثير وحوضُ ترد عليه أمتي يوم القيامة) وهذا الكاتب لا يقتنع بكلام المصطفى عليه الصلاة والسلام ويقول أن الكوثر صفة من صفات القرآن لأن عندنا القرآن والروح أيضاً قرآن والكوثر 29 34 و51 يكون الناتج 114 تقسم على 19 يظهر 6! فهو لو ترك الأمر على القرآن والروح لا تنقسم ولا يظهر له 19 ولذلك أضاف الكوثر. وفي الأحاديث نلاحظ الرواة ابن عباس، عبد الله بن زيد، ابن مسعود، ابن عمر، عبدالله بن عمر بن العاص، أنس وسهل بن سعد كل هؤلاء يقولون (الكوثر حوض في الجنة أو نهر في الجنة وعدنيه الله وهو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة) وبمناسبة هذا الحديث - شيء خارج هذا الكلام - أنه عندنا في الحديث أنه يأتي بعض من يعرفهم الرسول عليه الصلاة والسلام ليردوا الحوض فيُمنعون منه ويُقال للرسول عليه الصلاة والسلام (إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك) الحوض أو الكوثر بجملة هذه الأحاديث هو في الجنة معناه أن هؤلاء هم من أهل الجنة لكن يُحرمون هذه الكرامة حتى لا يظن ظانّ بشيء آخر.
ويقول الكاتب أن القمر لم ينشق - ينفي معجزة انشقاق القمر - وأنا أدافع عن هذه الأمور حقيقة لأننا نريد أن نحمي سُنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمثال هؤلاء، لما يأتي الصحابي ويقول (انشق القمر على عهد رسول الله) لو كان كذباً كان جمهور المجتمع يكذبه وينفي هذا الأمر ولكن عندما يرد عن ابن مسعود وابن عباس وأنس وابن عمر وعدد من الصحابة الآخرين هذا، هو – الكاتب – يقول:" إن الله لن ينزل معجزات كونية لتأييد منهج رسالته الخاتمة فعدم تنزيل آية كونية لتصديق منهج الرسالة الخاتمة يتعلق بحكمة الله أنا لا أقف عند الروايات التاريخية الخاصة بهذه المسألة" ولكنه يقف عند الأرقام (فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ ﴿7﴾ القيامة) 105- وما دخل برق البصر بالمعجزة؟!- (وَخَسَفَ الْقَمَرُ ﴿8﴾ القيامة) 82 و (وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ﴿9﴾ القيامة) 117 المجموع 340 يساوي 19 * 16، وهو يعني أنه لا توجد معجزة. وأنا أريد المشاهد الكريم حتى إذا وجد كتاباً يتكلم عن الأرقام لا يمد يده إليه لأن هؤلاء جميعاً كذابون مفترون وهذا نموذج أنا فصلت القول فيه لأجل ذلك حتى لا ينشغل الناس بمثل هذه الترهات عن كتاب الله عز وجل وعن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم فبدل أن تقرأ مثل هذه الترهات والأكاذيب انصرف إلى قراءة كتاب الله عز وجل. ومعجزات الرسول صلى الله عليه وسلم ثابتة فكيف ينكرها؟! ومن هذه المعجزات هذا الحديث في البخاري يقول عمران بن حصين: (جعلني رسول الله صلى الله عليه وسلم في ركوب بين يديه وقد عطشنا عطشاً شديداً فبينما نحن نسير إذا نحن بامرأة سادلة رجليها بين مزادتين فقلنا لها: أين الماء فقالت أنه لا ماء فقلنا:كم بين أهلك وبين الماء؟ قالت: يوم وليلة فقلنا:انطلقي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: وما رسول الله؟ فلم نملكها من أمرها حتى استقبلنا بها النبي صلى الله عليه وسلم فحدثته بمثل الذي حدثتنا غير أنها حدثته أنها مؤتمنة-أي لا تستطيع أن تعطيهم ماء وكان لديها قربتين ماء- فأمر بمزادتيها فمسح في العزلاوين- في فوهة القربة- فبدأ الماء يتدفق) وهذا ليس كلام شخص واحد بل كلام جميع المسافرين فجميعهم شهدوه (فشربنا عطاشاً أربعين رجلاً حتى روينا فملأنا كل قربة معنا وإيداوة غير أنه لم نسقي وعيراً وهي تكاد تنض من المذ ثم قال: هاتوا ما عندكم ثم جمع لها من الكسر والتمر حتى أتت أهلها قالت:لقيت أسحر الناس أو هو نبي كما زعموا فهدى الله ذلك الصرن- الحي- بتلك المرأة فأسلمت). وهذا الكاتب ينفي ما هو ثابت في السنة ليس بناءً على مناقشة رواة الحديث أن هذا الراوي أخطأ البخاري لأنه اعتمده ولأن الإمام مسلم قال عنه كذاب- وحاشاهم- وهو يعتمد على ما يقوله على هذه المجاميع والأرقام. وأرجوا أن يأخذ المشاهد الكريم العبرة وأن هذه مسألة الأرقام انتهى العلماء من إسقاطها فلا نضيع فيها الوقت بعد ذلك.
تابع سؤال الفرق بين تذّكّرون وتذكّرون وتتذكرون:
نحن انتهينا من شرح (تَتَذَكَّرُونَ ﴿80﴾ الأنعام) و(تَذَكَّرُونَ ﴿152﴾ الأنعام) و تذكرون- بالتشديد على الذال- من أين جاءت ثم قلنا الاختلاف في المعنى ووقفنا هنا. الاختلاف في المعنى أنه لما تأتي تَتَذَكَّرُونَ تكون مساحة التأمل أوسع وهذا مثال في قوله تعالى (وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ ﴿80﴾ الأنعام) قبلها كان الكلام عن النظر في آيات الله في الكون وهذا ربي ثم هذا ربي ثم هذا ربي أمور تحتاج إلى طول زمن.
ولكن عندما نأتي إلى تذكّرون أو تذّكّرون- بالتشديد على الذال- نجد أن المسألة منحصرة إما في أوامر من الله عز وجل يأمرهم بتنفيذها مثل (اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ﴿3﴾ الأعراف) الأمر يأتي أو تقرير فالمسألة منحصرة مجتزأة لا تحتاج إلى طول الوقت الذي احتاجته التأملات التي في خلق السموات والأرض وهذا ربي وهذا ربي إلى آخره في قصة إبراهيم ِu.
وأما التشديد على الذال فهو للتأكيد وقلنا كل ما قرأه حفص تذكّرون قرأه نافع وورش تذّكّرون بالتشديد على الذال وأجمعوا على قراءة يذّكّرون- بالتشديد على الذال- حيث ما وردت بالتشديد ففيها معنى التأكيد لما تأتي.
سؤال 225: من أين علمت الملائكة أنه سيكون هناك إفساد في الأرض (قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ)؟
أولاً كلمة خليفة فيها كلام من علماؤنا فمنهم من يقول خليفة أي خليفة الله عز وجل في أرضه في تصريف الأمور بالقدر الذي أوكل إليه فليس هناك من مخلوقات الله سبحانه وتعالى من يصنع والتصنيع في اللغة هو الخلق. فهذه الأرض موجود فيها الأشياء وليس هناك في خلق الله سبحانه وتعالى من يجمع هذه الأشياء ويجعل منها حاسوب إلا هذا الإنسان فهو مُصنِّع في الأرض وهذه لا تكون بكلمة كُن فيكون الإلهية هذا هو القول الأول وعليه أغلب المفسرون أنه خليفة في الأرض أي أن الله سبحانه وتعالى أوكل إليه أن يعمر الأرض، هو يتولى إعمارها أن يبني هذه البيوت وهذه العمارات أن يشق الأنهار هذه أفعال لا يفعلها من مخلوقات الله شيء لا الجن يفعلها ولا الطيور ولا الدواب ولا الملائكة إلا إذا كلفهم الله عز وجل أن يفعلوا شيء فيفعلونه فهذا المخلوق، هذا الإنسان زود بوسائل بحيث يستطيع أن يقوم بالأعمال التي هيأه الله عز وجل لها فيكون خليفة الله عز وجل في أرضه فيعمر الأرض.
والقول الثاني يقول ممكن أن يكون هناك خلق قبلنا فهذا المخلوق الجديد آدم هو خلفٌ لذلك الخلق الذي قبلنا.
والقول الثالث أنه خليفة أي يخلف بعضهم بعضاً فيتوالد ويتكاثر. هذه الآراء جميعاً هي لكبار علمائنا كلها على العين والرأس لا نجادل فيها لأنه أمر غيبي انتهى خلق الإنسان. والإنسان الآن يعمل والجدل فيه لا يثمر.
من أين علمت الملائكة أن هذا المخلوق الجديد سوف يفسد في الأرض ويسفك الدماء؟ أيضاً لدينا كلام لعلمائنا في هذا الأمر نحن نجل علمائنا ولكن لا نتعبد بكل ما قالوه فكل أحد يؤخذ من كلامه ويردُّ عليه إلا محمد صلى الله عليه وسلم لكن ينبغي أن نجل هؤلاء الذين أنفقوا كل حياتهم في خدمة شرع الله عز وجل فلا يأتي شخص قضى حياته في الطب أو الهندسة ويرمي بكل أقوالهم هذا لا يليق في الحقيقة. ورحم الله امرئً عرف قدر نفسه ومن حق الجميع أن يجتهد بالقدر الذي يعلمه وأن تتوفر لديه شروط المفسر وهي معروفة. على أي حال لعلمائنا أكثر من قول في علم الملائكة لطبيعة هذا المخلوق وكلها محترمة. وأولها: وهو الذي يميل إليه عدد من العلماء وأكاد أجد اطمئناناً إليه ولا أنفي الباقي وهو أن الحوار في القرآن مختصر كأن الله عز وجل حين قال (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) كأن الملائكة سألت ما شأن هذا الخليفة؟ ما الخليفة هذا؟ لأن كيف يقولون (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ) وهم خالي الذهن؟ فكأنما سألوا ما هذا الخليفة؟ ما شأنه؟ فقال الله عز وجل أن هذا مخلوق له ذرية، من هذه الذرية من سيسبحني ويعبدني ويقدسني ومنهم من سوف يفسد، يسفك الدماء، ومن هنا نفهم لماذا ذكروا تسبيحهم (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ) فإذا كان هناك من سيسبح ويقدس من هذه الذرية نحن نسبح ونقدس، والقسم الآخر مفسد يسفك الدماء فما الداعي لإيجاده؟ إذا كان هم صنفان: من يفسد فيها ويسفك الدماء، ومن يقدس لك ويسبح، نحن - أي الملائكة - نقدس ونسبح فألغي هذا الثاني. مجرد سؤال أو مقترح فنلاحظ سؤال المؤدب سؤال الملك (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ) فهذا الصنف سيفسدون والصنف الآخر المسبحين نحن نعوض (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ) هذا الرأي الأول وقد مال إليه عدد من كبار علمائنا من المفسرين.
الرأي الثاني يقول لعله لديهم تجربة سابقة من خلق إنسان سابق أو مخلوق سابق أفسد وسفك دماءً فقالوا هذا سيفعل كما فعل الذي قبله، وخلق إنسان سابق فيه نظر وليس لدينا دليل وقد يكون، لكن الذي حقيقة يطمئن إليه القلب هو أنه هذا الحوار الذي حدث حتى بعض العلماء يسأل ويقول ما الداعي إلى أن الله سبحانه وتعالى يحاورهم؟ ويجيب أن الله سبحانه وتعالى يذكر لنا ذلك في القرآن حتى يعلمنا المشورة والمشاورة فلا ينفرد الحاكم برأيه. فرب العزة يشاور الملائكة ويحدثهم ويذكر لنا هذا الأمر أنه عرض على الملائكة وقال لهم سيكون كذا فقالوا له: يا رب ما شأنه؟ قال: هذا شأنه منه من يسفك الدماء ويفسد ومنه من سيسبحني ويقدسني. وهذا واقع الحال فالبشر الآن منهم من يفسد فيها ويسفك الدماء ومنهم من يسبح الله عز وجل ويعبده فقالوا:نحن نسبح إذن (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ) وهذا هو القول الذي نميل إليه ولا نرد سائر الأقوال.
بُثّت الحلقة بتاريخ 5/8/2006م وطبعتها الأخت نوال من السعودية جزاها الله خيراً وتم تنقيحها.
سؤال 226: ما الفرق بين الملك والملكوت؟
كلمة الملك والملكوت كلمتان من اشتقاق واحد من الميم واللام والكاف من ملك وعندنا قاعدة في اللغة كما يذكرها علماؤنا أن زيادة المبنى تؤدي إلى زيادة المعنى. فبصورة أولية كلمة الملكوت هي أوسع من كلمة الملك وبهذا المعنى استعملت في القرآن الكريم فعندما نأتي إلى قوله تعالى (أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ 185 الأعراف) عطف الخلق العام (وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ) كله داخل في ملكوته فالعطف هنا هو من عطف الخاص على العام فكل ما خلق هو داخل ضمن عموم كلمة الملكوت. والملك والملكوت كله لله سبحانه وتعالى ولذلك في الآية الكريمة (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ﴿107﴾ البقرة) له وقدم للحصر ملك السموات والأرض لله سبحانه وتعالى. الفارق أنه يمكن أن يعطي من ملكه جلت قدرته لعبيده يتصرفون فيه من سلطان أو مال فكل ما في الكون هو ملك لله سبحانه وتعالى فيعطي لهؤلاء العبيد وهو لا يخرج من ملكية الله سبحانه وتعالى بل هو باقٍ ويستعمله عبيده على سبيل العارية المردودة والمسترجعة فله ملك السموات والأرض. وعندما ننظر لاستعمال الملك والملكوت في القرآن الكريم نجد أن الملك يمكن أن يوجه إلى عبيد الله سبحانه وتعالى أي إلى البشر لكن الملكوت لم يرد في القرآن الكريم أنه أعطي من الملكوت للبشر (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿26﴾ آل عمران) فالملك ملك الله سبحانه وتعالى ممكن أن بعضه يُعار، يملك على سبيل كما قلنا الإعارة (وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُم ْ(33) النور) هو مال الله (وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ (7) الحديد) هذا يكون منه.
أما الملكوت فلدينا نص من معجم الوسيط يقول: "والملكوت العز والسلطان، وملكوت الله سلطانه، والملكوت ملك الله خاصة" أي لا يعطي منه لأحد. والملك داخل في الملكوت والملكوت عام. فالله عز وجل لم يقل يؤتي الملكوت من يشاء بل يؤتي الملك، وملك الله عز وجل ما في السموات وما في الأرض ونتذكر ما نسب لابن عباس في تقريب حجم الكون عندما قال السماء الأولى وما فيها بالقياس للسماء الثانية كحلقة في فلاة ثم قال السموات السبع وما فيها لملك الرحمن هي للكرسي كحلقة في فلاة وللعرش كحلقة في فلاة كلُ كحلقة في فلاة والكرسي ليس هذا الذي نجلس عليه وإنما الكرسي هو ما يضع الإنسان قدمه عليه فالذي نجلس عليه يسمى عرشاً وعادة العرش يكون مرتفعاً وتوضع خشبة يضع عليها الشخص قدميه هذا الذي توضع عليه القدمان هو الكرسي كما في الآية (وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا (34) ص) ليس على عرشه وإنما على هذا الذي يضع قدمه عليه. فملكوت الله عز وجل ليس السموات والأرض وما بينهما لوحده فملكوت الله عز وجل لا يحيط به ذهن إنسان. فهذه السموات والأرض والكواكب السيارة والشمس الخ لو جمعت لأمكن أن تدفن في قشرة أحد النجوم التي هي تحت السماء الأولى والسماء الدنيا التي هي منتهى علمنا في النجوم والمجرات هذه كلها وبما فيها حلقة في فلاة بالقياس إلى السماء الثانية وهكذا. فملكوت الله عز وجل واسع، الله سبحانه وتعالى ذكر في القرآن أنه يعطي من ملكه أما كلمة الملكوت فهي عامة لم يرد أنه أعطى أحداً الملكوت ولذلك قال في الوسيط هو ملك الله خاصة فالملكوت لا يعطي منه شيئاً والملكوت هو هذا الملك الواسع بكل ما يمكن أن يتخيله الإنسان. هذا الملكوت والملك هو بعض هذا الملكوت والله سبحانه وتعالى ذكر في القرآن أنه أعطى من هذا الملك للبشر (تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ) ولم يقل يؤتي الملكوت لأن كلمة الملكوت كما قلنا دلالته المعنوية أوسع وأشمل فلا يعطي أحداً هذا الملكوت وفي قوله (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ (75) الأنعام) أي هذا الشيء الخاص بالله سبحانه وتعالى لما قال نريه الملكوت ليس كل الملكوت ولكن بعضه فقد أراه ما في السموات الدنيا أي بعض ملكوته ولكن لأن الموطن موطن تعجب وموطن عظمة فقال نريه ملكوت السماوات والأرض فبدأ يتفكر في خلق السماء والأرض والنجوم الخ حتى يراها بقلبه وببصره فيتفكر فيها. ولم يقل ملك لأن الملك مبذول لكن الملكوت هذا الشيء الذي هو خاص بالله سبحانه وتعالى فجعله يتفكر فيه. ومعنى أن الملك مبذول أي أن الله سبحانه وتعالى يعطي الملك يبذله فممكن أن يكون الإنسان مالكاً لشيء ما، مالك لأرض وهكذا وهو في الأصل ملك الله سبحانه وتعالى فإذن استعمل الملكوت في ما لا يعطى لأحد منه شيء ممكن التفكر، وقد وردت في موضعين: (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) وفي قوله (أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ) دعوة إلى التفكر وموضعين آخرين في المؤمنون ويس فبذلك تكون وردت كلمة ملكوت أربع مرات وليس فيها إشارة إلى إعطائها لأحد. وملكوت كلمة عربية وهذه الزيادة فعلوت مثل رهبوت الرهبة عندنا والرهبوت وتعني الرهبة العظيمة والألفاظ قليلة في هذا المجال، إذن الملكوت أعم وأشمل من الملك وهو خاص لله سبحانه وتعالى.
سؤال 227: ما الفرق بين النصيب والكِفل؟
في قوله تعالى (مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا ﴿85﴾ النساء) عندما نرجع إلى معجمات اللغة نجد أن كلمتي نصيب وكفل يكادان يكونان بمعنى واحد بل عندما يفسرون النصيب يقولون الحظ أي الجزء ولما يأتون إلى الكفل يقولون الحظ أو النصيب أي يفسرون الكفل بالنصيب. فعندما نأتي إلى اللسان: "والنصيب الحظ من كل شيء- الحظ يعني الجزء من كل شيء- والكفل النصيب ويرجع ويقول الكفل الحظ"،وهو قال النصيب الحظ. لكن يبقى هناك فارق جزئي بسيط بين الكلمتين فعندما ننظر في كلمة نصيب نجد أن النون والصاد والباء من نصب الشيء يعني جعله شاخصاً نصبه ومنه الأنصاب وما ذبح على النصب هذه الحجارة الكبيرة الظاهرة الشاخصة فعندما يقول نصيب كأنه شيء شاخص ظاهر.
الكفل أصله في اللغة هو الثوب الذي يدار ويجعل على شكل حلقة ويوضع على سنام البعير لأن السنام لا يمكن أن يجلس عليه فيديرون ثوباً يضعونه على السنام حتى يجلس عليه الراكب أو يضعه خلف السنام فيستقر ويجلس عليه هذا أصل كلمة الكفل ولذلك هو يمثل تغطية جزء من ظهر البعير فقالوا هو كالنصيب لأنه يغطي جزءاً منه الصورة عندما يقول هذا جزء وهذا جزء. صورة الجزئية مع النصيب صورة ظاهرة بارزة وصورة الجزئية مع الكفل صورة مختفية مخفية مجلوس عليه لذلك نجد أن كلمة النصيب تستعمل في الخير وفي الشر: له نصيب من الخير وله نصيب من الشر بحسب السياق. كلمة الكفل استعملها في الشفاعة السيئة لأن هذا النصيب هو لا يريد أن يبرزه، أن يظهره، كأنه يخجل منه، يستحي منه فما استعمل النصيب هذا البارز لأن مع السيئة سيئة يريد أن يتستر لكن له منها برغم تستره لأن عامل السيئة لا يعملها جهاراً نهاراً إلا إذا كان سفيهاً والعياذ بالله وكان المجتمع يرخص له بذلك والعياذ بالله. فانظر إلى اختلاف الصورتين في اللغة واستعمل القرآن الكريم هذا الأمر أيضاً فكان ممكن أن يقول في غير القرآن (من يشفع شفاعة حسنة يكن له كفل منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها) يكررها في غير القرآن أو (ومن يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له نصيب منها) لكن كأنما أريد لقارئ القرآن أن يتذوق وأن يتحسس هذا الفارق بين الصورتين المتخيلتين: صورة النصيب البارز الشاخص وصورة الكفل المستور لهذا لما استعمل القرآن الكريم كلمة الكفل في الخير ضاعفها فقال (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ (28) الحديد) اثنان حتى يظهر ولم يقل نصيب لأن النصيب واحد وهو يريد أن يكثره وأن يضاعفه ثم هو تشجيع لهم فالآية نزلت في النصارى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ (28) الحديد) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا) أي الذين آمنوا بعيسى عليه السلام (اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ) أي بمحمد صلى الله عليه وسلم (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ) فعندما استعمله للخير ضاعفه هذا شيء.
شيء آخر لو نظرنا إلى كلمة نصيب وكفل من حيث أحرف اللغة: الأصوات نون – صاد - باء، النون حرف متوسط بين الشدة والرخاوة يقابله اللام بين الشدة والرخاوة لكن نجد النون في نصيب أعلى بشيء وهو الغُنّة. هذا الحرف الذي هو النون كاللام فهذا فيه حرف متوسط وهذا فيه حرف متوسط لكن النون فيه زيادة على اللام هذه الغُنّة التي يقال عنها أنها صوت محبب يخرج من الخيشوم ففيه ميزة. عندما نأتي للصاد والفاء كلاهما مهموس فالصاد مهموس والفاء مهموس الصاد رخو والفاء رخو فكأنهما بمنزل واحد ثم يرتقي الصاد لأن فيه إطباقاً والفاء مستتر. فإذن صار عندنا النون واللام مجهوران متوسطان