برنامج لمسات بيانية

إجابات الدكتور حسام النعيمي على أسئلة المشاهدين


الحلقة 58

سؤال 238: ما القيمة الفنية في قوله تعالى (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199) الأعراف)؟

هذه الآية من الآيات التي وقف عندها علماء البلاغة والبيان لما فيها من إيجاز. يمكن أن نقول أنها تمثل صورة مما ينبغي عليه المجتمع المسلم. صحيح أن الخطاب مع الرسول r لكن أمته جميعاً تُشمل به، فلما يقال له (خذ العفو) معناه جميع المسلمين، كل مسلم ينبغي أن يلتزم بهذا، (وأمر بالعرف) كذلك و(وأعرض عن الجاهلين) كذلك. نتخيل هذا المجتمع الذي يكون فيه أخذٌ للعفو وأمرٌ بالعرف وإعراضٌ عن الجاهلين بهذا الإيجاز مجتمع في كامل صفاته التي يطمح إليها أي إنسان يريد أن يعيش في مجتمع مسالم في مجتمع كريم نبيل.

نبدأ بكلمة (خذ العفو): كلمة العفو لها جملة معاني ولذلك ما قيل في القرآن: خذ عفو كذا وإنما العفو بجنسه، بكل ما يحمله هذا اللفظ من أجناس العفو ومن أنواع العفو، هو جنس وله أنواع. للتعريف هنا غاية العفو هنا لبيان الجنس. العفو من معانيه: الصفح، أن تصفح عنه، (خذ العفو) أي خذ الصفح خُلُقاً لك. هل (خُذ) تعني أن يأخذ من نفسه أو يأخذ من أحد؟ خذ تحتمل المعنيين خذ لنفسك وخذ من غيرك. خذ العفو: أي خذ الصفح خُلُقاً لنفسك وخُذ الرحمة خُلُقاً لنفسك وخذ ما زاد من تصرفات الناس ومن أخلاقهم هذا خذ من غيرك، خذ منهم ما يَحسُن. لأن من معاني العفو ما يطفو على السطح، خذ منهم الظاهر، ما يظهر. الذي يكون على سطح الماء يطفو هو عفو فخُذ هذا العفو أيضاً من أخلاق الناس ومن تعاملهم ولا تكلّفهم ما لا يطيقون، إقبل منهم هذا الذي هو ظاهر عندهم، إقبل منهم الظاهر، خذ العفو أي خذ هذا الظاهر وفيها نوع من المسامحة، نوع من الرضى بما يصنعون بشرط، وهذا نبّهت عليه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: "ما خُيّر رسول الله r بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن حراماً". يأخذ منهم هذا العفو الظاهر ما لم يكن فيه مخالفة لشرع الله سبحانه وتعالى لأن المجاملة لا تكون على حساب شرع الله سبحانه وتعالى. هذا يذكره علماء التفسير لما يتكلمون على كلمة (خذ العفو) يقول هذا الظاهر من أمر الناس حتى يأخذ منهم ما تيسر وما حسُن ولا يكلفهم ما لا يطيقون. ثم يضعون هذا القيد: بشرط أن لا يكون في ذلك خلاف لشرع الله سبحانه وتعالى، أن يكون تحت مظلة شرع الله لأنك تريد أن تبني مجتمعاً كريماً فالمجتمع الكريم يُبنى تحت مظلة شرع الله سبحانه وتعالى بتطبيقه ولا يكون بمخالفات شرعية لأنه عندها لن يكون كريماً. تقول أنا أتسامح مع فلان إذا فعل كذا مما يخالف شرع الله تعالى هذا لن يكون المجتمع مجتمعاً كريماً. فإذن في كلمة (خذ العفو) – ونحن سنتكلم بإيجاز لأن المفسرين يفيضون فيها – خذ العفو أي خذ خُلُقاً لنفسك وخُذ خُلُقاً لغيرك على ما يبدو منهم ما لم يكن مخالفة شرعية باعتبار أن من معاني العفو هو هذا الذي يطفو على السطح، يظهر.

ثم قال: (وأمُر بالعرف): العُرف هو كل ما تعارف عليه الناس مما لا يحتاج إلى إثبات وجدل. يعني الناس تعارفوا أن الكرم محمدة وأن البخل مذمّة، تعارف الناس على ذلك ولا يحتاج إلى مناظرة فلسفية ومناقشة كيف أن الكرم يكون محمدة ويقولون الكرم فيه تبذير! فتجد أفراداً من المجتمع والمجتمع لا يعرف لهم ما يفعلون، يعني لا يقرّهم على ما يفعلون ويسميهم بخلاء ولا يسميهم حكماء في مالهم. يعني الإنسان الذي يبخل على نفسه علماً أن الله تعالى يحب أن يرى آثار نعمته على عبده، الله سبحانع وتعالى أنعم عليه ثم هو لا يأكل ولا يُطعِم أهله إلا أسوأ ما يكون. فهؤلاء قِلّة. الذي جرى عليه العرف أن هناك قيماً متعارفاً عليها سواء كان من حيث الخير أو من حيث الشر. فيُطلب من الرسول r ومن أتباعه لأن الله سبحانه وتعالى يقول (قل هذه سبيلي أدعو الله على بصيرة أنا ومن اتتعني) أتباع الرسول r ملزمون بما أُمِر به r. الأمر بالعرف لأنه في بعض الأحيان يكون هناك تهاون من بعض الأشخاص مما تعارف عليه الجمهور عند ذلك ينبغي أن تأمر به والساكت عن الحق شيطان أخرس إنما في إطار ما أوضحه الحديث الشريف في مواطن أخرى: "من رأى منكم منكراً فليغيّره" منكراً أي ليس معروفاً لأن العُرف غير النُكر.

سؤال من المقدّم: إذا تعورف - كما في بلاد الغرب - هناك فواحش تظهر في المجتمع ويُقِرّها العُرف هناك وليس الشريعة الإسلامية فهل يؤمر بهذا العرف؟ أم أيضاً في سياقات الشريعة الإسلامية؟

الآية لم تقل (خُذ بعُرف) وإنما العرف المعروف في مجتمعاتكم المسلمة، الذي تعرفه النفوس بفِطَرها السليمة وليس بالفطرة المعوجة. الإنسان بفطرته السليمة عنده غيرة، كل المخلوقات تغار، انظر إلى عش العصفور: عصفور وعصفورة يبنيان عشاً فهل يقترب عصفور آخر من العش نفسه؟ لا يمكن. انظر إلى الحيوانات، فلما تنتكس الفطرة البشرية إلى ما دون الحيوانية والإنسان لا يغار على عرضه ويرى زوجته أو ابنته أو أخته مع رجل آخر! هذا صار عندهم مألوفاً ولكن الفطرة السليمة في تلك البلاد ما زالت تنكره، ما زال هناك أصوات ترفض هذا. هو عُرفهم هناك ولكن نحن مأمورون بأن نأمر بعُرفنا في ظل شرع الله سبحانه وتعالى ولهذا عرّفها (العُرف). العرف المخصوص الذي ألفتموه فيما بينكم من مكارم الأخلاق ومما يُحمد به الإنسان. حتى بعض أعراف الجاهلية لما جاء الإسلام ووجدها خيراً أقرّ بها وأمر بها. لما ننظر في بعض أبيات عنترة بن شداد يقول:

وأغض طرفي إن بدت لي جارتي       حتى يواري جارتي مخباها

هذا خُلُق رفيع ولعله من نُبل هؤلاء الناس أو مما وصل إليهم من أخلاق النبوة الأولى. هو فارس بدوي في الصحراء تأتي الريح فتضرب خيمتها فتنكشف فإذا انكشفت يغض طرفه إلى أن تتستر ويكرر هذا المعنى بقوله:.

وإن جارتي ألوت رياحٌ ببيتها            تشاغلتُ حتى يستر البيتَ جانبُه

أما نقول لبعض الناس نتمنى أن تكون عندكم بعض أخلاق الجاهلية؟! العُرف الذي هو معروف من مكارم الأخلاق مما هو في ظل شرع الله سبحانه وتعالى وما خالف الفطرة السليمة لا يكون عرفاً سليماً. العُرف هو الذي عندكم في ضوء ما تعارفتم عليه من مكارم الأخلاق ومن نبلها، هذا ينبغي أن تأمر به وهذا الأمر لرسول الله r ولمن تبعه.

(وأعرِض عن الجاهلين): خلال الأمر بالعرف وخلال محاولة بناء المجتمع المسلم في ضوء ما يريده الله سبحانه وتعالى سيصطدم - سواء كان الرسول r أو من سار على خطاه r - سيصطدم بأناس جهلة إما أنهم يجهلون شرع الله سبحانه وتعالى وإما أنهم من الجهل ضد الحلم. ليس فيهم حلم وإنما حمقى والأحمق هو أيضاً يسمى جاهلاً. الجهل إما من عدم المعرفة وإما من الجهل ضد الحلم كما قيل:

ولما رأيت الجهل في الناس فاشياً      تجاهلت حتى ظُنّ أنيَ جاهل

يعني تصوروا أني لا أعلم أو تصوروا أني غير حليم. الجهل إما يكون ضد الحلم والعقل والرشد وإما أن يكون الجهل عدم معرفة.

سؤال استطرادي من المقدم: لمَ سُميَ العصر الجاهلي جاهلاً؟ وهل يندرج هذا المعنى في الآية؟

كلا لا يندرج وليس المراد هنا العصر الجاهلي. والعصر الجاهلي لم يسمّه الناس وإنما سمّاه الله سبحانه وتعالى بغير هذا المصطلح (ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى) فقال الناس هذا العصر الجاهلي أي العصر الذي وصفه القرآن بالجاهلية. لذلك لما يأتي بعض الأدباء وبعض كُتّاب النقد الأدبي ويريد أن يتفاصح ويقول عصر ما قبل الإسلام وهذا أولاً ما كتبه المستشرقون. فإذا كان ربك أطلق على تلك الحقبة "الجاهلية" ففيم أنت تريد أن تتخلى عن هذا اللفظ؟ هذه واحدة. والمسألة الثانية: الإسلام لم يقل الذين كانوا في ذلك العصر كانوا في جهالة مطلقة من كل شيء والآن كنا نتكلم عن نُبل وقيم بعض الأخلاق الموجودة عندهم، هم ليسوا صِفراً كما يحاول بعض الناس للأسف الشديد يتكلم عن الناس قبل الإسلام وكأنهم كانوا في حمأة الرذيلة وفي حمأة المخالفات في كل شيء، لا يا أخي. أمةٌ بهذا الشكل السيء الذي تصفون لا تستحق أن تُرسل إليها رسالة ولا تستحق أن تحمل آخر رسالة في الأرض. هذه أمة كريمة نبيلة كانت على مستوى رفيع، الرجل فيهم يعرّض نفسه للقتل من أجل كلمة: قيل لهانئ ابن مسعود، شيخ بني شيبان، لما قيل له ائتنا بدروع النعمان وبناته، قال: هذه أمانة عندي ولا يمكن أن أسلّمها، ودخل العرب لأول مرة في معركة مع الأمبرطورية الساسانية من أجل يقولون: أنا كسرى، أنا دولة عظمى، سأبيدكم، ائتني بما عندك، يقول: هذه أمانة. وقاتل العرب في تلك المرحلة على تخوم الصحراء وكتب الله سبحانه وتعالى لهم النصر كما ورد في الحديث الشريف " وبي نُصِروا" بسببي نُصِروا بمعنى أنه حتى يُنزع من قلوب العرب هذه الرهبة والخوف من هذه الدولة العظيمة فإذا جاء الإسلام وامتدت الفتوحات لا يكون العرب في خوف لأن عندهم سابقة في الجاهلية قاتلوا. هذه أمة كريمة، أمة نبيلة، نعم تقول أنهم كانوا مشتتين فوحّدهم الإسلام وكان بعضهم وبعض شرائح المجتمع سفيهة، وفي كل مجتمع هناك سفهاء، فحاول الإسلام أن ينقّي هذه السفاهة. كان فيهم من يئد البنات، قلة قليلة جداً وفي أواخر حياة العصر الجاهلي وإلا كان انعدم العرب لو فعلوها كلهم لكن لأن الجُرم عظيم أرّخه القرآن الكريم (وإذا المؤودة سُئلت بأي ذنب قُتلت) هذا جُرمٌ عظيم ولو حدث مرة واحدة أو مرتين يستحق أن يُسجّل وليس كل العرب هكذا. لما نقول العصر الجاهلي لأنهم كانوا يجهلون الدين ويصرّون على عبادة الأصنام هذا جهلهم فقط. الرسول r يقول عن حلف الفضول: "لو دُعيت لمثله الآن لأجبت" " وإنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق". هذه أمة لا ينبغي أن تُهان أما أن يأتي أبو نواس وهو سكران ويهرف ( يتكلم بما لا يعرف كلاماً لا معنى له، نوع من الخرافة): لا در درك قل لي من بنو أسد ومن قيس

إسم هذا العصر العصر الجاهلي سماه ربنا سبحانه وتعالى بالجاهلية والمستشرقون سموه (pre-islamic) فيأتي البعض ويسمونه ما قبل الإسلام؟!. العصر الجاهلي بمعنى جهل الدين أو جهل العبادة بعد أن كانوا على دين إبراهيم u، وهو دين التوحيد جهلوا فعبدوا الأصنام ومنهم من قال تُقرِّبنا إلى الله زلفى وبعضهم بقي على الحنيفية، ما كانوا جميعاً ولذا يجب أن يصحح هذا وبودّنا أن إخواننا ممن يعتلون المنابر لا يشتموا ذلك العصر ويتصوروا أنهم بذلك يرفعون قدر الإسلام، لا، الإسلام رفيع القدرة لوحده، بما فيه من مبادئ وقيم. أعطهم حقهم، هؤلاء الناس هم رفعوا شأن هذا الدين، الصحابة رجالٌ من الجاهلية والرسول r قال: " خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا" فالعِلّة إذن "الفقه" وما دام ذهب عنهم الفقه ليسوا خياراً لأنهم من غير فقه الدين. ألم يضحك أحد الصحابة لأنه سبق أن أكل ربّه؟! هذا جهل في الدين لكن سلهم في الحكمة، في الشجاعة، في المروءة، في الكرم، في الغيرة على أعراضهم، أمة في غاية السمو والنُبل هذه الأمة التي كانت في الجزيرة ولذلك اختارها الله سبحانه وتعالى لتحمل آخر رسالة إلى الدنيا جميعاً. في الفتوحات الإسلامية التي بدأت من عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه خارج الجزيرة وامتدت على عهد الخلفاء الراشدين وامتدت إلى عهد الأمويين كل المقاتلين كانوا من هذا العصر. وحتى في الشيشان الآن يقولون أنهم من قبائل عربية وحتى في أقصى بلاد الأفغان وفي روسيا أناس ينتسبون إلى الرسول r نسباً أنهم من أولاد الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه،- هم عربٌ ولا يحسنون كلمة عربية – كما نقول بالعامية "سيّد" أو "الشريف" في شمال إفريقيا. وفي إيران كل عمامة سوداء يزعم صاحبها - والعهدة على صاحبها - أنه من ذرية عليّ، يعني هو عربي ولا يحسن أن يتكلم جملة عربية فامتد هؤلاء في الشرق والغرب. هؤلاء رجال نشروا هذا الدين:

تخالهم في ظهور الخيل نبتُ رُبى        من شدة الحَزْم لا من شدة الحُزُم

نبت ربى نشروا هذا الدين فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا.

الجاهلين إما أن يكون بمعنى غير العالمين أو السفهاء. هذا متى يظهر؟ متى تُعرِض؟ بعد أن تأمر بالعُرف، بعد أن تتحرك وتتكلم معه مرة أو مرتين فإذا وجدت منه جهلاً وحماقة عند ذلك تُعرِض. يقول الإمام علي رضي الله عنه " ما جادلت أو ما حاججت عاقلاً إلا غلبته وما جادلني أحمق إلا غلبني". لأنه يرفع شعار لا أقتنع ولو أقنعتني، هذا كيف تتعامل معه؟ هذا الذي وجده يعظ إنساناً جُرِّبت الموعظة معه حتى يئس الناس منه فقيل له: يا فلان ما تصنع؟ قال: أغسل حبشياً لعلّه يبيض، أي أنا ما يئست منه.

الإعراض عن الجاهلين: متى يثبت عندك أنه جاهل؟ بعد أن تدعوه، بعد أن تشافهه، بعد أن تكلمه، بعد أن تدعوه أن يكف عما هو خلاف العرف. إذا تبين جهله وحماقته عند ذلك تُعرِض عنه (وإذا مروا باللغو مروا كراما) (وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما).

سؤال: هل هذا الترتيب (خذ وأمر وأعرض) مقصود بذاته؟

هذا الترتيب: خذ، امر، أعرِض مقصود بذاته حتى ينبني المجتمع بناء سليماً بهذه الصورة أن يكون هناك نوع من التسامح بين أفراد هذا المجتمع وأن يكون هناك تناصح وتجنب المِراء والجدل لأنك مع الجاهل ستكون في حال مِراء وجدل لا ينتهي إلى نتيجة. ولذلك إذا أحسّ الذي يريد أن ينصح الآخرين أو أن يعظهم أو يرشدهم أن المقابل لا نفع من ورائه أو أن المسألة التي يناقشها لا نفع من ورائها يكفّ عنها. لا يتصور أنه ضعيف الشخصية أو ما شابه لأن هذه مسألة تدخل في النيّة والإخلاص لله سبحانه وتعالى. أنت عندما تحدّث شخصاً في أمر من أمور شرع الله عز وجل لا تحدّثه حتى يقال "هو عالم" لأنه – والعياذ بالله – (حتى يقال هو عالم) أدخلت أو تدخل صاحبها النار يوم القيامة وفي الحديث أن أول من تُسجّر بهم النار (السجر هو وضع الشوك الذي يشتعل بسرعة تحت الجذور الكبيرة)، أول من تُسعّر بهم النار ثلاثة أصناف، من هذه الأصناف رجلٌ يُعرّف نِعَم الله عز وجل أنعم الله عليك بكذا وكذا وكذا فيقال له ماذا صنعت؟ فيقول: ربي وهبتني علماً فبثثته في سبيلك، فيقال له: كذبت وإنما بثثته ليقال هو عالم فقد قيل، فيُسحب إلى النار ويقال أخذت جزاءك. لذلك علماؤنا يشددون على تصفية النيّة لأن الإنسان بطبيعته تنحرف نيّته أحياناً هو يتكلم مع نفسه فيقول: كلامي مؤثّر، أنا نافع، أنا مفيد وغير ذلك، عذد ذلك يقولون فإذا دخله شيء من ذلك فليبادر إلى التوبة  إلى الله سبحانه وتعالى ويُقلِع عنه مباشرة لأن الله سبحانه وتعالى يقول عن المتقين (إن الذين اتقوا إذا مسّهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون) فالمتّقي إذن يمسّه طائف من الشيطان لأن هذه معركة والشيطان يريد أن يدخله النار، لكن انظر العبارة (إذا مسّهم) لا ينتظر أن يغور الطائف في أعماقهم ويظلم قلوبهم وإنما بمجرد المسّ يتذكر فيتوب إلى الله سبحانه وتعالى ويسأله عز وجل أن يجعل عمله خالصاً لوجهه الكريم. ومن الأدعية المأثورة :" اللهم إنا نسألك الإخلاص في القول والعمل والصواب فيهما". يمكن أن يكون الإنسان مخلصاً لكن في الخطأ فيسأله الإخلاص في القول والعمل. لما يحدث إنساناً ويريد أن يزيحه عن مخالفة العُرف ويأتي به إلى عُرف الشرع، الإمام مالك إمام دار الهجرة والذي يقيل فيه لا يفتى ومالك في المدينة، أحياناً يُسأل فيقول للسائل: وقع لك هذا؟ حتى يفتيه، هذه ليست مسألة نظريات، فإذا قال السائل: نعم تحرّى الجواب وإذا قال له لا قال لا أدري، فمرة جاءه رجل وسأله فقال: وقع لك هذا؟ قال الرجل: لا ولكن يمكن أن يقع، فقال: لا أدري، فقال: أخرج إلى الناس فأقول مالك لا يدري؟ قال اخرج إلى الناس وقل مالك لا يدري. هذه تربيتنا وهذا الذي ينبغي أن يكون عليه المسلم إذا كان هناك شيئاً لا يعلمه يقول لا يدري وإذا وجد أمامه شخصاً لا يحسن الحوار ودخل الأمر في المِراء والجدل الذي لا معنى له عند ذلك ينسحب إكراماً للمبادئ التي هو يدعو إليها، مبادئ الدين وأفكار الدين وليست من أفكار رجل وإنما المبادئ المستنبطة من الكتاب والسُنّة فلا ننزعج من كلمة الفكر الإسلامي أو المفكر الإسلامي، هو ليس مفكراً بدل محمد r وإنما هو مفكّر في النصوص والنصوص أنت تفكر فيها.

سؤال استطرادي من المقدم: ماذا يحدث لو حصل الترتيب: امر بالعرف وخذ العفو وأعرض عن الجاهلين؟

انظر النظام: في البداية أنت تكوّن نفسك (خذ العفو) أي ألزم نفسك بتربية معينة فيها معنى الصفح والسماح، هذه الأمور في البداية هي لتربية النفس. ثم تنتقل إلى مرحلة ثانية الأمور التي لا جدال فيها، مثلاً تأتي إلى رجل مسلم لا يصلي فتقول له يا أخي لا يختلف إثنان أن الصلاة عمود الدين ثم بعد ذلك لما تصل إلى مرحلة أخرى قد تتحدث معه فيقول لك أنا مسلم أصلي مؤمن بالنظام الاقتصادي الفلاني لكن لا أؤمن أن الإسلام نظام إقتصادي لا ينبغي أن ننظر فيه أو أن المرأة كانت في الجاهلية لها زِيُّها والآن لها زي آخر فلماذا تصرون على حشمة المرأة؟ أو كما يقول بعض العامّة: المرأة الشريفة تمشي عريانة بين طابور عسكر ولا شيء عليها، ما هذا الكلام؟! فلما تصل إلى هذه الأمور ستنتقل من موضوع العُرف إلى موضوع جدل لتقنعه بقضية هو غير مقتنع بها فإذا وجدت ممارياً شعاره لا أقتنع ولو أقنعتني! أو أحياناً تتحاور مع شخص وتأتيه بنصوص يقول لك غلبتني، أنت لديك نصوص إسمح لي أن أذهب وآتي بمن لديه نصوص وقد وقع هذا الأمر معي شخصياً في دمشق سمعت رجلاً يشتم صلاح الدين الأيوبي فسألته: لماذ تشتم صلاح الدين؟ وتحاورنا ولما انقطع الرجل قال أنت عندك معلومات أنا سأذهب إلى فلان وآتي به ليحاورك في هذه القضية، يا أخي الله تعالى خلق لك عقلاً!. إذن هذا هو الترتيب الطبيعي (خذ العفو وامر بالعرف وأعرض عن الجاهلين): يربي نفسه، يكوّن نفسه، ينظر إلى الآخرين، يأمرهم بالشيء الذي لا مجال للجدال فيه.

سؤال آخر من المقدم: ما اللمسة البيانية في الفعل (أُمُر)؟ ولماذا لم يستخدم فعل إنصح أو أُدعُ؟

الأمر ليس دائماً بمعنى الفرض وإنما أن يستخدم هذه الصيغة صيغة (إفعل) فإذا كان ممن هو صاحب أمر يكون الأمر على معناه الحقيقي. لأن كلمة (إفعل) قد تكون من الأعلى إلى الأدنى: لما رب العزة يأمرنا بشيء، حتى لما يأمرنا يُنظر السياق هل هو أمر إلزام أو أمر إباحة؟ لما يقول تعالى (وأقيموا الصلاة) هذا أمر إلزام، ولكن لما يقول (كلوا واشربوا حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود) هذا أمر إباحة أي يرخّص لكم بالأكل والشرب. فيُنظر في سياق الأمر. أحياناً الأمر يكون من الأدنى إلى الأعلى مثل كلمة: إغفر، فعل أمر لكن هي للدعاء لأنه من البشر إلى رب العزة سبحانه وتعالى (اللهم اغفر لنا، إرحمنا) هذا فعل أمر ولذلك بعض النحويين لا يسميه أمراً وإنما يسميه طلباً. لا هو صيغة أمر لكن من الأدنى إلى الأعلى غرضه الدعاء. إذا كان الأمر من صديق إلى صديق يكون نوع من الإلتماس والرجاء.

 دلالة الأمر تختلف من الآمر إلى الآخر ومن السياق. الآمر هو الله سبحانه وتعالى، مرة كانت إلزاماً ومرة كانت إباحة. ننظر الذي صدر منه الأمر والسياق فإذا صدر الأمر ممن له سلطة الأمر لأن هذه في الإسلام مقننة لأن الذي يأمر الناس أمر إلزام هو الإمام أو من ينيبه الإمام. فالإمام الذي هو الإمام المبسوط الطاعة، الحاكم المبايع على إقامة شرع الله سبحانه وتعالى فيما ورد في كتاب الله وسُنة رسوله r واجب الطاعة يجب أن يطاع إلا إذا أمر بمعصية. والمعصية هي ما عندنا فيه من الله سبحانه وتعالى عليه برهان وليس باجتهاد. يعني إذا اختلف اجتهادك مع اجتهاد ولي الأمر يمضي اجتهاد ولي الأمر لا تقول هذا اجتهادي لأن اجتهاده أمر ملزم " إسمعوا وأطيعوا إلا أن تروا كُفراً بواحاً" أي كفراً ظاهراً. أو من يُنيبه من ولاة وحكام لأنه لا يستطيع أن يباشر أموره كلها لوحده، أما عموم الناس ليس لهم أن يأمروا بهذا المعنى أما أمرهم فهو نُصح.

(أُمُر بالعُرف): الأمر خاص بالرسول r وبمن يليه من الحُكّام، هذا في الأمر المُلزِم. أما الأمر الذي هو بمعنى النُصح كأن أقول لك: إفتح المصحف، هذا ليس أمراً لأنه ليس لي عليك سلطة أمر وإنما للإلتماس. من حيث القانون ليس لأحد سلطة أمر إلا الذي أمّره القانون. فالأمر ينظر إليه على هذا الأساس فإذا كان الأمر من ولي الأمر يكون واجب التطبيق والطاعة ومعصيته معصية لله ورسوله.

لماذا لم تستخدم كلمة (السفهاء) بدل الجاهلين مع أنها استخدمت في مواطن أخرى في القرآن؟

الجاهلون تحوي الأمرين: الجهل ضد العلم والجهل الذي هو ضد العلم والتعقّل (السفاهة). ولو قال (وأعرض عن السفهاء) سيبقى إنسان جاهل تحدّثه هو ليس سفيهاً وليس عنده علم بالموضوع. إذا حدّثته يقول لك كُفّ عن هذا الكلام وإلا أترك المجلس وهذا نسمعه. مثلاً لما يأتي شخص رائحة الدخان تفوح منه فتقول له يا فلان أنت أخي لو تركت التدخين فيقول لك إذا تكلمت في هذا الموضوع أترك المجلس وأنت تقول له يا أخي أنا ليس لي عليك سلطان أنا آمرك أمراً أي نصحاً. ففرق بين السفيه والجاهل فجمعهما القرآن الكريم بالجاهلين بصنيعتهم.

هل يندرج الكفار مع الجاهلين؟

الكفار يندرجون في الجاهلين. المجتمع الإسلامي ليس إسلامياً صِرفاً إنما فيه كفار وفيه عابد النار (المجوس) مع ذلك قال r: سنّوا بهم سُنّة أهل الكتاب. إلا العرب في الجاهلية لا يُقبل منهم إلا أحد أمرين: الإسلام أو القتال لأن القرآن عربي، يقال له: إقرأ أنت هل تظن أن هذا الكلام من كلام بشر؟ فإذن إصرارك على عدم الإسلام هو إصرار في غير محلّه بينما عموم البشر لهم إما الإسلام أو الجزية إعلان الخضوع لدولة الإسلام حتى يسمح لدعاة الإسلام (لا إكراه في الدين. حتى لا يقال لهم ماذا تصنعون هنا. هذه الأوامر الثلاثة خاصة للمجتمع كله، أنت تنصح لسبب أنت تعتقد كما قال الرسول r: " مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد ناراً فصار الفراش يقع فيها فأنا أذودكم عنها وأنتم تفلّتون مني" (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) فالمسلم مأمور لما يجد شخصاً لا يصلي – وأول سؤال يوم القيامة الصلاة فإذا فسدت فسد سائر عمله إذا لم تكن موجودة يُقفل الملف ولا ينفع أنك كنت إنساناً طيباً أو صالحاً أنفقت أو عملت أو غيره – لا يصلي وأنت تعلم بذلك وهو جارك سيكون مصيره خطيراً فكيف تسكت عنه؟ ينبغي أن تحدّثه وأن تذكّره بطاعة الله سبحانه وتعالى. فهو أمر صحيح للرسول r لكنه عام لجميع أتباعه كلٌ بما عنده من علم.

سؤال 239: ما اللمسة البيانية في قوله تعالى (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (25) الشورى) ولماذا لم يقل (من عباده)؟

القبول هو أخذ الشيء برضى، أنت تعطي إنساناً شيئاً ما فإذا قبِله معناه أخذه وهو راضٍ، هذا الشيء الطبيعي. التوبة هي الإنابة إلى الله سبحانه وتعالى. كلُ إنسان معرّض للخطأ وخير الخطائين التوابون، يعود بسرعة. فالتوبة هي العودة إلى طاعة الله سبحانه وتعالى. التوبة هي الكفّ عن المخالفة والعودة إلى الطاعة. أنه يكفّ عن هذه المخالفة ويعود إلى الطاعة لا أن يكون منغمساً في المخالفة ويقول تبت يا رب، لا لكن ينبغي أن يكفّ أولاً ثم يعود إلى طاعة الله سبحانه وتعالى..

استعمال (عن) بدل (من): على سَنَن منهجنا في هذا الباب اني عدت إلى جميع الآيات التي فيها كلمة قبِل مع التوبة في القرآن الكريم فوجدت ملاحظة أن كلمة (عن) تستعمل حينما يكون الكلام هو عودة إلى الله سبحانه وتعالى والمتكلِم المباشر هو الله سبحانه وتعالى أو هو معلوم عن طريق الغيبة لما يقول (هو) يعني الله سبحانه وتعالى عبّر عنها بصيغة الغيبة لرفع الشأن والمقام من حيث اللغة. المواطن الأخرى جميعاً ليس فيها هذه الظاهرة.

أذكِّر في الفرق بين (عن الشيء) و(من الشيء)، ما الفرق بين (يقبل التوبة عن عباده) و(يقبل التوبة من عباده)؟ ثم نعود إلى الآيات ونقف عندها حتى تتضح الصورة ويتبين لنا كيف أن هذا الكتاب ليس من عند بشر. عندما نقول: "فلان كان يمشي بسيارته وخرج من الطريق السريع" معناه وجد منفذاً وخرج وهذا المنفذ متصل بالطريق السريع. لكن لو قيل لك: "فلان بسيارته خرج عن الطريق السريع" معناه إنحرف كأنما انقلبت سيارته. هذه الصورة الآن نحن نفهمها بعد ألف عام فكيف كان العربي يفهم الفرق بين من وعن؟.

(عن) لمجاوزة الشيء، (من) لابتداء الغاية كأنه ابتدأت غايته من الطريق. مع (من) كأنه تبقى الصِلة هناك شيء ولو صلة متخيلة أما (عن) ففيها انقطاع (يضلون عن سبيل الله) أي لا تبقى لهم صلة. فما فائدة هذه القطيعة؟ القطيعة مقصودة مرادة. التوبة ترتقي إلى الله سبحانه وتعالى ولو قيل في غير القرآن (يقبل التوبة من عباده) كأن الإثم الذي تاب عنه يبقى متصلاً به. وهذه التوبة يتخيل الإنسان صورة مادية للصلة بالله سبحانه وتعالى والصلة المادية بالله عز وجل منهيٌ عنها لا ينبغي أن تتخيل ذلك – ليس كمثله شيء ، كل ما خطر ببالك فالله عز وجل بخلاف ذلك-.

لما تقول (من عباده) كأنه يبقى ذلك الخيط لكن هذا ينبغي أن يُقطع كأن هذا الإثم انقطع عنك تماماً والتوبة ترتفع إلى الله سبحانه وتعالى أنت تبت وهي ارتفعت ولم تعد موصولة بك ففيها صورة انقطاع من الإثم وانفصال، بينما (من عباده) كأنه بقي الربط بالعباد، هذه الصورة المتخيلة. علماؤنا يقولون (عن عباده) يعني (من عباده) ويقولون الحروف يستعمل بعضها مكان بعض. صحيح يستعمل بعضها مكان بعض لكن هناك غاية. لما يقول تعالى على لسان فرعون (لأصلبنكم في جذوع النخل) يقولون لا يوجد صلبٌ (في) وإنما الصلب (على) بمعنى أشدكم وأربطكم على جذوع النخل ويقولون (في) هنا بمعنى (على). كان يمكن أن يقال (على جذوع النخل) – حتى في الشعر العربي يقولون استعمل الشاعر حرفاً مكان حرف للضرورة لكن الحقيقة أن الشاعر متمكن –.

إذن (عن عباده): مقصودة. وكان يمكن أن يقول (من عباده) لكن المعنى يختلف والصورة الذهنية ستختلف عند ذلك.

(ويعفو عن السيئات): العفو فيه معنى الصفح وفيه معنى المحو والعرب تقول عفا عنه أي صفح عنه كأنه مسح لأن اأصل العفو هو المحو ويقال: (عفت الريح الآثار أي محت). يمكن أن يقال: ويعفو السيئات أي يمسحها ويمكن أن يقول : ويعفو سيئات أو ويعفو سيئاتهم أو ويعفو عن سيئاتهم فلماذا جاءت بالألف واللام (السيئات) ولم تأت نكرة ولا جاءت مضافة؟ ولا جاءت من غير (عن)؟ يقال : عفا عن أخيه وعفا عن ذنبه. العرب تستعمل الإثنين معاً. عفا عن أخيه بمعنى صفح، وعفا عن ذنبه أيضاً بمعنى محى ذنبه ويبقى فكرة الانفصال هذه، عفا عن السيئة بمعنى فصل السيئة عنه أي أبعدها عنه ومحاها. وسنقف عند ثلاث آيات من الآيات الأخرى في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.

بُثّت الحلقة بتاريخ 9/9/2006م


 الحلقة 59

نحن تكلمنا في الحلقة الماضية على شيء من هذه الآية تعالى (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (25) الشورى). ولكن قبل أن أبدأ الإجابة عن السؤال، قبل حلقتين جاء ذكر أبو الأسود الدؤلي وقلت في وقتها لعلّه كان مولى أو صليبة وتشككت في ذلك ورجعت إلى تاج العروس فوجدت أن الرجل من قبيلة عربية صريحة فهو ذو نسب عربي صريح. هي دوئل (بالكسرة) وعند النسب تتغير الكسرة إلى فتحة فتقول دؤل، والدوئل في اللغة هي مخلوق كما يقولون دويبة كابن عرس والثعلب فهو إذن من الحيوانات البرّية مثل الثعلب وابن عرس. وإسمه ظالم ابن عمرو وهو أبو الأسود الدؤلي فاقتضى التنبيه حتى لا يبقى في ذهن المشاهد شيء أنه عربي ومن أصل عربي صميم وهو وغيره قد خدموا هذا الدين لا من منظور العِرق وإنما من منظور الدين حتى الموالي أمثال سيبويه وغيره، سيبويه كان من فارس ولكنه نشأ في البصرة منذ ولادته وتعلم على يد مشايخ البصرة ولا ندري إذا كان يعرف الفارسية أو لا، هؤلاء نظروا للعربية ليس على أنها لغة عدنان وقحطان وإنما لأنها لغة القرآن الذي آمنوا به فخدموها من غير نظر إلى أعراقهم وإنما جمعهم الدين فالعربية مخدومة بخدمة كتاب الله عز وجل.

نعود لسؤالنا حول قوله تعالى (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (25) الشورى) : الفعل (قبِل) استعمل باستعمالات متعددة في القرآن الكريم بهذه الصور بعده حرف الجرّ : إما تأتي اللام جاءت مرة واحدة (لا يقبل له) بمعنى قبل له وقبل منه، وقبل عنه وقبِله بدون حرف جر. والفعل متعدٍّ يقال قبل الشيء وقبل لك الشيء وقبل منك وقبل عنك. في القرآن استعمل في موضع (قبل له) واللام للملك، ومواضع أخرى متعددة استعمل (منه) وثلاثة مواضع استعمل (عنه) هذه المواضع الثلاثة التي استعمل (عن) كلها يجمعها أن الكلام فيها من الله تعالى عن نفسه إما بصيغة الغائب أو المتكلم أما المواطن الأخرى تكون بالبناء للمجهول أو على لسان أحد من عباده.

مسألة السيئات: الفعل عفا يعفو تستعمل للذات، للأشخاص وللأشياء. يقال عفا عن ديْن زيد أي تنازل عن الدَيْن ويقال عفا عن زيد فيم إرتكب، بمعنى سامحه. فإذن هي تستعمل للإثنين بـ (عن) التي فيها صورة الإنقطاع كأنه يقطعه عما كان فيه، يتجاوز عنه. لو استعمل التنكير (ويعفو عن سيئات) بالنكرة، النكرة يفترض أنها عامة لكن أحياناً في مثل هذا الموضع يتخيل الإنسان أنه تخصيص أي أنه سبحانه يعفو عن سيئات ولا يعفو عن سيئات أخرى سيكون بهذا المعنى فما قال سيئات وإنما ذكر جنس السيئات فقال (ويعفو عن السيئات) يعفو عن السيئات بكل جنسها. ولو قال في غير القرآن : ويعفو عن سيئاتهم كما قال (يقبل التوبة عن عباده) أي سيئات عباده قد تعني سيئات هؤلاء فقط لكن سِمة العفو العام منسوبة لله سبحانه وتعالى فهو عفو مطلق ويعفو عن السيئات بإطلاق ولا ينحصر عفوه في جهة معينة. ولو قيل في غير القرآن ويعفو عن سيئاتهم كان يفهم أن العفو لهؤلاء فقط. فالعفو صفة عامة لله تعالى صفة العفو عن السيئات فهو عفو غفور والعفو عن السيئات هي صفة ثابتة لله سبحانه وتعالى لذلك لما يرتكب الإنسان سيئة ويتوب إلى الله تعالى يكون مطمئناً أن العفوّ عن السيئات سيعفو عنه. عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقول إنني لا أحمل همّ الإجابة ولكنني أحمل همّ الدعاء، أي أن يكون قلبه حاضراً وهو يسأل الله تعالى أن يعفو عن سيئاتي لأنه يجب أن يكون القلب حاضراً عند الدعاء وعند سؤال الله تعالى أن يعفو عنه لأنك تخاطب ذا صفات عظيمة سبحانه وتعالى، تخاطب كريماً مطلق الكرم، تخاطب عفواً مطلق العفو. المهم أن يحضر قلبك هذا الحضور الذي يتجه إلى الله سبحانه وتعالى بما تريد ولذلك كلمة السيئات لا تصلح مكانها كلمة سيئات ولا كلمة سيئاتهم.

الفعل عفا متعدِّ بحد ذاته فيقال عفا عنه ويقال عفاه أي محاه. لو قال يعفو السيئات كأنما يكون هناك نوع من الصلة التي تزيلها (عن) (يعفو عن السيئات) كأنه يجعلها منفصلة يقال (عن) للمجاوزة، تتجاوز السيئات فلما يقول يعفو عن السيئات أي يعفو عن أصحاب السيئات.

ما دلالة استخدام (الذي) في قوله (وهو الذي يقبل التوبة)؟ لما يتكلم سبحانه وتعالى عن ذاته بصفة الغيبة للتفخيم وإعطاء الفخامة في ذهن العربي وهو يسمع أو يقرأ. هو الله سبحانه وتعالى هذه صفته، هو الذي يقبل التوبة كأنها صفة خاصة به سبحانه كأن هذا القبول خاص به سبحانه فهو الذي يقبل التوبة وهو الذي يعفو عن السيئات ولو قيل : هو يقبل التوبة فكأنها تعني أنه هو يقبل التوبة وغيره يقبلها أيضاً لكن المراد أن هذا شأنه سبحانه وتعالى (هو الذي يقبل التوبة). لهذا العلماء عندما يبحثون في وجود كلمة في مكان معين ليس فيه شيء من التكلف إنما هو بمقدار فهم لغة العرب لذا قلنا سابقاً العربي لا يقبل منه إلا الإسلام أو يقاتَل.

لماذا لم يقل (ويعفو عنهم) مثلاً؟ لو قال يعفو عنهم سيكون مبهماً، ماذا يعفو عنهم؟ لكن لما ذكرت السيئات لأن الإنسان يرتكب السيئات.

(وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) لم يقل (ما يفعلون) الإنتقال من ضمير الغيبة إلى المتكلم والإلتفات فيه نوع من تنشيط ذهن السامع إنتقال من الغيبة إلى المخاطب وفيه إشارة أن الخطاب لكم أنتم. هو ذكر المبدأ العام (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ) ثم قال تعالى (وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) أي أنكم بحاجة إلى توبة ولديكم سيئات فهو يعلم ما تفعلون لذا تتوبون إلى الله تعالى لأنه يعلم فعلكم. كان الكلام عاماً لم يواجههم أنهم يعملون السيئات، هذه لمسة القلب لهؤلاء المؤمنين. إلتفات وخطاب معناه أن هذا فيكم "كل ابن آدم خطّاء" لكنه لم يخاطبهم مباشرة أنهم يفعلون السيئات. هذا الأسلوب في الإلتفات من صورة الخطاب إلى صورة الغيبة مضطرد في القرآن كما في قوله تعالى (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَـذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (22) يونس) لم يقل وجرين بكم، أخذهم ووضعهم في السفينة ويتكلم عن غائبين يشعر الإنسان أنه يركب في السفينة وهناك من يتحدث عنه وهو غائب. القرآن الكريم فيه تصوير رائع للأحداث مثلاً المشهد في سورة الشعراء (وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) يخاطبه الله تعالى على حبل طور ثم ينتقل من مناجاة موسى لربه إلى قصر فرعون وفرعون يتكلم (قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ) وهذا الإنتقال فيه لمسات بيانية في البنية الإيقاعية للقصة القرآنية إن شاء الله نتحدث عنها في حلقات قادمة كأن هناك كاميرا تصور المشاهد في القرآن أحد المفسرين قال طوي الزمن والمكان في المشهد بدل أن يفصل أنه ذهب إلى فرعون ودخل القصر إلى آخر الأحداث. المناظرة بين موسى u وفرعون يوقف أمامها وقفة طويلة كما كان يقول أحد أساتذتنا في البلاغة.

قبل له: في قوله تعالى في سورة النور (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4)) استعمل (تقبلوا لهم) كان ممكن في غير القرآن أن يقول: ولا تقبلوا منهم شهادة أو ولا تقبلوا عنهم شهادة والقبول من هو الأكثر استعمالاً لأن القبول هو أخذ الشيء برضى أي أن هناك معطي وهناك آخِذ فإذن هناك صلة مقصودة أقدم لك شيئاً تقبله مني وتبقى هناك صلة بيني وبينك كأنه يراد أن تستمر الصِلة بين الطرفين. لو قال قبل عنه كأنه انقطعت الصلة أخذها وانقطعت الصلة لأن (عن) للمجاوزة. إذا كان الفعل مبنياً للمعلوم الذي جاء بـ (عن) يكون الله تعالى يتكلم عن نفسه إما مباشرة جلت قدرته أو عن طريق الغيبة (وهو) (أولئك الذين نتقبل عنهم) الكلام من الله سبحانه وتعالى. لكن لما يكون الكلام من عباده أو مبنياً للمجهول تبتعد فكرة الصلة المادية. لكن (يُقبل منه) مبنية للمجهول، للمفعول لا تحس بالرابط الذي كأنما يراد تجنبه. انتقلت للبناء للمفعول لو كانت مبنية للفاعل كانت ستكون: يقبل عنه.

(ولا تقبلوا لهم شهادة) وردت مرة واحدة فقط لم يقل لا تقبلوا منهم. اللام كما يقول علماؤنا للملك والملكية. هؤلاء الذين يرمون المحصنات ورمي المحصنة شيء عظيم ليس بالأمر السهل أن تتهم المرأة في عفافها ولذلك العقوبة شديدة ثمانين جلدة أمام الناس ولا تقبل لهم شهادة. لم يقل ولا تقبلوا منهم أو عنهم كأنما لا ينبغي أصلاً أن يباشروا إصدار شهادة فلا تنفصل عنهم ولا تصدر منهم، هم لهم شهادة ولو كان في غير القرآن كان يمكن القول ولا تقبلوا شهادة لهم ولكن في القرآن قدّم (لهم) تعني أنهم يملكون شهادة في مناسبات أخرى لكن لا يُمكّنون من إظهارها أصلاً تبقى في ملكهم، هذه الشهادة لهم احتفظوا بها (لو قال تقبلوا منهم أو عنهم كأنها صدرت منهم، يسمعون ولا يقبلون) لكن المطلوب أصلاً أن لا يتكلم لأنه اتهم امرأة عفيفة بعفافها فجُلِد وحتى لو كان له شهادة احتفظ بها. هم يملكون شهادة لكن يقال لهم احتفظوا بملككم ولا يُمكّنون من إظهارها أصلاً حتى تقبل منهم أو تقبل عنهم. الشهادة ملكه لأنه ارتكب هذا الجرم العظيم وهو قذف المرأة المحصنة.

(يقبل التوبة عن عباده): وردت (يقبل عن) في ثلاثة مواضع (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (16) الأحقاف)، (أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (104) التوبة)، (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (25) الشورى) هذه الآيات الثلاث فيها نسبة قبول التوبة إلى الله سبحانه وتعالى إما بالحديث مباشرة (نتقبل عنهم) أو على سبيل الغيبة وهو سبحانه المتحدث فقال (عن) حتى تنفصل لأنها تعود إلى الله تعالى مباشرة.

الآيات الأخرى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الضَّآلُّونَ (90) آل عمران) بناها للمجهول (بناها للمفعول) ولم يأت بحرف جرّ، ما قال لم يقبل الله توبتهم لأنهم لا يستحقون أن يذكر معهم إسم الله تعالى. هذه التوبة الموجودة عنهم لا تقبل لا منهم ولا عنهم ولا لهم لأنهم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً.

(وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85) آل عمران) الذي يصدر عنه أي دين لا يُقبل منه، يقال أنه لا يوجد إنسان بلا دين حتى الملحد دينه الإلحاد لأن الدين هو أن تدين بشيء. والإسلام هو دين الأنبياء جميعاً لكن مع مراعاة أن إسلام أي نبي هو لزمانه فالنبي التابع الذي بعده ينبغي أن يتبعه أتباع النبي السابق حتى يصل الأمر إلى خاتم الأنبياء r.

(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ (91) آل عمران) بناها للمجهول، (وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ (48) البقرة) بناها للمجهول، (وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ (54) التوبة) بناء للمجهول، (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا (37) آل عمران) لم يعدّيها وإنما تقبلها هي، (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء (40) ابراهيم) من غير تعدية (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) البقرة) دعاء صادر من إبراهيم واسماعيل عليهما السلام. هذه الآيات كلها غير منسوبة لله تعالى بصراحة فهي إما مبنية للمجهول أو من البشر (إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35) آل عمران) ليس من كلام الله المباشر على لسان الباري سبحانه وتعالى وإنما على لسان البشر. (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) المائدة) هذا كلام على لسان ابن آدم (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (36) المائدة)، بناها للمجهول، (قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ (53) التوبة)، بناء للمجهول،

الآيات الثلاثة أمامنا: (ألم يعلموا أن الله يقبل التوبة عن عباده) خطاب من الله سبحانه وتعالى، (أولئك الذين نتقبل عنهم) هنا جاءت (عن) لقطع الصلة المادية في ذهن الإنسان بين عمله، بين توبة الإنسان والله سبحانه وتعالى.

سؤال 240: قال تعالى (وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (37) فصلت) ما دلالة ذكر الجمع في (خلقهن) مع أنهما مثنى أي الشمس والقمر؟

لو تأملنا الآيات نجد أنها لا تشير إلى الشمس والقمر فقط. (ومن آياته) وآيات الله سبحانه وتعالى في كونه لا تُعد ولا تُحصى ومن آياته: الليل والنهار والشمس والقمر، إذن عندنا أربع آيات لذلك قال (خلقهن)؟ لكنه يمكن أن يسأل لماذا لم يقل خلقها مع أنها لغير العاقل؟. لا تسجدوا للشمس والقمر وإنما اسجدوا للذي خلق هذه الأشياء التي ذكرها، فهي لا تعود على الشمس والقمر وحدها وإنما على الليل والنهار والشمس والقمر. لا تسجدوا للشمس ولا للقمر فيها تأكيد لم يقل لا تسجدوا للشمس والقمر لأنه قد يُفهم أن الممنوع هو السجود للشمس والقمر فهو يسجد للقمر وحده. لا تسجدوا للشمس وللقمر مجرد هنا أكد ولكن للإثنين، لا تسجدوا للشمس ولا للقمر، قرّب وأكّد باللام ولو قال للشمس والقمر لاعترض العرب وقالوا قد يُفهم أن المنهي عنه السجود للشمس والقمر معاً فيمكنه أن يسجد لواحد منهما. الأعراب كانوا فصحاء رغم أنهم لم يكونوا يكتبون العربية ولذا النحاة كانوا يخرجون إلى البادية يسمعون منهم. لذلك كرّر (لا) للتأكيد والفصل، (واسجدوا لله الذي خلقهن) أي الأربعة أشياء ولو قال واسجدوا لله الذي خلقها ينصرف الذهن لخلق الشمس لأنها المؤنث الوحيد كأنه خلق الشمس وليس الليل والنهار والقمر. في اللغة يمكن أن تقول خلقها من حيث اللغة لكن من حيث القرآن لا يجوز أن يقال إلا (خلقهن). القرآن أشبه ما نسميه الآن بالصياغات القانونية فالقانون يصاغ كل حرف وكل كلمة مقصودة ومع ذلك يخطئ البشر فيجتمع أهل القانون ويعيدون الصياغة مرة أخرى حتى يتفادوا أي منفذ لكن الله تعالى أبى أن يصح إلا كتابه. إذن خلقهن تعود للمخلوقات المذكورة من قبل في الآية الليل والنهار والشمس والقمر.

سؤال 241: ما دلالة استعمال المثنى والجمع في قوله تعالى (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (12) فصلت)؟

قال تعالى في سورة فصلت (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ (10) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (12)) نلاحظ أن كلمة جعل تلحق بكلمة خلق كما شرحنا في حلقة سابقة. الآيات تتحدث عن خلق الأرض وخلق السموات وتقدّم أولاً خلق الأرض لأن عندنا في اللغة كلمة السماء هي كل ما علاك والمسألة نسبية يعني لا يمكن أن يكون شيء اسمه السماء إلا أن يكون تحته شيء هو سماء له، لا يمكن أن يكون هناك علو من غير أرض. تخلق الأرض تكون أرضاً حتى يكون لها علو، ومن غير أرض فالكون مفتوح لا يمكن أن تقول فيه سماء لا يوجد شيء فوق شيء لكن لما خُلِقت الأرض صار هناك علو وصار هناك سماء. وقد يسمى المطر سماء في اللغة كما قيل: ما هذا يا صاحب الطعام ؟ قال أصابته السماء.

(ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ) الدخان هو تقريب لذهن العربي، الدخان هو غاز مرئي يراه الإنسان لأن الهواء غاز لا يُرى فكأنما القرآن يريد أن يبين للعربي أن هذا الخلق كان قبله خلق وهو هذا الدخان في العلو فوق الأرض، في السماء فوق الأرض هناك غاز مكثف موجود من هذا خلق الله تعالى السموات. لكن كيف هي السماء؟ ما طبيعتها؟ الله أعلم. وُجِدت السماء بأي كيفية؟ ما مادتها؟ من أي شيء تتكون؟ الذي نعلمه نحن من خلال القرآن الكريم (وزينا السماء الدنيا بمصابيح) هذه النجوم التي نراها التي هي ملايين السنوات الضوئيةهي تحت السماء الدنيا وفوقها الثانية والثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة وملك الرحمن لا حدود له. وفي كل سماء أوحى أمرها وفي كل سماء هناك شيء وفي المعراج شاهد الرسول r السموات السبع ووجد في كل سماء أحد الأنبياء.

(فقضاهن سبع سموات) لما خلق السموات والأرض كان هناك نداء من الله سبحانه وتعالى لهذين المخلوقين السموات والأرض يعلنان طاعتهما لله سبحانه وتعالى، يقرّان بالطاعة والإلتزام (إئتيا طوعاً أو كرها) خاطب تعالى الإثنين السموات والأرض على أنهما كيانان وهي غير عاقلة. كان يمكن أن يقول إئتين لغير العاقل لكن لو قلنا هذا كأنه سيضفي عليهن صفة الإستقلال ولكن القرآن أراد أن يجمع السموات والأرض فقال (إئتيا طوعاً أو كرهاً) بمعنى أعلنا خضوعكما لله تعالى بم نظّم فيكما. كيف خوطبتا وكيف قالتا؟ هذا يدخل في مسألة التأويل والإيمان بهذه المساحة. من حيث اللغة معلوم أنهما قالتا لكن كيف قالتا؟ هذا مم إستأثر الله تعالى بعلمه ولا يخوض فيه إلا من ابتغى الفتنة (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به). من حيث اللغة مفهوم لكن كيف تكلمت السموات والأرض هذا مما إستأثر الله تعالى بعلمه.

قال (أتينا طائعين) لم يقل طائعتين من الذي مطلوب منه الطاعة العاقل أو المجنون؟ العاقل طبعاً ولو قال طائعتين مثلاً معناه يرسّخ غير العاقل فيها (مؤنث غير حقيقي فهو غير عاقل) إئتيا تقال للعاقل ولغير العاقل: رجل وامرأة، امرأتان، رجلان تقول إئتيا. لكن لو قال (طائعتين) كأنما يرسخان فكرة غير العاقل وهما خوطبتا بالعقل (إئتيا طوعاً أو كرهاً). (قالتا أتينا طائعين) لجمع المذكر السالم لأنه للعاقل. السماء والأرض مادتان أصلاً فيصنفها العربي من غير العاقل فلو قال طائعات يكون جمعاً لغير العاقل لأنهما غير عاقل لكن جمع المذكر السالم خاص بالعقلاء فقط والطاعة تستدعي العقل فماذا تستفيد أن يطيعك غير العاقل؟ إذن الطاعة من العاقل. هذه الصورة نجدها في سورة الشعراء (إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّن السَّمَاء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (4)) لم يقل خاضعة لأن الخضوع لله عز وجل يقتضي خضوع العاقل. ولم يقل خاضعات لأنها غير عاقل لذا قال خاضعين. قليل اللغة يقول كيف تقول خاعين مع أن أعناق جمع عنق وهي مؤنث كيف يقول خاضعين؟ لأنه يقتضي أن الخضوع لله عز وجل يكون بعقل (العنق مؤنث ولم يقل الأعناق خاضعة مع أنها فصيحة) وإنما قال خاضعين ولذلك بعض المفسرين ممن يتهيب من هذه السورة هنا يقولون أنه يعني بالأعناق كبراء القوم لكن إن كان هذا صحيحاً فكيف نقول عن كبراء القوم (فظلّت)؟ لكن هذه لغة القرآن (خاضعين) لأن الخضوع لله عز وجل يكون بعقل ولا فائدة من خضوع غير العاقل.

القرآن خاطب أمة فصيحة ونحن مأمورون الآن أن نتعلم لغة هذه الأمة الفصيحة حتى نفهم كيف خوطبوا؟ هو أمر سهل على العربي صاحب الوشائج والقُربى أن يحمل سيفه ويقاتل أباه وأخاه أو أن الأسهل أن يصنع مثل هذا الكلام؟ لكنهم كانوا يدركون هذا الكلام ولذلك بعضهم يضعون أصابعهم في آذانهم لا يريد أن يُسلم حتى لا يقال أنه اتبع محمداً وترك دين آبائه وأجداده. فهِم العرب القرآن واللغة وإلا لكانوا اعترضوا أنه ليس من لغتهم لكنهم خضعوا وخنعوا. حتى ندرك حالنا وحالهم ننظر إلى إيطاليا مثلاً أو فرنسا وغيرها من الدول الأوروبية في الوقت الذي كان يتنزل فيه القرآن كان هؤلاء يتكلمون لغة واحدة وهي اللاتينية ويمضي الزمن إلى زماننا كانت هناك لغة واحدة والآن لا يفهم الفرنسي اللاتينية ولا الإيطالي يفهمها وكان سيكون حالنا هكذا ونحن ما بقي عندنا من إدراك اللغة العربية هو بسبب كتاب الله الذي تنزل علينا وإلا لكان المصري يتكلم مثل الفرنسي والعراقي يتكلم مثل الإيطالي ولا يفهم المصري عن العراقي ولا العكس. لذا ينبغي أن نعود للغتنا حتى نعيش في تلك الأجواء. لكن نأخذ عنواناً عاماً أن أي قراءة آخذها حسب قراءتي اليسيرة أعرف أن العيب في تعلمي أنا هذا هو المبدأ لأن العرب فهموها ولم يعترضوا.

(إئتيا) مثنى لأنه قال (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ) السماء أي العلو. فهذا العلو الذي تقسّم خاطبه أولاً بوصفه هذا العلو ومعه الأرض قال (إئتيا). ويستقيم حتى مع التعدد أن السموات جعلها كياناً واحداً والأرض كياناً واحداً فخاطبهما على أنهما كيانين (إئتيا طوعاً أو كرهاً) ثم التفت مرة أخرى فقال: (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) النداء للسماء وهي دخان واحدة وللأرض واحدة وبعد ذلك قضاهن، بعد أن نادى وأتيا طائعين ومهّد لذكر السبع سموات. كان يمكن أن يقول فقضى ولكن أراد أن يمهّد لذكر العدد فقال (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ). (وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا). يبقى الأعداد: في يومين، في أربعة أيام، هذه فيها نوع من الإشارة أن الله سبحانه وتعالى قادر أن يقول للشيء كن فيكون. ونلاحظ الأيام فيها تداخل: أيام خلق السموات وأيام خلق الأرض صار هناك تداخل في ما جعل فيهن. إذا كان بيوم الأرض فتخيل دورة الأرض حول نفسها لو نظرت إليها من علو وجدتها تدور بسرعة هائلة فائقة فالزمن نسبي فيمكن أن تكون هذه الدورات التي ست دورات حول نفسها تكون نسبية كرمش العين ومع ذلك هي وقت والله تعالى يعلمنا أن الأمور لا تسير إلا بجهد وزمن. بعض العامّة يستعملها فيقول لا تعجل عليّ فالله تعالى خلق الأرض في ستة أيام. هذا نوع من التعليم والتربية لمن يقرأ كتاب الله عز وجل والله سبحانه وتعالى لم يكن بحاجة لوقت وإنما يقول للشيء كُن فيكون وقبل أن ترتبط النون بالكاف والله تعالى أعلم والأيام هي أيام نسبية أيضاً.

خلق تعالى الأرض أولاً ثم خلق السماء ثم قال (قال لها وللأرض إئتيا طوعاً أو كرهاً) لم يقل (لهما) لأن كل واحدة تختلف في كيانها عن الثانية فأُريد أن يُعطى لكل واحدة كيانها الخاص. ولما كان الحديث عن السماء (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) لأن العبارة تتحدث عن السماء ولو قال (لهما) فيه نوع من الإيجاز المُخِلّ لكنه تكلم عن السماء (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) إبتعد الكلام عن الأرض (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ (10)) ابتعدت كلمة الأرض فقال (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) ذكر الأرض التي سبق الكلام عليها وإلا يكون هناك إيجاز مُخِلّ.

 بُثّت الحلقة بتاريخ 28/10/2006م


الحلقة 60

سؤال 242: في سورة الصافات قال تعالى كلمة سلام مع عدد من الرسل (سلام على نوح، سلام على موسى وهارون) ولم ترد مع لوط ويونس ما السبب؟

ما ذكر في السؤال صحيح وذلك له سبب ونحن لو نظرنا في الآيات بدءاً من الكلام على نوح u وإنتهاء بآخر من ورد ذكره من الأنبياء سنجد أنه مع كل نبي يكون هناك حديث عن شخصه وعن ما جرى له وأحياناً تذكر ذريته ثم يقال (وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ ، سَلَامٌ عَلَى (فلان) فِي الْعَالَمِينَ) إلا مع سيدنا لوط وسيدنا يونس عليهما السلام. لما نأتي إلى الآيات نجد أن الكلام جرى حوله قليلاً ثم إنتقل إلى حال أمته بحيث ابتعد الكلام عنه (عن لوط ويونس) فلما إبتعد الكلام لم يستسغ أن يأتي (وتركنا عليه في الآخرين * سلام على فلان ) لأن الكلام ابتعد وصار الكلام على ما حدث له وما جرى لقومه لكن عُوّض ذلك وهو عندما ذكر لوطاً قال (وَإِنَّ لُوطًا لَّمِنَ الْمُرْسَلِينَ) وعندما ذكر يونس قال (وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) بأنه في آخر السورة قال (وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181)) أخّر السلام عليهما مع الجميع. لم يخصهما في نفس الموضع وإنما ابتعد وسبب الإبتعاد البناء اللفظي الذي سنقف عنده لكن مع هذا هناك شيء يتبادر للذهن ولا نجزم به وهو أن لوطاً u بدرت منه كلمة هي قوله: (قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (80) هود) وفي الأحاديث الصحيحة أن الرسول r قال: "رحم الله لوطاً (وفي رواية غفر الله للوط) لقد كان يأوي إلى ركن شديد"، كان يأوي إلى الله عز وجل فكيف يقول أو آوي إلى ركن شديد؟ وفي مسند أحمد في تفسير الحديث أنه كان يقصد عشيرته أنه ما عنده عشيرة قوية يأوي إليها، فيمكن أن يكون هذا شيء من أسباب تأخير السلام عليه أنه إختلف عن سائر الأنبياء، قد يكون هذا ولا نجزم بهذا. أما يونس فقد ترك مجال الدعوة وذهب مغاضباً وهو مأمور أن يدعو قومه في ذلك المكان لكنه يغضب ويترك ويقول لقومه لا ينفع معكم شيئ ويركب في السفينة وعوقب في وقتها فقد يكون هذا أيضاً. لكن السياق إبتعد عن مجال التسليم عليه. هل نُظم القرآن الكريم بهذه الطريقة بحيث يبتعد التسليم عليهما إلى آخر السورة هما عليهما السلام لأنه قال أنهما من المرسلين (وَإِنَّ لُوطًا لَّمِنَ الْمُرْسَلِينَ) (وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) ثم قال في آخر السورة (وسلام على المرسلين) كلهم.

نأتي إلى تفصيل الآيات ونبدأ من قوله تعالى (وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (75) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (77)) إلى أن قال (وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ (78) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (79)) قد يقول البعض ينبغي أن تكون (سلاماً) لكن هذه الحكاية في صورة الرفع أثبت كما في قوله تعالى (وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُـشْرَى قَالُواْ سَلاَمًا قَالَ سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (69) هود) قالوا حالة الرفع أثبت من حالة النصب. (قالوا سلاماً: مفعول به) (قال سلام: أي عليكم سلام، لكم سلام، جعلها مبتدأ وخبر فتكون أثبت. العلماء يوجهونها (سلام على نوح في العالمين) سلامٌ مبتدأ وصح الإبتداء به لأنه دعاء (لا يجوز الابتداء بالنكرة ما لم تُفِد) الإفادة هنا في كونها دعاء فإذا كانت دعاء يجوز الإبتداء بها (سلام على نوح في العالمين) هذا الكلام يكون على الحكاية سيقال "سلام على فلان" جملة محكية. الحكاية في الغالب تكون جملة فعلية لما تسمي رجلاً بـ (تأبط شراً) أو تسمي امرأة بـ (شاب قرناها) أو تقول: زرت سُرّ من رأى، هذه سُرّ من رأى، الحكاية غالباً على الفعل لكن أحياناً تأتي إسمية يقال: سمى ولده زيدٌ مجتهدُ فيقول إسمه زيد مجتهد، سلّمت على زيد مجتهد، رأيت زيدُ مجتهدٌ وإعرابه يكون فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة منع من ظهورها حركة الحكاية (أي أن تروى الكلمة كما هي) وهذا باب في النحو اسمه باب الحكاية أن ترد الكلمة كما هي. نقول زرت أبو ظبي لا تقل زرت أبا ظبي لأن المدينة اسمها أبو ظبي. يقال أيضاً: حفّظت ولدي الحمدُ لله (أي الفاتحة)، قرأت سورةٌ أنزلناها (أي سورة النور تأخذها على الحكاية). روي كلام عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه رفض حكاية المفرد والرواية في كتب النحو وليست في كتب الحديث وما جاء في كتب النحو لأو اللغة يؤخذ على أنه حكاية وليس يقيّناً، يقال أن عمر وردته رسالة من أبي موسى الأشعري مكتوب فيها: "من أبو موسى الأشعري" فأرسل له عمر قال: قنّع كاتبك سوطاً (أي اجلده جلدة) لأنه قال من أبو موسى وكان ينبغي أن يقول من أبي موسى. لا ندري مقدار الحكاية من الصحة ولكن العلماء يجيزون أن تحكي حكاية المفرد يجيزون أن تقول: قرأت المؤمنون يقصد سورة المؤمنون هكذا كتبت: سورة المؤمنون ولم تكتب المؤمنين، وكما قلنا سورة أنزلناها وفرضناها فقول قرأت سورةٌ أنزلناها ولما تعرب تقول مفعول به منصوب بالفتحة منع من ظهورها حركة الحكاية. (سلام على نوح) هذه محكية على صورة الرفع وهي ستتكرر إلى قيام الساعة ما دام القرآن يُتلى ستُذكر (سلام على نوح). (تركنا عليه) المفعول به أي تركنا عليه هذا الكلام (سلام على نوح) وقد تقول المفعول به محذوف تقديره كلاماً أو قولاً وفُسِّر بـ (سلام على نوح) والرأي المرجح أنه مفعول به على الحكاية. في غير القرآن يمكن أن يقال سلاماً لكن سلام أقوى لأن فيها معنى الثبات والدوام لأن حالة الرفع فيها معنى الثبات والدوام كما قال إبراهيم u (قالوا سلاماً قال سلام) العلماء يقولون قول إبراهيم أبلغ وأثبت لأنه هو المضيف والمرحِّب يرحب بعبارة أقوى منهم زبصيغة أقوى من صيغتهم.

وأكمل الكلام على نوح (إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (80) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (81) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ (82)) ثم إنتقل إلى إبراهيم u وتكلم كلاماً طويلاً (وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (83) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (84) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (85) أَئِفْكًا آَلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (86) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (87) فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (88) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (89) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (90) فَرَاغَ إِلَى آَلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (91) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (92) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (93) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (94) قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (95) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (96) قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (97) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (98) وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (99) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ (108) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (109)) تكلم على إبراهيم وولده إسماعيل إلى الآية (كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (110) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (111) وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (112) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (113)).

ثم انتقل لموسى وهارون (وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (114) وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (115) وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (116) وَآَتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (117) وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (118) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآَخِرِينَ (119) سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (120) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (121) إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (122)). ثم إنتقل إلى الحديث عن إلياس (وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (123) إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ (124) أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (125) اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آَبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (126) فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (127) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (128) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ (129) سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (130) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (131) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (132)) وإلياس هو إل ياسين لأن العرب تتصرف في الإسم الأعجمي كما قالوا طور سيناء وطور سنين. الفاصلة مهمة في العبارة لكنها مرتبطة بالمعنى وهو إسمه يُتصرف فيه فتصرف فيه لملاءمة الفاصلة والقرآن لم يغفل الفاصلة لكنها مرتبطة بالمعنى ولم يغير المعنى لأجل الفاصلة والعربي يميل لهذه الرتابة في نهاية الآيات في السجع والشعر. والفاصلة القرآنية ولله المثل الأعلى فيها جانب من العناية الصوتية وعناية في الإنسجام الصوتي.

ثم انتقل إلى لوط (وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (133) إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (134) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (135) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآَخَرِينَ (136) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (138)) يجب أن يكمل ولا يمكن أن يدخل هنا (وتركنا عليه في الآخرين، سلام على لوط) لا يستقيم لأنه جاء قوله (ثم دمرنا الآخرين) ابتعد الكلام عنه فلا يستقيم هنا أن يضع (وتركنا عليه في الآخرين) وقد تكلم على قومه والعجوز وابتعد الكلام عن ذات لوط فما يستقيم هنا. هنا ذكر العجوز أولاً بعد نجاة أهله، لا يستقيم أن يقول وتركنا عليه ف الآخرين بعد (وإن لوطاً لمن المرسلين) ما تكلم عليه وعندنا إستثناء (إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ) فلا يحسن أن يفصل ثم جاء العطف (ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآَخَرِينَ). هؤلاء المدمّرين أنتم تمرون عليهم أفلا تعقلون، الكلام مرتبط. إبتعد الكلام عن لوط فلا يستوي أن يقول (سلام على لوط) ابتعدت والضمير سيعود على قبل ثلاث آيات وفيه ذكر لاخرين وقد يعود الضمير على أحدهم. ولعل هذا البناء للأمر الذي ذكرناه أنه قال (لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد) فبنيت العبارة بناء خاصاً وابتعد الكلام عليه حتى لا يشبه سائر الأنبياء المذكورين، قد يكون هذا.

أما مع يونس u فقال (وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (139) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (140) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (141) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (142) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144) فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (145) وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (146) وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (147) فَآَمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (148)) لاحظ إستعمال كلمة أبق، أبق تستعمل لفرار العبد المملوك تحديداً. أنت عبد لله مملوك مكلّف بعمل، تترك العمل وتذهب للفلك المشحون غضبان! وهو درس لرسول الله r ولأمته من بعده أن لا يضيق صدر الداعية المسلم مما يجابهه، هذا نبيّ عوقب لما ضاق صدره وترك قومه وهو مكلف. والمسلم مكلف: (قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108) يوسف) كلنا نقول نحن من أتباع محمد r فإذن دعوة الناس لطاعة الله سبحانه وتعالى واجب من واجباتنا. (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110) الكهف) الرسول بشر (قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً (93) الإسراء) تصبّره r على قومه هو من جهده البشري. يونس لما لم يصبر أبق إلى الفلك المشحون فساهم فكان من المدحضين وأوقعه الله تعالى في المحنة: سفينة مملوءة فيها ثقل استهموا فخرج سهم يونس فأُلقي في البحر فالتقمه الحوت وهو مليم. (فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ) جاءت النجدة: تسبّح وتلجأ إلى الله سبحانه وتعالى في كل ضيق وفي كل شدة وهذا درس ولولا ذلك للبث في بطن الحوت إلى يوم يبعثون (فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144) فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (145) وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (146) وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (147) فَآَمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (148)) الكلام ابتعد لا يستقيم أيضاً أن يقول (وتركنا عليه في الآخرين) لأن الكلام صار على قومه والسفينة وانتقل الكلام ولا يستقيم أن يقول (وتركنا عليه في الآخرين). إنتقل الكلام (فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (149) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (150) أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (151) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (152) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (153) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (154) أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (155) أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ (156) فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (157)). حين كان الكلام متصلاً بالنبي ذكر (سلام على فلان في العالمين) ولما ابتعد الكلام عنه أرجأ كلمة السلام لأنه قال عنهما أنهما من المرسلين فجاءت الآية في آخر السورة (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (180) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (182)) كلهم ومن ضمنهم لوط ويونس عليهما السلام. لكن بتأخير نظم الكلام أو جاء لما وقع منهما كما ذكرنا.

(مليم) من ألام أي شديد الملامة. عندنا لامه وألامه فيها زيادة. عندما نقول اللغة تأتي بالثلاثي والرباعي بمعنى واحد وعندنا شواهد على ذلك: يقول لبيد يتحدث عن المطر:

سقى قومي بني مجد وأسقى             نميراً والقبائل من هلال

سقى واسقى بمعنى واحد في مكان واحد لكن يقولون أسقى لما أدخل عليها الهمزة كأنه صار أغزر.

أما ابن طوق فقد أوفى بذمته                        كما وفى بقلاص النجم حاديها

أوفى بمعنى وفى ولكن فيها زيادة.

لامه على الشيء أي بكّته وعاتبه وألامه أيضاً لوم لكن فيها زيادة. ألآم مضارعها يليم فهو مليم إسم فاعل يعني كأنه صار يلوم نفسه هو، هو كثير اللوم لنفسه صار يلوم وصار يستغفر.

(فنبذناه) لم يقل فنبذه الحوت مع أنه قال (فالتقمه الحوت): فالتقمه الحوت لأن فيها ضيق والخير يُنسب إلى الله تعالى ونسبة الضر تأتي لغير الله سبحانه وتعالى على صورتها على صورة الحال، إنسان رمي في البحر فالتقمه الحوت مع أن الله عز وجل سخّر الحوت ليلتقمه. الأولى كأنه موت والثانية كأنها إحياء لذا قال (فنبذناه بالعراء) إذا قال نبذه الحوت ليس فيها شيء وإنما هي صورة طبيعية لكن حتى يبين أن فعل الرحمة هو من الله سبحانه وتعالى نتيجة هذا الإستغفار والتوبة والنفس اللوامة أن الله سبحانه وتعالى إستجاب له.

سؤال 243: يقول تعالى (وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (7) النبأ) والله تعالى يصف فرعون (وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10) الفجر) وعلماء الآثار يقولون أن الذي هلك في اليم هو فرعون والذي بنى الأهرام فرعون آخر فهل الأوتاد هي الأهرام أم لها معنى آخر؟

الدراسات الآثارية أو الأثرية أثبتت أن أحد الفراعنة أو المومياءات الموجودة الآن في مصر اكتشفت أنه مات غرقاً من تحليل بعض الأجزاء من جسمه ثبت عندهم أن هذا الفرعون ميّت وهو غريق فهذا تثبيت للحقيقية التي ذكرها القرآن الكريم (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (92) يونس) نجّاه الله سبحانه وتعالى ببدنه ميّتاً فأخذه قومه وحنّطوه ودفنوه بطريقتهم واستُخرِج وهو الآن في متحف في مصر. هذا ليس هو الذي بنى الأهرامات وإنما بناها غيره. هذا الذي غرق هو فرعون موسى. والفرعون لقب لحُكّام مصر في زمن من الأزمان مثل القياصرة والأكاسرة وليس إسماً لشخص معين وإنما هو لقب للحاكم، يكون إسمه فلان فلما يصير حاكماً يلقّب. الآن عندنا لقب خادم الحرمين الشريفين صار لقباً رجّحه ملك من ملوك هذه الدولة والملك الثاني رضيه ويمكن أن يستمر إلى ما شاء الله يكون خادم الحرمين فلان. فرعون وكسرى وقيصر والخليفة، الحليفة فلان فكلمة الخليفة ليست إسماً للشخص وإنما لقب.

ما قال أحد أن الأوتاد هي الأهرامات بقدر إطلاعي. في كلام المفسرين (والجبال أوتاداً) لأن الوتِد (وتِد أفصح من وتَد) جزء منه في داخل الأرض أولاً ثم يكون مثبّتاً للخيمة. هذه الأسباب التي هي الجبال المشدودة بالخيمة تربط بالوتد فتكون خيمة ويكون العمود في وسطها. كيف شبّه الرسول r منزلة الصلاة قال: "الصلاة عمود الدين فمن أقامها فقد أقام الدين ومن هدمها فقد هدم الدين" لأنه يمكن أن تضع الأوتاد وتربط الأسباب التي هي الحبال لكن لا تضع العمود فلا تكون خيمة وإنما تكون بساطاً مربوطاً من جهات كثيرة فلا تؤويك من برد ولا من حر، فقد يكون الإنسان كريماً حسن التعامل منفقاً وخيّراً هذه مطلوبة لكنه إذا كان لا يصلي فهو من غير عمود فليس عنده بيت. والذي يضع العمود ولا يربط الأوتاد والحبال يصلي مثلاً ولكنه يشتم هذا ويلعن هذا ويعتدي على هذا، هذا ما ربط الأسباب أيضاً لا يكون بيتاً يكون عمود وحوله قماش فهذا لا يؤويك من شيء. فهذا تلازم الصورة في الحديث الشريف من الصور الرائعة.

الجبال في دراسات طبيعة الأرض والعلماء يقولون (العهدة عليهم) أن تضاريس الأرض والجبال فيها هي التي تثبت اليابسة وإلا كانت تبقى زلازل وتطمرها المياه (وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3) الرعد) وهذا جاء موافقاً لكلام الله سبحانه وتعالى والذين يقولون ليسوا مسلمين كما أن الأوتاد تثبت أركان الخيمة الجبال تثبت اليابسة. (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (9) النبأ) كمهد الطفل ممهدة مجهزة معدّة (والجبال أوتاداً) ثبتناها حتى تبقى ممهدة جعلت هذه الجبال.

أما عند فرعون فالأوتاد غير الجبال كما قال علماؤنا والأوتاد هنا أحد قولين: إما أنه أراد به كثرة الجُند الذين يثبّتون مُلكه أي هؤلاء الجند وقادة الجند كالأوتاد لفرعون وكل ملك أو حاكم له أوتاد يثبتون حكمه بالحق أو بالباطل لذا ندعو لحكامنا بالبطانة الصالحة، الحكم مثبت لو جئت بأناس صالحين يثبتون حكمك على الحق وإن جئت بأشرار يثبتون حكمك على الباطل الذي ينهار لاحقاً. ورأي آخر قريب جداً من هذا أنه لكثرة جنده كانوا إذا غزوا يأخذون الخيم فكأنه هو ذو الأوتاد من كثرة خيمه بمعنى كثرة جنده، هل هناك مرجح لأحد القولين؟ (الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11)) إذا أعدناها على الأوتاد فمهناها الحاشية وإذا أعدناها على كل ما سبق من أقوام يبقى الإحتمالان (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11)). (الذين طغوا) يحتمل أن يعود الضمير على الجميع. الآوتاد غير عاقل وكان يمكن أن يقول (التي) لكن استعمل (الذين) لأن المراد بهم العقلاء الذي ثبتوا حكم فرعون فأعادها عليهم بصيغة العاقل. نقول دائماً عندما تحتمل العبارة القرآنية الوجهين من دون مرجح قاطع نقول تحتمل الوجهين وكلاهما صحيح، هؤلاء طغوا في البلاد وأكثروا فيها الفساد عاد وثمود وفرعون وقومه وقوم فرعون طغوا في البلاد وأكثروا فيها الفساد فهم من مكثري الفساد، يقول تعالى في سورة الشعراء (وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (11)) حتى لا يرحم هؤلاء الذين فرعنوا فرعون سماهم ظالمين لأنهم ظلموا أنفسهم وظلموا حاكمهم، ودعاهم إلى التقوى. ربما يكون معنى الأوتاد جند فرعون وقطعاً هي ليست الأهرامات ولم يقل به أحد ممن يعتدّ برأيه من علمائنا. قد تجد لبعض المفسرين رأياً قد يستهويك لكن جمهور المفسرين يخالفونه فلا يصح أن تتشبث فيه سيما أن اللغة لا تسعفك فيه.

(وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ) إعراب ذي الأوتاد: ممنوع من الصرف للعالمية والعُجمة. ذي الأوتاد صفة (أي صاحب الأوتاد) جاءت مجرورة وهي من الأسماء الخمسة وليس ستة كما قالوا ظلماً وعدواناً (والنقص في هذا الأخير أحسن) السادسة كما يقولون (هنو) وهي كناية عن ما يقبح ذكره كالغائط مثلاً يقولون: هذا هنو زيد أي من آثاره السيئة بوعض العرب عدّها وينبغي أن تعالج هذه المسألة أن ما يعلم الناس اللغة السائدة الشائعة.

الأوتاد إما أعوانه الذين كانوا يثبتون ملكه ويكون الكلام مجازاً وإما أن يكون الأوتاد الحقيقية الخيم. (الجبال أوتاداً) تشبيه أي الجبال كالأوتاد، أوتاد للأرض شبهها في حمايتها للأرض بالأوتاد التي تحمي الخيمة.

سؤال 244: ما اللمسة البيانية في قوله تعالى (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ).(إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (10) الفتح) ولم تذكر يد الرسول r؟

الآية فيها وقفة أولاً على (عليهُ الله): هذه رواية حفص عن عاصم التي نقرأ بها وسائر القُرّاء قرأوها (عليهِ الله). ذكرنا أكثر من مرة أن قارئ القرآن أو الراوي عنه أشبه بشريط تسجيل لا يفكر ولا يتصرف إنما يلتقط ويحفظ. عاصم أحد قُرّاء الكوفة من السبعة أقرأ حفصاً (عليهُ الله) بناء على سماعه من قبائل من العرب وأقرأ أبا بكر شُعبة (عليهِ الله) وسائر القراء أقرأوا هكذا. هذا معناه أن بعض قبائل العرب قرأوها هكذا وأقرّهم عليها رسول الله r بأذن من ربّه. وقلنا أن القراءات القرآنية هي بقايا الأحرف السبعة التي اجتمع عثمان بن عفان رضي الله عنه و12 ألفاً من الصحابة على إحراقها. إذن (عليهُ الله) قراءة سبعية تصح الصلاة بها.

التوجيه الصوتي: يقولون كأن هذه القبائل العربية أرادت أن تبقي لفظ الجلالة مفخّماً لأن الموضع موضع عهد فقرأت (عليهُ الله) فيها عهد حتى تفخّم إسم الجلالة، وسائر القبائل قالت شأن هذه الكلمة شأن باقي الكلمات (عليهِ الله) وهذا الضّم ليس ابتكاراً لكن لأن الضمير في الأصل هو مبني على الضم كما نقول: منْهُ، لَهُ، كتبتُهُ، مع السكون والضم والفتح فهو مضموم إذن هذا بناؤه. (بهِ، إليهِ) هذا رعاية للكسرة التي قبله ولذلك الإعراب الصحيح لكلمة بِهِ: الباء حرف جر والهاء مبني على الضم وقد كُسِر لمناسبة الكسرة وأصلها بهُ لكنها ثقيلة) كذلك (فيهِ) مبني على الضم وقد كُسِر لمناسبة الياء. فالذين قرأوا (عليهُ الله) أجروه على المناسبة والغاية من الحفاظ على الأصل هو تفخيم إسم الجلالة عند هؤلاء فأقرّهم الرسول r على قراءتهم بأمر من ربه (عليهُ الله) وكذلك (عليهِ الله) قراءة قرآنية يصلّى بها.

هذه الآية لها حكاية (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (10) الفتح) هذا كان في صلح الحديبية لما أرسل الرسول r في أول الأمر خِراش المُزني صحابي من قبيلة مزينة ذهب لمكة ليقول للناس هناك أن الرسول r لم يأت مقاتلاً وإنما جاء معتمراً فاحتاط به الناس فحوّطه فأنجده الأحباش وكان عنده حلف من الأحباش وقالوا لا يُمَسّ بأذى لكن أخذوا البعير الذي أرسل عليه فذخب وقال للرسول فعلوا به هكذا فاستشار النبي r أصحابه وأراد أن يرسل عمر بن الخطاب فقال له ليس من أهل الخطاب أحد في مكة فإذا أرادوا أن يقتلوني فلا أحد ينجدني واستقر الرأي على عثمان بن عفان رضي الله عنه لأن عنده بنو أمية يملأون السهل والجبل وهم حكام قريش قبل وبعد الإسلام فقال عثمان أنا أذهب. فذهب واستقبله أبان إبن سعيد بن العاص من كبار الأمويين وأركبه على دابته وجاء به إلى دار الندوة ولا أحد يتكلم مع عثمان فقالوا له: يا عثمان طُف بالبيت إذا أردت أما محمد فلا، فقال عثمان: لا أطوف حتى يطوف رسول الله r نحن ما جئنا لقتال وإنما جئنا معتمرين. هذه الإحاطة بعثمان رضي الله عنه بعض الناس خرج وقال للرسول أحاط الناس بعثمان ولا يبعد أن يكون قد قُتِل. فدعا الرسول r للبيعة لأجل عثمان، 1400 صحابي بايعوا، الرواة اختلفوا وقال الرسول r لأحد الأنصار على ما تبايع؟ فقال على ما في نفسك يا رسول الله أي أياً ما كان في نفسك. بعض الصحابة قال بايعنا على الموت وبعضهم قال ما فهمنا هذا وقالوا بايعنا على أن لا نفِرّ والعلماء قالوا المعنى واحد فالذي يقاتل ولا يفرّ كأنه يبايع على الموت فالبيعة كانت على الموت.فالرسول r كان مادّاً يده ويأتي الناس ويضربون على يده فجاء الرسول r بيده اليمنى وقال هذه يد عثمان إكراماً لعثمان وهذه مما أُكرِم به عثمان. وإكرام عثمان كان أولاً بتزويجه إبنتي رسول الله r لذا نترضى عليه وعلى جميع صحابة رسول الله r ونترك ما شجر بينهم إلى الله عز وجل ولا نتطاول عليهم. فكانت هذه البيعة. البيعة كانت مع يد رسول الله r لكن الله عز وجل أراد أن يبين للمسلمين أن البيعة هي مع الله تعالى تعظيماً لشأن البيعة وإلا يدُ الرسول r مستعملة للبيعة حقيقة ولذلك لم تُذكر ولذلك ذكرت يد الله تعالى ولله المثل الأعلى وقلنا أكثر من مرة أن صفات الله عز وجل وكل كلام يتعلق بشأن الباري نُمِرّه كما هو ونفهمه كما تعيننا عليه اللغة. يد الله فوق أيديهم يعني هم يبايعون الله وهذا تصوير بالبيعة إفهمها كما تشاء لكن ليس بهذه الأصابع وإنما بما يليق بجلال قدره سبحانه وتعالى. منهم من يقول معانها أن قدرته فوق قدرتهم، بيعته فوق بيعتهم، رحمته فوق أيديهم، لكن هي هكذا. البيعة تكون عادة بالأيدي فقال (يد الله فوق أيديهم) أي تأكيداً لمبايعتهم لله سبحانه وتعالى وهي بيعة مع الله عز وجل إعظاماً لهذه البيعة وإكراماً لشأن المبايعين 1400 صحابي مات رسول الله r وهو عنهم راضٍ والله تعالى عنهم راضٍ. (يتبع في الحلقة القادمة)

بثّت الحلقة بتاريخ 2/11/2006م


الحلقة 61:

تتمة سؤال الحلقة الماضية:

إستطراد من المقدّم: يقول البعض أنه إذا لم تتغير الدلالة البنيوية في اللغة فإن المعنى واحد فقوله تعالى (يد الله فوق أيديهم) فطالما أن أيديهم بهذه الصورة أصابع فيكون يد الله تعالى - حاشاه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً- مثل هذه اليد وإلا كان يغيّر اللفظ فيقول مثلاً قدرة الله أو حفظه أو غيرها فما رأيكم؟

الأسلوب في عرض الفكرة يختلف من حال إلى حال. هنا عندما تكون فكرة البيعة والبيعة هي في حقيقتها بيع وشراء كما قال الله عز وجل (إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111) التوبة) فمسألة المبايعة بيع وشراء أن الله سبحانه وتعالى إبتاع (إي اشترى) نفوسهم بالجنة. عادة العرب في المبايعة على الشيء عندما يريد أن يبايع هو أن يضع يده في يد من يبايعه. الصورة هي هي وضعت في هذا المجال لأن المسلمين بايعوا الرسول r بوضع يدهم بيده r فلما كانت صورة المبايعة بالأيدي إستعمل القرآن الكريم لفظة اليد لله سبحانه وتعالى (يد الله فوق أيديهم) ولو قال قدرة الله كما هو في توجه بعض المفسرين إلى بيان المعنى، هو نوع من التفسير أوالتوجيه، لو قال أي لفظة من هذه الألفاظ تبتعد صورة المبايعة لأن أصل البيعة تكون الأيدي لكن لما قال سبحانه وتعالى (يد الله فوق أيديهم) حُوفظ على هيكيلية المبايعة ولو استعمل أي لفظ آخر تضيع الصورة، نعم يبقى المعنى، لا سيما في الحديث عن صفات الله تبارك وتعالى أو ذاته عز وجل المعاني ينبغي أن تفهم وفق كلام لغة العرب في ضوء (ليس كمثله شيء). نلاحظ مثلاً نصاً للإمام الجوزي في زاد المسير وهو يتكلم على قوله تعالى (إن الذين يبايعونك) قال يعني بيعة الرضوان في الحديبية وعلى ماذا بايعوه؟ فيه قولان: أحدهما أنهم بايعوه على الموت والثاني على أن لا يفِرّوا ومعناهما متقارب لأنه أراد على أن لا تفروا ولو متم وسميت بيعة لأنهم باعوا أنفسهم من الله سبحانه وتعالى بالجنة وكان العقد مع رسول الله r فكأنهم بايعوا الله عز وجل لأنه ضمِن لهم الجنة بوفائهم (مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (80) النساء) هذا الترابط بين طاعة الرسول r وطاعة الله سبحانه وتعالى، بيعة الرسول r وبيعة الله سبحانه وتعالى (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله). وقال الجوزي (يد الله فوق أيديهم) فيها أربعة أقوال: أحدها يد الله في الوفاء فوق أيديهم أن الله سبحانه وتعالى يفي لهم بما تعاهد معهم عليه رسوله r لأن الرسول r هو الذي قال لهم نبايع على الجنة (على أن لا تفروا أو على الموت مقابل الجنة) فالله تعالى يفي لهم بذلك، هذا تعهّد من الله تعالى بذلك. والثاني يد الله في الثواب فوق أيديهم أن الله تعالى سيثيبهم، والثالث يد الله عليهم في المِنّة والهداية أن الله تعالى هداهم ليبايعوا الرسول r وليس من عند أنفسهم (وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله) إهتداؤهم إلى البيعة هو من الله سبحانه وتعالى، والرابع قوة الله ونصرته فوق قوتهم ونصرتهم، وخلاصة عهد الله تعالى لهم بالوفاء والثواب، هذا المعنى المستنبط من جميع هذه المعاني وقلنا الصورة هي صورة المعاهدة وصورة العهد يقتضي الأيدي لكن ما ماهية يد الله سبحانه وتعالى؟ هذا نؤمن به لأنه غيب كما أخبر الله سبحانه وتعالى، لله سبحانه وتعالى يدٌ تليق بذاته ونحن نُمِرُّ الآية هكذا (يد الله فوق أيديهم) بقدر ما يفهمه العربي. والعربي يفهم من هذه الصورة أن بيعته مع الرسول r هي بيعة مع الله عز وجل هذا الذي يفهمه وهذه هي الصورة. يد الرسول r موجودة فعلاً في البيعة هم بايعوه وهم ضربوا على يده وهو r ضرب بيده على الأخرى وقال هذه يد عثمان وتكلم على لسان عثمان أي بايع الرسول r عنه على الموت.

سؤال 245: ما سبب تقديم وتأخير كلمة رغدا في آية سورة البقرة (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ (35)) (وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَـذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58))؟

العيش الرغد أو الأكل الرغد هو الهنيء الذي لا جهد معه، رغداً يعني من غير أن يبذل جهداً يأتي الطعام من غير جهد كبير. الآية الأولى الكلام مع آدم u (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ) الترخيص بسكن الجنة أولاً (اسكن أنت وزوجك الجنة) ثم بالأكل من الجنة (وكلا منها رغداً) ثم بمطلق المكان (حيث شئتما) المكان مطلق غير مقيّد ثم قيّده بشجرة (ولا تقربا هذه الشجرة) هذا التقييد بعد الإطلاق هو نوع من الإستثناء كأنه قال: كلوا من كل هذه الأماكن إلا من هذا المكان. لما كان الكلام إستثناء من مكان ربط بين المستثنى والمستثنى منه، المستثنى منه (حيث شئتما) والمستثنى (قربان الشجرة) فلا بد من إتصالهما. ولو قيل في غير القرآن: كلا منها حيث شئتما رغداً ولا تقربا ستكون كلمة (رغداً) فاصلة بين المستثنى منه والمستثنى وهذا خلل في اللغة لا يجوز الفصل بين المستثنى والمستثنى منه أو على الأقل فيه ضعف إن لم نقل خطأ لأن المستثنى والمستثنى منه بينهما علاقة ولا يكون هناك شيء يفصل بينهما. فلوجود معنى الإستثناء جُمع بين المكان (حيث شئتما) والمستثنى الذي هو قربان الشجرة، كأنه قيل في غير القرآن: كلا منها حيث شئتما إلا من هذا المكان. حيث شئتما إلا من هذا المكان لا يستوي أن يكون بينهما كلام لذلك قدّم رغداً مع نوع من الإهتمام بالعيش الهنيء لهما. كلا منها رغداً حيث شئتما إلا من هذا الموضع فجمع بين المكان المستثنى منه وبين المكان المستثنى الذي ينبغي أن لا يقرباه وهذا السر في تقدّم رغداً.

أما الآية الأخرى (وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية) أيضاً مكان (فكلوا منها حيث شئتم) المكان ثم قال (رغداً) بعد أن جمع المكانين والمعنى هنا ليس فيه إستثناء ولم يقل (إلا) وإلا كان يقدّم، وإنما قال (وادخلوا الباب سجداً) إنتقل لموضوع آخر. هذه القرية مفتوح أمامكم جميع نواحيها للأكل الرغد، للأكل الهنيء، (ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغداً) جمع المكانين القرية وحيث شئتم ثم جاء بـ (رغداً) بعد ذلك. الأسلوب ليس اسلوب استثناء، لا يوجد إستثناء هنا ولذلك جاءت العبارة على بنائها الاعتيادي. ولو قال رغداً حيث شئتم كأنه سيكون فاصل بدون داعي فصل بين المكانين: القرية وحيث شئتم من دون داعي، بينما في الآية الأولى هناك داعي للفصل (وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ) لأن هناك استثناء أما في هذه الآية هناك مناسبة بين القرية وحيث شئتم أما في الآية الأولى ففيها معنى الإستثناء فجعل (رغداً) تتقدم. لذلك نقول دائماً كل كلمة في القرآن في مكانها وإلا لا يُعجِز القرآن أن يقدّم هنا ويؤخّر هنا.

التوجيه الإعرابي لكلمة (رغداً): عندنا توجيهان من حيث الإعراب: بعض النحويين ابتكر مصطلح نائب المفعول المطلق لأن أصل العبارة: وكلا منها أكلاً رغداً، أكلاً مفعول مطلق ورغداً صفة للمفعول المطلق فلما حُذِف المفعول المطلق وبقيت صفته قال هذه نائب عن المفعول المطلق. ومنهم من قال لا، هي صفة لموصوف محذوف والموصوف مفعول مطلق. تستطيع أن تقول هي صفة لمفعول مطلق محذوف كأنك تبين غايتها وهدفها أنها تصف شيئاً أو تقول إنها نائب لمفعول مطلق.

ما اللمسة البيانية التي تضفيها كلمة رغداً خاصة أنها جاءت بعد (حيث شئتم)؟ بيان أنه من غير جهد، من غير أن تبذلوا أي جهد. هذه القرية كانت مليئة بالثمار والأشجار ترتاحون فيها إكراماً لهؤلاء من الله سبحانه وتعالى لكن مع ذلك هم قابلوه بقولهم حنطة وبدلوا (فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ). لله سبحانه وتعالى حكمة في التعامل مع بني إسرائيل، لا هم سجدوا ولا قالوا حطة وإنما دخلوا القرية يزحفون على أعقابهم. مع كل هذا الإكرام (وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَـذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ) الإغراء في الكلام وبالتكريم ومع ذلك بدّلوا (فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ).

سؤال 246: ما معنى الضعف في القرآن في قوله تعالى (أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاء فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (266) البقرة) وقوله تعالى (يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا (28) النساء)؟

كلمة الضعف ضد القوة إما القوة المادية أو القوة المعنوية. في الآية الأولى (أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاء فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (266) البقرة) هي مثال لمن يحوّل عمله الصالح إلى سيء. سؤال بصورة (أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاء فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ) هذه جنة الدنيا، ماء وأنهار وثمار ماذا يريد الإنسان بعد هذا من حيث الجانب المادي؟ حديقة واسعة فيها من كل الثمرات والأنهار تجري من تحتها وأصابه الكبر لا يستطيع أن يزرع (وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاء) هذا الرجل الكبير عنده أطفال صغار (فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت) مصيبة عظمى وهذه الصورة التي يرسمها القرآن صورة جنة أثمار وأعناب ونخيل والعربي يحب النخلة وإذا وجدت إنساناً محبّاً للنخلة فهو عربي لأنه من حبه لها لا يترك شيئاً منها بدون إستفادة منه، الثمرة يستفيد منها والنواة والسعف والجذع بعد أن يموت يجعله سقفاً لبيته، هناك علاقة بالنخلة لذا يذكر القرآن بها. الذرية ضعفاء ما عندهم قوة لإعادة الزراعة واحترقت الجنة وهذه مصيبة عظمى، هكذا شأن الذي يتحول من الإيمان إلى الضلال والمعصية والكفر فهي صورة والضعفاء هنا المراد بهم صغار السن.

الآية الأخرى (وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيمًا (27) يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا (28) النساء) الله تعالى يحب هذا لكم ويرضاه لكم ليس من باب إرادة الفرد وإنما من باب إرادة الحب أن الله تعالى يحب هذا لكم، يرضى لكم أن يتوب عليكم بأن تستغفروا (وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيمًا) الذي طريقه إلى النار يريد الجميع أن يكون طريقهم إلى النار، (يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا) ما يرتكبه الإنسان من الآثام ثقلٌ على جانبه، التشديد في الأوامر والطلبات لا تكونوا كبني إسرائيل شددوا فشدد الله تعالى عليهم قال لهم اذبحوا بقرة كان بإمكانهم أن يذبحوا اي بقرة لكنهم بدأوا يسألون فصار التضييق عليهم والرسول r يقول :" ذروني ما تركتكم وفي رواية دعوني ما تركتكم" بمعنى أنه إذا كانت هناك قضية لا أحدثكم بها لا تسألوا عنها. (الفعل ذر ويذر بالأمر والمضارع والماضي منه ميّت لذا استغنوا عنه الفعل ترك) والله تعالى يقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللّهُ عَنْهَا وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (101) المائدة) دعوها لأن الله