برنامج لمسات بيانية

إجابات الدكتور حسام النعيمي على أسئلة المشاهدين


الحلقة 65

سؤال 261: ما دلالة المثل في قوله تعالى (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (17) البقرة) لماذا ذهب بنورهم وليس بنارهم؟ وما الفرق بين ذهب به وأذهب؟

هذه الآية الكريمة هي جزء من مجموعة آيات في بداية سورة البقرة تكلمت عن المنافقين ومعلوم أن المنافقين إنما سُمّوا بهذه التسمية لأن ظاهرهم مع اللمسلمين وباطنهم في حقيقة الأمر أنهم مع الكفار حتى قيل أن الكفار خير منهم لأن الكافر صريح يقول هو كافر لكن المنافق يقول لك هؤمؤمن مسلم ولكنه يهدم ويخرّب من داخل المجتمع المسلم. فضرب الله عز وجل لهم مثلاً فقال (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ) وجود النار في الصحراء عند العرب مثال معروف على الظهور والإنكشاف وهداية الضالّ:

وإن صخراً لتأتمّ الهُداة به   كأنه علمٌ في رأسه نارُ

كأنه جبل فوقه نار الهداة يأتمون به من مسافات بعيدة. والعرب كانوا يوقدون النار في الليل في الصحراء لغرضين: لهداية الضالّ ولدعوة الأضياف أنهم يأتون فيجدون مكاناً ينامون فيه ويأكلون فيه. وبعض مناطق العراق كانت إلى عهد قريب لم يكن فيها لا فنادق ولا مطاعم وإنما لديها دواوين يأتي إليها المسافر ينام ويأكل فيها.

الآية تتحدث عن شخص أوقد هذه النار ولما أوقدها وتعالى لهيبها أضاءت ما حوله، هذه الإضاءة تمتد إلى مسافات بعيدة معناه أن هؤلاء عاشوا في هذا الضوء لأنها لما أضاءت ما حوله هؤلاء استضاءوا بالضوء واستناروا به - ونحن نقول أن هذا المثل يمكن أن يحمل أن الرسول r هو مثل الموقِد لهذه النار الهادية - فلما جاءوا من حولها ورأوا هذا النور وتذوقوا حلاوة ايمان طمسوا هم على قلوبهم ولم يستفيدوا من هذا النور الذي أوقدت ناره وعلا ضوؤه ولذلك نلاحظ (كمثل الذي استوقد ناراً ) هنا فرد، (فلما أضاءت ما حوله) هو حوله أناس، فالعربي لا يعيش وحده، فلما يوقد النار قبيلته حوله فهم أيضاً يستضيؤون بهذه النار وكذلك الأغراب البعداء يهتدون لهذه النار. (فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم) هم عاشوا في ضوء ولو لحقبة يسيرة، إطلعوا على الإسلام بخلاف الكافر الذي كان يضع إصبعيه في أذنيه ويقول لا أسمع (جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (7) نوح) لا يريدون أن يسمعوا. (فلما أضاءت) بسبب أن هؤلاء لم يستفيدوا من هذا النور قال ذهب الله بنورهم.

والفرق بين النور والضوء أن النور عادة في لغة العرب لا يكون فيه حرارة أما الضوء ففيه حرارة ومرتبط بالنار والإنسان يمكن أن يضع يده من مسافة في الضوء وتأتيه حرارة الضوء كما قال في القرآن (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا (5) يونس) إضاءة القمر ليس فيها حرارة فاستعمل النور. النار المضيئة إذا خفتت وخمدت يبقى الجمر مخلفات النار وهو بصيص يُرى من مسافات بعيدة. الخشبة إذا أحرفتها يبقى فيها شيء من النور قبل أن تتفحم نهائياً وليس فيها تلك الحرارة من مسافة. فلما يقول تعالى (ذهب الله بنورهم) يعني أصغر الأمور التي فيها هداية زالت عنهم. العربي حتى لو كان بعيداً هو يرى هذه الجمرات الصغيرة فتهديه أيضاً، لو قال في غير القرآن ذهب الله بضوئهم تعني يمكن أنه ذهب الضوء لكن بقيت الجمرات لكن يريد القرآن أن يبين أن هؤلاء بعد أن أغلقوا قلوبهم (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (34) محمد) بعد أن قفلوا قلوبهم لمعاني كثيرة منهم من كان ينظم له الخرز ليكون ملكاً فجاء الإسلام وساواه مع الرعيّة وغضب أتباعه وأعوانه وكانوا في غضب شديد من هذا الدين، هؤلاء أقفلوا قلوبهم ولم يستفيدوا من هذا الضوء لذا قال استوقد ناراً بالمفرد إشارة إلى الرسول r ثم (ذهب الله بنورهم فهم لا يبصرون) لا يبصرون شيئاً حتى الجمر الصغير ما بقي عندهم.

يبقى الفارق بين أذهب نورهم وذهب بنورهم. لما تقول –ولله المثل الألى - أذهبت هذا الشيء أي جعلته يذهب أذهبته فذهب، أنت فعلت وهو أيضاً إستجاب للفعل مثل أعلمته فعلم، فعل منك واستجابة من الطرف الآخر. فلو قال أذهب الله نورهم كأنها تعني أمر النور أن يذهب اولنور استجاب وذهب، هذا الذي ذهب قد يعود لأنه استجاب للإذهاب فذهب لكن قد يعود. أما صورة (ذهب الله بنورهم) كأن الله تعالى اصطحب نورهم بعيداً عنهم وما اصطحبه الله عز وجل لا أحد يملك أن يعيده. هذا نوع من تيئيس الرسول r من المنافقين لأن الجهد معهم ضائع وهذه خصوصية للرسول r ولا يقول الإنسان أن هذا الشخص لا نفع من ورائه فلا داعي لوعظه وتذكيره، إنتهى وأغسل يدي منه كلا هذا لا يجوز لكن يبقى يحاول. لكن خص الرسول r بهذا الأمر أن هؤلاء المنافقون انتهى أمرهم. الله تعالى ذهب بالنور كأنه هو أخذ هذا النور، كأنك أخذت شيئاً أو اصطحبت شيئاً وتمضي لا أحد يملك أن يعيده إلا إذا كان أقوى منك فما بالك إذا كان الذي اصطحب النور وذهب به هو الله سبحانه وتعالى؟! هذا فيه تيئيس من عودتهم إلى الصلاح أو الإيمان لذا قال في أماكن أخرى قال (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (80) التوبة) لأنهم كانوا عناصر هدم في المجتمع المسلم. كان الرسول r يخرج إلى الغزو فيخرجون معه وفي منتصف الطريق يرجعون ليثبطوا المسلمين (يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (8) المنافقون) عناصر تخريب، إتفقوا مع أعداء الإسلام في الخندق فهذا نوع من التيئيس أي يا محمد r كن يائساً من هؤلاء وانصرف لغيرهم وهذا خاص برسول الله r . هذا الذي وجد رجل شقياً تتحاماه الناس ورجل صالح بجواره يعِظه فقال ما تصنع يا فلان؟ قال: أغسل حبشياً لعله يبيض وفي بعض الروايات كان هذا سبباً في توبة هذا الرجل، قال تشبهني بمن لا فائدة من غسله أُشهدك أني من هذه اللحظة تبت إلى الله. لأن القلب لا أحد يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى. دلالة المثل خاص بالرسول r، تيئيس، دعهم، اتركهم ولا نفع من ورائهم، هؤلاء فئة كانت في المدينة مخربة بعد أن رأت النور انحرفت عنه. هو ذاق حلاوة النور والإيمان ثم إنحرف عنه.

سؤال 262: ما دلالة إستعمال يتبيّن مع الصادقين وتعلم مع الكاذبين في الآية (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (43) التوبة)؟

هذه الآية فيها أكثر من سؤال: فيها سؤال. في مسألة (عفا الله عنك) والخطاب للرسول r. أصل العفو في اللغة المسح، عفت الريح الأثر أي مسحته وما بقي أثر فلما نقول عفا عن فلان أي مسح ذنبه كأنه لم يذنب وكأنه ما عاد له ذنب. هذا الأصل اللغوي للمفردة لكن ننطرها في السياق، فهل أثم الرسول r حتى عفا عنه؟ ولم أذنت لهم؟ كان يمكن في غير القرآن أن يقول : حتى يتبين لك الصادقين وتعلم الكاذبين أو يقول: حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الذين كذبوا. لكن أولاً لنعلم فيمن نزلت هذه الآية؟ نزلت في المنافقين الذين ثبطوا الجيش المسلم في تبوك، هذه الغزوة التي صرّح بها الرسول r من سائر غزواته وكان دائماً يورّي إذا أراد الذهاب إلى الشمال يورّي ويرسل سرية إلى الجنوب إلا في تبوك فصرّح r وقال إنا ذاهبون إلى الروم.

القرآن يتكلم عن هؤلاء (لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاَّتَّبَعُوكَ) تبوك بعيدة، (وَلَـكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) يهلكون أنفسهم لأنهم كاذبون حتى مع قسمهم. (عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (43) لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (44) إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (45) وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَـكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (46) لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِين (47) لَقَدِ ابْتَغَوُاْ الْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَّبُواْ لَكَ الأُمُورَ حَتَّى جَاء الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ (48)) إذن هؤلاء طائفة من المنافقين جاءوا إلى الرسول r إستأذنوه بعدم الخروج قالوا: إئذن لنا أن لا نأتي معك لظروفهم، فالرسول r أذن لهم لأن الجهاد تطوعي والمجاهدون كان يتطوعون تطوعاً ما عندنا جيش إلزامي، فكأن القرآن يقول له لو تصبّرت قليلاً وقلت لهم لا أسمح لكم كانوا يجاهرونك بالعصيان وينكشفون لأنهم لا يريدون أن يخرجوا معك فأنت أذنت لهم فأزلت فرصة كشفهم. ولو شاء الله تعالى لأراه إياهم (ولتعرفنهم في لحن القول). عبارة (عفا الله عنك) العربي يستعملها استعمالاً خاصاُ وبها نزل القرآن الكريم وهو العتاب الرقيق اللين الدال على المحبة وليس فيه محو ذنب لأن الأصل في المسألة أن  النبي r هو قائد الجيش وهو الحاكم لما يأتيه شخص يطلب رخصة أن لا يخرج معه فيأذن له، هو ما خالف شيئاً. أنت تعفو عمن يرتكب مخالفة وهو ابتداء لم يرتكب r مخالفة وإنما استعمل حقه في الإذن لهؤلاء. لكنه نوع من العتاب المحبب ولمسة لقلب رسول الله r في موضع التعليم. فيه نوع من العتاب اللين المحبب الرقيق على لغة العرب. ونحن عندنا أبيات علي بن الجهم صاحب عيون المهى لما أراد في البداية أن يمدح الخليفة قال له:

أنت كالكلب في وفائك للعهد              وكالتيس في قراع الخطوب

فقام عليه الجند فقال الخليفة دعوه وأجلسه على نهر دحلة فخرج بقصيدته:

بين الرصافة والجسر جلبن              الهوى من حيث أدري ولا أدري

فغضب عليه المتوكل لأمر ما وقرر إبعاده فعلي بن الجهم يقول ومن حق الخليفة أن يُبعد:

عفا الله عنك ألا حرمة        تعوذ بعفوك أن أُبعدا

نوع من العتاب الرقيق المحبب ونحن الآن نستعملها تقول فلان مريض أريد أن أزوره وأحد الأصدقاء يقول لك أنا زرته بالأمس تقول له: سامحك الله كنت تقول لي فأذهب معك، هو لم يرتكب جرماً حتى تقول له سامحك الله وأحياناً نقول رضي الله عنك، هو غير ملزم أن يخبرك وغير ملزم أن يأخذك معه. العرب فهمت أن عفا الله عنك ليس عن ذنب وكانوا يستعملونها عندهم كنوع من المعاتبة الرقيقة كما نقول في المثال سامحك الله. (لم أذنت لهم) هذا هو العتاب الرقيق الذي سبقته كلمة العفو وهو نوع من التعليم، ما قال له كيف اذنت لهم؟ وإنما قال (لم أذنت لهم) الرسول r دائماً في موضع التعلم من الله عز وجل دائماً والله عز وجل هو الذي علم رسوله هذه الأمور.

(عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ) التبين فيه معنى الإنكشاف، تبين الشيء بمعنى ظهر وبان ووضح والصدق عادة يكون واضحاً لا لبس فيه ولا غموض فاستعمل معه الفعل يتبين. واستعمل معه الذين صدقوا ما قال الصادقين لأن هؤلاء ليسوا صادقين حتى لو صدقوا في هذه الجزئية فهم كاذبون في غيرها فما أراد أن يعطيهم صفة الصدق الملازمة لأن الإسم ملازم. ما قال الصادقين لأن كلمة الصادقين صفة لازمة الفاعل لما تقول هذا صادق أي هذه صفته لاصقة لازمة به أي صدق في هذه القصة وقد يكذب في غيرها، هم منافقون كذبوا في غيرها. هم منافقون لو انتظرت قليلاً كان سيتضح لك الذي يعتذر بصدق لكن الصدق في هذه الجزئية وما أراد أن يصفهم بالصادقين لأن وصف الصادقين وصف عالٍ، المهاجرون وُصفوا بالصادقين (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (15) الحجرات) يقصد المهاجرين. وهذه التي استدل بها أبو بكر الصديق في السقيفة لما كانوا يدرسون مسألة من يخلف الرسول r فقال: الأنصار: منا لأننا أهل المدينة فالذي يخلف الرسول r منا، فقال أبو بكر أنتم تبع لأن الله تعالى قال عنا نحن الصادقين وأنتم قال عنكم (وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) الحشر) فوصفهم بوصف آخر (المفلحون) لكن على المهاجرين قال الصادقين. ما قال الصادقين وإنما قال الذين صدقوا أي صدقوا في حالة واحدة، صدق هنا.

(وتعلم الكاذبين): أراد أن يبين أن هؤلاء الذين كذبوا في الحقيقة الكذب متلبس بهم لم يكذبوا في هذه القضية فقط ولو قيل في غير القرآن :وتعلم الذين كذبوا، كأنه هنا كذبوا وقد لا تكون هذه صفة ملازمة لهم لكن لما قال (وتعلم الكاذبين) رسّخ الصفة لهم. والكذب يحتاج إلى تدقيق وإلى تبصر وإلى أناة وإلى بحث ينسجم معه العلم (وتعلم) وليس التبيين لأن الكذب ليس منكشفاً كالصدق لأن الصدق واضح، فمع الإنكشاف استعمل (يتبين) ومع الحرص والتثبت استعمل العلم الذي يليق بهذا (وتعلم). آية واحدة فيها كل هذه اللمسات!.

(حتى يتبين) ما معنى حتى؟ بدل أن يقول له كان عليك أن لا تأذن لهم حتى يكون كذا وكذا، قال (لم أذنت لهم)، هو سؤال بنوع من التلطف فبدل أن يواجه الرسول r ما كان عليك أن تأذن لهم، كان عليك أن تتوقف حتى يتبين لك، وإنما حذف الكلام وقال: (لم أذنت لهم حتى يتبين لك) ليكون كذا فـ (حتى) هي تعليلية إذن.

سؤال 263: ما سبب الإختلاف بين الآيتين (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32) التوبة) و (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (8) الصف)؟

القرآن يحتاج إلى تدبر أي إلى نظر إثر نظر وكلما تدبر انشكفت له أمور ما كان يعرفها من قبل.

ننظر في ما قبل هاتين الآيتين (لا ينبغي أن نفهم شيئاً منعزلاً عن السياق فالسيقا مهم لأنه لما تقتطع آية من سياقها تُفهم في غير وجهها وهذا حتى ينقطع الطريق على الذين يحمّلون ألفاظ القرآن الكريم ما لا تحتمله لما يقطعها لذلك لا بد أن تؤخذ حتى يكون الفهم الكامل وهذا دليل ترابط الآيات مع أن كل منها نزلت في وقت والرسول r كان يقول: ضعوا هذه هنا وضعوا هذه هنا وهذا توقيفي بوحي من الله تعالى وليس بفعل منه لأن هذا كلام الله عز وجل.

ويمكن أن يستفيد الإنسان من سبب النزول في فهم الآية لكن نحن قلنا أنه في الغالب ما صح من أسباب النزول في الأحاديث الصحيحة قليل وكثير منها ما صح وكذلك في فضائل السور وللعلماء فيها كلام. لكن سبب النزول قد ينفع في فهم الآية داخل السياق والأصل أن يؤخذ النص داخل سياقه.

الآية الأولى التي هي في سورة التوبة هي في الكلام على اليهود والنصارى (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32) التوبة) والآية الأخرى أيضاً في الكلام عليهم، على اليهود والنصارى. لكن آيات سورة التوبة تتعلق وتتحدث عن تحريفهم لكتبهم أفعالهم هم. فلما تحدث عن تحريفهم لكتبهم لا يحتاج ذلك إلى تأكيد لأنه معلوم لدى المسلمين أنهم حرّفوا وغيّروا، وهم أيضاً يعلمون أنهم حرفوا وغيروا فلم يستعمل أساليب التوكيد هنا لكن لما جاء في الكلام عنهم في حربهم للرسول r وفي إنكار نبوته مع أنه موجود عندهم وتحمسهم لمحاربة الإسلام كأنهم هم يؤكدون إطفاء نور الله استعمل التأكيد وفي الرد عليهم إستعمل الصيغة الثابتة. نوضح ذلك:

آيات التوبة (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30) اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31)) إتخاذ الأحبار والرهبان من دون الله وذكرنا سابقاً قصة عدي بن حاتم الطائي الذي كان يتصور أن العبادة هي بمعناه اللغوي فجاء في الحديث عن عدي بن حاتم الذي قال فيه للرسول r: يا محمد إنهم لم يعبدوهم كيف تقول (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ)؟ فالرسول r يبيّن له مفهوم العبادة في الإسلام فقال بلى أحلّوا لهم الحرام وحرّموا عليهم الحلال فاتّبعوهم فذلك عبادتهم إياهم. عندنا مصطلحات صار لها مفهوم آخر في الإسلام الصلاة في الإسلام لها معنى غير معناها اللغوي والزكاة معناها النمو لكن في الإسلام لها مفهومها الخاص فلما قال هم لا يعبدوهم قال r بلى أحلّوا لهم الحرام وحرّموا عليهم الحلال فاتّبعوهم فذلك عبادتهم إياهم. هذا التحريف إذن كان في منهجهم هم فلما كان التحريف في منهجهم هذا نوع من محاولة إطفاء نور الله أي دين الله ويأبى الله إلا أن يتم نوره بإرسال محمد r بقوله (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (33)) فلما يظهر على جميع الأديان الأخرى وهو الدين الصادق الصحيح النقي عند ذلك لفظهم بأفواههم لا يجدي نفعاً فما كان هناك حاجة إلى توكيد.

أما في سورة الصف (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ (6) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (7)) غيروا ما في كتبهم، كذبوا، (يريدون ليطفئوا) فيه نوع من الإصرار من قبلهم للإطفاء كأنما يريدون بفعلهم هذا أن يصلوا إلى إطفاء نور الله، إلى حجب الإسلام ففيها نوع من التأكيد. (يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) إستعمل إسم الفاعل والإسم أثبت وآكد من الفعل فناسب هذا التأكيد، لما جاء باللام جاء بكلمة (متم نوره). في المغرب يقرأون متمٌ نوره فإذن عندنا قراءتان: متمُ نوره قرأها ابن كثير وحمزة والكسائي عن عاصم وشعبة قرأها متمٌ نوره، معناه مكة وقبائل الكوفة قرأت متمُ نوره، المدينة والبصرة الشام وبعض قبائل الكوفة (شعبة عن عاصم) قرأوا متمٌ نوره. عندما يقول متمُ نوره بمعنى أن الأمر وقع. بعض النحويين أراد أن يبين حاجة الفقه إلى النحو، سأل أحدهم إذا قال لك فلان أنا قاتلُ زيد أو قال لك أنا قاتلٌ زيد فماذا تقول؟ قال في الحالين آخذ به فهو اعتراف بالقتل، قال لا إذا قال أنا قاتلُ يعترف على نفسه بالقتل لكن لو قال أنا قاتلٌ زيد فهذا تهديد بالقتل أنه سيفعل ذلك في المستقبل. متمُ نوره إشارة إلى وقوعه ووقوع بداياته بإرسال الرسول r ومتمٌ نوره إشارة إلى استمرار نزول الآيات على الرسول r في المستقبل أي لم يتوقف الوحي. في الجمع بين القراءتين معناه أنه تعالى بدأ في إتمام نوره وهو ماضٍ في هذا الإتمام مدة حياة النبي r حاضراً ومستقبلاً فجمعت القراءتان الصورتين لذا نقول نحاول أن نجمع بين القراءتين.

سؤال 264: ما دلالة إستعمال (ذلك) في الآية (فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (50) الروم) و (أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (40) القيامة) وما دلالة الإختلاف في الأسلوب في الآيتين؟ ولماذا استعمل إسم الإشارة ذلك بدل الله أو ربك؟

العرب تستعمل إسم الإشارة أحياناً للتعظيم وللتفخيم ولبيان علو المنزلة. بشار إبن برد الأعمى لما يقول:

بكِّرا صاحبيَ قبل الهجير      إن ذاك النجاح في التبكير

خلَف قال له: لم لم تقل فالنجاح في التبكير، قال لو قلتها لكانت ضعيفة وأردتها أعرابية (إن ذاك). بعد ذلك يعقب عبد القاهر الجرجاني في دلائل الإعجاز يقول له: " قلت بكِّرا في النجاح فإن هذا من كلام المولّدين ولا أدخل في معنى القصيدة - وبشار كان فصيحاً - فهل كان هذا القول من خلف والنقد على بشار إلا للطف المعنى وخفائه واعلم أن من شأن (أن) إذا جاءت على هذا الوجه أن تغني غناء فاء العاطفة.

(إن ذلك لمحيي الموتى) يمكن أن نقول فذلك مُحيي الموتى لكن يفوت التأكيد بـ (إن) وتكون (إن) هنا كأنها ربطت الجملة الجديدة بالجملة القديمة من غير رابط فهي في حال وصل وفصل في آن واحد. هذا قد نعود إليه لأن عبارة الجرجاني مهمة "فأنت ترى الكلام بها مستأنفاً غير مستأنف مقطوعاً موصولاً معاً". لما يستعمل (إن) في مثل هذا الموضع ويأتي بكلمة (ذلك) لغرض التعظيم (إن ذلك) العظيم الشأن غير كلمة إن الله أو كلمة إن الرب أو إن ربك لأن يكون فيها تكرار. (إن ذلك) أيضاً بوجود اللام لزيادة البُعد في النفس لعلوّ شأن الله سبحانه وتعالى. (تابع الإجابة عن السؤال)

إجابة الدكتور حسام على بعض أسئلة المشاهدين التي وردت خلال الحلقة

سؤال: هل يجوز للمصلي أن يقرأ في الركعة الأولى مثلاً سورة الناس وفي الثانية بدايات سورة البقرة؟

هذه قضية تتعلق بتلاوة القرآن الكريم وما يراه بعض العلماء من عدم جواز القرءة المنكوسة، لا يجيزون القراءة المنكوسة، هذه من الأمور الفقهية. إذا قرأ المصلي قل أعوذ برب الناس في الركعة الأولى فلا يجوز أن يقرأ في الركعة الثانية سورة البقرة وعلى الإنسان أن يتحرى أن يقرأ بترتيب المصحف لكن إن فعل غير ذلك فلا يعني أن صلاته غير صحيحى لكنه يكون قد خالف ترتيب المصحف لأن كل ركعة مستقلة بذاتها.

سؤال 265: من هو الشاهد الذي شهد ليوسف في قصته مع امرأة العزيز (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ (26) يوسف)؟

القرآن الكريم لم يذكر لنا من هو هذا الشاهد وكل ما وراء في ذلك اجتهادات وتهويمات ونقل من كلام غيرنا أي غير المسلمين ولا فائدة منه إن كان الشاهد طفلاً أو رجلاً أو صادف أن جاء في تلك اللحظة فهو لا يقدم ولا يؤخر من حيث التفسير ولو كان القرآن يرى أن هذا يقدم ويؤخر لذكره القرآن. عندنا قاعدة وهي أن كل ما سكت عنه القرآن لا فائدة من الخوض فيه وهذا منهج. كما أننا لا نستفيد من معرفة إسم امرأة العزيز. والبعض وصل به الأمر أن قال في قوله تعالى (وأكله الذئب): واسم الذئب الذي أكل يوسف u كذا علماً أن الذئب لم يأكل يوسف أصلاً. فما سكت عنه القرآن لا نخوض فيه. ذو القرنين، ما اسمه؟ ذو القرنين لم يذكر لنا من هو في القرآن لأن القصة في القرآن أهدافها تكوينية تربوية للمجتمع المسلم ونهتم بها ولا يهمنا أن نعرف إسم الشخص الذي أدلى دلوه وأخرج يوسف u من الجبّ ولا يقدم ولا يؤخر. فهذا المنهج هو الذي نعتمده في دراستنا أنه ما سكت عنه القرآن نسكت عنه.

بُثّت الحلقة بتاريخ 18/11/2006م


الحلقة 66

تتمة سؤال 264:

نحن وقفنا في المرة الماضية عند هذا الإستعمال في قول الله سبحانه وتعالى (فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (50) الروم) وفي موضع آخر الكلام على خلق الإنسان (أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (37) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (38) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (39) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (40) القيامة) إستعمال كلمة (ذلك) قلنا، السؤال هو كان يمكن أن يقال في غير القرآن: إن الله لمحيي الموتى، إن ربك لمحيي الموتى، ممكن لكن يضعف الكلام وذكرنا واقعة لبشار ابن برد لما دعي إلى ترك كلمة (ذلك) التي فيها الإشارة لأن الإشارة هنا كأنما فيها تعظيم لشأن المتحدث عنه. بشار في قوله:

بكِّرا صاحبيَ قبل الهجير      إن ذاك النجاح في التبكير

قال: لمَ لم تقل (في النجاح)؟ قال: تصبح ضعيفة، ليّنة وأنا بنيتها عربية, وهناك بيت آخر لخُفاف إبن ندبة السُلمي جاهلي أدرك الإسلام وأسلم وتوفي سنة 20 للهجرة، عنده قصيدة يقول في مطلعها:

أقول له والرمح يأطر متنه               تأمل خُفافاً أنني أنا ذلكا (ضرب إنساناً برمح، يأطر متنه أي صار جسمه ينحني)

كانوا يستعملون كلمة (ذلك) للتفخيم لما يريد أن يتحدث عن نفسه، يذكر شيئاً من الأشياء إذا أراد أن يشير إليه بالبعيد يقول ذلك فلما هنا يقول الباري عز وجل (إن ذلك لمحيي الموتى) يعني إن ذلك العظيم الشأن لمحيي الموتى. اللام للبعد والبعد المعنوي، الإرتفاع لله سبحانه وتعالى أقرب إلينا من حبل الوريد. (إن ذلك لمحيي الموتى) فإذن إستعمال (ذلك) هنا لغرض رفعة الشأن ولهذا المعنى الذي وجدناه في هذين البيتين وبشار توفي عام 167 هـ وخفاف توفي عام 20 هـ.

وهنا نلاحظ في الآية الأولى: (فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (50) الروم) وذكر إسم الجلالة (فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ) لو قال : إن الله لمحيي الموتى كأن الكلام إنقطع ولكن لما قال (ذلك) ذلك إشارة إلى من سبق أن ذُكِر يعني: إن ذلك ذا الرحمة الذي يحيي الأرض بعد موتها هو نفسه محيي الموتى. فيها هذا المعنى الإضافي إضافة إلى التفخيم والتعظيم (إن ذلك العظيم الشأن) فيها أيضاً الربط فيما قبلها لأنه سبق أن ذكر إسم الله عز وجل (فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) إن ذلك الذي فعل كل هذا هو نفسه الله. (ذلك) تعني الفاعل المُحدِث الله سبحانه وتعالى. وأيضاً في قوله (ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (38) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى (39) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى (40) القيامة) الله خلق، الله سوى، فجعل، الفاعل الله، أليس الذي فعل كل هذه الأشياء (يشير إلى تلك الأفعال) لما يقول الله أو الرب كأنه الإسم المجرد لكن الإشارة بـ (ذلك) ربطت بالمعاني السابقة لأنه كما قلنا في المرة الماضية عن الجرجاني أنه قال: هنا إن وأليس جاءت كأنها وصلت وفصلت هي مفصولة لكن وصلت بربطها عن طريق الإشارة، ربطت بما قبلها.

سؤال 266: ما دلالة إستخدام الضرب على السمع للتعبير عن الموت في الآية (فَضَرَبْنَا عَلَى آَذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (11) الكهف) ولماذا لم يقل فأمتناهم كما قال في سورة البقرة (فأماته الله مئة عام ثم بعثه (259))؟

أولاً أهل الكهف لم يموتوا وإنما ناموا لأنه تعالى قال: (وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (18) الكهف) الراقد ليس ميتاً ولذلك لا يصلح أن يقول: أماتهم. هذه واحدة.

بالنسبة للرجل فهو رجل مرّ بقرية وفي القرآن يقول مر على قرية، تجاوزها، نظر إليها وكان يبدو راكباً مرتفعاً فنظر إليها فإذا هي قرية خربة. من الرجل؟ ما هي القرية؟ الذي سكت عنه القرآن نسكت عنه والذي يعنينا هو العبرة أن هناك إنساناً ما مر بقرية ما لا يقدم ولا يؤخر من هو أو ما هي القرية؟ هو مثلٌ يضربه الله عز وجل لنا لرجل كان فيمن قبلنا وقع له هذا الأمر وكان ما وقع له معجزة وجعله الله سبحانه وتعالى آية لمن خلفه الذين شاهدوه والذين روى لهم الله عز وجل أمره. الله سبحانه وتعالى حدّثنا بهذا الأمر ونحن نؤمن بأن هذا الأمر وقع له. الأصل أن ما سكت عنه القرآن نسكت عنه ولا سيما إذا لم يكن فيه ثمرة. وكما قلنا سابقاً في سورة يوسف (وَجَاءتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَـذَا غُلاَمٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (19)) من الوارد وما إسمه؟ يوسف كان في الجُبّ وجاء الوارد، من أي القبائل كانت القافلة؟ المشكل الذي وقع في بعض علمائنا للأسف الشديد أنهم أدخلوا أشياء من كتب بني إسرائيل وبنو إسرائيل أعملوا أيديهم في كلام الله عز وجل فغيّروه فما بالك بأحداث التاريخ؟! أحداث التاريخ هناك طوائف وفرق دينها قائم على الأكاذيب يقولون حدث في التاريخ كذا وفلان دس له السم وكلها أكاذيب، إنسان مات حتف أنفه فيقول فلان دسّ له السم، من أين علموا هذا؟ ومن قال لهم هذا الكلام؟. من أحد التفاسير الجيدة لكن للأسف الشديد لما ينظر فيم كُتِب قبله ويجد هذا الكلام يحاول أن يورده حتى وإن نقضه بعد ذلك (لن أذكر إسم التفاسير حتى لا نحدث خللاً في أذهان الناس) نتجنب الفكرة أما التفسير الذي فيه هذا الكلام تفسير جيد وموثق لكن في هذه الجزئية ما عندنا ما هو شر كله أو خير كله بالنسبة لأمور الكتب، حتى بعض الأمثال لدى العوام يقولون: يفوتك من الكاذب صدق كثير. لكن نحن عندنا هذا المنهج أنه ما سكت عنه القرآن نسكت عنه فكل ما روي مما سكت عنه القرآن ولا ثمرة من ورائه نضرب عنه صفحاً. ننظر في قوله تعالى (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ يُحْيِـي هَـَذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (259) البقرة) إختلفوا في هذا المارّ الذي مر على قرية وما دام اختلفوا إذن ليس بين أيديهم حديث صحيح عن رسول الله r لو كان هناك أثر صحيح ما اختلفوا وما دام إختلفوا إذن هي التهويمات والتصورات والنقل من كتب بني إسرائيل وتخريفاتهم وتحريفاتهم قيل هو عُزير وقيل أرينيا إبن حلقيا، وقيل الخِضر وقيل حزقيل إبن بوار وقيل إبن شرخيا وقيل شعيا، قال مجاهد: كان المارّ رجلاً كافراً، وحتى قسم يقول كان مؤمناً. مؤمن كافر المهم أنه لما ثبت عنده الأمر قال (أَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).

أهل الكهف لم يحدد الله تعالى عددهم وما أسماؤهم. أسماؤهم منهم من قال: مكسلمينا ويمليخا ومرطونس وثبيونس وذرجونس وكفاشيطيطوس وأنطونواسيس هو الراعي والكلب إسمه قطمير، ومنهم من قال: يمليخا ومكشيليما ومثيلينيا هؤلاء أصحاب يمين الملك ومرنوش ودبرنوش وشاجنوش أصحاب اليسير وكان يستشير الستة والسابع الراعي لم يذكر في هذه الرواية وبعد ذلك يعلّق ويقول في صحة نسبة هذه الرواية مقال، وطالما فيها مقال لماذا يذكرها في كتاب تفسير القرآن؟ وكتابك كتاب عالي القدر كتاب مهم يجدر به أن لا يذكرها. (أنا أريد أن يقر هذا الأمر في القلوب أن ما سكت عنه القرآن نسكت عنه) ولا يكتفي بهذا وإنما يقول: أسماء أهل الكهف ذكروا لها خواص (مثل السحرة الذي يظهرون على بعض القننوات الفضائية يسألون إسمك إسم أمك هذا حرام يدخل صاحبه النار لا تقبل صلاته أربعين يوماً): عن إبن عباس (مسكين إبن عباس لأنه تعلق عليه أمور كثيرة) أن أسماء أصحاب الكهف تصلح للطلب والهرب وإطفاء الحريق وللحرث تكتب على قرطاس ويرفع على خشب منصوبة على الفخذ اليمنى، للحمى المثلثة والغنى والجاه والدخول على السلاطين ولحفظ المال والركوب في البحر والنجاة من القتل ثم يعلّق الكاتب فيقول: ولا يصح ذلك عن إبن عباس ولا عن غيره من السلف الصالح ولعله شيء إفتراه المتزيّون بزيّ المشايخ ولأخذ الدراهم من النساء وسخفة العقول، هو يعلم هذا أنه إفتراه بعض الناس ليضحكوا على بعض النساء وسخفة العقول فلماذا تذكره في كتابك؟ الأصل إذن في تعاملنا مع القرآن أن ما سكت عنه ربنا سبحانه وتعالى نسكت عنه لأنه لا ثمرة فيه إلا إذا ورد فيه خبر صحيح من رسول الله r يكون موضحاً لجزئية معينة.

(أَنَّىَ يُحْيِـي هَـَذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا) نلاحظ أنه إستعمل كلمة يحيي وكلمة الموت فلما إستعمل الأحياء والموت ناسب ذلك أن يقول (فأماته الله) لأنه تكلم عن موت وحياة. لكن قد يقول قائل هو لما تكلم عن موت وحياة قال (أماته) فلم لم يقل (وأحياه)؟ قال (فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ) فأماته مناسب للموت. يُفترض في غير القرآن أن يقال فأماته الله مائة عام ثم أحياه. لو قال ثم أحياه أي جعل فيه الروح، جعله حياً. أما بعثه فالبعث فيه معنى الإنهاض، بعثه يعني الحياة جزء منه، لما يقول بعثه أي جعله ينهض. الفعل بعث له معنيان متقاربان: المعنى الأول: أرسله والإرسال كأنه بعد تقييده كأنه كان عنده ثابت ثم أرسله لذلك يقولون أرسل السهم. ثم فيه معنى النهوض: يقول بعث الناقة لما تكون باركة بعثها أي أقامها وأنهضها بأن حلّ رباطها. هذان المعنيان متقاربان: بعثه أي أنهضه كاملاً مبصراً عاقلاً لأنه بعث بمعنى إستوى قائماً كما تستوي الناقة واقفة إذا بعثتها. الناقة فيها العقال فإذا قيل له إبعث ناقتك يفك العقال وينهضها. فلما ينهض هذا النائم الميت أي نهض بوعيه بعقله حتى يحاور حتى يقال له كم لبثت؟ ويجيب. ثم ختامها (قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) لما عُرِّف قدرة الله سبحانه وتعالى (فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا) بدأ الحمار شيئاً فشيئاً يتكوّن فعند ذلك قال (فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) مسألة كان يعلمها لكنها الآن أصبحت يقيناً كأنه متعجب أنها قرية ميتة كيف يبعثها الله تعالى؟ فجعلها الله تعالى آية لمن بعده ونحن من هؤلاء الذين يرون فيها آية من آيات الله أنه يحيي الموتى ويكسو العظام لحماً.

بالنسبة لأهل الكهف (فضربنا على آذانهم) الضرب هو إيقاع شيء على شيء ثم توسعوا فيه فقالوا: فلان يضرب في الأرض (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا (101) النساء) يضرب في الأرض إشارة إلى ضرب قدمه على الأرض وهو سائر وصار إذا قيل يضرب في الأرض يعني إذا سافر مسافات طويلة. (فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ (13) الحديد) أي بمعنى بُنيَ سور. الضرب له إستعمالات كثيرة حسب السياق وأصله إيقاعك شيئاً على شيء. (فضربنا على آذانهم) كأنه ضرب حاجزاً أو شيئاً على الآذان لأن الذي يوقظ النائم بشكل طبيعي هو الصوت، إذا كان نائماً في أول نومه مستغرقاً في النوم إذا أوقدت ضوءاً لا يستيقظ وإذا أردت أن توقظ إنساناً يوقظونه بالصوت يصوتون يا فلان إستيقظ أو أن تضع المنبّه لأن الأذن مفتوحة أما العين فمغلقة عند النوم. (فضربنا على آذانهم) أي لم يعودوا يسمعون شيئاً وكان الضرب سنين معدودة تعدّ عداً. (ثم بعثناهم) لأنهم صاروا حزبين والعلم هنا هو علم الله المشاهدة وليس علمه اللدني الذي عنده أي علم مشاهدة وعلم وقوع وحدوث، بعضهم قال لبثت يوماً وبعض قال الله أعلم كم لبثنا.

ألهذا السمع مقدم على البصر في القرآن؟ قد يكون هذا من الأسباب وقد يكون أن الإنسان يستقبل الآيات ويستقبل المواعظ الآيات من الرسل بالأذن أكثر من إستقبالها بالبصر (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً (36) الإسراء) يسمع ما يلقيه عليه الرسل ثم ينظر في ملكوت الله ثم يعمل ما سمعه وما نظره في فؤاده.

سؤال 267: بعض العلماء يستدل بالآية (فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (71) هود) على أن إسماعيل هو الذبيح والبعض يعترض ويقول المقصود (إسحق) فما المختار بين الرأيين؟

لو نظرنا في ضوء المبدأ الذي قلناه لا يعنينا من الذبيح؟ المهم إبراهيم u حدثت له قضية مع أحد ولديه وكان الولد من الصابرين وكانت محنة اختُبِر بها إبراهيم u فيها ونجح في هذا الإختبار. ما يعنينا أن يكون فلاناً أو فلاناً والدليل على أنه ليس هناك أثر صريح صحيح إختلاف العلماء ما دام إختلفوا في هذا إذن ما عندنا شيء ثابت مع ذلك خاضوا في الموضوع في ضوء الآيات. لما ننظر في الآيات: الآية في سورة هود (وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَقَ يَعْقُوبَ (71) هود) هذه المرأة التي كانت عاقراً لم تكن تلد وكانت كبيرة في السن، هي امرأته الأولى بُشِّرت بإسحق. المرأة الثانية زوجة إبراهيم هي التي ولدت له هذا الذي أخذها وإياه وأسكنهما بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم. لما ننظر في الوقائع في الآيات نجد نوعاً من الترجيح أنه إسماعيل الذي ذهب إلى ديار العرب وتزوج منهم وعاش هناك. لأن الكلام الأول كان عن إسحق. لما نأتي إلى الآيات في سورة الصافات التي ذكر قصة إبراهيم (قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (97) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (98) وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (99) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102)) لما يمضي في القصة بعد أن ينتهي من قصة الذبيح يقول تعالى (وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ (112)) إذن جاءت البشارة بإسحق بعد البشارة بالذبيح وإسحق ذكر إسمه في القرآن وإسماعيل ذكر إسمه في القرآن فالمرجح عند بعض العلماء أن الذبيح هو إسماعيل وليس إسحق. ولكن نقول الذبيح من الصابرين ولما ننقل إلى الآيات (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (84) وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ (85) الأنبياء) أيوب صبر، وإسماعيل وإدريس كلٌ من الصابرين، من الذي وُصِف بوصف الصبر؟ إسماعيل لأنه قال عنه في آية أخرى (ستجدني إن شاء الله من الصابرين) وأكد القرآن في موقع آخر أن إسماعيل من الصابرين. إسحق ما وصف بهذا وإنما قال (فبشرناها بإسحق ومن وراء إسحق يعقوب) لكن نقول: والمسألة قبل ذلك وبعد ذلك لا يترتب عليها أمر من أمور الدين وليس فيها نص صريح قاطع بدليل إختلاف العلماء فيها فالخوض فيها غير مثمر ويكفي إتخاذ العِبرة منها بصرف النظر عن الإنسان الذي وقعت له.

هكذا نقول أن الأمر يتعلق بأحد إبني إبراهيم u . بعض العلماء رجح بناء على هذا والسيوطي رجح مرة هذا ومرة هذا ثم قال ليس هناك مجال للترجيح. وبعض العلماء المتأخرين حاول أن يستدل بما ذكرته الآن. إذا كان إسحق أو إسماعيل لا يقدم ولا يؤخر لكن المهم العبرة. العبرة أنه أحد إبني إبراهيم، عندنا قوله تعالى (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125) البقرة) إبراهيم كان موجوداً هنا وأقام هنا واتخذنا من مقامه مصلى وغبنه الذي كان معه ملحق وإسماعيل نبي. إسرائيل هو يعقوب ومن أبناء يعقوب موسى وهارون من ذرية يعقوب وأنبياء ورسل إسرائيل من ذرية يعقوب كثيرون. إبراهيم عنده ولدان إسماعيل وإسحق، من إسماعيل نبيٌ واحد هو خاتم الأنبياء والمرسلين r ومن أولئك هذا الجم الغفير فكلهم لا يقف أحد منهم ند للرسول r. إسماعيل ومن أولاد إسماعيل محمد r وهؤلاء أبناء عمومتهم" سأبعث من أبناء عمومتهم في فاران" (فاران هو المكان الذي ترك فيه إبراهيم ولده إسماعيل وهم يزعمون أن فاران في مكان آخر في فلسطين). لو صح الحديث "أنا ابن الذبيحين" لانتهى الحوار لكنه لم يصح كما قال إبن جنّي لما بدأ يتكلم عن نشأة اللغة قال: فإذا ورد الخبر الصحيح بذلك وجب تلقيه بالقبول. كم كان علماؤنا يقيمون وزناً للخبر الصحيح لأنه ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى إذا ورد كلام صحيح عن الرسول r ينقطع الكلام ولا مجال فيه للحوار.

سؤال 268: ما الفرق بين إستعمال (وإليه ترجعون) و(إليه تحشرون) وما دلالة كل كلمة في القرآن؟

الآية الأولى تتكلم على الجانب المالي (مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245) البقرة) والآية الأخرى (قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24) الملك). لما كان الكلام على المال، على القرض، والمال يذهب ويجيء، الله سبحانه وتعالى يقبضه ويبسطه فيناسب الكلام على البسط والقبض الذهاب والإياب، ذهاب المال وإياب المال يناسب كلمة الرجوع، أنتم وأموالكم ترجعون إلى الله لأن فيها قبض وبسط ففيها رجوع.

الحشر إستعمله مع ذرأ لأن ذرأ بمعنى نشر، يذرؤكم في الأرض أي يبثّكم وينشركم في الأرض. هذا الذرء والبثّ يحتاج إلى جمع أن يُجمع والحشر فيه معنى الجمع. فإليه ترجعون كأنما هذا الرجوع لكن ليس فيه صورة لمّ هذا المذروء المنثور فالذي يناسب الشيء المنثور الموزع في الأرض كلمة الحشر وليس الرجوع صحيح الرجوع كله إلى الله سبحانه وتعالى. واللفظة المناسبة لـ (ذرأكم في الأرض) أي بثّكم كلمة تحشرون هذا الحشر الذي يناسب الذرء.

بُثّت الحلقة بتاريخ 22/11/2006م


الحلقة 67

سؤال 269: ما دلالة الإختلاف بين الآيات (أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ (26) السجدة) (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (31) يس) (أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُوْلِي النُّهَى (128) طه) ؟

عبارة (أولم يهد) تكررت في القرآن الكريم في ثلاثة مواضع: في موضعين (أولم يهد) وفي موضع (أفلم يهد). وكلمة (ألم يروا) تكررت كثيراً سأشير إلى أعدادها بشكل سريع. لكن الملاحظ بصورة عامة أن عبارة (ألم يهد لهم) أو ألم يهد له أو لك في غير القرآن العرب تستعملها بمعنى ألم يتبين لك؟، ألم يظهر لك؟ وألم تر، ألم يروا أيضاً بمعنى ألم يتبين لك؟ لكن هناك فارق جزئي بسبب إشتقاق اللفظ: ألم يهد: من الهداية، وألم يروا: من الرؤية، الهداية قطعاً متعلقة بشيء في القلب والرؤية متعلقة بشيء ظاهر مادي. هذا هو الأمر الذي يهيمن على الآيات في جميع المواطن التي وردت. عندما يريد القرآن أن يوجه العناية إلى التدبر والتفكر الزائد بحيث يشتغل القلب بهذا ولا يكون مجرد النظر وتفكير يسير إستعمل (أولم يهد) من الهداية (أولم يهد لهم) لأن هذا الفعل فيه هذا المعنى، وغالباً يكون الكلام في الآيات إما على الألباب، القلوب، الآخرة التي تحتاج إلى تأمل وإلى تفكّر أن يتفكر في الآخرة، و (ألم يروا) تشمل هذا وهذا لكن إذا تحدثت عن أمور في الآخرة يراد منها النظر السريع والإستدلال السريع. هذه القاعدة العامة بالنسبة لـ (يهدي) و(يرى).

الآيات الواردة في هذا، السؤال عندنا (أولم يهد) فيها واو، (ألم يروا) ليس فيها هذه الواو. هذه الواو هي واو العطف وواو العطف لا تتقدم على الهمزة لأن الهمزة لها الصدارة كأنما في غير القرآن قال: كذا وكذا وألم يروا؟، لكن (وألم يروا) (وألم يهد لهم) لا تكون في اللغة لأن الهمزة تتقدم فيقول: أولم يروا، تدخل الواو بين الهمزة وبين الكلمة التي تليها. والواو لا تتقدم على الهمزة لأن علماؤنا من خلال إستعراضهم لكلام العرب - والقرآن الكريم على لغة العرب – فالهمزة تتقدم فيقول (أولم يروا)، أولم أقل لك هذا؟ يعني قلت لك كذا وكذا، أولم تستمع لقولي؟ في حقيقتها هي: وألم تستمع، لكن لأن الهمزة لها صدر الكلام تتقدم على حرف العطف الواو. إذن لما نجد أولم معناه هناك سياق عطف، تعطف جملة على جملة، جملة على ما قبلها، العاطف هو الواو والهمزة لا تحيل العطف أي لا تحول بين المعطوف والمعطوف عليه. الهمزة إستفهام إنكاري فيه معنى التوبيخ يُنكر عليهم عدم رؤيتهم وينكر عليهم عدم إهتدائهم، فيه إنكار. فالهمزة لا تحول دون هذا العطف لأنه أصله للعطف. فلما نجد الواو أو نجد الفاء نحس أن هناك ربط هذه الجملة بالجملة التي قبلها هناك إرتباط عن طريق هذا العطف أو جاءت في سياق عطف.

لما ننظر في آيات السجدة نجد قوله عز وجل (أَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (19) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (20) وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (22) وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (23) وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ (24) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (25) ثم يقول (أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ (26) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ (27)) كله عطف لكن لأنه جاءت الهمزة وفيها معنى هذا الإنكار عليهم إنهم لم يستعملوا عقولهم، لم يهتدوا، لم ينظروا فيم أهدي إليهم من معانٍ فجاء العطف.

بينما في سورة يس هناك قطع يعني استئناف. يبدأ من قوله تعالى (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (28)) هذه ربطت بما قبلها، الآية التي تليها بدأت إبتداء (إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (29) يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (30) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (31)) ما قال وإن كانت إلا صيحة واحدة، ليس فيها عطف هنا فصل، والغرض من الفصل توجيه العناية والاهتمام كأنه جملة جديدة. (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ) لم يقل ويا حسرة على العباد، ثم جاء قوله (مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (30) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (31)) لا يوجد عطف، إستأنف لغرض التأكيد (ألم يروا) جعلها مستأنفة ولم يجعلها مرتبطة بما قبلها بحرف عطف. هذا في معاني الوصل والفصل في القرآن الكريم وهذا موطن فصل لغرض التأكيد، لغرض لفت العناية ولغرض الاهتمام (ألم يروا) كأنه بدأ كلاماً جديداً مع أنه مرتبط وآيات القرآن يرتبط بعضها ببعض لكن لما يريد لفت الإنتباه والتركيز على معنى معين كأنه يستأنف لغرض التأكيد فهنا (ألم يروا) هذا من حيث وجود الواو وعدم وجود الواو.

في سورة طه (أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُوْلِي النُّهَى (128) طه) قصة عن الآخرة نقلها القرآن إلى الواقع الحالي كأنها وقعت لأن المستقبل في عين الله سبحانه وتعالى ماضي. نجد (وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآَيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (127) أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (128)) يعني بناء على كل هذا لأن الفاء للترتيب ترتب شيئاً على شيء، هي للعطف أيضاً لكنها تفيد الترتيب والمباشرة لما تقول: جاء زيد فخالد أي جاء مباشرة بعده وترتب مجيء هذا على مجيء هذا. فيها معنى الترتيب أي بعد كل هذا الكلام (أفلم يهد لهم) الفاء مرتِّبة وفيها شيء من التعليل أيضاً كأنها تبيّن عِلّة ما بعدها أنه هذا الذي ذكرناه ألا يكون مُذكِّراً لكم؟ ينبني على هذا الذي قلناه ما نقوله الآن. أفلم فيها معنى العطف لكن الدلالة فيها إضافة، الفاء فيها معنى العطف وإضافة الترتيب أما الواو فلا تقتضي ترتيباً وإنما مجرد عطف. تقول مثلاً: جاء زيد وخالد ممكن أن يكونا جاءا سوية معاً أو يكون خالد جاء قبل زيد المهم جاء فلان وفلان، تقول سأل عنك فلان وفلان قد يكونا سألا سوية أو كل واحد لوحده تحتمل الإثنين. أما الفاء فهي للترتيب تقول: سأل عنك زيد فخالد، أي سأل زيد وبعد ذلك بقليل سأل خالد. كذلك الفرق بين الفاء و(ثم)، يقولون (ثم) للتراخي والترتيب. أما الفاء فترتيب مباشر والواو ليس فيها ترتيب.

الترتيب في سورة طه مقصود لذاته: الفاء في سورة طه لأنه ينبني على ذلك، يترتب على هذا الكلام، تقول فلان قال كذا وقال فلان كذا فيكون كذا وكذا يعني ينبني على هذه الأقوال هذا الشيء أنت تبني شيئاً على ما قبله، الآن نقول يترتب على هذا إجراء هذا الأمر كذا وكذا أي ينبني عليه. فالفاء هنا ترتيب على هذا المثال الذي ذكرناه،هذا لا يحرك مشاعركم بحيث تهتدون وبحيث تنظرون نظراً في القلب؟.

أما (ألم يروا) جاءت في خمسة مواضع في المصحف كله من غير عطف (ونحن نعتمد في هذه الإحصائيات على ما جمعه محمد فؤاد عبد الباقي رحمة الله عليه في المعجم المفهرس)، بالعطف (أولم يروا) وردت في 11 موضعاً لن أقرأها حتى لا نطيل لكن المشاهد الكريم لو رجع إلى الآيات سيجد أنه لما تأتي (ألم يروا) من غير الواو يعني ليس هناك سياق عطف. وفي 11 موضعاً التي فيها الواو هي في سياق عطف جميعاً. معناه هناك نظام واحد في العبارة القرآنية لا يختلّّ. ولا تأتي (أولم) وهو ليس هناك عطف أو تأتي (ألم) والسياق سياق عطف، لا يكون هذا.

(من قبلهم) و (قبلهم):

(من) لابتداء الغاية، تقول جاء فلان من كذا ووصل إلى المكان أي بدأ مجيئه من المكان الفلاني. فلما يقول (كم أهلكنا من قبلهم) يعني القبلية مباشرة من وجودهم هم، يعني يُذكّرهم بمن هلك قبلهم قريباً. تبدأ غاية الهلاك من وجودهم هم يعني كأن يكون من آبائهم، أصدقائهم، أصحابهم، هذا التذكير أوقع في النفس لما يراد التخويف والإنذار لأن هذه الآيات الأولى التي فيها ذكر الآخرة وفيها هزٌّ لضمائرهم أن يهتدوا كأنما أُهدي لهم هذا المعنى فينبغي أن يشغّلوا قلوبهم في هذا الأمر إستعمل عند ذلك (من قبلهم) أدعى للتخويف أن فلاناً كان معك وهلك.

(قبلهم) عامّة ليس فيها هذه اللمسة التي تذكرهم بالبداية والقبلية تشمل الجميع لكن لما يريد أن يلمس هذا الشيء قبلك مباشرة يستعمل (من). تقول: ألم تتنبه إلى ما حدث لأخيك من قبل ساعة أو من قليل أو من قبل أن أكلمك؟ (هذا مباشر)، ألم تر ما حدث لأخيك قبل أن أكلمك؟ (هذا كلام عام) من كلامي معك وقبل ذلك، أما من قبل أن أكلمك، يعني الآن من لحظات مرتبط بكلامي معك.

لم يعترض أحد على هذا الكلام لأن هذا في الذروة من كلام العربية لذلك سلّوا سيوفهم وما أخرجوا أقلامهم ليكتبوا بها وكان أيسر أن يكتبوا سطرين حملوا سيوفهم وقتل الإبن أباه والأب حارب ولده وهم قوم عنصريون

لا يسألون أخاهم حين يندبهم                       في النائبات على ما قال برهانا

يقاتل آل فلان ولا يكتب سطراً لأنه يستحي أن يكتب شيئاً يضحك منه الناس ويقولون له أين هذا من هذا؟

لماذا هذه الهجمة الشرسة على القرآن هذه الآيام؟ الهجمة الشرسة على القرآن ليست في هذه الأيام وإنما تزيد وتنقص وهي منذ بداية نبوة محمد r وهي ماضية إلى يوم القيامة ولا نتوقع أن يأتي زمان لا يكون هناك من لا يحارب الدين. لكن أن يكون هناك إستغلال لغفلة المسلمين ولإنشغال المسلمين بأمور فتبدأ الحرب على الإسلام بأشكال مختلفة. بعض إخواننا يتحدث عن بعض الناس الذين أتخذوا لأنفسهم منهجاً خاصاً في الفقه هؤلاء لم ينشروا الإسلام في أي بلد كافر من وجودهم في التاريخ ولكن دائماً شغلهم في تحويل المسلمين من عقيدة أهل السنة والجماعة إلى فقههم، هذا شغلهم وعلى قول أحدهم يصيدون السمك من المقلاة! ولا يذهب لصيد السمك، الهند مفتوحة إذهب وادعُ الناس فيها للإسلام! لا نتوقع أن تتوقف الهجمة في أي وقت لكن على الناس أن ينتبهوا إلى ذلك وهو ليس فقط مسألة أسلوب القرآن الكريم وإنما الذي لا يعرف أسلوب القرآن الكريم ولا يعرف أساليب العربية يعرف على الأقل أحكام الشرع ويوازن بين أحكام الشرع والقوانين الوضعية، بين الأحكام الشرعية التي تضمن الخلق النظيف والمجتمع النظيف المتآخي المتواصل وهذه النظم التي تخاف من القانون فإذا غفل عنها القانون فعلت ما لا يفعله الشيطان. المجتمع المسلم مجتمع طاهر نقي نظيف من خلال تعاليم هذا الدين. العرب الآن الذين هم من أعراق عربية لم يعد لديهم ذلك الذوق العربي صرنا نتعلم العربية بحيث إذا سمعت إثنان عراقيان يتحدثان لا يفهمها الجزائري وإذا سمعت إثنان من المغرب يتحدثان أنت لا تفهمهما، فنحن إبتعدنا لذا نقول هذا الكلام هي لمسات للتذكير بهذه المعاني البيانية في كتاب الله عز وجل أما الإيمان والثبات فعلى شرع الله سبحانه وتعالى ومعرفة ما شرّعه الله سبحانه وتعالى.

سؤال 270: ما السر في استعمال (فيهن) في قوله تعالى (فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (56) فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (70) الرحمن) مع أن باقي الآيات ورد فيها (فيهما) مثل (فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (50) فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (52) فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (66) فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (68))؟

في سورة الرحمن (ولمن خاف مقام ربه جنتان) يعني نوع من الإكرام لمن خاف مقام ربه، الذي يخاف مقام ربه يطبّق ما يريده ربه، (ولمن خاف مقام ربه جنتان) هذا إكرام ليس جنة واحدة وإنما يوهَب جنتين.

(من) علماؤنا يقولون لفظها لفظ مفرد، (من خاف) أي الذي خاف لكن هي ليست بلفظ (الذي) وإنما تحتمل الذي واللذان واللتان والذين واللاتي، هي عامّة لفظها لفظ مفرد، حتى أن البعض قال ما الدليل على أن لفظها لفظ مفرد؟ علماؤنا يقولون لفظها لفظ مفرد الدليل أن تأبّط شرّاً – هو شاعر جاهلي معروف - جمعها على (منون) يقول:

أتوا ناري فقلت منون أنتم؟              فقالوا الجِنّ قلت عِمّوا ظلاماً

أوقد ناراً في الليل،صار أضيافه من الجنّ. قول علماؤنا لما يقولون لفظه لفظ مفرد عندهم إسناد. أنت تستطيع أن تقول كما قال القرآن (من خاف) ولك أن تقول (من خافوا) لكن بيان القرآن وأسلوبه في استعماله لما يستعمل (من) لما يستعمله للجمع يراعي لفظه مرة ومعناه مرة، يقدّم مراعاة اللفظ على مراعاة المعنى (ومن الناس من يقول آمنا بالله واليوم الآخر) يقول مفرد، (وما هم بمؤمنين) ما قال (وما هو) هذا السياق موجود في القرآن في مواطن كثيرة. لما يكون (من) يراد به الجمع يستعمل أولاً المفرد ثم بعد ذلك يأتي إلى الجمع. عندنا آيات أخرى: (ومن يطع الله والرسول) ومن يطع مفرد (فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم) جمع، هذا السياق يراعي اللفظ ويراعي المعنى، يقدم مراعاة اللفظ على مراعاة المعنى. كان العرب يلاحظون هذا ويعجبون ويقفون إجلالاً لكلام الله سبحانه وتعالى عندما يسمعونه كهذا الذي سمع قوله تعالى (وأنذرتكم صاعقة) وضع يده على رأسه قال ستسقط على رأسي، كانوا يتحسسون هذا.

(ولمن خاف مقام ربه جنتان) الذي خاف مقام ربه من آدم u إلى قيام الساعة هو جماعة وليس واجداً، الخائفون كُثُر، فإذن جنتان وجنتان وجنتان إذن تكون جنّات، لذلك نجد القرآن في موضع آخر صحيح هو قال (ذواتا أفنان، فيهما عينان تجريان) ثم قال (متكئين) لما جاء يتحدث عن الخائفين قال متكئين يعني هؤلاء الخائفون قال متكئين لم يقل متكيء، راعى المعنى هنا. فلما قال متكئين، المتكئون لا يكون لهم حوراء واحدة وإنما حور عين، لا يكون لهم قاصرة طرف وإنما قاصرات. فلما جاء لذكر النساء في يوم القيامة كان لا بد أن يجمع، لا تكون واحدة فقال (فيهن قاصرات الطرف) كأنه يمهّد لقاصرات الطرف ما قال (فيهما) في الجنتين لأنه قال (متكئين) إذن صارت جنات، قال متكئين إنتقل إلى صورة الجمع، إلى صورة جنات وجنات تقتضي (فيهن) حتى يلائم أيضاً قاصرات الطرف.

الموضع الثاني هو هو أيضاً (فيهن خيرات حسنات)، إستمر يتكلم (ومن دونهما جنتان) لأن الجنة مراتب لذا الرسول r يقول: إسألوا الله الفردوس الأعلى لأنه يدعو يدعو فيسأل الله سبحانه وتعالى أعلى شيء لأنه يدعو ويسأل كريماً لكن الناس مراتب.

(من دونهما جنتان) رجع للجنتين التي هي لكل واحد خاف مقام ربه فصارت جنات، (فيهما فاكهة ونخل ورمان) لما جاء إلى ذكر الخيرات الحسان (فيهن خيرات حسان)، الخيرات جمع خيرة التي أصلها خيّرة وخُفّفت، هي جمع الزوجات. ثم قال (حور مقصورات في الخيام) لهذا السبب جاءت (فيهن) تمهيد لذكر مجموع ما في هذه الجنات، والله أعلم.

سؤال 271: تخصيص حلقة للعناصر في تدبر القرآن وإظهار الفرق بين التفسير والتأويل والإجتهاد وإعمال العقل والقول بالرأي.

الكلام في هذا قد يطول لكن نحاول أن نوجز إن شاء الله تعالى. سأل السائل عن التفسير والتفسير هو في اللغة بيان المعنى، فسر الشيء فسره أي بيّنه وأخرج جزئياته حلّله وفيها معنى الشرح لأن الفسر كأنه تجزيء. والكلام على التأويل أؤخره لأن فيه كلام طويل.

الإجتهاد هو بذل الجهد في الشيء يعني أن تبذل جهداً في معرفة معاني كلام الله سبحانه وتعالى. لكن الإجتهاد هذا ينبغي أن يكون في ضوء ضوابط التفسير وليس كل أحد ينظر في كتاب الله عز وجل ويجتهد كما أنه ليس كل أحد يقرأ كتاباً في الحديث ويصبح مفتياً من أهل الفُتيا يُفتي يقول لك أنا عربي وهذا كلام باللغة العربية، هذا لا يجوز لأنه لا بد أن يفهم الناسخ والمنسوخ ويفهم المجمل والمفصّل ويفهم ترتيب الأحكام هذا كان أولاً وهذا كان آخراً والخاص والعام، هذا خاص وهذا عام وهناك أمور كثيرة أخرى لذا نجد كثيراً من المتضلعين من اللغة لما يسألونه مسألة في الفقه يقفون ويقولون إسألوا أهل الفقه لا سيما في زماننا هذا زمن التخصص، يسأل عن قضية في الحديث يسأل متخصصاً في الحديث. ما كل من قرأ كلمتين في الطب يريد أن يكون جرّاحاً ويفتح بطون الناس لا يجوز هذا وشرع الله أعلى وأعز من مسألة فتح بطون الناس في الطب. هذا الإجتهاد سواء كان في الفقه أو كان في الكلام عن كتاب الله سبحانه وتعالى يرجع إلى أقوال العلماء التي هي في حقيقتها معتمدة أولاً على معرفتهم بلغة العرب، على معرفتهم بأقوال صحابة الرسول r ونحن هنا نذكر بقضية تنفع المشاهد في قضية فهم ما قاله الصحابي بالنسبة لتصور كثير من العلماء. الصحابة عند المسلمين كلهم عدول، الصحابي الذي صحب رسول الله r هو صادق، ولذلك لما سُئل الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه قيل: أصحاب محمد r صدقوا أم كذبوا؟ قال بل صدقوا، قالوا فلِمَاذا نجد أحياناً في بعض أقوالهم ما يخالف الكلام؟ قال لأن بعضهم لم يعرف أن كلاماً آخر قد نسخ الكلام الأول الذي حفظوه وعلماؤنا جمعوا الناسخ والمنسوخ، فهم صادقون جميعاً. إذا قال الصحابي قال رسول الله r والسند صحيح هذا الكلام صادق، لكن إذا كان الصحابي له رأي، هو إجتهد، عند ذلك نجد بعض علمائنا يقولون هذا الإجتهاد قابل للأخذ والرد. أبو حيان الأندلسي لما جاء ليبحث في مسألة الإسراء أكان بالروح والجسد أو كان بالروح؟ ذكر إثنين من الصحابة قالا الإسراء كان بالروح، قال إن صح الكلام، النقل عنهما لأنهما لو يقولا حدثنا رسول الله r ولكنه كان إجتهاد منهما قالا الإسراء بالروح قال إن صحّ فلا يعتدّ به لأن فلان في أيام الإسراء كان كافراً لو قال حدثني فلان من الصحابة عن رسول الله r يُقبل كلامه لكن هذا رأيه، وفلان كان صغيراً. لما يأتينا رأي إذا كان صحابي ينسبه للرسول r فلا مجال للمشاحة فيه.

إعمال العقل هو نوع من الإجتهاد أنك تُعمل عقلك لكن بالضابط نفسه أما أن تعمل عقلك من غير ضوابط يكون الإنسان عند ذلك ضمن قوله سبحانه وتعالى (أفرأيت من إتخذ إلهه هواه) لأن العاقل قاصر في النصوص النص مقدّم ولهذا وجدنا الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله يفضل الأخذ بالحديث الضعيف على القول بالرأي (المناقشة العقلية غير المعتمدة على النصوص) يقول لأن الحديث الضعيف إحتمال 50% أن يكون منسوباً للرسول r والضعيف ليس الموضوع أو الذي لا أصل له، الضعيف قد يكون قاله الرسول r لكن هناك علة في بعض الرواة غير قادحة بحيث تحوّل الحديث إلى موضوع. مذهب الإمام أحمد أنه إذا لم يكن هناك نص سوى حديث ضعيف يفضله على الرأي، وهذه وجهة نظر وهذا إجتهاد الإمام أحمد. حينما أرسل الرسول r عامله معاذ إلى اليمن قال "أجتهد رأيي ولا آلو" معاذ صحابي جليل وعلماؤنا أوضحوا معنى قوله أجتهد رأيي في الإستنباط من كلام الله عز وجل وسنة رسوله r بناء على الكُليّات، هذا هو إجتهاد وإعمال عقل في الوقت نفسه لكن ضمن الإجتهاد.

 وكذلك القول بالرأي هي كلها متقاربة لكن كلها تنضبط بالضوابط التي ذكرها علماؤنا في ضابط الإجتهاد لا يعمل رأيه من عند نفسه من دون النظر في كليات النصوص.

إعمال العقل أن يفكر الإنسان فإذا فكر سيجتهد. وإبداء الرأي الذي يراه بناء على إجتهاد ولكن نحذر من أن يُفهم أن إبداء الرأي بمعزل عن النصوص وعن الكليات أي الضوابط. الإسلام يكرّم العقل في ضوء النصوص. هؤلاء العلماء الذين استنبطوا ونحن عندنا إعمال العقل في أروع صوره في مدرسة الإمام أبي حنيفة، في كتب الأحناف يقولون: قال أبو حنيفة كذا وخالفه الصاحبان بناء على إعمال العقل في النصوص، ألم يعمل العقل في الصلاة في بني قريظة لأن النص واضح وصريح "لا يصلينّ أحدكم العصر إلا في بني قريظة" بعض الصحابة أعمل عقله قال مقصود الرسول r أن نستعجل لأن صلاة العصر معلوم وقتها فلا يفوت وقت الصلاة ولا نصلي نصلّي والآخرون قالوا النص واضح وصريح نصلي في بني قريظة ولو بعد المغرب فالرسول r أقرّ الإجتهادين حتى يتعلم أبناؤنا هذا التسامح في فهم النصوص. ما عنّف أحداً أنتم اجتهدتم وأنتم اجتهدتم، ولا شك أن بعضهم من ذوي الأجرين وبعضهم من ذوي الأجر لكن الرسول r لم يقل هذا صاحب الأجر الواحد وهذا صاحب الأجرين لكن ساواهما في الاجتهاد. (تتمة الإجابة في الحلقة القادمة)

بُثّت الحلقة بتاريخ 29/11/2006م


الحلقة 68

تابع سؤال 271:

وقفنا في المرة الماضية عند عدد من الألفاظ التي سأل عنها السائل ومنها كلمة التفسير وقلنا أن الفسر في الأصل كأنه لو أخذ تمراً وشقّها حتى يخرج النواه فهذا فسر كأنه إزالة الشيء الذي يغطي ما تبحث عنه. لذلك لما تأتي الجملة أو العبارة كأنها غير واضحة لعموم القارئين بسبب بُعد الشقّة الزمنية ونحن لا نشك أن كل آيات الله سبحانه وتعالى كانت مفهومة من قِبَل العرب في وقتها لكن لما ابتعد الزمن صار هناك حاجة لبيان هذه المعاني. فسّر الشيء كأنه إكثار في الكشف، فيه معنى الإكثار، التفسير فيه معنى الإكثار من بيان المعنى. بعض علمائنا يقول كل هذه الكلمات (التفسير، التأويل، الإجتهاد، إعمال العقل، إبداء الرأي) بمعنى واحد وعندنا نصّان، نصٌ لابن الأعرابي ونص لثعلبة، إبن العربي يقول التفسير والتأويل والمعنى واحد، ومثله يقول لما سئل عن هذه الكلمات قال: التأويل والمعنى والتفسير واحد لكن نحن مع الذين يقولون هناك فوارق جزئية وكل لفظة لها معناها.

التأويل: لما نأتي إلى التأويل نجد أنها من آل الشيء يؤول بمعنى صار يصير أو رجع يرجع. آل هذا الأمر إلى كذا أي صار إلى كذا أو رجع إلى كذا، هذا التأويل. لما ننظر في إستعمالات القرآن للفظة التأويل نجد أنها تأتي بمعنيين: المعنى الأول هو بيان ما يؤول إليه اللفظ من معنى، لما نأخذ آية من القرآن وهي صورة من الصور التي ذكرها القرآن عن آل فرعون (فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (45) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (46) غافر) هذا تأويله واضح إذا أراد الإنسان أن يأوّله سيقول عند ذلك أنه آل فرعون أصابهم العذاب الشديد وأُهلِكوا وهم في موتهم وهلاكهم يعرضون على النار إما يعذبون فيها أو يرونها فيخافون وفي يوم القيامة سوف يدخلون النار ويعذبون عذاباً شديداً. هذا بيان المعنى الذي هو التيسير.

المعنى الثاني للتأويل هو بيان حقيقة الشيء، حقيقة الشيء بمعنى ماهيته، ما هو هذا الشيء؟ وكيف هو؟ هذا بيان الماهية والكيفية لا يكون في كل موضع. في هذا الموضع مثلاً بيان الماهية والكيفية غير ممكن، لماذا؟ نحن نستفيد من هذه الآية أن هؤلاء الناس يعذبون في القبر (عذاب القبر) لأن الآية صريحة (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) إذن هذا عذاب وهذا عذاب، فالإيمان بعذاب القبر. لكن ما ماهية هذا العذاب؟ وكيفيته؟ هذا النوع الثاني من التأويل الذي هو أن نرى مآل حقيقة هذه الألفاظ، حقيقة المعنى ليس معنى الألفاظ وإنما حقيقتها، حقيقة هذه الألفاظ هنا غير معلومة. ما حقيقة هذا العذاب في القبر؟ ما ماهيته؟ كذلك ما ورد من كلام في صفات الله سبحانه وتعالى لما يقول (سميع بصير) تأويلها أو معناها الظاهر أن الله سبحانه وتعالى يبصرنا ويسمعنا (قال إنني معكما أسمع وأرى) فالله سبحانه وتعالى يسمعنا ويرانا، كيف يكون هذا السمع؟ كيف تكون هذه الرؤية؟ هذا الذي قال عنه علماؤنا أن حقيقة هذا الأمر غير ممكن والتي أشارت إليه الآية الكريمة (هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ) (محكمات هن أم الكتاب) هذا أيضاً من معاني الحكم الذي ليس فيه تعارض والحكم الذي فيه كلّيات يستنبط منه التفاصيل تستخرج منها التفاصيل مثل الأم التي تلِد. والتشابه في القرآن له أكثر من معنى: التشابه بمعنى إنعدام التعارض والتناقض (متشابهاً) ليس فيه تعارض. ومتشابه أي يشتبه على الناس جزء منه. نؤكد أولاً أن القرآن الكريم كله كان مفهوماً من لدن العرب لكن هناك آيات هي مفهومة كما قلنا في آية (وحاق بآل فرعون سوء العذاب) هذا مفهوم لكن فيها مساحة للغيب. (وأُخر متشابهات) التي فيها مساحة للغيب لا نعني أنها غير مفهومة لأن ليس في القرآن الكريم شيء غير مفهوم، كله مفهوم لكن فيها مساحة فيها غيب كالآية (وحاق بآل فرعون سوء العذاب). نحن نؤمن أن هناك عذاب القبر مفهومة من هذه الآية لكن فيها مساحة غيب، كيف هو هذا العذاب لا ندري؟ ما ماهية هذا العذاب؟ لا ندري. (أسمع وأرى) مفهومة يسمعنا ويرانا لكن كيف؟ ما ماهية السمع؟ (يد الله فوق أيديهم) ما ماهية هذه اليد؟ هذا الذي قال علماؤنا نُمِرّه مروراً كما هو. فيها مساحة للغيب يعني صفات الله سبحانه وتعالى، الحديث عن الماهيات، الكيفيات، في الجنة نعيم ما ماهيته؟ ما كيفيته؟ في النار عذاب، ما ماهيته؟ ما كيفيته؟ كيف يكون العذاب؟ كيف يكون الإنسان يحترق ويجادل؟ (وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ (77) الزخرف) (وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَاء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (50) الأعراف) لأن هذا العذاب له ماهية خاصة، تكوين خاص، وله كيفية خاصة هيئة خاصة تليق بذلك اليوم والخوض منه ضياع الوقت وتشكيك للعقول وصفه الله تعالى (فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ) يريدون أن يفتنوا الناس ويحاولون الوصول إلى حقيقة هذا الشيء، حقيقة عذاب القبر غير مفهومة تقول هذا غرق وهذا حرق وكيف سيعذب وإذا أحرقنا إنساناً كيف سيعذّب؟ هذا كله غيب. نحن نؤمن أن هناك عذاب للميّت قبل قيام الساعة في الأقل آل فرعون. قال r: "يعذبان في قبريهما وما يعذبان في كبير" لكن ما وصف r ماهية العذاب، هما يعذبان والحديث صحيح لكن كيف يعذبان؟ لم لا نسمع عذابهما؟ طريقة العذاب؟ إذا لم يبق من الإنسان شيء إلا عجب الذنب لا يعجز الباري أن يقول كن فيكون فتعود هذه الأجسام جميعاً حتى لو لم يبقى منها شيء. نحن لا نقيس قدرة الباري عز وجل على ما عندنا في حياتنا. (يتبعون ما تشابه منه) ولا يمكن أن يصلوا فيه إلى نتيجة لأن الغيب لله سبحانه وتعالى، بعد موت الإنسان كل الأمور غيب ويصان عقل الإنسان عن أن يكدّ فيها فوصفهم بهذا الوصف (فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وما يعلم تأويله إلا الله) لا يعلم حقيقة العذاب، حقيقة العذاب والنعيم، حقيقة هذا الشيء الذي هو غائب عنا في الدنيا يتعلق بالآخرة لا يعلمها إلا الله تعالى والراسخون في العلم يقولون آمنا به. هماك وقف عند الله، والراسخون في العلم ويكون معرفتهم بالشيء وليس الحقيقة ولا أحد من هؤلاء العلماء حتى الذي نسب إليه أنه قال أنا ممن يعلم تأويله هو يعلم تأويله بمعنى معناه، دلالة ألفاظه وليس بمعنى حقيقته لأنه لا أحد يعلم حقيقة عذاب القبر ومن زعم لنفسه ذلك فقد قال كلاماً كبيراً إلا إذا كان نبياً يوحى إليه وانقطع الوحي بعد رسول الله r.

(وما يعلم تأويله إلا الله) أي حقيقته، حقيقة معنى هذه المتشابهات. عذاب القبر معلوم من خلال الآية لكن حقيقة هذا العذاب لا يعلمه إلا الله، لأن قلنا التأويل له معنيان: بيان مراد الألفاظ، معانيها الظاهرة، هذا تأويل أي ما يؤول إليه اللفظ لأنه تأويل ويؤول اللفظ إلى كذا ويؤول اللفظ إلى حقيقة كذا هذا الجزء هو مما إختص الله عز وجل بعلمه. فيكون عندنا في المتشابهات هناك مساحة من الغيب لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى والمساحة العامة يعلمها كل من يقرأ القرآن الكريم ويعرف لغة العرب.

التفسير: كأنه الفسر أي الكشف عما هو غامض في المتأخرين من الناس ممن لغتهم العربية ضعيفة فيحاولون أن يفسروا لهم ما غمض من المعاني كأنهم يكشفون عن شيء في الداخل هو المعنى.

الإجتهاد: بذل الجهد في معرفة الشيء، أن يبذل الإنسان جهده في معرفة هذه المعاني وفي الاستدلال بها على إستخراج الفتاوى ويجتهد في فهم هذه النصوص. وقلنا أن الاجتهاد في الفتوى له أهله الذين أمضوا حياتهم في هذا الأمر وليس الذي يقرأ كتاباً أو كتابين ويقول هم رجال ونحن رجال، أبو حنيفة رجل وأنا رجل، فكما هم اجتهدوا ونحن نجتهد، هناك آلة منها معرفة الناسخ والمنسوخ ومعرفة أساليب العرب، معرفة دلالات الألفاظ أحياناً اللفظة الواحدة تؤدي عدة معاني.

إعمال العقل: الإنسان لا بد أن يُعمل عقله في تفهم المراد لكن أن يُعمل عقله في الاستنباط ينبغي أن يكون وفقاً للضوابط وليس على هواه، يعمل عقله في الاستنباط من النصوص. ذكرت مرة أنه في أيام الشباب كنا نقرأ على أحد المشايخ في التجريد الصريح للبخاري الذي فيه جرّد الأسانيد وجرد المكررات ووقفنا عند الحديث: إنما الماء من الماء، والمفهوم منه أن الإنسان إذا عاشر أهله وكسِل فلم يُنزل لا يغتسل لأنه إذا نزل الماء يغتسل لأن الماء من الماء، وانتهى الوقت فقال الشيخ على رسلكم هذا الحديث منسوخ لأنه في أول الإسلام فلا يذهب أحدكم فيفتي، سنأتي في الجلسة القادمة ونذكر حديثاً آخر نسخه لأن جاء بعده " إذا جلس الرجل بين شعابها الأربع ثم جهدها وجب عليه الغسل أنزل أو لم يُنزِل " إذا أعمل عقله وقرأ إلى حدّ الحديث الأول سيفتي أنه لا يعتسل ويقول هو من البخاري، لا، هذا دين الله لا ينبغي أن يعبث به العابثون " أسرعكم إلى الفتوى أسرعكم إلى النار" كما قيل. فإعمال العقل وفقاً للضوابط أن يكون مؤهلاً لإعمال العقل، إعمال العقل في النص وفق ضوابط اللغة، لو كان مهندساً ودرس على المشايخ ليس هو شيخ نفسه يمكن أن يتكلم لكن ينبغي أن يعلَّم طريقة الإستنباط وطريقة الجمع بين النصوص، هذا دين الله لا ينبغي أن يعبث به العابثون. طبيب يدرس ويتخصص، مهندس لكن يأخذه من أفواه الرجال، من المشايخ ولا يكون الإنسان شيخ نفسه لذا علماؤنا يقولون: " من لا شيخ له فشيخه الشيطان". لا يقول أحد أقرأ وأنا فهمت كذا، إعمال العقل وفق الضوابط عن طريق الرجال.

القول بالرأي: وكذلك القول بالرأي لما يكون عندك رأي ينبغي أن يكون الرأي وفق الضوابط أيضاً. حرام أن تقول أنا رأيي أن الشجرة الملعونة في القرآن يعني بني فلان، هذا لا يجوز، هذا حرام. أن تبدي رأياً وفق ضوابط ووفق مناقشات. لذلك لما تكلمنا عن مدرسة أبي حنيفة قلنا أحياناً في المسائل الإجتهادية يكون لأبي يوسف رأي مخالف لأبي حنيفة أو محمد بن الحسن رأي مخالف. هذه آراء بناء على استدلالات يقول دليلي كذا وكذا. فالمسلم ينظر في الأدلة ويرى ما هو الأرجح إذا كان من أهل النظر فإذا لم يكن من أهل النظر وليس له قدرة على الترجيح فلا بأس أن يتبع أحد الأئمة الأربعة المشهورين رضي الله عنهم ويحاول جهد الإمكان إذا وجد مسألة خلافية أن يسأل عن دليل كل واحد فيحاول أن يتبع الدليل. فهم جميعاً يقولون: إذا جاءكم الحديث فهو منهجي، هذا قولهم.

فهذه خلاصة والكلام في هذا يطول وسيجعلنا ننتقل من اللمسات إلى القضايا الأصولية.

سؤال 272: حرف الهاء يقصد بها التنبيه في (هؤلاء، هذا) فهل للهاء نفس الدلالة في (فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) الحاقة)؟ وما دلالة باقي الكلمة (اؤم)؟

يفرحنا جداً مثل هذه الأسئلة والملاحظة والتتبع والمراعاة وتشير إلى أن المشاهدين يتتبعون فصاروا ممن يلاحظ هذه الآيات كما قال تعالى عن أناس هجروا هذا القرآن (أفلا يتدبرون القرآن) فصاروا ممن يتدبر القرآن وينظرون شيئاً دُبُر شيء.

(فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ (19) الحاقة) الجزء الأول في هاؤم (هـ) هو ليس كالجزء الأول في لفظ (هذا)، الجزء الأول من لفظ (هذا) نص العلماء على أن (ذا) هو إسم الإشارة ولو تذكرت أبيات الألفية:

بذا لمُفردٍ مذكّر أشِر           بذي وذِه تي تا على الأنثى اقتصر

وتدخل الهاء للتنبيه فيقال (هذا) وأحياناً لا تدخل الهاء وإنما يأتي ذاك وذلك. لكن هنا (هاؤم) الهاء ليست للتنبيه و(أؤم) التي يحار الناس في معناها وإنما هذه لفظة، هي إسم فعل (هاؤم) كلمة كاملة كما هي بمعنى (خذوا) كأنما يريد أن يعطيهم شيئاً (هاؤم اقرأوا كتابيه) خذوا كتابي فاقرأوه.

(هاؤم) قال العلماء تستعمل في لحظة الفرح الشديد، يقول هاؤم هذا وانظروا فيه. بعض العلماء تتبع هذه اللفظة في لغات العرب فوجد أن العرب تستعملها بثماني طرائق: منهم من يقول (ها) فقط: ها يا رجل، ها يا امرأة، ها يا رجلان، ها يا امرأتان، ها يا رجال، ها يا نسوة صورة واحدة بمعنى خذ وخذي وخذا وخذوا وخذن. وبعضهم يستعمل معها الهمزة (هأ) هأ يا رجل، لكن يقولون أكثرها استعمالاً التي أشار إليها سيبويه إمام النحاة وهي التي يقول فيها العربي (هاءَ يا رجل، هاءِ يا امرأة، هاءا يا رجلان ويا امرأتان، هاؤنّ للنساء وهاؤم يا رجال) فهذه هي اللغة العليا الأكثر إستعمالاً. أن تلحق الألف همزة مفتوحة قبل كاف الخطاب هذه لغة أخرى: (هاءك، هاءكِ، هاءكما، هاءكنّ، هاءكم). ثماني لغات لكن اللغة التي عليها القرآن الكريم أجودها ما حكاه سيبويه لما يقول العرب تقول أي جمهور العرب فهي اللغة العليا المثلى تقول (هاءَ، هاءِ، هاءا، هاءكنّ، هاؤم) فالميم في هاؤم كالميم في أنتم وضمها كضمها في بعض الأحيان. وفسّر هنا بـ(خذوا) وتستعمل عند الفرح والنشاط وكأنها جواب، كأنها لشخص يقول: ما عندك؟ يقول: هاءِ ما عندي، في حال فرحك ونشاطك وسرورك. هؤلاء كانوا مسرورين فيقولون (هاؤم) لفرحهم وسرورهم، والذي أعطي كتابه بشماله لم يقل هاؤم.

وعندنا رأي يرى "وزعم قوم أنها مركّبة في الأصل" كأنها منحوتة نحتاً أصلها هاء التنبيه وأوموا أي إتجه إلى الشيء، هاأوموا إليّ يعني إتجهوا إليّ لكن لا يوجد دليل واللغات السبع الأخرى دليل على أنها كلمة وصنعت هكذا ابتداءً وليست من النحت.

هناك فرق بين هاؤم وخذوا: هاؤم كأنها لفظة سرور لكن إذا قلت خذوا أي خذوا هذا الأمر وأنت فرح أو غاضب أو راضٍ أو غير راضٍ أو غيره لكن هاؤم فيها سرور وفرح.

(لا تخفى منكم خافية): مناسبة أن نقول أن هذه الآية وحدها لو كان الإنسان يتبصّر فيها لتوقف عن كل عمل لا يرضي الله سبحانه وتعالى لما يتذكر أنه (يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية) هذه وحدها لو أراد أن يسرق أو يعصي، يقول صحيح أنه لا أحد يراني، لكن كيف أصنع يوم لا تخفى خافية؟ سلاّمة لما قالت لعبد الرحمن القُسّ (يقال له قُسّ لعبادته) قالت له: إني لأحبك، قال وأنا والله، قالت: وأشتهي أن أقبّلك، قال وأنا والله، قالت: فما يمنعك فإن الموضع لخالٍ؟ قال: يمنعني قول الله عز وجل - تذكروا فإذا هم مبصرون - (الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (67) الزخرف) فأخشى أن تحول محبتي لك عداوة يوم القيامة. فلو تذكر الإنسان دائماً هذه الآية (يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية) ما كان عصى أحدٌ ربّه سبحانه وتعالى.

سؤال 273: كلمة بقيت وردت في سورة هود مكتوبة بالتاء المفتوحة (بَقِيَّتُُ اللّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ (86) هود) فهل جاء لها رسم بالهاء؟

كلمة (بقية) وردت في ثلاثة مواضع من القرآن الكريم: في سورة البقرة (وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (248) هذه رسمت بالهاء أو التاء المربوطة كما يقال، في سورة هود أيضاً في الآية (فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ (116)) رسمت بالهاء وفي السورة نفسها في الآية (بَقِيَّتُُ اللّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ (86)) وردت بالتاء. هذا يجعلنا نعود إلى مسألة رسم المصحف. (تكملة الإجابة في الحلقة القادمة).

بُثّت الحلقة بتاريخ 2/12/2006م


Hit Counter