برنامج لمسات بيانية

إجابات الدكتور حسام النعيمي على أسئلة المشاهدين


الحلقة 69:

تتمة سؤال 273:

نحن قلنا في نهاية الحلقة الماضية أن هذا السؤال يتعلق برسم المصحف، برسم القرآن الكريم وأن لفظة بقية وردت في ثلاثة مواطن: وردت في سورة البقرة (وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (248)) وهذه رسمت بالهاء يعني بالتاء المربوطة كما نسميها، في سورة هود وردت كلمة بقية مرتين في البقرة مرة وفي هود مرتين ولم ترد في مكان آخر على ما أحصاه محمد فؤاد عبد الباقي: مرة في الآية 116 وردت لفظة بقية في قوله تعالى (فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ (116))  كتبت كلمة بقية بالتاء المربوطة، وقبل هذه الآية في الآية 86 في سورة هود كتبت كلمة بقيت بالتاء المفتوحة وهي قوله سبحانه وتعالى (بَقِيَّتُُ اللّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ (86)).

خط المصحف توقيف، وكلمة توقيف فُسِّرت على وجهين: بعض الناس يقول هي على ما أملاه الرسول r ونبّه عليه في رسم الخط وهذا الكلام - فيما أراه - مرجوح لأن الرسول r لم ينبه على كلمة كيف تكتب ولا يوجد دليل على ذلك. الرأي الثاني أن رسم المصحف توقيف على ما رسمه أصحاب رسول الله r في ذلك الوقت لأنه كان الخط العربي يمر بمراحل تطور من قبل الإسلام ثم جاء الإسلام وبعد الإسلام الخط يتطور بحيث كما أن الحركات لم تكن تكتب، لما كانوا يكتبون كلمة (كَتَبَ) لم يكونوا يضعون الفتحة على الكاف. كذلك في بعض الكتابات لما يكتب كاتب لا يضع الأف لأن الفتحة والألف صنوان، الفتحة هي ألف قصيرة لأن الخليل بن أحمد الفراهيدي يقول: الحركات أبعاض حروف المدّ (الضمة بعض الواو والكسرة بعض الياء والفتحة بعض الألف) لكن الفارق أن الواو والياء لهما صورتان أخريان لا تكونان مدّاً فرُسِمتا، بينما الألف لا تكون إلا مدّاً ففي أماكن كثيرة لا تُرسم. ونحن عندنا في بداية كتابة المصحف - طبعاً نعلم تاريخ الكتابة - المصحف كُتِب في زمن أبي بكر رضي الله عنه الكِتبة الأولى ثم أعيد نسخه في زمن عثمان رضي الله عنه ووُزِّع. عندنا حديث في البخاري في قصة جمع القرآن حين دعا عثمان بن عفان رضى الله تعالى عنه زيد بن ثابت (أنصاري) فأمره وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن ينسخوا الصحف في المصاحف وقال عثمان للرهط القرشيين إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء في القرآن فاكتبوه بلسان قريش فأنما نزل بلسانهم فكتبوا الصحف في المصاحف فاختلفوا هم وزيد بن ثابت في التابوت فقال الرهط القريشيون التابوت وقال زيد التابوه فرفعوا اختلافهم إلى عثمان رضى الله تعالى عنه فقال أكتبوه التابوت فأنه بلسان قريش . ولو كان الرسول r أملى على زيد (وزيد كاتب الوحي) كيف يكتب التابوت ما اختلف مع القرشيين قال نحن نقول التابوه فنكتبه بالهاء قالوا نحن نكتبه بالتاء فرُفع الأمر إلى عثمان فكرر الكلمة أنه نزل بلسان قريش. هذا الحديث موجود في البخاري في موضعين وورد في سنن الترمذي وفي صحيح إبن حبان مع اختلاف في التفصيل. فالكلام كان على اللسان، على النُطق، هو ينطق هكذا، الرسم: هي (بقيت الله) تلفظ هكذا و (بقية مما ترك آل موسى) تلفظ هكذا لكن الخط لم يكن قد استقر، الهمزة ما كانت موجودة، لم تكن قد خُلٌِقت بالرسم والذي إبتكرها هو الخليل بن أحمد الفراهيدي المتوفى عام 175 للهجرة فما كان هناك همزات مرسومة في خط المصحف، لا يرسمونها لكن يُنطق لأن القرآن حُفِظ في الصدور. لكن هل هناك سِرٌ أنها قد كتبت هكذا مرة ومرة كتبت هكذا؟

نحن لو تأملنا في هذا المرسوم وفي إختلافاته ليس من السهل أن نجد ضابطاً لذلك ولهذا نقول الراجح أنه كان بسبب عدم إستقرار الخط. فيكتبونها مرة بالتاء ومرة يكتبونها بالهاء، غير مستقرة. وهناك من يقول هناك أسرار ونحن لا نعرف هذه الأسرار. جئت بمثال من سورة مريم (ذكر رحمت ربك (2)) وفي سورة ص (أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب (9)) كلمة رحمت في الآية الأولى مضاف إليه وأضيفت إلى لفظة (رب) وفي سورة ص كلمة رحمة مضاف إليه وأضيفت إلى كلمة (رب) فهي صورة واحدة: لفظ مضاف إليه ومضاف إلى كلمة أخرى هي هي، إلى (ربّ) لكن في سورة مريم كتبت (رحمت) بالتاء الطويلة وفي ص كتبت (رحمة) بالتاء المربوطة. ونحن نقول هذا عدم إستقرار ولكن ماذا نستفيد منه الآن؟ نستفيد شيئاً أن المسلمين لم تمتد أيديهم إلى كتاب الله سبحانه وتعالى بتغيير حرف منه لمطاوعة الإملاء أو لتوحيد الإملاء، فالذي لا تمتد يده لتغيير حرف لا يمكن أن تمتد يده لتغيير آية. هذا منطق: أنه أناس رفضوا أن يغيروا كلمة (رحمت) بالتاء لو كتبت بالهاء ستقرأها رحمة لأنها ما نزلت مكتوبة وإنما نزلت صوتاً، الصحابي كتبها بالتاء الطويلة. كأنما أراد الله سبحانه وتعالى أن تكون هناك أكثر من صورة لبعض الكلمات ويحافَظ عليها حتى تكون دليلاً قاطعاً لكل منصف أن المسلمين لم يغيروا في قرآنهم شيئاً، ما بدلوا حرفاً بحرف. وقد سُئل الإمام مالك في هذا: أنكتب المصحف على كتبة اليوم؟ أي في زمانهم لأن الإملاء صار واضحاً يكتبون كلمة (صراط، رياح، صلاة، تكتب بالألف) صار عندهم قواعد إملائية، قال: لا، إلا على الكِتبة الأولى، حتى لا يكون ذلك سبباً في هذا التغيير، أي يكون سبباً لتحريف القرآن لأن الله سبحانه وتعالى تعهد بحفظه، فالقرآن يُحفَظ بعمل الرجال الذين يهيئهم الله سبحانه وتعالى لخدمة كتابه لذلك النقط والحركات صارت خارج جسم الحرف القرآني. ما وضعوا الفتحة في كلمة كَتب وضعوها بين الكاف والتاء، هي بعد الكاف الفتحة بعد الكاف، ما وضعوا لها رمزاً يفضل بين الكاف والتاء، قالوا نضعها خارج الجسم. وفي البداية رفضوا أن يفعلوا ذلك وقالوا: كيف نصنع ما لم يصنعه أصحاب رسول الله r؟ شيء اعتيادي عندهم أن تكتب الكلمات هكذا مرة بالتاء ومرة بالهاء مثل كلمة رياح مرة تكتب بالألف ومرة بدون الألف.

أظهر الدكتور حسام على المشاهدين صورة لبعض الآيات يقولون الخط منسوب للإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وإن لم يكن خطّه فالمكتوب من عصره. لما ننظر إليها إذا لم نكن نعرف من أي سورة ليس من السهل أن تُقرأ. هي من سورة الحجر (من كل شيطان رجيم إلا من استرق السمع..) كلمة شيطان ليس فيها ألف، (إسترق) القاف موجودة على أول السطر التالي، في السطر الرابع نجد كلمة رواسي هنا أثبت الألف بينما في خط المصحف الآن ليست مثبتة أحياناً توضع وأحياناً لا توضع. تعني أن الكتابة كانت غير مستقرة لذلك العلماء يقولون الذي يقول بتحريف القرآن خارجٌ من المِلّة لأنه يقول شيئاً مخالفاً لقول الله عز وجل (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) ثم كأنما يعطّل عقله. الكتابة كانت صعبة وانظر إلى عُسرها. في معايش أثبت الألف وفي المصحف لم تثبت، خزائنه لم يضع الألف مع أنها موجودة في المصحف. الألِفات كانت مظنّة الإختلاف. رسم المصحف الذي بين أيدينا أُخِِذ من روايتين مسندتين: رواية إبن نجاح والداني كلاهما من الأندلس وإذا اختلفا في شيء يرجّح إبن نجاح.

لما جاء أحد القساوسة إلى قاضي بغداد وقال له: تقولون التوراة من الله والإنجيل من الله ثم تقولون حُرِّفت إذن القرآن من الله وأيضاً حُرِّف. نحن أصل القرآن عندنا محفوظ في الصدور. فلما جاء إلى مجموعة من الأطفال في أزقة بغداد فقرأ عليهم (تب يدا أبي لهب وتب إلى أن وصل إلى: في جيدها حبل من ليف (المسد في العربية معناه الليف) ترك الصبية اللعب وبدأوا يصفقون له يضحكون منه، تركوا اللعب يقولون: الشيخ لا يحسن القرآن، قالوا ويحد أطفال يحمون كتاب الله من يستطيع أن يغيّر فيه؟ بقاء هذا الإختلاف في رسم بعض الكلمات خلافاً للرسم الإملائي الذي إتفق عليه فيما بعد بقاؤها دليل على أن المسلمين حافظوا على صورة الحرف القرآني لم يغيروا فيه شيئاً ولو غيّروا لا مانع في الحقيقة لأنه سيقرأها رحمة (الصلوة سيقرأها الصلاة) ما زالت تكتب بالواو وهكذا الكلمات الأخرى.

سؤال 274: لماذا لم تكتب كلمة (ابراهم) بالياء في سورة البقرة بينما كتبت بالياء في باقي القرآن؟

كلمة إبراهيم كلمة أعجمية وليست عربية وكل كلمة غير عربية في لسان العربي يتصرف بها يعني يلفظونها بطرائق مختلفة. إبراهيم يُنطَق إبراهام، إبراهيم بعض العرب كان ينطقها إبراهيم وبعضهم ينطقها إبراهام. إبن عامر قارئ الشام (أهل الشام كانوا يقرأون بقراءة يمثلها إبن عامر) القبائل في الشام تقرأ بقراءته ليس العكس وإنما هو يمثل مجموعة قبائل سمعت من رسول الله r أو قرأ بعضها بين يدي الرسول r فأقرهم بأمر من ربه. نشدد على أن القراءات أو الأحرف السبعة هي بأمر من الله سبحانه وتعالى وليست بفعل رسول الله r.

كلمة إبراهيم وردت في 69 موضعاً في القرآن الكريم. نصّ العلماء على أن إبن عامر قرأ في 33 موضعاً (إبراهام) وفي 36 لم يقرأ إبراهام لأنه لم تنقل له في هذه المواضع كلمة إبراهام، لم يسمعها من القبائل وإنما سمعها إبراهيم. نحن نشبّه نطق القبائل ونشبّه الرواة أشبه بشريط تسجيل الآن، هنا سمع هذه الكلمة يقولها هكذا كما قلنا مرة في المغرب العربي الآن ورش يقرأ (فأكله الذيب) (قل للمومنين) بدون همزات وإذا به يأتي (أولئك هم شر البريئة) (يا أيها النبيء) الهمزة التي في الذئب والمؤمنين أنت سهلتها فكيف تأتي النبيء يقول هكذا سمعت أذني وسجله دماغي فأنا ألفظه، لا يُشغِّل عقله، هذا قرآن. فإبن عامر قارئ الشام 69 موضعاً فيها كلمة إبراهيم لم يقرأ بالألف إلا في 33 موضعاً. أكثر من هذا روى لبعض رواته أنه في البقرة وحدها هذه القبائل قرأت وقبيلة أو قبيلتين قرأت في الـ 33 موطناً وفي البقرة 15 موضعاً. لذلك الأندلسيون أخذوا من هذا الراوي الذي يروي 15 موضعاً فكتب المصحف على روايتهم وإلا إبن عامر خارج البقرة أيضاً قرأ في 18 موضعاً قرأ إبراهام لكن رسمت بالياء حملاً على جمهور رواته أنه فقط في البقرة والنص أوردته قال: (وروى جماعة من المغاربة عن إبن الأخربي عن الأخفش عن إبن الأكوان - أحد راويي إبن عامر - بالألف في البقرة خاصة (هذه رواية واحدة من إحدى عشرة رواية أو طريقاً) ومن هنا جاء تخصيص البقرة بحذف الياء وبه قرأ أبو عمرو الداني – أحد راويي خط المصحف - فثبتت) أيضاً هذا يجعلنا نقول المصحف على ما رُسِم، على ما روي، حتى هذه الجزئيات الصغيرة ما غُيّرت فمن أين يأتي بعض الضالين ويقولون هناك سورة محذوفة، هناك آية إنتقلت من مكان إلى مكان من المستشرقين ومن أتباع المستشرقين؟! هذا الرسم يؤكد لنا واختلاف الأسماء عندنا مثلاً: الطور، طور سنين، طور سيناء، إلياس، إل ياسين، آل ياسين هو هو العرب تتصرف والقرآن نزل بلغتهم وهكذا قرأ الناس فأُقِرّت قراءتهم بأمر من الله سبحانه وتعالى فجاءت الصورة هكذا. طبعاً إل ياسين فيها قراءة آل ياسين لكن إلياس قراءة واحدة، طور سنين قراءة واحدة الكل مجمعون عليها، طور سيناء مجمعون عليها. في الإختلاف في نطق الإسم الأجنبي ثبت كما هو.

من أراد أن يكتب مصحفاً يضع بين يديه نسخة من المصحف ويرسم الجسم كما هو ومن أراد أن يعلِّم الصبيان يرسم لهم الآيات على الكتابة الإملائية – أجازها الإمام مالك – وإن كان في الرسم نرى الآن أنه من الأفضل أن يعلَّموا بالرسم القرآني حتى يتعلم الصبيان ويرون صورة رسم المصحف حتى لا يأتي أستاذ ثم لا يحسن القراءة في المصحف.

سؤال 275: ما دلالة تكرار (من قبلكم) في آية سورة التوبة (كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (69))؟

الخلاق أي النصيب ولكن فيه شيء من التهوين (النصيب الهيّن التافه) حتى أحياناً تُستعمل في العامية فيقال الخلقات أي الملابس. يعني هذه الأموال والأولاد هي عند الله سبحانه وتعالى " لو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء". (فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ) هم استمتعوا بخلاقهم فاستمتعوا بخلاقكم، ممكن في غير القرآن أن يقول: كما استمتعوا بخلاقهم لكن سيكون التكرار قريباً "فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتعوا بخلاقهم" كرر الشيء الأول (كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم) حتى يخفف استعمال الضمائر لأن استعمال الضمائر صار كثيراً. خف الاستعمال ثم مضى في هذا التجنب لحشد الضمائر وقال (وخضتم كالذي خاضوا) ولم يقل خضتم كخوضهم أو كالذي خاضوه، أو خاضوا فيه، لكن قال (خضتم كالذي خاضوا) (الذي) فيها شيء من التعريف فهذا الذي جعل الإبتعاد عن تكرار الضمائر وتكرار العبادة بنصّها. (فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم) كأنه كره " كما استمتعوا بخلاقهم" رجع إلى الأول فهو نوع من تجنب الضمائر، شيء من التخفيف.

العربي كان يعرف هذا ويسميها إستراحة، يستريح من تكرار الضمائر بهذا الشكل ويمكن أن نتحسس ذلك فالذي درس العربية يمكن أن يتلمس ذلك عندما يضع المقترح والآية "كما استمتع الذين من قبلكم" هو يريد أن يكرر كلمة خلاقهم حتى يشدد على تفاهة هذا الشيء كما قال مالك بن الريب (ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة بجنب الغضى، فليت الغضى، وليت الغضى، وادي الغضى، لقد دنى الغضى، ولكن الغضى) هو يريد أن يقبِّل هذه الكلمة، يحبّها كذلك عندما يريد القرآن أن يبغِّض هذا الشيء أن هذه الأموال والأولاد خلقات (خلاقهم) يكررها. بدل ما يقول كما استمتعوا بخلاقهم ويكرر الضمائر وتثقل بَعُدَ قليلاً وقال: كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم ثم قال (وخضتم كالذي خاضوا فيه). تكرار الكلمات التي يريدها والاستراحة بالابتعاد عن تكرر العبارة كما هي لأنها قريبة مرتبطة بها فرجع إلى عبارة بعيدة قليلاً حتى يكون نوع من إستراحة السمع واستراحة النطق. هذا وكان العربي يدركه على وجه اليقين وهذا الذي جعلهم يقولون: ما هذا بكلام بشر!

بُثّت الحلقة بتاريخ 6/12/2006م


الحلقة 70

سؤال 276: ما الفرق بين قوله تعالى (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56) القصص) و (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) الشورى)؟

الإشكال الذي قد يتبارد إلى ذهن بعض القراء لكتاب الله سبحانه وتعالى متأتٍ من إختلاط معنى كلمة الهداية فيقول لك: مرة يقول الله سبحانه وتعالى مخاطباً رسوله r (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء) وفي موضع آخر يقول (وكذلك أوحينا لك   وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم). هنا (إنك لتهتدي) بالتأكيد بـ (إنّ) والتأكيد باللام (لام المزحلقة). لام المزحلقة هو مصطلح نحوي: هي لام التوكيد المفروض أن تكون في البداية لكن لما جاءت (إنّ) المفروض أن تقول: زيدٌ مجتهدٌ، لزيدٌ مجتهد هذا للتوكيد، تأتي (إنّ) لا يجتمع المؤكدان في مكان واحد، (إنّ) أقوى لأنها حرف مشبه بالفعل فتُزحلق اللام إلى الخبر فيقال: إن زيداً لمجتهدٌ. هي لام إبتداء فزُحلِقت.

هناك توكيد، هنا: (إنك لا تهدي من أحببت) لما ننظر في الآيات التي تحيط بهذه الآية: الكلام على حال الرسول r وهو يرغب ويحرص على إسلام قومه، على إيمان قومه، وهو بذل معهم جهداً عظيماً في دعوتهم فهم قوم الإنسان حبيبون إلى قلبه فما بالك إذا كان هذا الإنسان هو رسول الله r؟ علاقة حبٍ بينه وبين كل الكون. فلما ننظر في الآيات نجد أن الكلام على قومه. تقدّم الكلام على أهل الكتاب (وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (51) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ (52) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (53) أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُون (54)) أهل الكتاب إذا دخلوا في الإسلام يؤتون أجرهم مرتين،، (وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُون (54) وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (55)) هنا الرسول r يتشوق إلى إسلام قومه من غير أهل الكتاب فيقال له - وهي كأنها لمسة حنان لقلب الرسول r - (إنك لا تهدي من أحببت) يعني ليس من شأنك أو من دأبك، أو من مهمتك أنك تهدي من تحب، أنت تحب قومك لكن فعل الهداية هذا ليس من صلاحياتك. (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56) وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَّدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (57)) إذن هذا الكلام على قومه r الذين مكّن لهم الله سبحانه وتعالى حرماً آمناً، هم أهل مكة فهو حريص عليهم. إذن فمن أين جاء هذا التفريق لا تهدي ولتهدي بالتأكيد؟. يقول علماء اللغة أصل معنى الهدى الإرشاد والبيان والتوجيه. هذا الأصل، لذلك لما أراد أبو بكر رضي الله عنه أن يورّي، لما شوهد هو والرسول r قال: هادٍ ليهدني الطريق، ففُهِم منه أنه مرشد للطريق هذا، يرشده للطريق. لكن الإستعمال أعطى اللفظة أكثر من معنى، يتبين هذا المعنى الخاص في كل مرة من خلال نسق العبارة، من خلال سياقها، فقالوا إذن الهدى هُديان: هدى بمعنى الإرشاد والبيان وهذا مستعمل في القرآن الكريم (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (17) فصلت) معناه هنا الهدى البيان أي بينا لهم طريق الحق، طريق الخير ومع ذلك إستحبوا العمى على الهدى. الله سبحانه وتعالى إذا هدى إنساناً إلى الإيمان لا يتحوّل فإذن المراد بهديناهم هنا بيّنا لهم الطريق. هذا المعنى هو الذي استعمل في قوله (وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم) أنت تبيّن للناس طريق الشريعة وطريق الهداية، مهمتك البيان والإرشاد (وإنك لتهدي). والمعنى الثاني للهداية هو إيصال الهدى إلى القلب بمعنى إيصال الإيمان إلى القلب. وإيصال الإيمان إلى القلب لا يملكه أحد سوى الله سبحانه وتعالى بهذا المعنى جاء (إنك لا تهدي من أحببت) بمعنى أنك لا تستطيع أن توصل ثمرة الإرشاد الذي هو الإيمان إلى قلوب الناس، وإنما هذا من فعل الله سبحانه وتعالى (ولكن الله يهدي من يشاء) الإيصال لله. إذن صار للهدى معنيان: المعنى الأول هو الإرشاد، والإرشاد هو مهمة الرسول r واستعمل بهذا المعنى في آية أخرى كما قلنا (أما ثمود فهديناهم) أي أرشدناهم، و (وهديناه النجدين) وضحنا له الطريقين، أرشدناه إلى الطريقين. (إنك لتهدي) أي إنك لترشد إلى طريق الهداية، هذا جزء من مهمته بل هو أهم مهمة من مهمات الرسول r هو الإرشاد والبيان. المعنى الآخر هو إيصال الهداية إلى القلب بحيث ينبني عليها الإيمان، هذا لا يملكه بشر بل لا يملكه مخلوق وهذا المقصود من قوله تعالى (إنك لا تهدي من أحببت) إنك تحب أن توصل الإيمان إلى القلب لكن هذا ليس لك والذي لك هو مجرد البيان والإرشاد فليس هناك تعارض.

هناك شيء (إنك لا تهدي من أحببت) ما قال: إنك لن تهدي. لو قال إنك لن تهدي أولاً يكون المعنى للمستقبل (يمكن أن تهدي الآن أو أنك هديت) هذا أمر والأمر الآخر لما يقول (إنك لا تهدي) هذا بيان لحقيقته، لصفته، بينما لما يقول : إنك لن تهدي يدفع الفعل للإستقبال فقط. هو لا يريد أن يدفعه للإستقبال فقط وإنما يريد أن يبين حقيقة. عندما يريد أن يبين حقيقة يستعمل (لا) (إن الله لا يصلح عمل المفسدين) لا يقول لن يصلح عمل المفسدين لأنها مستقبل لكن لما يقول (لا يصلح) لأن هذا فعل الله عز وجل في الماضي والحاضر والمستقبل. هذه حقيقة يعني إذا أراد أن يعبر عن حقيقة شيء، لما نقول هذه حقيقة يعني حقيقة ثابتة تشمل الماضي والحاضر والمستقبل (إن الله لا يصلح عمل المفسدين) ما قال لن يصلح صحيح (لن) فيها معنى التأكيد لكن (لا) هنا أثمر لأنها تثمر النفي في الماضي والحاضر والمستقبل، لأنها تبين حقيقة، فكذلك هنا (إنك لا تهدي من أحببت) يعني ليس من حقيقتك، ليس من شأنك أن توصل الهداية إلى قلوب الناس فيؤمنون.

ما قال لن تهدي كما قال (فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا) لأن هذه غير. فإن لم تفعلوا هنا نفى عنهم الفعل في الماضي لأن طولبتم بهذا، كانوا مطالبين (لن تفعل) للماضي لأن (لم) حرف جزم ونفي وقلب، لما نقول لم يكتب نفيت عنه الكتابة وجزمت الفعل من حيث النحو ومن حيث المعنى هو الجزم يعني مؤكد وقلب يعني تقلب معنى الفعل الحاضر إلى الماضي. (فإن لم تفعلوا) يعني ما فعلتم (ولن تفعلوا) في المستقبل لا يكون منكم هذا الفعل لأنهم كانوا طولبوا. أما في الآية فالرسول r ليس هناك مطالبة أنه هدى في الماضي أو ما هدى فنفاه على الحقيقة كما قال (إن الله لا يصلح عمل المفسدين) و (إن الله لا يغير ما بقوم) هذه حقيقة ليست في الماضي ولا المضارع ولا المستقبل وإنما حقيقة. دلالة (لا) مع المضارع دلالة على حقيقة الشيء ولما نقول حقيقة الشيء أي هو هكذا، وجوده هكذا، فيشمل الماضي والحاضر والمستقبل.

مجيء (لا) هنا فيها فائدتين ولم يقل (لن) مع أن (لن) فيها معنى التأكيد، والزمخشري نُقِل عنه أنه قال التأبيد.

إستطراد من المقدم: (ولكن الله يهدي من يشاء) المشيئة على من تعود؟

الأمر ليس بالصعوبة التي يتصورها الناس ونعيد ما قلناه قديماً: نقول الله سبحانه وتعالى مالك الملك فإذا فعل شيئاً في ملكه لا يُسأل، هو يتصرف في ملكه فلا تسأله عما يفعل في ملكه جلّت قدرته. هذا المبدأ الأول، والأمر الآخر أن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يشاء إضلال كل من خلق ولا يُسأل وقادر على هداية كل من خلق ولا يُسأل وقادر على أن يمنح من خلق حرية الإختيار أن تكون لهم مشيئة. نحن من أين نعلم أننا من أي صنف؟ ممن شاء الله سبحانه وتعالى لنا أن نضل أو ممن شاء الله لنا أن نهتدي أو ممن شاء الله لنا أن نكون مختارين؟ لا ندري. لكن إرسال الرسل ومجيء الكتب معهم والتذكير والتنبيه والإلحاح في طلب الهداية معناه أنه أنت في الخانة التي هي ضمن مشيئة الله عز وجل في أنك ستختار. لنتصور أن هناك ثلاث خانات: خانة للمهتدين وهم الملائكة، وخانة للضالين وهم الشياطين، وخانة شاء الله سبحانه وتعالى أن يجعلهم هنا (وما تشاؤون إلا أن يشاء الله) إلا أن يشاء الله لك أن تكون ذا مشيئة، يضعك في الخانة الوسط فإذا كنت في الخانة الوسط لا تعتقد أنك تتصرف من غير إرادة الله سبحانه وتعالى إنما أنت تقدِّم. الإنسان يقدم أسباب الضلال وقد يحجبه الله سبحانه وتعالى عن الوصول إلى نهاية الضلال - له ذلك سبحانه – يقدم أسباب الهداية وقد يحجبه الله عز وجل عن الوصول إلى نهاية الهداية، لا يُسأل، فمن هنا يأتي ربط المشيئة كاملة بالله سبحانه وتعالى لكن الإنسان مطالب بأن يقدم أسباب الهداية ويتشبث بالخضوع لله سبحانه وتعالى أن يوفقه للوصول إلى آخر طريق الهداية. ولذلك (ولكن الله يهدي من يشاء) يشاء هنا تحتمل المعنيين: المعنى الأول الذي يمضي في مشيئته نحو الهداية والمعنى الآخر الذي يشاء الله سبحانه وتعالى له أن يصل إلى نهاية طريق الهداية حتى لا ننفصل عن قدرة الله عز وجل وعن الخضوع لله سبحانه وتعالى والإنسان يقول أنا اهتديت بنفسي، كلا. أنت قدمت أسباب الهداية لكن ما كان لك أن تصل لولا مشيئة الله سبحانه وتعالى لكن لا تتوقع أن تقدم أسباب الضلال وتصل إلى نهاية الهداية. الشيء الطبيعي أن الإنسان إذا إتخذ أسباب الضلال سيصل إلى نهاية الضلال وإذا إتخذ أسباب الهداية سيصل إلى نهاية الهداية بتوفيق الله سبحانه وتعالى ومن هنا نفهم (مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا (79) النساء) لأنك في الحالين قدمت الأسباب لكن ما كنت تستطيع أن تصل إلى نهاية الخير لولا مشيئة الله سبحانه وتعالى. هذه صورة موجزة مختصرة ميسّرة.

سؤال 277: لماذا جاء وصف السفينة في سورة القمر على هذا النحو (وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (13)) ولم يستعمل الفلك أو السفينة؟

يأتي بنا إلى الكلام على ما أطلق العلماء عليه الفاصلة القرآنية. العربي يميل بطبعه إلى رتابة النهايات في الجُمل لذلك جاء عنده السجع والسجع يراه كلاماً عالياً لما يكون الكلام مسجوع في النثر، والسجع هو أن تنهي الجمل بحرف واحد مثلما قال: من مات فات وكل ما هو آتٍ آت. وفي الشعر هناك القافية، حرف الرويّ الذي هو فيها ملازم لحرف واحد يأتي. هذه طبيعة قبائل العرب يميلون إلى ذلك، يأنسون به، يرون فيه نوعاً – على قولهم- من الموسيقى يأنسون لها، هذه الرتابة كأنها رتابة سير الجمل يرفع قدمه ثم تستقر في موضع واحد.

هذه السورة لما نأتي إلى القرآن الكريم نجد نهايات الآيات أو ما يسمى برؤوس الآي تلزم في كثير من الأحيان حرفاً واحداً علماؤنا تحرّجوا أن يسمونه سجعاً أو أن يسموا ذلك قافية إبتعاداً بالقرآن عن لفظ السجع والقافية لأنه من كلام البشر فأطلقوا عليه كلمة الفاصلة القرآنية، فواصل القرآن فجاءت على ما يأنس به العربي. لكن هل كانت الفاصلة مرادة لذاتها من غير علاقة بالمعنى؟ الجواب قطعاً لا ولذلك – لعلنا ذكرنا هذا مرة – إذا كان المعنى يقتضي التضحية بالفاصلة فالآية تضحّي بالفاصلة. أمامنا نموذج، مثال، (إستطراد من المقدم سأل عن سورة الضحى فأجاب الدكتور أن سورة الضحى لم يضحي بالفاصلة وإنما أراد الفاصلة لكنه مرتبط بالمعنى لما قال (ما ودعك ربك وما قلى) ما قال ما قلاك، حصل على الفاصلة لكن في الوقت نفسه نزّه ضمير الرسول r من أن يرتبط بالقلا الذي هو البغض)

لما نأتي إلى سورة الأحزاب مكونة من 73 آية، لو نظرنا في الآيات جميعاً سنجد أنها في 72 موضعاً تنتهي بالألف، في موضع واحد لا تنتهي بالألف وكان يمكن أن تنتهي بالألف فتنسجم الفاصلة، ضُحيّ بالفاصلة. (حكيما، خبيرا، وكيلا، وهو يهدي السبيل) ممكن أن يقول السبيلا في غير القرآن. أجمع القراء على قراءتها السبيل ولا قراءة السبيلا مع أنه في الآية 67 قال السبيلا. الفرق بين الكلام عن السبيلين أن هنا (وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (4)) السبيل الذي فيه الهداية مستقر لأن الألف فيها حركة طويلة كأنه حتى تزول هذه الحركة ويكون هناك نوع من الإستقرار عند الوقف قال (وهو يهدي السبيل) السبيل مستقر ساكن، سبيل الله عز وجل ليس فيه قلق، ليس فيه حركة. بينما لما نأتي إلى الآية (فأضلونا السبيلا) هي في موطن الصراخ (إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا، نصيرا) كله مدّ (يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (66)) مدٌ أيضاً لأنهم يصرخون (وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (67)) مناسب جداً لحالهم فمع أنه ذكرها هنا بالألف هناك الكلام يقتضي السكون والاستقرار عند الوقف ضحّى بالفاصلة ولم يؤثر هذا على المعنى. هذا دليل على أن الفاصلة ليست هدفاً له وإنما هي تأتي هكذا منسجمة مع ذوق وما يحبه العربي.

الآن هناك محاولة لإفساد الذوق العربي جزء من تخريب الأمة، يعني شخص يكتب: لنشنق إبن عقيل أمام أبواب الجامعات! والآخر يقول: يسقط سيبويه، تحيا العربية! هدموا عمود الشعر وأخذوا التفعيلة ثم هدموا التفعيلة فصاروا يهرفون بما لا يعرفون يقولون هذا شعر! هذا الكلام الذي فقد الموسيقى وفقد القافية سيموت يقيناً – نحن لا نعلم الغيب – لكن نعلم واقع الحال. واقع الحال أن الأمة تميل إلى نوع من الرتابة. وقد دونت عدداً من الأبيات ما يسمى بالشعر النبطي وهذا يبين ذوق الناس إلى اليوم، والنبطي شعر عامي إصطلح على تسميته النبطي نسبة إلى الأنباط. هم خليط من العرب والآراميين كانوا في البتراء في الأردن قبل الإسلام وكانوا ينتسبون إلى المدن حتى نُسِب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يقول: لا يكن أحدكم كعرب الأنباط إذا سُئل من أين الرجل قال من بلدة كذا. يعني لا تنتسبوا إلى مدنكم وإنما إنتسبوا إلى عشائركم، إلى قبائلكم  لنعرف من أين أنتم، من أي القبائل أنتم.

وصلّوا على المختار ما هبّت أنسام    وعداد ما شمسٍ توارت بالمغيب

وعداد ما وقتٍ مضى فيه الأحكام       تغشى رسولr كلّم الشاة والذيب

والآل والأصحاب النجاب الكرام         ومن شبّ في التوحيد والشيب

هذا الإلتزام في صدر البيت (حرف رويّ) الذي هو الألف والميم وفي عجز البيت (الباء وقبلها الياء) إلتُزم في القصيدة والقصيدة من مائة بيت كلها في نهاية العجز حرفاً وفي نهاية الصدر حرفاً وموزون بوزن واحد. الشعر النبطي له أوزان مختلفة لا يتصور الإنسان أنه يتكلم من غير وزن. فأين قصيدة النثر؟ يمكن أن الشاعر لا يعرف القراءة والكتابة أصلاً ويمكن أن تنظر لما يُنشر في الجرائد من هذا الشعر النبطي سيجد عجباً ويجد هذه الصور الجميلة ويجد الموسيقى والإلتزام. معناه أن طبيعة العربي ميالة إلى الإلتزام والذي يريد أن يحفظ نتاجه من النص الأدبي عليه أن يكتبه بما كتبه العرب من المتنبي إلى اليوم هناك من يكتب بهذا.

نعود إلى الآيات: فائدة ما دمنا قرأنا من سورة الأحزاب وقلنا الفاصلة وكيف ضُحيّ بالفاصلة من أجل المعنى وكان يمكن أن تطلق. في غير القرآن يمكن أن يقول تهدي السبيلا كما قال فأضلونا السبيلا, هنا ينبغي أن ننتبه إلى الإشارة الموضوعة على ثلاث كلمات (الظنوناْ، الرسولاْ، السبيلاْ) فائدة للمشاهد ونحن نقرأ برواية حفص عن عاصم، يجد على الألف صورة صفر مستطيل هذا معناه أنك إذا وقفت تمدّ (الرسولاْ، السبيلاْ، الظنوناْ) عند الوقف تمدّ فإذا وصلت ألغيت الألف (فأضلونا السبيل ربنا آتهم ضعفين) لا نقول السبيلا ربنا آتهم بالمدّ. إما إذا وقفت تمدّ. (فأضلونا السبيلا) عندنا قراءات في السبيل. هناك أجمع القراء على قراءة واحدة (السبيل) أما هنا (السبيلا) فيها ثلاث قراءات: عن حفص عن عاصم، الكسائي وإبن كثير، نافع (المغرب العربي) يقرأها (السبيلا) وفي الوقف يُطلق، في الحالين يُطلق. وابو عمرو وحمزة ألغوا الألف وصلاً ووقفاً.

(وحملناه على ذات ألواح ودُسُر): الدُسُر جمع دسار مثل كتب وكتاب والدسر أو الدسار العربي يستعملها لمعنى المسمار لأن أصل دسر بمعنى أدخل بقوة أو شدّ بقوة. إن أراد الإنسان أن يربط خشبتين بحبل لا بد أن تربط بقوة، فهذه العملية يقولون دسر فإما بمعنى المسمار وإما بمعنى الحبل وقسم يقول حبل الليف على وجه الخصوص والظاهر أنه الليف لأن هذه الخيوط المترابطة التي تحتضن النخلة وتحصر السعف حتى لا يتساقط، فهذا ينسجون منه الحِبال. (حملناه على ذات ألواح ودسر) ذات ألواح ودسر يعني الفلك لكن لم يذكرها وإنما ذكر الصفة. حذف الموصوف وذكر الصفة. لدينا منه أمثلة: بيت للمتنبي الذي كان فارساً شاعراً وقتله بيتٌ من الشعر، قال:

مفرشي صهوة الحصان      ولكن قميصي مسرودةٌ من حديد

مفرشي صهوة الحصان (المكان الذي يوضع عيله السرج) أي أنا هناك حتى من غير سرج ولكن قميصي (القميص مذكّر) مسرودة بالحديد (مؤنث). كيف يقول المتنبي قميصي مسرودة؟ قال: هو ما أراد القميص وإنما أراد أن يقول قميصي درعٌ مسرودة من حديد فحذف الموصوف وأبقى الصفة على غرار الآية :وحملناه على فلك هي ألواح ودسر.

لِمَ لم يقل فلك مع أنه استعمل الفلك (ويصنع الفلك)؟ لو نظرنا إلى الجو العام جو رعب، جو خوف (فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ (11) القمر) كأن السماء من حيث نظر الإنسان يرى باباً مفتوحاً من الماء، ما قال غيث لأن الإنسان لما يسمع كلمة مطر أو غيث يتخيل نقاطاً، قطرات، هذا ماء منهمر الذي يقولون عنه كأفواه القِرَب المفتوحة. (وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاء عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12) القمر) يعني كل ذرة من الأرض انفجرت عيوناً، الأرض كلها صارت عيوناً، (وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ (42) هود) معناه هناك ريح تعصف بحيث تضرب الماء فيرتفع الماء فيكون أمواجاً هذا شيء مخيف. لو قال في فلك، الفلك مكان آمن خاصة إذا إستعمل (في)، الإنسان آمن في داخل السفينة. لكن أراد أن يقوي صورة الخوف والرعب فقال (على ذات ألواح ودسر) هي عبارة عن ألواح مشدودة وقال (وحملناه على ) ما قال (في) فلما يتخيل الإنسان هذا المشهد، هو فوق ألواح ودسر وهذا الماء بهذا الشكل يزداد رعباً ويتذكر أن ذلك قدرة الله سبحانه وتعالى كيف حمل نوحاً ومن معه على هذه الألواح والدُسُر. هذا المعنى يفوت لو قيل في غير القرآن وحملناه على فلك أو في فلك أو في سفينة أو على السفينة يضيع هذا المعنى وإلا القرآن قادر أن يقول وحملناه في فلك ويضحي بالفاصلة كما ضحى بها في (وهو يهدي السبيل)، لكن الصورة تختلف. تخيل الإنسان الذي تقدّم بالعمر يتذكر أن أناساً كانوا ينقلون بضائعهم بين المدن التي على النهر عن طريق ألواح ودسر حتى عندنا يسمونهم بالعامية الكلك، مجموعة أخشاب مشدودة ببعضها ويجلسون عليها وينقلون عليها البضاعة من مكان لمكان ولما يرجع يسحبها بالحبل على كتفه. فتخيل الإنسان لو كان هنا وهي كالجبال وهذه الريح والماء من فوقه ومن تحته، أيُّ رعب هذا؟! ينتقل الإنسان رأساً للتشبث برحمة الله سبحانه وتعالى التي أنجت نوحاً ومن معه وهو في هذه الحال.

سؤال 278: (عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ (20) البلد) لماذا قدم الجار والمجرور؟ ولماذا قُرِئت (مؤصدة) بالهمز وما الفرق بينها وبين موصدة بدون الهمز؟

أولاً هي قُرئت موصدة وقرئت مؤصدة، يعني عندنا قراءتان والذين قرأوا موصدة من السبعة أكثر ممن قرأ مؤصدة. الذين قرأوا مؤصدة أبو عمرو قارئ البصرة وحمزة من قراء الكوفة وحفص عن عاصم. لأن شعبة قرأها عن عاصم من غير همز وإبن كثير ونافع (المغرب العربي، لما أقول المغرب أعني شمال أفريقيا الجزائر، المغرب، تونس وليبيا في الغالب تأخذ بقراءة المشارقة وبعضهم يأخذ بقراءة أهل المغرب) عندنا فعلان: الفعل أصد بالهمز ووصد وكلاهما بمعنى الغلق. الثلاثي هذا لما تدخل عليه الهمزة يعني: وصد تصير أوصد صار من أربعة أحرف، جينما يكون أربعة أحرف في المضارع وفيه همزة تُحذف. عندنا دحرج مضارعه يدحرج (فعلل يفعلل) (هذا الكلام فيه طول لذا نكمله في الحلقة القادمة).

في الجزء الأول من السؤال لماذا تقدمت الجار والمجرور لأنه كأنه نار مؤصدة عليهم. مبتدأ وخبر و(عليهم) متعلّق بخبر محذوف. (نار) نكرة ولا يجوز الإبتداء بالنكرة لكن وصِفت. كان ممكناً في غير القرآن أن يقول نار مؤصدة عليهم لأنها النكرة موصوفة لكن هو ذكرهم من قبل (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (19) عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ (20)) إقتراب الأفعال واقتراب الضمير في (عليهم) هؤلاء الذين أتكلم بشأنهم عليهم نار مؤصدة. الشيء الثاني لما يقول (عليهم) يعني هناك شيء سينزل من فوق سيعُمّهم ما ذكر ما هو. يمكن في غير القرآن عليهم رحمة، عليهم غفران، فكأنه يشوقهم (عليهم ماذا؟) هؤلاء الذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشأمة أصحاب الشمال عليهم نار مؤصدة ولو لم يقدِّم يفوت هذا المعنى، معنى المفاجأة بعد ذلك لما يقول عليهم ينتظرون عليهم ماذا ثم يفاجئهم. والأمر الآخر لو قيل في غير القرآن (نار مؤصدة عليهم) كأن النار يفسّر وصف للمشأمة (قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود) كأنه بدل فحتى لا يكون هذا الخلط واللبس، هذه البدلية هم أصحاب الشمال وليست المشأمة هي النار وإنما المشأمة أن يأخذون كتبهم بشكالهم وما قال الشمال وإنما مشأمة حتى يشمل اليد الشمال والشؤم حتى يجمع عليهم الأمرين ولذلك قدم هنا. هذه فائدة التقديم في هذا الموضع. يبقى التفصيل من أين جاءت كلمة مؤصدة ومن أين جاءت كلمة موصدة جانب صرفي نتكلم عليه في الحلقة القادمة.

بُثّت الحلقة بتاريخ 9/12/2006م


الحلقة 71

تابع سؤال 278: نحن تكلمنا في الحلقة الماضية على تقديم الجار والمجرور وبيّنا قضية الإهتمام بالتقديم والصورة التي يؤدي إليها هذا التقديم فلا نعيد الكلام فيه. الآن الكلام على كلمة مؤصدة وموصدة. العلماء يقولون عندنا فِعلان: أَصَد ووَصَد يقولون كلاهما بمعنى، أصد مثل وصد لكن ما عندنا في العربية، في الإستعمال العربي وصد وأصد وإنما عندنا أوصد وآصد. أوصد الباب وآصد الباب كلاهما بمعنى، كلاهما بِزِنَة أفعل (أوصد بزنة أفعل، وآصد بزنة أفعل أيضاً لأن أصله أأصد بهمزتين). لما يكون عندنا همزتان في أول الكلمة، الثانية ساكنة هذه الساكنة تُقلب إلى جنس حركة ما قبلها. فإذا كانت حركة ما قبلها فتحة تقلب ألفاً، من أمن نقول آمن أصلها أأمن، إيمان أصلها إئمان بالكسرة، أُومن أصلها أؤمن فتُقلب وهذا القلب واجب وليس إختيارياً باختيارهم. إذا إلتقت همزتان في الأول الكلمة الثانية ساكنة تقلب إلى جنس حركة ما قبلها وجوباً وليس جوازاً.

آصد أصلها أأصد، أأصد وأوصد من أربعة أحرف، الفعل إذا كان من أربعة أحرف مثل دحرج لما تتصل به أحرف المضارَعة المفروض أن لا يتغير فيه شيء، يعني دحرج يبدأ بالدال والحاء (دح)، يدحرج يبدأ بالياء والدال لا يتغير، بعثر يُبعثر، زلزل يزلزل، لما نأتي إلى الرباعي المبدوء بهمزة مثل أكرم المفروض أن يقال يؤكرم بزِنة يدحرج لكن العرب ما قالوا يؤكرم. عندنا شطر بيت ما قبله شيء ولا بعده شيء – وأنا فتشت فلم أعرف قائله ورجعت في الموسوعة الشعرية في المجمع الثقافي في أبو ظبي وفيها مليوني وأربعمائة ألف بيت من الشعر ما وجدته – يقول الشاعر: فإنه أهلٌ لأن يُأكرم.

لما نأتي إلى آصد المفروض (يُأأصد) العرب لا تقول يُأأصد كما لا تقول يأكرم إنما قال يؤصد ومن أوصد ما قالوا يُأوصد وإنما قالوا يوصد, لما نأخذ إسم المفعول بإبدال حرف المضارعة ميماً مضمومة وفتح ما قبل الآخر سيكون عندنا من يؤصد مؤصَد ومن يوصِد موصَد، التأنيث مؤصدة وموصدة. إذن كلا اللفظين يعود إلى معنى واحد وهو من الرباعي وهو إسم مفعول فالمعنى واحد لكن بعض قبائل العرب نطقتها هكذا مثلما بعض قبائل العرب تقول أكّد الشيء يؤكّده تأكيداً وبعضهم يقول وكّد الشيء يوكّده توكيداً والتوكيد يقول علماؤنا أفصح من التأكيد. القبائل التي تقول يوكِّد أفصح من القبائل التي تقول يؤكد.

عندنا في مؤصدة قراءتان: قارئ البصرة أبو عمرو وأحد قراء الكوفة حمزة وحفص عن عاصم معناه بعض قبائل الكوفة قرأت مؤصدة وقبائل البصرة كانت تقرأ مؤصدة، المدينة (نافع) والآن أهل المغرب يقرأون بها، مكة (إبن كثير)، الشام (إبن عامر)، بعض قبائل الكوفة الأخرى (الكسائي وشعبة عن عاصم) كلهم كانوا يقرأون موصدة فالذي يقرأ مؤصدة في الحقيقة أقل من الذين يقرأون موصدة وكما قلنا سابقاً كلتا القرآتين ثابتة عن رسول الله r بقراءته إياها مباشرة أو بإجازتها عن ربه سبحانه وتعالى لهذه القبائل. فهذه إذن مسألة مؤصدة وموصدة كلتاهما بمعنى واحد لكن موصدة هل تعني مغلقة أو تعني مُطبقة؟ بعض العلماء قالوا هي على معناها مغلقة عليهم وبعض العلماء قالوا في قوله (عليهم نار مؤصدة) أي كأن النار جاءت من علو غطّتهم كأنها مطبقة عليهم بسبب حرف الجر (على) وقلنا أن هذه الصورة عندما نقول عليهم كأنه نزلت عليهم وشملتهم وغطّتهم وكلا القولين له ما يؤيده من لغة العرب.

سؤال 279: في سورة النساء آية 3 (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (3)) فما الفرق بين لا تقسطوا ولا تعدلوا؟

الآية (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا) عندنا الفعل قَسَطَ هو يأتي من بابين: قَسَط يقسِط قُسوطاً مثل جلس يجلس جلوساً وقَسَط يقسِط قَسْطاً مثل ضرب يضرب ضرباً. فعندنا القسط والقسوط بمعنى الظلم والجور، هذا قَسَط.

لما تدخل عليه الهمزة، عندنا الهمزة تدخل من معانيها السلب، يقولون من: شكى زيدٌ وجعاً فتقول أشكاه الطبيب يعني أزال شكايته. ومنه أيضاً أعجم الحرف بمعنى نقطه بمعنى أزال عجمته، السلب والإزالة. ومنه يقولون: أقذيت عين الصبي يعني أزلت القذى من عينه. فالهمزة تزاد أحياناً لمعنى السلب. فلما تقول أقسط بمعنى أزال أو سلب الجور والظلم، وهذا الفرق بين قسط وأقسط. قسط جار أو ظلم وأقسط أزال الجور وأزال الظلم، تحول عن الظلم. لكن عندنا القِسط بكسر القاف للعدل لأن فيه معنى التحول فصارت كلمة القِسط للعدل وليس للجور؟ القََسط بفتح القاف مصدره قسط، الظلم والقسوط مصدر ثاني لأنه يأتي من بابين. أما القِسط بالكسر فهو العدل ضد الجور بمعنى المساواة.

هنا لم يأت بالقِسط بالكسر ولا غرابة مثلما عندنا كلمة البَرّ ضد البحر بفتح الباء والبُرّ أي الحنطة بضم الباء والبِر بكسر الباء أي الإحسان فلا غرابة أن تأتي لفظة مغايرة لمعنى لفظة أخرى بتغير حركة واحدة وهذه من سمات العربية. فإذن الإقساط هو عدم الجور. لكن ننظر عدم الجور أن لا تكون ظالماً مع من استعملت؟ (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى) اليتيمة حينما تكون في حجر رجل مسؤول عنها، يتولاها، كأنما يصونها كأن يكون من أقارب هذه اليتيمة، يموت أبوها فتنقل إلى داره يكون وصياً عليها فلما يكون وصياً عليها وعلى أموالها أحياناً إذا تزوجها قد يظلمها في صداقها يعني لا يعطيها الصداق الكافي الذي تستحقه فيقول الله عز وجل للمؤمنين إذا داخلكم شك خشيتم أن لا تكونوا عادلين مع اليتيمة وخشيتم أن لا تزيلوا عنها الظلم فتحولوا إلى سائر النساء (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ) وقطعاً الإنسان إذا كان عنده أكثر من يتيمة لانه إذا كان عنده يتيمتين لا يستطيع أن يتزوج اليتيمتين لأنهما أختان لأنه لا يجوز الجمع بين الأختين. فمعناه لا يوجد هناك أكثر من واحدة، قد يفكر بالزواج من واحدة لكن قد لا يعدل باتجاهها، قد لا يزيل عنها الظلم، قد يظلمها، فإذن الظلم متوجه إلى واحدة وليس إلى متعدد فاستعمل كلمة الإقساط (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى) كأنهن في موضع معرضات للظلم، كل يتيمة معرضة للظلم، كل يتيمة عند إنسان. هذه اليتيمة المعرضة للظلم إن كنت تخشى أن لا تزيل عنها الظلم إذا تزوجتها أن توقعها في الظلم إذا تزوجتها عند ذلك لا تتزوج هذه اليتيمة وتحوّل إلى سائر النساء (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ) يعني من النساء الأخريات وليس ممن في أيديكم من اليتيمات (مثنى وثلاث ورباع) كل منكم يتزوج اثنين، ثلاث، أربع. (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا) هنا بإمكانه لما ذكر مثنى وثلاث ورباع ستكون لديه أكثر من امرأة بخلاف مع اليتيمة لا تكون إلا واحدة هناك قال إن خفتم أن لا تزيل عنها الظلم وإن خفتم ألا تقسطوا. هنا قال (ذلك أدنى ألا تعولوا) العدل فيه معنى المساواة والمعادلة، وتذكر كبار السن أنهم كانوا يضعون على الدابة ما يسمى بالعدلين عبارة عن كيسين في كل جانب كيس يضع فيه حاجياته ويحاول أن يعادل بينهما حتى لا يميل العِدل. فمع النساء المفروض كأنه أكثر من واحدة فيجب أن يكون هناك معادلة وليس إزالة ظلم عن واحدة وإنما فيه معنى التعادل. فلما تحدث عن التعدد إستعمل المعادلة، العدل من عِدلي الدابة، تكون عادلاً تساوي بينهما، ولما يتحدث عن اليتيمة استعمل إزالة الظلم (القسط) (فإن خفتم ألا تقسطوا). (فإن خفتم ألا تعدلوا) في النسوة المتعددات فواحدة. لما يكون عندك خشية تكتفي بواحدة. (أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا) تعولوا هنا بمعنى لا تعتدوا أي أن لا تتجاوزوا الحق. العَوْل هنا بمعنى العدوان، ذلك أدنى أن لا تعولوا أي أن لا تعتدوا من العدوان وليس من الإعالة (عال فلان بمعنى ظلم وليس بمعنى تكفّل) وهذا مستعمل في بعض اللهجات العامية عندنا مثل يقولون أولاد واحدة معينة دائماً يكونون معتدين فحيثما وجدت خصومة يقول الناس أولاد فلانة عايلين سواء كانوا موجودين أو غير موجودين. عايل أي ظالم أو معتدي (أدنى ألا تعولوا) أن لا تعتدوا في عدم المساواة بين النسوة.

سؤال 280: ما دلالة كلمة ليبلوكم في الآية (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (7) هود) ؟

(وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (7) هود) كلمة ليبلوكم، الإبتلاء هو الاختبار والامتحان والفعل يبلو متعلق بـ (خلق) يعني خلق هذه الأشياء من أجل امتحانكم ومن أجل ابتلائكم. هذا الكون كله خُلِق وأنتم خُلِقتم أيضاً من أجل الابتلاء والامتحان من سيكون مطيعاً لله سبحانه وتعالى ومن سيكون عاصياً؟. التعلق بخَلَق، ليبلوكم متعلقٌ بخَلَق وليس بما وراء خلق (في ستة أيام) وإن كانت كل هذه المعاني داخلة ضمن الامتحان والاختبار هي جزء منه، لما يسأل الإنسان لماذا ستة أيام؟ ما المراد بالعرش؟ ما المراد بالماء؟ كيف كان عرشه على الماء؟ هذا كله يندرج بالغيب الذي يؤمن به المؤمنون (الذين يؤمنون بالغيب) لأن كل ما غاب عنا إدراكه الخوض فيه هو كدٌ للذهن لا يوصل إلى نتيجة. ممكن أن تأتي بعض النظريات والأقوال هذا كله ليس من شأن القرآن الكريم. الإيمان بهذا النص القرآني هو جزء من الإيمان بالله سبحانه وتعالى وهذا الجزء أو هذه المساحة التي قلنا عنها أكثر من مرة اللفظ العام مفهوم لكن هناك مساحة في بعض الآيات هي مفهومة من حيث اللغة لكن فيها مساحة للغيب (قلنا هذا أكثر من مرة لكن الإعادة فيها نوع من الصالح).

فإذن (ليبلوكم) دلالتها ليختبركم أي أن هذا الوجود هو من أجل اختباركم أي أن تختبروا و الاختبارلا تعني أن الله سبحانه وتعالى لم يكن يعلم لأن الله عز وجل المستقبل في عينه ماضي. لكن حتى الإنسان الذي يدخل الجنة يعلم لماذا دخل الجنة.

الفرق بين البلاء والابتلاء: بلاه بالشيء وابتلاه كلاهما بمعنى اختبره مثل خَبِِر الأمر واختبر الأمر لكن الإختبار كأن فيه نوع من العمل. لما تقول خبرت هذ الشيء أي صار عندك خبرة به بجهد يسير إنما إختبرته فيه جهد، مثل جهد في الأمر واجتهد في الأمر، إفتعل فيه معنى بذل الجهد. ليبلوكم أي ليعلم من أخباركم علم ظاهر، أو علماً ظاهراً لأن العلم الباطن عند الله سبحانه وتعالى معلوم لكن حتى المخلوق يقتنع أن هذا حقّه بناء على فعله.

سؤال 281: هل القرآن نزل للإنس فقط أو للإنس والجن؟

هذا الكلام قد يطول لكن نحاول أن نوجز القول فيه. أولاً عندنا جِنّ آمنوا بهذا الدين (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ (29) الأحقاف) الله سبحانه وتعالى صرفهم إلى رسول الله r ولم يكن يعلم بهم، كان يقرأ القرآن، هؤلاء وجههم الله سبحانه وتعالى إلى رسوله r ليستمعوا فلم يكن قد رآهم وما أحسّ بهم r في هذا الموضع. (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ) أنصتوا أي إسكتوا، الإنصات بمعنى السكوت. (فلما قضي) معناه آمنوا ولّوا إلى قومهم، تحولوا إلى دعاة بمجرد أن سمعوا الذكر، تحولوا إلى داعين لهذا الدين (قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى) الجزيرة كان الغالب عليها اليهودية، النصرانية كانوا في الجنوب فلا يبعد أن يكون الجنّ هؤلاء من أتباع موسى u أي من اليهود كما كان اليهود في المدينة (قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ (30)) قالوا كتاباً من بعد موسى أي ما كانوا يعرفون النصرانية. (يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (31)) صاروا دعاة.

الموضع الثاني (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (2) الجن) عندنا حديث صحيح من عدة طرق لكن يلتقي عند إبن مسعود أنه سُئل في ليلة سميت ليلة الجنّ قال: كنا مسافرين مع الرسول r فافتقدناه في الليل فتشنا عنه لم نجده إلى أن جاءنا مع الفجر فقلنا يا رسول الله افتقدناك، ظننا أنك حدث لك شيء، قال: لا وإنما جاءني داعي الجن فذهبت معه (يعني جاءه مخلوق من الجنّ ودعاه إلى قومه من الجنّ ليقرأ عليهم القرآن) - الحديث صحيح ورد في أكثر من كتاب - فقيل له: هل شاهده منكم أحد؟ قالوا لا، وإنما الرسول r أخذنا فأرانا آثارهم معناه أن الرسول r رآهم، لما يكلمهم معناه رآهم وحده أما أصحابه فصرّحوا بأنه لم يرهم منهم أحد وإنما فقط هو الرسول r. إذن نزل القرآن للإنس والجنّ معاً، خوطبوا به.

بُثّت الحلقة بتاريخ 13/12/2006م


الحلقة 72

سؤال 282: ما تفسير قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا (26) البقرة)؟

في قول الله سبحانه وتعالى (إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَـذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ (26)) يقول علماؤنا أن هذه الآية نزلت بعد أن تكلم بعض يهود وبعض المشركين على الأمثال التي يضربها القرآن الكريم وعلى ذِكر بعض مخلوقات الله سبحانه وتعالى: مرة ذكر الذباب (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (73) الحج)، بعض يهود قالوا هذا كلام لا يقوله الله سبحانه وتعالى وما هذه الأمثلة؟ وهو نوع من المعاندة وإلا العرب عندهم أمثال كثيرة ويضربون الأمثال ويبنون على ضرب المثل حِكَماً وعندهم الأمثال تلزم حالة واحدة وهذه الأمثال مجموعة يقول: "الصيف ضيّعتِ اللبن" وهو يخاطب رجلاً، (ضيّعتِ) لأن أصل المثل كان خطاباً مع امرأة، يعني العرب عندهم أمثال لكن مجرد للمكابرة أن كيف الله سبحانه وتعالى يضرب هذه الأمثال؟.

هذا المثل لما يضربه القرآن نوع من التوضيح. هذه الآيات جاءت بعد ضرب مثلين في القرآن الكريم للمنافقين (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ (17) البقرة)، (أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاء فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ واللّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ (19) البقرة) ضرب مثلين. نحن لو نظرنا في المثل: أولاً المثل مستعمل عند العرب وفيه حكمة بالغة أي يؤدي رسالة وكثير من أبيات المتنبي صارت أمثالاً "مصائب قوم عند قوم فوائد" و "ما لجرح بميّتٍ إيلام" هذه رسالة كاملة، عبارة هي صغيرة لكن تعطي صورة فالقرآن الكريم يستعمل هذه الأمثال. أما كون أن الله سبحانه وتعالى ذكر الذبابة وذكر العنكبوت (كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً) والبعوضة، لو فكّر الإنسان وتمعّن هل البعوضة شيء سهل؟ أولاً المراد بالبعوضة هي في الحقيقة مستعملة لكبار البقّ ولكن ليس هذا وإنما البعوضة هي صِغار البقّ لأنها بعض البقّ وسميت بعوضة من البعضية التي هي الجزئية. بعض البقّ (هو الذي ينقل الملاريا) البعوضة هي صغار البقّ، يكون صغيراً حتى أنه يدخل من خلف القماش الذي فيه ثقوب صغيرة جداً وله عدة أسماء في العامية البعض يسميه الحِرمِس، صغير جداً لا يُرى أما البقة فكبيرة. القرآن كأنه يريد أن يقول: الله سبحانه وتعالى لا يُحجم عن ذكر هذه الأشياء، لأن كل واحدة من هذه الأشياء لو تفكرت فيه لسجدت لله سبحانه وتعالى لعظيم صنعه. البعوضة هي أصغر ما يعرفه العربي حتى عندنا الآن ما معروف أصغر من البعوضة. الذبابة كبيرة، البقة كبيرة، هذا صغار البقّ صغير جداً أصغر منه لا يعرفه العربي من الأحياء، فلما يقول الباري (إن الله لا يستحي) أي لا يتحرج ولله المثل الأعلى أن يضرب مثلاً ما، أيّ مثل، مطلق بعوضة فما فوقها. هي بالنسبة للعربي ولنظرنا اليوم لا نعرف في حياتنا الاجتماعية خلقاً لله سبحانه وتعالى أدق من التي تسمى البعوضة (البقّة هي كبيرة يمكن أن ترى وتنقل الملاريا) البعوضة أصغر أصغر من البقّة حتى أحياناً تكون بقدر خرطومها لصغرها.

لكن بعض العلماء (فما فوقها) أي من أدنى من ذلك لكن أدنى من ذلك لا يعرفه العربي (فما فوقها) يقولون المقصود ما هو دونها ونحن لا نميل إلى هذا وإن كانت اللغة تحتمل ذلك، تقول "فلان جاهل" فيقول آخر: "وفوق ذلك" يقصد دون ذلك، لغوياً صحيح لما يقول فوق ذلك يعني فيه جهل أكبر مما تظنه، يكون دون يعني معنى الدونية. لا نحتاج إلى ذلك فما فوقها أي مما فوقها من البعوضة إلى البقة إلى الذبابة إلى العنكبوت إلى الطير (الطير فوقهم صافات ويقبضن)، كل واحد من هذه المخلوقات لو تفكر فيها الإنسان يسجد لله سبحانه وتعالى لعجيب صنع الله تبارك وتعالى فغير مستغرب أن يضرب الله هذه الأمثال.

الحياء – ولله المثل الأعلى – هذا كلام الله عز وجل، الحياء في اللغة حالة في نفس الإنسان تجعله يُحجِم عن شيء، يحجم عن كلام إستحياء لا يتكلم أحياناً، عن فعل ينوي أن يفعله أو فعل شيئاً إذا وُجه فيه يصيبه الحياء. هي حالة نفسية لكنها لا تنطبق على الباري سبحانه وتعالى وإنما لأنه يستعمل الطريقة التي يتكلم بها العرب فيُفهم من ذلك أن كتاب الله سبحانه وتعالى وأن كلام الله سبحانه وتعالى يرد فيه من غير إحجام ومن غير تردد ذكرٌ لهذه الأمثال. إذا ضرب هذا المثل المؤمن الواعي المدرك يعلم أنه حق لأنه سيتفكر، لو فكرنا في هذا المخلوق الصغير كيف ينمو؟ كيف يتكاثر؟ كيف يأخذ رزقه؟ كيف وُجِد بهذه الصورة؟ (ويخلق ما لا تعلمون).

أما الذين كفروا (فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا) فيرد عليهم القرآن (يضل به كثيراً) هذا المثال يكون سبباً للإضلال وسبباً للهداية. المؤمن لما يتفكر يهتدي وغير المؤمن أو الفاسق كما عبّرت الآية (وما يضل به إلا الفاسقين) الفاسق الخارج من طبعه أو الخارج من فطرته - كالتمرة إذا خرجت من قشرتها يقال فسقت النمرة - فكأن هذا الفاسق خارج من فطرته، خارج من جلده لأن المخلوق يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه وإلا الولادة على الفطرة.

هذا معنى ضرب المثل (بعوضة فما فوقها) لا نُغلِّط الذي يقول فما تحتها لكن نرجح نختار فما فوقها أي فما فوقها لأن العربي لا يعرف شيئاً دون البعوضة ونحن الآن هذه حالنا.

سؤال من المقدم: هل يستحي بمعنى الحياء؟ أصل اللفظة بمعنى الحياء لكن ما معنى الحياء؟ هي حالة خاصة تجعل صاحبها يحجم عن فعل أو يندم على فعل، هذا معنى الحياء، الخجل يدور في نفس الإطار الذي هو الإحجام.

إستطراد من المقدم: ألا يوهم هذا التركيب (إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها) أنه إذن يستحي أن يضرب مثلاً تحتها؟

لا يستحي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها لأن الإنسان العربي ونحن الآن لا نعرف شيئاً تحتها والباري يخاطب الناس بما يعرفون، بماذا يضرب المثل؟. بشيء لا يعرفونه؟ ما تحتها لا يوجد، غير معروف، فالحياء أصلاً الإحجام لا يوجد ثم الباري سبحانه وتعالى لا يُفرض عليه شيء أنه يحجم أو لا يحجم، الله سبحانه وتعالى لا يحمله قولكم هذا على أن يترك ضرب المثل، هو يضرب لكم الأمثال (بعوضة فما فوقها) فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم والآخرون هم يعترضون على كل شيء وليس على ضرب المثل.

سؤال 283: لماذا ترد السمع مفرد والأبصار ثم القلوب بالجمع (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7) البقرة) ؟

هذه هي الآية الثانية في الكلام على الكفار في أول سورة البقرة (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ (6) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7)) هؤلاء الذين كفروا، الذين قال عنهم الله سبحانه وتعالى سواء عليهم إنذارك وعدم إنذارك يستوي عندهم الأمران وتنذر أو لا تنذر الأمر سيان بالنسبة لهم أما بالنسبة لك تنذر حتى تبريء ذمتك. هؤلاء كانوا من عتاة الكفرة من الذين علم الله سبحانه وتعالى أنهم قد أقفلوا قلوبهم لذا لا يقال لهم (سواء عليهم أنذرتهم أم لم تنذرهم) هذه التصريحات في القرآن تجاه أناس من دلائل النبوة، هذا لا يكون من كلام بشر لأنه ما يكون موقفك لو أن هؤلاء تظاهروا بالإسلام وقالوا نحن أسلمنا؟ يكون الكلام غير وارد، لكن هذا علم الله سبحانه وتعالى. هؤلاء عتاة الكفر أغلقوا قلوبهم.

الختم هو الطابَع من الطين، هذا الأصل. الأصل أن العربي كان يغلق فوهة شيء من الأشياء أو قِربة إذا أراد أن يحفظها ويأتي بشيء من الطين يضعه على مكان عقدة الخيط ويختم بخاتِمه (خاتَم وخاتِم) كلاهما صحيح والطابَع والطابِع لغة لكن الطابِع فهو الأغلب. الآن مستعمل هذا الختم بالشمع الأحمر. متى يختم بالشمع الأحمر؟ على الغلق، يعني يقفل المكان ثم يختم عليهم بالشمع الأحمر وليس وهو مفتوح، إذن هم أغلقوا قلوبهم أولاً فلما أغلقوا قلوبهم ختم الله سبحلنه وتعالى عليها. لا يحتج أن الله سبحانه وتعالى هو الذي ختم فهم مسيّرون لأنهم هم أغلقوا قلوبهم أولاً لأن الختم لا يكون إلا على شيء مغلق. فهم أغلقوا قلوبهم وما عادوا مستعدين للإستماع ولا للتقبّل لذا قيل للرسول r (سواء عليهم أأنذرتهم أو تنذرهم) هؤلاء لا يؤمنون هؤلاءإنتهى حالهم، وهذا الأمر لا يكون لعموم المسلمين لا يقول الإنسان هذا مقفل قلبه لأنك أنت لا تعلم ذلك. إذن الختم لا يكون إلا بعد الإغلاق هم أغلقوا قلوبهم فختم الله عليها.

القلب عند العرب هو موطن العقل والتفكير هم هكذا يستعملونه، والدماغ عندهم حشو الجمجمة. في لغة العرب أن الإنسان يعقل ويفكر والعاطفة وكلها في القلب. فالقرآن كلّم الناس أن موطن العقل وموطن التفكير أنتم تعبرون عنه بهذه اللفظة القرآن يستعملها، في المستقبل وإذا إكتشف الإنسان شيئاً أو وصل إلى شيء إذن الكلام على موطن التفكير والعقل. القرآن لما قال القلب يعني الدماغ هو كان يتكلم على مكان التفكير. عندهم القلوب، لا يمكن أن يقول للعرب لو قيل في زمانهم هم لا يعرفون سوى هذا الذي ينبض فقط فإذا قيل لهم العقل في داخل الجمجمة كانوا يرتدون عن الإسلام يقولون هذا كلام غير معقول تحدّث العاقل بما لا يليق له فإن صدّق فلا عقل له..

فالقرآن خاطب الناس بما يفهمون لكن فيه مجال للتحديث للفهم لأن الكلام عن موطن التفكير عندهم القلب. لما يثبت أن موطن التفكير هو غير هذا إذن القرآن كان يريد موطن التفكير أنت تسميه قلباً سماه لك قلباً كما تسميه لكن هو يتكلم عن موضع التفكير، موضع التدبر أنت كنت تسميه قلباً إستعمل نفس المصطلح (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) أما الآن نحن نعلم أن التدبر في الدماغ، إذن القرآن يتكلم على موضع التدبر لكن أنت سميته قلباً فسماه قلباً.

هذه اللفظة مستعملة حتى في الشعر العربي، لاحظ البحتري يقول عندما يتحدث عن مقاتلته للذئب:

فأوجرته خرقاء أضلّت نصلها           بحيث يكون اللب والرعب والحقد

أوجرته أي أغمدت في جسمه حربة خرقاء حمقاء تخرق وكأنه ل عقل لها ضاع نصلها، هو ضربها في القلب والبحتري عباسي، هذا الفكر عندهم أن هذا القلب هو موطن كل هذا بحيث يكون اللب والرعب والحقد كله هناك.

(ختم الله على قلوبهم) القلوب هي موطن التدبر أي مكان التدبر والتفكر. مكان التفكر هؤلاء أغلقوه وسدوا الطريق فإذن الطريق إلى التدبر ما عاد ينفع. بماذا يتدبر الإنسان؟ بما يسمعه لأن الأصل أن الآيات تلقى إلقاء على الناس. الدعوة شفاهاً، كلام شفاهاً، الرسول r كان يكلمهم فهم إذا أغلقوا قلوبهم ما فائدة أن يأتي كأنهم لا يحتاجون إلى آذانهم. فإذا سمعوا شيئاً هذا الشيء يدعوهم إلى التفكر، إلى النظر (قل انظروا ماذا في السموات والأرض) السمع هو الوسيلة الأولى الذي يدعوك إلى أن تنظر، تسمع، يقال لك انظر فتنظر. أغلق طريق القلوب الذي هو السمع ولما أغلق السمع ما عاد هناك من يذكرهم بالبصر فأُغلق البصر أيضاً (غشاوة) لذلك جاء هذا الترتيب. أولاً أغلقوا قلوبهم فختم عليها. الطريق إلى القلوب هو السمع ما عاد ينفع فختم عليها أيضاً والسمع وسيلة التذكير بالإبصار فغشّيت الأبصار، هذا النظام هو الترتيب الطبيعي ولا يمكن أن يتغير إلا في ظرف معين سنتطرأ إليه في حلقة قادمة (وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (97) الإسراء)

القلوب ما يحوك فيها التفكير هذا شيء واسع مطلق والإنسان وهو ساكت وفي فكره وفي قلبه يُشرِّق ويُغرِّب، الإنسان في تفكيره ليس له حدود، من غير حدّ. النظر أيضاً واسع لكنه لا شك أقل من القلب، أنت تنظر إلى مكان محدود حتى لو نظرت إلى السماء سيكون نظرك في مكان محدد غير التفكير لأن الفكر أوسع. النظر يأتي في الدرجة الثانية في السعة، متنوع، يعني ترى أشياء كثيرة. السمع يستقبل الصوت فقط لا يستقبل شيئاً آخر فالسمع يتعامل مع شيء واحد وهو الصوت اللغوي. البصر يتعامل مع أشياء كثيرة والقلب يتعامل مع أشياء كثيرة أكثر فالذي يتعامل مع الكثير إستعمل له الجمع والذي يتعامل مع الواحد إستعمل له المفرد (السمع). لأنه لو مجموعة من الناس وألقي عليهم آية من الآيات، هم كلهم ستدخل في آذانهم صورة واحدة (ختم الله على قلوبهم) إذا كان مائة إنسان ستدخل هذه الذبذبات وتترجم في رؤوسهم - إذا كانوا يعرفون العربية - بصورة واحدة لا تختلف (ختم الله على قلوبهم)  كلمة كلمة كلمة، عدة كلمات متصلة هذا الذي يستقبلونه فإذن المستقبل في السمع واحد لكن لما استقبلوه كلٌ سيفكر فيه بطريقة خاصة وليس بصورة واحدة، فهذا يقتضي توحيد السمع وجمع القلوب. لما ينظر فيما حوله كلٌ ينظر من زاويته فكلٌ يرى حسب وجهة نظره.

يبقى شيء أخير حتى ننظر عبارة القرآن الكريم وحتى نحترم أمة العربي التي احترمت نفسها وسكتت ولم تحاور، لم يحاولوا أن يصنعوا كلاماً يقولون هذا مثل القرآن، إحترموا أنفسهم من آمن آمن ومن أخذته العزة بالإثم أخذته العزة بالإثم. القلوب جمع قلب والأبصار جمع بصر، قلوب ليس عندنا جمع آخر وأبصار ليس عندنا جمع آخر، قلوب جمع كثرة وأبصار جمع قِلّة وطبعاً كلاهما يستعمل للكثرة والقلة لكن صيغة الجمع هذا (فُعول) لأن جمع القِلّة: أفعال، أفعُل، أفعلة، فُعلة. أبصار أفعال على صورة جمع القلة. والقلوب على صورة جمع الكثرة. مما قلناه أن القلوب مشاربها وتهيؤاتها وتصورها شيء واسع فهذا كلام العرب. العرب جاءوا على لغة القرآن. العرب جمعوا القلب على قلوب إحساسهم هذا وجمعوا البصر على أبصار، هذه ميزة للعربية ومن خلال النظر في كتاب الله سبحانه وتعالى. بعض علمائنا يقولون وحّد كلمة السمع لأن صورتها صورة المصدر مثل ضرب يضرب ضرباً، سمع يسمع سمعاً، والمصدر عادة لا يُجمع لأنه يدل على الحدث المطلق فبسبب الصورة جاء على صيغة الإفراد. لكن العرب جمعت السمع على أسماع لكن هنا ليس مسألأة لأنه جاء على صورة المصدر وإنما لِما بيّناه أن مدركات السمع واحد وهو الصوت بينما مدركات القلوب ومدركات الأبصار متعددة. ما يدركه السمع واحد وهو الصوت اللغوي والترجمة تكون في الذهن أي في القلب والنظر مدركاته كثيرة والقلب مدركاته كثيرة ومدركات السمع هو الصوت اللغوي وهو هذه الموجة.

هنا القرآن استخدم ختم على القلب وعلى السمع أما في سورة الكهف استعمل الضرب على الآذان (فضربنا على آذانهم) لماذا؟

العطف لأنه أراد أن يجمع بختم واحد القلوب والسمع لارتباط الموضوع، لأن موضوع التفكر يكون عن طريق السماع فلما أغلقوا قلوبهم لم يعد هناك فائدة للسمع فختم على الإثنين: ختم على قلوبهم وعلى سمعهم بختمين وليس بختم واحد لأن القلب شيء والسمع شيء آخر. (وعلى أبصارهم غشاوة) هذه جملة جديدة وليست معطوفة على (ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم). ولو أردنا أن نقف نقف على سمعهم ثم نقول وعلى أبصارهم غشاوة. البصر يحتاج لتغطية أما السمع فيحتاج إلى ختم لأنه ليس هناك شيء يغطيه.

سؤال 284: ما الفرق بين (وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9)) (أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12)) و (أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (13) البقرة)؟

هذه الآيات في الكلام على المنافقين وفي قول الله سبحانه وتعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ (9) البقرة) لما يعلنون أنهم هم آمنوا هم في الحقيقة كأنما يعتقدون أنهم يخادعون الله سبحانه وتعالى لأن هنا صيغة المفاعلة ليست للمشاركة. المفاعلة لا تأتي للمشاركة دائماً، يفاعل لمغاعلى مثل يشارك ويقاتل من جهتين ليست دائماً هكذا لأنك تقول عاقبت اللص، عاقب فاعل لكن من جهة واحدة، كافأت المُجِدّ من جهة واحدة فليست دائماً تأتي بهذه الصورة لكن تأتي فيها معنى المبالغة كأنهم يبالغون في الخديعة بظنّهم أنهم يخدعون الله سبحانه وتعالى. (وما يخدعون) في بلاد المغرب العربي يقرأون (يخادعون الله والذين آمنوا وما يخادعون إلا أنفسهم) وهذه قراءة نافع قراءة سبعية يُصلّى بها.

(وما يشعرون) الفعل المضارع لما تقول: زيد يكتب، الفعل المضارع يدل على الحال أو الاستقبال أو أحياناً يدل الدوام والثبات يعني على الوصف، لما تقول: زيد ينظم الشعر إما أن تعني ينظم الشعر الآن أو لاحقاً أو هو من الشعراء هذه حاله. فلا نتصور أن يأتي إنسان ويدخل علينا ويقول السلام عليكم زيد ينظم الشعر فنتحير ماذا يقصد، هناك سياق يقول به، مع ذلك العرب استعملوا أدوات: قالوا هو ينظم الشعر الآن أو في هذه المناسبة غداً أو زيد ينظم الشعر نظماً جميلاً وله ديوان. هذا بالنسبة للإثبات، فإذا أرادوا النفي استعملوا (ما) لنفي الحاضر يقولون: زيد ما ينظم الشعر أي الآن هو لا يقوم بعملية النظم. وإذا أرادوا المستقبل استعملوا (لا) قالوا: لا ينظم الشعر أو يمكن أن تدل على الحقيقة أي هو ليست من صفاته نظم الشعر.

في مسألة يشعرون القرآن استعمل مرة (وما يشعرون) ومرة (لا يشعرون) معنى ذلك أنه يريد أن ينفي عنهم الإحساس والشعور الآن وفي المستقبل أو أنه الآن وبالمستقبل وبالصيغة العامة مثل لا ينظم الشعر أي ليس بشاعر.

يبقى (وما يشعرون) هنا استعمل الشعور في الكلام على القضايا الظاهرة وعلى الأحاسيس الواضحة، هنا المخادعة عمل ظاهر، يخادعون، يقولون، يتصرفون، فالشيء الذي يكون بالأحاسيس، بالكلام،بالحركة يناسبه الشعور الذي فيه معنى الإحساس (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـكِن لاَّ يَشْعُرُونَ (12) البقرة) استعمل (لا يشعرون) الشعور لأن الإفساد ظاهر. لكن لما تكلم على القضايا القلبية المعنوية (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلَـكِن لاَّ يَعْلَمُونَ (13) البقرة) استعمل (لا يعلمون) لأن العلم داخلي، العلم شيء في الداخل. الشعور في الأصل الشيء الظاهر الذي يشعر به الإنسان في حواسه، يتلمسه بحواسه، إما في سمعه أو في بصره أو في لمسه، كأنه من الشَعَر الذي هو ظاهر، المشاعر. لكن لما استعمل دعاهم إلى الإيمان والإيمان شيء قلبي لا تعلمه استعمل (لا يعلمون) ما قال لا يشعرون لأن الإيمان ليس شعوراً ظاهراً وإنما هو علم باطن ولذلك صارت (ما يشعرون) (لا يشعرون) و (لا يعلمون)، (ما يشعرون) و(لا يشعرون) لما قدمنا لجمع إنتفاء الشعور في الحال والمستقبل وللأمور الظاهرة و(لا يعلمون) لأنه تكلم على الإيمان والإيمان شيء باطن فاستعمل معه لا يعلمون.

بُثّت الحلقة بتاريخ 16/12/2006م

وفي إجابة على مداخلة لإحدى المشاهدات من تونس حول مفهوم القلب والعقل أجاب الدكتور حسام : في أمثال هذه الأمور التي تسعفنا فيها اللغة، الكلام الذي يُنقل في الجرائد وفي المجلات وفي الفضائيات في جزئيات يقال إنها علمية لا ينبغي أن تعلّق عليها أهمية كبيرة إلا بعد أن يُقرِّها علماء من أهل هذا الدين لا يُبنى بالأكاذيب لأن ديننا دين واضح صريح مكشوف. نعلم أن بعض الناس تُجرى لهم عملية وقد يغيّر لهم القلب ويعيش شهراً أو أياماً ثم يموت، هذا الذي أجريت له مثل هذه العمليات وأحياناً يضعون قلباً إصطناعياً يعيش فيه الإنسان مدة أو مديدة، في خلال هذه الحياة هل أجريت عليه تجارب؟ هل نُظِر في إحساسه وفي عاطفته؟ إذا ما ثبت هذا عند علمائنا نقول عند ذلك هناك جزئية تضاف إلى هذا أما قبل ذلك فنأخذ الكلام على ما ذكرناه في أول الأمر.


الحلقة 73

سؤال 285: ما دلالة كنتم في الآية (وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33) البقرة)؟

الآية موضع السؤال (قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ (33)) جاءت بعد الآية (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (30)) والسائلة تسأل عن موضع (كنتم) في الآية ولم لم يقل في غير القرآن: يعلم ما تبدون وما تكتمون؟

لعلنا وقفنا عندها في مرة ماضية هذا الذي جرى في الملأ الأعلى يليق بذلك الموضع لا ندري على وجه التحديد ما المراد بتلك العبارات التي قيلت وما المراد بهذه الأسماء التي سُئل عنها لأن الإشارة كانت بصيغة العقلاء فما الذي عُرِض أمام اللملائكة؟ ما الذي سئل عنه الملائكة؟ ما عندنا خبر صحيح عنه، هو وقع، هناك إختبار كان للملائكة وفي الوقت نفسه كان إختباراً لآدم. لما طلب من الملائكة (فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (31)) أعلنوا عجزهم وقالوا (قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32)) ما عندنا علم إلا الذي علمتنا إياه، عند ذلك قال تعالى (قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ) هذا الإنباء الذي بُنيَ على التعليم (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا) قلنا في مرة ماضية أن التعليم هنا قد يراد به التلقين أن آدم u لُقِّن، حُفِّظ وهو لديه في دماغه خلايا متخصصة للغة فاستقبلت هذا الذي حٌفِّظ إياه وإستطاع أن يسترجعها عندما احتاج إليها، يسترجع هذا الأمر وهكذا حياة الإنسان الآن، الطفل يستقبل اللغة، يخزن ثم يأتي عليه حين من الدهر فجأة تراه يبدأ يتكلم ويلفظ كلمات فيعيد ما خزنه، ما الذي يخزن في الدماغ؟ لا أحد يعلم. كيف يستدعي الإنسان هذا الذي يريد أن يتكلمه؟ لا أحد يعلم. عندما أقول لا أحد يعلم هذا بناء على إطلاعنا على الدراسات الحديثة وعلى التشريح الطبي لخلايا الدماغ لكن يعلمون أن هذه الخلايا متخصصة باللغة. فإذن (أنبئهم بأسمائهم) بدأ آدم يتكلم ويخبر بهذه بالأسماء، إذن آدم نجح في الإختبار الذي لم ينجح فيه الملائكة لأن الملائكة غير مهيئين للخلافة في الأرض لم يهيأوا لأنهم لا يحتاجون لذلك، آدم مهيأ للخلافة في الأرض وأهم ركيزة من ركائز الخلافة في الأرض اللغة لأنها بها تنتقل التجارب الإنسان ينقل تجربته إلى الآخرين ويتلقى منهم وثم بعد ذلك كانت الكتابة التي استنبطت من اللغة واستنبطت من اللغة والحضارة لا تقوم من غير تجارب. إذن نجح آدم في الاختبار أمام الملائكة. الملائكة عندما قالوا (قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ) هذا القول كان فيه شيء - كما يقول علماؤنا - من الإحساس أنهم هم أفضل من هذا المخلوق، هذا في داخلهم لم يصرحوا به لأنه كما قلنا في مرة ماضية كأن الملائكة سألوا الله سبحانه وتعالى عندما قال (إني جاعل في الأرض خليفة): ما شأن هذا الخليفة؟ في الرأي الراجح لعلمائنا أنه خليفة الله في الأرض يعني الله سبحانه وتعالى أعطاه من الصلاحيات أنه يستطيع أن يخلق وإلا كيف نفسر قوله تعالى (فتبارك الله أحسن الخالقين) هذا المخلوق يستطيع أن يخلق، أن يوجِد أشياء وإلا فما معنى (فتبارك الله أحسن الخالقين)  هذا الإنسان، البشر يخلق لكن يخلق من مادة أولية خلقها الله عز وجل له. لم يوجِد الإنسان شيئاً من العدم. خلقُ الله ما يخلقه الله عز وجل إيجاده من عدم، ما يخلقه الإنسان تكوين من أمور موجودة خلقها الله سبحانه وتعالى, فهذا معنى الخلافة ولله المثل الأعلى هو لا ينوب عن الله سبحانه وتعالى، هو خليفة الله وقسم من العلماء يقولون المراد الأنبياء وبقية البشر تبعٌ لهم لأن الأنبياء يبلّغون شرع الله ويبلّغون رسالاته فهم بهذا المعنى خلفاء، أنهم ينقلون شرع الله عز وجل، هذا المعنى وهذا المعنى تحتمله اللغة ولا مساس فيه بالإعتقاد وإلا كيف نفهم قول الله عز وجل (فتبارك الله أحسن الخالقين) معناه أعطى لهذا الإنسان قدرة على أن يولّد لأن الخلق توليد، تكوين. لما نقول الإنسان خلق هذا الشيء لا نعني أوجده من العدم لكن نعني أنه كوّنه، المادة الأولية موجودة هي من إبداع الله سبحانه وتعالى من لا شيء، أبدع الحديد من لا شيء وأبدع هذه الأرض من أي شيء، أبدع الإنسان من الطين والطين أبدعه من لا شيء لم يكن شيئاً وصار شيئاً هذا خلق الله عز وجل (هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه). خليفة يخلف بعضهم بعضاً هذا الكلام وارد في الغة لكن سياق الآية لا يُسعف في هذا لأن سياق الآية الكلام عن آدم قال إني جاعل في الأرض خليفة فتساءل الملائكة ما هذا الخليفة ولم يعترضوا على الله سبحانه وتعالى؟ ما شأنه؟ للإستفسار فقط والكشف يريدون كشفاً. هذا المخلوق الخليفة ما شأنه؟ فأُخبِروا أنه ستكون له ذرية (هذا فُهِم من عموم النص من كلامهم) فيهم من يسبح لله عز وجل وفيهم من سيفسد ويسفك الدماء فقالوا مستفسرين (أتجعل فيها من يفسد فيها) إذا كانت القضية قضية تسبيح نحن نسبح ونقدس، في داخلهم كأنما أحسوا أنهم أميز من هذا المخلوق ولما أُمروا بالسجود سجدوا طاعة لله. لكن لما يكون هو غير مفسد مسبح لله عز وجل وهذا المخلوق سيكون من ذريته من يفسد قد يكون داخل في نفس بعضهم أنه نحن أميز منه وأفضل منه وهذا الذي أشير إليه في (وما كنتم تكتمون) في نفوسكم شيء مكتوم في صدوركم لم تصرحوا به وما كانوا يعتقدون أنهم كتموه عن رب العزة. لما ننظر في الآية نجد حذفاً.

لما قال الله عز وجل (ألم أقل لكم إني أعلم) لأن الكلام على شمول علم الله سبحانه وتعالى العلم الشامل لكل الجزئيات ولكل دقائق الأمور، ألا نقول الله سبحانه وتعالى (يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كان كيف كان يكون) هذه كلمة قديمة لعلمائنا لبيان عظيم علم الله سبحانه وتعالى وشموله وسعته، علم الله سبحانه وتعالى شامل. هنا الكلام على شمول العلم لذا قال علماؤنا فيه حذف. لما يقول (أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ) الذي يعلم الغيب يعلم الشهادة من باب أولى إذن هناك حذف (أعلم غيب السموات والأرض وأعلم شهادتهما)، وأعلم ما تبدون الآن وفي المستقبل ويقابل ما تبدون وما تكتمون الآن وفي المستقبل. هي ثلاث صور: أعلم غيب السموات والأرض والحذف (وأعلم شهادتهما)، والثانية أعلم ما تبدون الآن وفي المستقبل وما تكتمون الآن وما تكتمون في المستقبل، والثالثة وما كنتم تكتمون وما كنتم تبدون في الماضي.

ما تبدون الآن وفي المستقبل وما تكتمون الآن وفي المستقبل أعلمه وما كنتم تكتمون في الماضي وما كنتم تبدون أعلمه، غيب السموات والأرض وشهادتهما أعلمه، فإذن هو علم محيط لكن حذف من كل جملة فِعلاً: أعلم غيب السموات والأرض وأعلم شهادتهما هذه مفهومة من السياق، وأعلم ما تبدون وأعلم ما تخفون أو تكتمون الآن وفي المستقبل، وأعلم ما كنتم تكتمون وما كنتم تبدون كله في علم الله سبحانه وتعالى. إذن (كنتم تكتمون) حتى تأخذ الحيز الثالث من الكتمان وما يبدو ولذلك جاءت (كنتم) لأن تبدون في الحاضر وما كنتم تكتمون في الماضي، فالحاضر يكون للآن وللمستقبل في صيغة الإبداء ومعه الكتمان المحذوف يعني (ما تبدون وما تكتمون)، والكتمان جعله للماضي (وما كنتم تكتمون) ومعه (وما كنتم تبدون) فإجتمع ما تبدون الآن وفي المستقبل وما تكتمون الآن وفي المستقبل وما كنتم تكتمون في الماضي وما كنتم تبدون في الماضي وقبل ذلك غيب السموات والأرض وشهادة السموات والأرض. فإذن مجيء (كنتم) أشارت وأشعرت بهذا الحذف الموجود في المكانين حتى تستكمل صورة معرفة علم الله سبحانه وتعالى. نعلم كيف هو علم الله سبحانه وتعالى: يعلم غيب السموات والأرض ويعلم شهادتهما، ويعلم ما تبدي الملائكة الآن وفي المستقبل وما تكتم الآن وفي المستقبل، من أين علمنا تكتم؟ من ما كنتم تكتمون، وما كنتم تكتمون في الماضي وما كنتم تبدون، من أين علمنا ما كنتم تبدون؟ من وما تبدون الآن، كل واحدة صار فيها هذا الحذف. فإذن مجيء (كنتم) هو الذي أرشد إلى هذا الفهم العام الشامل الذي فهمه علماؤنا وهم يعتقدون أن العربي فهمه أيضاً. هذا التفصيل مراد لأنهم أبدوا شيئاً وكتموا شيئاً. الكلام على غيب السموات والأرض كلام عام لكن الملائكة بخصوصيتهم أبدوا شيئاً (قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء) هذا أبدوه وبعضهم – كما قال علماؤنا - كتم شيئاً في نفسه ما صرّح به أن هذا المخلوق الذي سيفسد نحن أكرم منه، نحن لا نفسد الآيات لم تفصح لكن ما معنى (ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك) في مقابل (أتجعل فيها من يفسد فيها)؟ الملائكة لا ينكرون ولا يعترضون لأنه معلوم من صفتهم عدم الإعتراض فهو شيء حاك في نفوسهم وأظهره بعضهم في العبارة فلا بد من الجمع بين الآيات والفهم في ضوء نسق الآيات ونحن لا نتألّى على الله وعلى العبارة القرآنية لكن هذا الذي يُفهم، الملائكة قالوا كلاماً، هذا الكلام لا يمكن أن يدخل في إطار الإعتراض على موقف أو حكم الله سبحانه وتعالى لأنهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ليست لديهم القدرة على المحاجة والمناقشة هذه قدرة الإنسان خلقه الله تعالى على هذا أما هم لا يناقشون ولا يحاجون فلما ننظر في العبارة نفهم ما ذكره علماؤنا.

سؤال 286: من هم المقصودين في سورة الغاشية (وجوه يومئذ خاشعة ومن هم الأخسرين أعمالاً في سورة الكهف (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103))؟

هذا يجعلنا نتحدث في جزئية معينة تتعلق في كلام الله سبحانه وتعالى عندما نتلوه، لا ينبغي أن تُقتطع الآية من سياقها. هذا مبدأ أن الآية ينبغي أن ينظر إليها في سياقها وإلا لو اقتطعنا الآية من سياقها يبقى في الذهن كالآية التي سألت عنها (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الكهف) الشخص يقول أنا أظن أُحسِن صنعاً لعلي أنا من الأخسرين أعمالاً، كلا، ننظر للآيات كاملة وماذا يريد القرآن الكريم وماذا يعني بذلك؟

لما نأتي إلى سورة الغاشية (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (2) عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ (3) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (4) تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (5) لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِن ضَرِيعٍ (6) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِن جُوعٍ (7)) من خلال النظر في الآيات من هؤلاء الذين يصلون النار؟ المؤمنون أم الكفار؟ الكفار قطعاً فإذن لما يقول تعالى (وجوه يومئذ خاشعة) هو لا يقصد خشوع العبادة وإنما يقصد خاشعة أي ذليلة والخشوع لله سبحانه وتعالى معناه الذلة لله سبحانه وتعالى لأنه كلما خضع الإنسان لله سبحانه وتعالى إزداد عزة وازداد رفعة، كيف؟ لأن هذا الإنسان لا يصلح أن يكون عبداً لاثنين، منطقياً العبودية لواحد فلما يخضع ويكون عبداً لله سبحانه وتعالى وعندنا أقرب ما يكون العبد لربه وهو ساجد أذلّ حالة لما يضع أنفه في التراب وبعضهم يقول هذا الإسلام عجيب ما في الدنيا وفي التاريخ لما نقرأ أكثر إعتزازاً بالنفس من العربي إبن الصحراء، معتدٌ بنفسه حتى قيل لما علم كسرى بهذه الصورة من العرب عمل باباً منخفضاً حتى يجعل العربي يدخل بإتجاهه لا بد أن ينحني حتى يدخل ووضع نفسه على عرشه أمامه والحرس من هنا ومن هنا وجاء الأعرابي فنظر أنه لا بد أن ينحني فقيل أنخ استدار بظهره ودخل بظهره على كسرى حتى لا ينحني له.

إذا بلغ الفِطام لنا صبيٌ        تخرُّ له الجبابر ساجدينا

هذا التجبر، عمرو بن كلثوم الذي قتل من أجل أن أمه صرخت واذُلاّه فقتل الملك!. فهذا الإعتداد بالنفس وهذه العنجهية وهم كانوا يصلُون بالصفير والتصفيق لآلهتهم، جاء بهم الإسلام وقال لله سبحانه وتعالى اتوا بنواصيكم للتراب لله لكي تكون أنت أعز على وجه الأرض بإسلامك (ونُشهِد من دبّ تحت الثرى وتحت السما عِزَّة المسلم). هذه الذلة لله سبحانه وتعالى رفعة وعز فالخشوع لله سبحانه وتعالى غير الخشوع يوم القيامة والمذلة لأهل النار (وجوه يومئذ خاشعة) بمعنى ذليلة وخاضعة ومنكسرة لأنها إتجهت إلى النار (عاملة ناصبة) شقية والنصب من التعب والشقاء (تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً) وبدأ يصفهم إذن هؤلاء أهل النار والمسلم لا يقف عند كلمة خاشعة يقول هذا خشوع، هذا خشوع يوم القيامة لأهل النار هو خضوع ومذلة لما شهدوه من سوء أعمالهم.

في آية سورة الكهف (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104)) طبعاً القراءة في المغرب وهم يحسِبون (حسب يحسِب) يظن أو يعدّ كلاهما من الحساب أو الحسبان. حسِب يحسِب لغة، وحسِب يحسَب لغة، وحسب يحسَب جاءت على العام الغالب في لغة العرب: "إذا كان الفعل الثلاثي مكسور العين في الماضي فافتحه في المضارع ولا تبالي" إفتح العين (حسِب تحسِب) لأنه لم يرد عن العرب بكسر العين في الماضي وفي المضارع إلا 13 فعلاً حصرها العلماء كلها مبدوءة بالواو هي من الأجوف الواوي فقط. فإذا لم يكن في أوله واو افتحه على وجه اليقين. حسِب يحسِب لغة، هم يقولون الباب السادس لو قيل وثِق يثِق أولى لكن أرادوه من الصحيح. وثِق يثِق لم يرد إلا في صورة الكسر، قال: عين المضارع فاكسر حيث جا وثِق وجِد ورِث، يعني وجِد يجِد، ورِث يرِث ما ورد بالوجهين.

إستطراد من المقدم: يقال حسَب التوقيت وحسْب التوقيت كلاهما وارد والفتح أولى (حسَب التوقيت) والسكون وارد وهو لغة.

ننظر في تمام الآيات من هم الأخسرين أعمالاً؟ الذي يظنون أنهم يحسنون صنعاً ويعتقدون أنهم على صواب. ونكمل الآيات (أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (105)) هل المسلم كفر بآيات ربه ولقائه؟ لا يقف عند (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104)) ويقول إني أحسب أني أحسن صنعاً أخشى أن هذا القول يشملني، كلا القول لا يشمل المسلم (أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ) قال أولئك أي البُعداء أبعدهم (الذين كفروا بآيات ربهم) كفروا بلقاء الله (فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (105) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (106)) المسلم لا يهزأ بآيات الله ولا برسل الله عز وجل. فإذن يجب أن ينظر في سياق الآيات حتى يكون مطمئناً إلى مكانه فالمسلم عزيز عند الله سبحانه وتعالى، الذي يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله ويعمل بمقتضاهما يكون مطمئن القلب إلى رحمة الله سبحانه وتعالى.

سؤال 287: ما دلالة (إلا من شاء الله) في الآية (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (68) الزمر) ؟

الكلام على مشهد من مشاهد يوم القيامة (ونفخ في الصور)، نلاحظ كلمة نُفِخ مبنية للمجهول لأن هناك من ينفخ بالصور والصور قالوا هو القرن المجوف مثل البوق ينفخ فيه، وعندنا في الأحاديث أنه ملك مخصص للنفخة الأولى (إسرافيل). (ونفخ في الصور) نلاحظ هنا أنه استعمل الماضي (نُفِخ) إشارة إلى التحقق (دلالة الماضي في الاستعمال القرآني إذا أراد التحقق يستعمل الماضي) وقع فعلاً وصار النفخ.

(فصعق من في السموات ومن في الأرض) ماضي أيضاً، يقول العلماء هنا إستعمل (من) التي هي للعاقل للشمول تشمل العاقل وغير العاقل. (ما لغير العاقل لكن أحياناً تستعمل للشمول أيضاً للعقلاء وغيرهم) وتأتي (من) للعاقل وغير العاقل، وقُدِّمت (من) لأن أصل القيامة لأجل محاسبة العقلاء. أما بقية المخلوقات وغير العقلاء سيصعق أيضاَ وفي الحديث أن الشاة الجمّاء تأخذ حقها من الشاة القرناء، يفصل بين الخلائق ثم يكونون جميعاً تراباً عدا هذا الخليفة وذريته يكون لهم حساب.

(فصعق) الصعقة بمعنى غُشي عليه أو مات، يقال صعق فلان أي غشي عليه، أغمي عليه وصعق فلان بمعنى مات وهنا بمعنى الموت أو غشي عليهم فماتوا حتى نجمع المعنيين. (فصعق من في السموات ومن في الأرض) يكون الهدوء عاماً عند ذلك.

(إلا من شاء الله) هذه المشيئة المطلقة لله سبحانه وتعالى يختار من يشاء لعدم موته بتلك النفخة لأن هذا الذي ينفخ في الصور عقلاً لم يمت، لا يصعق هو، لكن قال العلماء بناء على الآثار أنه بعد أن يصعق كل من في السموات والأرض يموت. (إلا من شاء الله) هناك من سيجعلهم الله عز وجل ((من) تستعمل للواحد أو للجمع) لكن يمكن أن يكون الذي ينفخ في الصور حتى ينفخ النفخة الأخرى وقد يكون معه آخرون من الملائكة وليست حجة قوله تعالى (كل من عليها فان) لأن كل من عليها أي على هذه للأرض ولا يحتج بهذا كما يقول العلماء ونحن دائماً نحتج بقول العلماء حتى لا نأتي بشيء من عند أنفسنا. قد يأمر الله سبحانه وتعالى أن يموت بعد النفخة حتى لا يبقى سوى الله سبحانه وتعالى حيّاً ثم بعد ذلك يحييه ويأمره بالنفخة الثانية أو أنه لا يموت، ما عندنا دليل على أن الكل يموت، كل الملائكة الساجد والراكع في أنحاء المساء والأرض لكن يقيناً أهل الأرض جميعاً يموتون (كل من عليها فان) في السماء تبقى الملائكة ساجدة عابدة مصلّية مسبّحة وهذا الذي قلنا فيه أكثر من مرة أن هذا الذي يدخل في مساحة الغيب، لا يمنع أن هذا الملك النافخ سيموت بعد ذلك ولا يمنع أنه سيبقى فيتولى النفخة الأخرى فلما ينفخ النفخة الثانية فإذا هم قيام ينظرون، يقفون وأهم شيء عندهم التلفّت والنظر (قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا) لما يتلفت وينظر وإذا هذا الخلق كله يخرج من الأرض بهذه الصورة عند ذلك يتيقن الجميع أنه سيكون هناك حساب: المؤمن هو مطمئن والكافر يقول: من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون، عند ذلك يؤمنون لكن لا فائدة من إيمانهم.

سؤال 288: ما دلالة تكرار (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) في سورة المرسلات؟

التكرار عادة للفت النظر. لما ننظر في سورة الرحمن نجد كلمة (فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) تكررت كثيراً، هذه الإنسان يتلذذ فيها وكأنه يُقبّل حروفها مع كل نعمة من نِعَم الله سبحانه وتعالى، كل نعمة لما تُذكر يقال بعدها (فبأي آلآء ربكما تكذبان) أي بأي نعم الله تكذبان يا معشر الجن والإنس؟ ففيها نوع من التلذذ بهذا التكرار.

في هذه السورة نوع من التخويف والزجر بهذا التكرار (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) عند كل موضع وكل موضع له خصوصيته وله مجاله كما في سورة الرحمن. فالمؤمن عندما يقرأ ذلك يتوقف عند كل جزئية التي فيها (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ). نلاحظ في سورة المرسلات (وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (1)) عطف في البداية ثم بعد ذك ذكر شيئاً بحرف عطف ثم جاء بالفاء (فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (2)) العلماء يقولون هذا شيء، المرسلات العاصفات شيء، هذه الريح. وبدأ شيئاً جديداً (وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (3) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (4) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (5) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (6)) الآن الملائكة. (إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (7) فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (8) وَإِذَا السَّمَاء فُرِجَتْ (9) وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ (10) وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (11) لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (12) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (13)) هذا مشهد يوم القيامة، (وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (14)) سؤال، (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ)  المسلم تذهب الصورة عنده ليوم الفصل هذا الويل، العذاب، التهديد، التخويف، وبعض العلماء يقولون ويل وادي في جهنم، ويل في العربية عذاب، ويل لهم أي عذاب لهم وعذاب على صيغة التنكير ويل وأهوال. (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) وبدأ يتكلم (أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (16)) شغلوا دماغكم! هكذا تستمر الآيات في كل مشهد وفي كل صورة تختلف عن الصورة الأولى ويختلف المشهد ويأتي (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) هو إذن نوع من الدقّ على قلوب هؤلاء ليتذكروا ويبصروا، ونوع من التنبيه للمؤمنين والتذكير لهم بحال هؤلاء المكذبين كيف سيكونون حتى لا يدخل الشيطان إلى قلب المؤمن ويجعله من المكذبين. إذن هذا التكرار فيه نوع من التأكيد تأكيد إثر تأكيد لكل صورة من الصور وقارئ القرآن المفترض فيه أن يتوقف ويتمعن مثل سورة الرحمن كلما يصل إلى (فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) يتوقف وينظر فيما قبلها ويتأمل فيها ويحمد الله سبحانه وتعالى أن جعله من أهل هذا الدين وليس من المكذبين.

بُثّت الحلقة بتاريخ 20/12/2006م


الحلقة 74

سؤال 289: ما دلالة الإختلاف بين ختام الآيات في سورة النساء