برنامج لمسات بيانية
إجابات الدكتور حسام النعيمي على أسئلة المشاهدين
سؤال 291: (إذا) تستعمل لما يستقبل من الزمان وفي الآية (فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (8) وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ (9) وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ (10) وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (11) لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (12) المرسلات) عقّب بعدها بفعل ماضي فهل يمكن توضيح هذا الاستعمال؟
صحيح أن العلماء يقولون (إذا) ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه موصول لجوابه لكن الإستعمال العربي الغالب أن (إذا) تدخل على فعل ماضٍ (إذا جاء) لكن يكون معناه للمستقبل كأنه متحقق (إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) النصر) فتدخل على الفعل الماضي وقد تدخل على الفعل المضارع لكن بقِلّة. وهناك بيت لأبي ذؤيب الهذلي:
والنفسُ راغبةٌ إذا رغّبتها وإذا تُردُّ إلى قليلٍ تقنعُ
الأصل أنها تدخل على الفعل الماضي فتحوله إلى معنى الإستقبال عكس (لم). (لم) عندما تدخل إلى الفعل المضارع تقلبه إلى معنى الماضي، تقول: (يكتب زيد) أي الآن وفي المستقبل، (لم يكتب) أي ما وقع منه الكتابة. هذه بصورة مختصرة. عندنا (فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ) علماؤنا يقولون (إذا) تدخل على الفعل في الأصل فإذا جاء الإسم بعدها يكون فاعلاً لفعل محذوف وليس مبتدأ والمسألة فيها خلاف. فلا يستغرب أت تدخل (إذا) على الماضي كما أن (لم) دخلت على المضارع. وعندنا (إذ) تكون للماضي كما في قوله تعالى (إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) الأحزاب) ويمكن أن تدخل على المضارع (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ (27) الأحزاب) هي بالماضي، (إذ) ظرف للمضي في الزمان يعني إذا وقع هذا منك في الماضي. وقد يدخل على المضارع وقد يدخل على الماضي كما ذكرت.
سؤال 292: إذا بُنيت الجملة للمجهول لا يُذكر الفاعل الحقيقي لكن في آيتين في القرآن ذكر الفاعل (يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (66) طه) (الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1) هود) لماذا؟
في هذا السؤال نوع من التوهّم. في سورة هود (الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1) هود) كلمة كتاب بعضهم أعربها خبر للمبتدأ (ألر)، قالوا مبتدأ وخبر، إما أن يكون خبراً وإما أن يكون مبتدأ يعني (كتاب أحكمت آياته) هذا شأنه أو خبر لمبتدأ محذوف. الفعل (أُحكِم) مبني للمجهول ونائب فاعله (آيات) وليس (من لدن). (ثم فصلت) نائب الفاعل هو ضمير يعود إلى الآيات. جاءت كلمة (من لدن) جار ومجرور متعلقات بمحذوف لأنه الجار والمجرور والظرف يتعلقان دائماً. فهنا (من لدن) مبني في محل جر فكأن المعنى: كتاب أحكمت آياته ثم فصلت آياته، (من لدن) معناه منزّل من لدن أو نازل من لدن أو كائن من لدن. هي الآيات هي التي أُحكِمت ثم الآيات هي التي فُصِّلت. علماؤنا يقولون المعنى هو نازل من لدن حكيم. فإذن (من لدن) متعلقات بوصف محذوف أو صفة محذوفة للكتاب تقديره (كتاب مُنزل) قدِّر ما شئت لكن بما يتناسب مع المعنى. (من لدن) ليست الفاعل. أُحكِمت آياته ثم فُصِّلت آياته ضمير مستتر تقديره هي لأن الآيات هي التي فًصِّلت فهي نائب الفاعل. الجملة خارج القرآن تكون: كتاب أُحكِمت آياته ثم فُصِّلت آياته وهو نازلٌ من لدن حكيم خبير، هكذا المعنى. ونلاحظ (حكيم) لأن الآيات أُحكمت و(خبير) لأنها فُصّلت فمع التفصيل استعمل الخبير ومع الإحكام الحكيم.
الآية الأخرى (يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (66) طه) يُخيّل إليه سعيها أنها تسعى لأن (أن مع إسمها وخبرها) تمثل مصدراً مؤولاً والمصدر المؤول من أن وإسمها وخبرها الصريح فيه يستخرج من الخبر ويضاف إلى الإسم وتحذف (أن) مثل: علمت أن زيداً ناجح، من ناجح نأخذ مصور النجاح ونضيفه إلى الإسم ونحذف (أن) فنقول: علمت نجاح زيد.
أنها تسعى أي سعيها هو نائب الفاعل وليس فاعلاً يعني خُيِّل إليه سعيها. وإليه ومن سحرهم متعلقان بالفعل (يُخيّل). ما عندنا فاعل وإنما نائب فاعل (يخيل إليه سعيها) فهو نائب فاعل وليس كما يظن السائل أنه فاعل. لا يستقيم لما العرب يبنون الفعل للمجهول يعني لا يريدون أن يذكروا الفاعل فكيف يُذكر في كتاب الله وهو أعلى نصٍ ورد في لغة العرب؟!.
سؤال 293: كلمة (إبراهم) في سورة البقرة فقط وردت بدون ياء فما دلالة ذلك؟
هذا الموضوع تكلمنا عنه بالتفصيل سابقاً (إضغط على هذا الرابط) . نقول إبن عامر قرأ في سورة البقرة إبراهام وقلنا هذا الإسم الأعجمي تتصرف فيه العرب، فقُريء هكذا وإبن عامر لم يقرأ في البقرة فقط وإنما في 33 موضعاً قرأ إبراهام لكن الذي روي عند الأندلسيين الذين اخذوا قراءة إبن عامر وتأكدت الرواية عندهم من أكثر من طريق واجتمعت عند إبي عمرو الداني في البقرة. في غير البقرة رواه غيره. فأبو عمر الداني وهو من اشتغل برسم المصحف لذا قلنا إذا اختلف مع رسم إبن نجاح يؤخذ برسم إبن نجاح فجاء الرسم في البقرة مناسباً لقراءة إبن عامر الذي قرأه إبراهام بدون ياء لأنه إذا كُتِب بالياء تذهب هذه القراءة (قارئ الشام) ثبتت هكذا ولم يثبت في بقية الـ 33 موضعاً لم يكتب من غير ياء لأن الرواية القوية التي وردت عند الأندلسيين تتعلق بالبقرة فقط فجاء الرسم في البقرة فقط بدون ياء.
سؤال 294: ما الفرق بين (فأردت، فأردنا، فأراد ربك) في سورة الكهف؟
تكلمنا عن هذا السؤال بشكل تفصيلي وقد ورد نفس السؤال من مشاهد آخر وأجبنا عنه بشكل تفصيلي وذكرنا الإختيار في هذا (إضغط على هذا الرابط) . الآيات بشكل سريع (قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا (78) أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (79)) لما ذكر العيب نسبه لنفسه مباشرة وهو أمرٌ مجرد نزع لوح (فأردت). والآية الثانية (وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80) فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (81)) قال (فخشينا) هذا لأن قلنا فيه عمل كبير ليس نزع لوح وإنما قتل، كلمة خشينا قلنا في وقتها أن لها أكثر من وجه: إما أن يكون خشينا هو العبد الصالح وجمع معه موسى u لأنه كان تابعاً له في هذه الأمور كما أن موسى جمع مع نفسه تابعه لما قال (قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (64)) وموسى وحده هو الذي كان يبغي لقاء العبد الصالح والغلام كان معه فما قال ذلك ما كنت أبغي. ويمكن أن يكون إستعمل لمعظِّم نفسه لأن الأمر خطير عظيم فقال خشينا كأنه يتكلم عن نفسه لكن بصيغة المعظِّم لنفسه مفخِّماً لها، وإما جمع نفسه مع أبوي الغلام لأنهما كان يخشيان الإضلال بسبب ولدهما. وقلنا نتجنب فكرة أن جمع الخضر نفسه مع الله سبحانه وتعالى في ضمير واحد لأن عندنا حديث في مسلم وصحيح إبن حبان والنسائي وسنن أبي داوود عن عدي بن حاتم أن رجلاً خطب عند النبي r فقال: من يُطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى، فقال الرسول r: بئس الخطيب أنت قُل ومن يعصي الله ورسوله. (من يعصهما) جمع (من يعصي الله ورسوله) للفصل. في ضوء هذا الحديث إجتماع ضمير لله سبحانه وتعالى ولرسوله r أو غيره في ضمير أو غيره يحتاج لتوقف وإذا ورد في نص من النصوص ننظر سبب ذلك. الأصل هذا الحديث الذي قال فيه r: بئس الخطيب والرجل استعمل لغة العرب لكن الرسول r أراد أن يفصل ولقد تكلمنا عن هذا بالتفصيل في وقته وقلنا هذا الذي نختاره. إما جمع موسى u معه أو عظّم نفسه وإما جمع الأبوين ولا يعقل أن نقول خشينا لله، الله يخشى؟ خشينا ، فأردنا معطوفة ولا تنسب الخشية لله سبحانه وتعالى في هذا لذلك نقول أحد هذه الوجوه الثلاثة من حيث اللغة صحيح. لما جاء إلى القضية المستقبلية (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ (82)) لأن هذا كله صلاح وكله خير. (فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا) هو لا يستطيع في إرادة بلوغ هذين الغلامين أشدهما ولا يستطيع أن يتدخل في استخراج كنزهما، هذا كله في المستقبل، سينمو هذان الغلامان ويكونان شابين كبيرين قويين فيستخرجا كنزهما. ثم جمع بعد ذلك الجميع (وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا) لكن من حيث صياغة اللغة هكذا ينبغي أن تُفهَم.
للتصحيح هناك حديث عن إبن مسعود يقول: لقد شهدت من المقداد - أبي الأسود الكندي- مشهداً لأن أكون أنا صاحبه أحبُّ إلي مما على الأرض من شيء. الموقف يرويه البخاري، يقول إين مسعود قال للمقداد يوم بدر: يا رسول الله إنا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ولكن إمضِ ونحن معك. وعندنا رواية صحيحة والحديث في مسند أحمد لكن مجموع الروايات هكذا (إمضِ ونحن معك). وعندنا رواية (إنا معكما مقاتلون) هذه الرواية الهيثمي قال الحديث حسن لكن مرويٌّ عن شخص غير إبن مسعود. الراوي أدرك إبا بكر وعمر ولم يدرك الرسول r ولم يرويها عن إنسان غير إبن مسعود وتصرّف في الرواية فيقول (قال الرسول لأصحابه قوموا فقاتلوا، قاوا: نعم يا رسول الله ولا نقول كما قالت بنو اسرائيل إنطلق أنت وربك فقاتلا ولكن إنطلق يا محمد أنت وربك فقاتلا وإنما معك نقاتل) غيّر في الحديث وتصرّف فيه. ورد الحديث عند أحمد في ثلاثة مواطن بنفس نصّ البخاري (ولكن إمضِ ونحن معك). ثلاثة مواطن عند أحمد وعند غيره فحتى لا يُستدل بهذا الحديث فضلاً عن وجود كلمة (فخشينا) أن الضمير عائد على الله تعالى والعبد الصالح. الفائدة من الحديث أن قول (إنا معكما) هذا من تصرّف الراوي لأنه حتى غيّر الآية فقال (إنطلق) وهو خلاف بقية الأحاديث التي عند أحمد وخلاف لما ورد في البخاري.
سؤال 295: ما مصدر الفعل إفترى؟
مصدر الفعل إفترى من الإفتراء.
سؤال 296: لماذا نصبت كلمة (حين) في قوله تعالى (كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (3) ص)؟
(لات) من العاملات عمل (ليس) لأن فيها معنى النفي. كنا ندرس الطلبة في الجامعة (إن ، ما، لا، لات) المشبهات بـ (ليس) فـ (لات) مشبهة بـ(ليس) و(ليس) ترفع إسماً وتنصب خبراً ولكن لها خصوصية (لات) وسيبويه يقول: لا تعمل إلا في الأحيان ولا عمل لها في غير الأحيان. في أسماء الزمان حتى بعضهم قال في إسم الزمان (حين) قالوا: لا، لو كان سيبويه يريد كلمة (حين) ما قال الأحيان. وقال: (ندم البُغاة ولاتَ ساعةَ مندمِ) فاستعمل كلمة ساعة التي هي للزمان لكن تعمل إلا وأحد معموليها محذوف والراجح حذفُ المرفوع أن الإسم هو المحذوف. لأن عندنا قراءة شاذة ليست حتى في القراءات العشر (ولات حينُ مناص). فلما يقول (ولات حينَ مناص) هذا على اللغة السائدة وعلى القراءات المُجمع عليها. (ولات حينَ مناص) يعني ولات الحين حين مناص، الإسم محذوف و (حين) خبر لات. لات معناها نفي أي ليس الوقت وقت كذا. لات لغة عالية عند العرب وهي أقوى من ليس لأنه حرف وحرف مبني على الفتح وعامل عمل ليس حتى قسم قالوا (لات) هو (لا) والتاء من (تحين).
بُثّت الحلقة بتاريخ 27/12/2006م
سؤال 297: أين فاعل تقطّع في الآية (لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (94) الأنعام)؟
هذه الآية (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ (94)) لعله الذي دفعه إلى هذا السؤال أن هناك إحتمال أن يكون هناك تنازع كما نقول: "جاء وذهب زيد" فزيد فاعل لفعل ذهب، وجاء من فاعلها؟ (لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ) (ما كنتم) فاعل (ضلّ) فأين فاعل تقطّع؟ هل هو نفسه؟
علماؤنا يرجحون أن يكون الفاعل مفهوماً أو ضميراً مستتراً تقديره هو يعود على المعنى المفهوم من كلمة (شركاء). يعني المعنى يكون: لقد تقطّع الوصل بينكم، الوصل مفهوم من كلمة (شركاء) لأن الشريك يتصل بشريكه. لقد تقطع الوصل بينكم، تكون (بينكم) ظرف. وعندنا قراءة سبعية (بينُكم) – وكما نقول دائماً هذه القراءات قرأتها قبائل عربية ومسندة للرسول r - عند ذلك كأن المسافة الرابطة بينهم الذي هو البيْن صار متقطعاً فلا وصلاً ونعود إلى لمعنى نفسه أن الوصل الذي بينهم تقطّع سواء جاءت (بينُكم) بالرفع أو القراءة المشهورة (بينَكم) بالنصب (قرأ بالنصب نافع والكسائي وحفص عن عاصم) وسائر السبعة قرأوا (بينُكم) والذين قرأوا بينُكم أكثر. تقطّع هذا الوصل الذي هو بينكم فصار البيْن مقطّعاً
سؤال 298: ما إعراب الجن في الآية (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (100) الأنعام)؟ هل هي مفعول أوّل مؤخّر أم بدل من شركاء؟
بعض العلماء يرى أنه هنا تقديم وتأخير للإهتمام لأن الفعل (جعل) يتعدى إلى مفعولين لما يكون بمعنى صيّر. تقول: "جعلت الماء ثلجاً" الماء مفعول به أول وثلجاً مفعول به ثاني. كأن الأصل في غير القرآن (وجعلوا الجن شركاء لله) هؤلاء الذين يتعاملون مع الجان من السحرة – وبالمناسبة وهو تحذير لجميع المشاهدين وفي برنامجنا إذا جاءت فرصة لنفع المشاهدين لا ندعها – هناك قنوات تذيع الآن من هؤلاء المتعاملين مع الجن، علماؤنا يُجمِعون إستناداً إلى أحاديث الرسول r أن أمثال هؤلاء يحرُم سؤالهم " من سأل عرّافاً"، وهؤلاء يدّعون المعرفة ويسألون المشاهد عن إسم أمه، حرامٌ سؤال هؤلاء وهذا كلام علمائنا، كلام أهل الفقه وأهل الشرع لأن هؤلاء كالسحرة إن لم يكونوا سحرة فجعلوا لله شركاء الجن يستفيدون منهم، يتعاملون معهم، يستغلونهم، ممكن أن يقولوا حدث لك كذا عن طريق ما يخبره به الجنّ. إياكم ومكالمتهم، إياكم أن تسألوهم شيئاً، هذا للأسف موجود على أكثر من فضائية وأنا أعتقد أن وراء هذا اليهود لأنهم يسعون لإشغال الأمة ولإلهائها.
هذا رأي، والرأي الآخر يقول هي : (جعلوا لله شركاء) الجار والمجرور هو متعلق بأحد المفعولين وشركاء هو المفعول الآخر والجن عند ذلك يمكن أن يكون مفعول به لفعل محذوف تقديره (أعني)، أو يكون بدلاً أو عطف بيان من كلمة شركاء. فعلى كل الأحوال العناية والإهتمام بلفظ الجلالة قُدّم (وجعلوا لله) هذه مسألة كبيرة أن يجعلوا لله سبحانه وتعالى شركاء ثم بيّن أنهم جعلوا الجن شركاء. (وخلقهم) الله تعالى خلق كل هؤلاء فكيف تجعلونهم شركاء؟.
(وخرقوا له بنين) خرقوا مثل خلقوا لكن فيها معنى الكذب. نافع يقرأ (وخرّقوا) بالتكثير (في المغرب العربي) والقراءة المشهورة (خرقوا). والتخريق هو خلق الكذب. نقول هذا أخرق كأنه أحمق ويختلق الأشياء. (وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ). من حيث الإعراب ما دام المعنى مستقيماً لك هذا ولك هذا. القول بالتقديم والتأخير لا بأس به ويستقيم أن يكون الجن مفعول أول وشركاء مفعول ثاني وقد تقدم والجار والمجرور يتعلقان بـ (جعل). ولو نظرنا في نظام الآية كأنما أريد لها أن لا تكون لفظة الجان متصلة بكلمة الله سبحانه وتعالى حتى في النظم وحتى في الترتيب.
سؤال 299: ما دلالة تكرار صفة (صم بكم عمي) بنفس الترتيب في القرآن؟ ولماذا إنعكس الترتيب (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (18) البقرة) ثم (وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (97) الإسراء)؟
في سورة البقرة قال تعالى (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ (17) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (18)) وفي سورة الإسراء قال (وَمَن يَهْدِ اللّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاء مِن دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (97)). الملاحظ هنا ملاحظتان: الملاحظة الأولى التي سأل عنها السائل هي إختلاف النظم والترتيب. في سورة الإسراء ذكر العمى أولاً ثم البكم ثم الصمم، وفي البقرة ذكر الصمم ثم البكم ثم العمى. لو تذكرنا الآيات نجد أن آية سورة البقرة نزلت في المنافقين. المنافقون الذين رأوا الإيمان وسمعوا كلام رسول الله r من كلام الله عز وجل وكأنه يُفترض أنهم تذوقوا شيئاً من الإيمان، عُرِض عليهم الإيمان ثم إنتكسوا بعد ذلك، يعني تحولوا من الإيمان إلى الضلال، فإذن مَثَلهم كمثل الذي استوقد ناراً، كأنه أُضيء أمامهم هذا الدين لكنهم لم ينتفعوا بذلك. شرع الله كيف يُقدّم؟ يُقدَّم منطوقاً. هؤلاء كأنهم لم يستفيدوا مما سمعوه وكأنهم لم يشهدوه. في الواقع هم شهدوا وكأنهم لم ينظروا في ملكوت الله سبحانه وتعالى التي دُعوا إلى النظر فيها. (فهم لا يرجعون) لا مجال لهم للرجوع إلى الدين، إبتعدوا لذلك إستعمل كلمة (لا يرجعون) وسنجد في موضع آخر في سورة البقرة استعمل (لا يعقلون) وسنتحدث عنها لاحقاً. فإذن صورة هؤلاء غير صورة الذين هم في سورة الإسراء. الذين في الإسراء كلام على أُناس في وقت المحشر وليس في الحياة. (ونحشرهم على وجوههم) الكلام في يوم القيامة.
كلمة (على وجوههم) بعض المفسرين ذهب إلى أن كلمة (على وجوههم) يعني به ضالّين كما نقول: خرج فلان هائماً على وجهه يعني ضال، تائه، لا يُبصر. وقسم قال لا يستقيم هذا الكلام، هو يستقيم من حيث اللغة لكن لأنه عندنا حديث رواه الترمذي والنسائي وأحمد أن أحد الأشخاص سأل الرسول r: "قيل يا رسول الله وكيف يمشون على وجوههم؟ قال: إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم". فصار المعنى هو على اللفظ. يمشي على وجهه (أفمن يمشي مكباً على وجهه) ذاك خافض وجهه. لكن هنا لولا وجود الحديث اللغة تسعف أنه يمشي على وجهه ضال، تائه. لكن نقول هذا التائه أو إذا كان وضع وجهه في التراب، الضال التائه صورته غير صورة الذي في الظلمة. الآية الأولى في البقرة في الظلمة (في ظلمات لا يبصرون) فقال تعالى (صم بكم عمي). هذا الهائم على وجهه لا يعرف أو كان وجهه في التراب. التائه أول ما يفقد يفقد بصره، لا يرى ولو كان يرى لعرف طريقه ولعرف أين يسير فيفقد البصر. حينما يفقد البصر يبدأ عند ذلك يصرخ لعله يسمعه أحد فيرشده، فإذا فقد الكلام أو كان أبكماً عند ذلك يعتمد على أذنيه لعله يسمع صوتاً فيتجه نحوه. فهذا النظام وهذا الترتيب.
في آية سورة البقرة كان هو في ظلمات (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ (17) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (18)) لما هو لا يرى فيريد أن يتسمع كأنه فقط لا يسمع فيحاول أن يصرخ لعل أحداً يسمعه وإذا لم يسمعه أحد يحاول أن يبصر لعل نوراً ينبثق في داخل هذه الظلمة لكن قال لا يبصرون فالصورة مختلفة.
والشيء الآخر بين الآيتين أنه هنا يوجد حرف عطف في آية سورة الإسراء (وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا) بينما لا يوجد حرف عطف في آية سورة البقرة (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ) يعني هذه حالهم. بينما في آية الإسراء (وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا) الواو، واو العطف لما تأتي نقول تأتي على نية تكرار العامل. لو ذكرنا مثالاً يتضح الأمر: لما نقول "خرج الطلاب فاهمين فرحين شاكرين" هذه حالهم، بهذه الأحوال خرجوا. زِنها بقولك "خرج الطلاب فاهمين وشاكرين ومسرورين". لما يكون بالعطف كأنه تتكون جملاً جديدة فيها نوع من الإهتمام. نية تكرار العامل يعني نحشرهم عمياً ونحشرهم صماً ونحشرهم بكماً فيكون فيها نوع من التمييز لتنبيه أو لتركيز هذا المعنى.
فكرة الحشر على الوجوه، الحديث رواه الترمذي والنسائي وأحمد " أن رجلاً قال: يا نبي الله كيف يُحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال r: أليس الذي أمشاه على رجليه قادر أن يحشره على وجهه يوم القيامة؟ قال قتادة: بلى وعزّة وربنا".
هناك شيء آخر، عندنا في سورة الفرقان (وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (33) الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا (34)) الحشر على الوجه نلاحظ كأنه السحب في سورة القمر (يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (48)) إذن هذا يؤكد ما ورد في الحديث. السحب على الوجه كأنه يكون منبطحاً ويُجرّ لكن السحب يكون أيضاً وجهه على التراب، لو كان وجهه على التراب لما يضع وجهه في التراب أيضاً أول شيء يفقده هو النظر ثم يدخل التراب في فمه فيفقد الكلام ثم يدخل التراب في أذنيه فيفقد السمع. سواء نظرنا إليها على أساس الضلال ذاك أو على هذا الأساس وهو على وجهه يُجرّ جرّاً يعني يُسحبون بالسلاسل ثم في النار يسجرون نسأل الله السلامة.
تبقى مسألة في الآية التي سأل عنها السائل: في الآية في سورة البقرة قال تعالى (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ (17) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (18)) وبيّنا أنهم لا يرجعون إلى النور الذي فقدوه. وفي سورة البقرة الآية (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ (170) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ (171)). (لا يرجعون) قلنا ليس لهم مجال للرجوع إلى النور لأنهم نافقوا وطُبِع على قلوبهم والعياذ بالله فلا مجال للرجوع فيناسبه (لا يرجعون). هنا أولاً لما تكلم في الآية السابقة لما تكلم على آبائهم قال (أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً) على أبائهم أنهم لا يعقلون فالمناسب أن تختم الآية الثانية (لا يعقلون) فكما أن آباءهم لا يعقلون هم لا يعقلون.
والمسألة الثانية أن المثال الذي ضُرِب (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ (171)) صورتهم، صورة هؤلاء وهم يُلقى عليهم كلام الله سبحانه وتعالى كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء، مثل مجموعة أغنام الراعي ينعق فيها، يصيح فيها وهذه الأغنام تسمع صوتاً لكن هذا الصوت لا تستطيع أن تميزه أو تميز معانيه مهما تكلم الراعي. لو صرخ الراعي في أغنامه: أيتها الأغنام قفي، إتجهي إلى اليمين، أنا أناديك، هي تسمع أصواتاً لكنها لا تستطيع أن تعقلها، لا تفهم. فكأن هؤلاء وهم يستمعون إلى كلام الله سبحانه وتعالى كالأغنام وعندنا آية آخرى (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (179) الأعراف) مثّلهم لأنهم لا يعقلون كلام الله سبحانه وتعالى ولا يستعملون عقولهم في إدراكه جعلهم مثل الأغنام. هذه الصورة، ولذلك هذه الصورة التي يناسبها كلمة (لا يعقلون). وتلك الصورة تناسبها كلمة (لا يرجعون) في ختام الآية مع أن في الآيتين تكرر (صم بكم عمي) نفسها، لكن هناك قال لا يرجعون، لا يعودون إلى الإيمان وهنا قال (لا يعقلون) لأنه شبههم بالأغنام والبهائم التي تسمع أصواتاً ولا تدرك معناها. أنتم تسمعون القرآن لماذا لا تشغلون عقولكم وتفكرون فيه؟ فقال هؤلاء مثلهم مثل الأغنام والبهائم. فضلاً عن أنه ذكر آباءهم بصفة عدم العقل فتناسب من الوجهين.
بُثّت الحلقة بتاريخ 3/1/2006م
سؤال 300: لماذا حلف الشيطان بعزّة الله في الآية (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) ص)؟
هذا القَسَم بعض العلماء يقول: علِم عدو الله أنه ليست له عزّة فأقسم بعزة الله سبحانه وتعالى، هذا قول لبعض العلماء. ولكن البعض يقول القسم عادة يتناسب مع المقسم عليه، الإنسان على ماذا يريد أن يُقسِم؟ القسم بلفظ الله يصلح لكل نوع، يقول الإنسان: والله لا أفعل هذا، والله لأفعلنّ كذا، لكن حينما يكون الأمر بحاجة إلى قوة وسلطان عند ذلك يكون القَسَم بعزة الله لأن العزة فيها معنى القوة والسلطان. أنت لا تقول مثلاً: "والرحمن الرحيم لأفعلنّ بأعداء الإسلام كذا"، لا تستقيم "والرحمن الرحيم"، لكن قُل: والله أو وعزّة الله. فلا يبعد أن القرآن الكريم ذكر هذا اللفظ ليشير إلى أن الأمر يحتاج إلى قوة وإلى سلطان في إغواء هؤلاء. هذه القوة من أين جاءته وهو ما عنده قوة ولا سلطان (وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي (22) إبراهيم). هذه القدرة والقابلية على إغواء الناس وعلى الدخول إلى قلوبهم هي في واقع الحال من تمكين الله سبحانه وتعالى لهذا المخلوق لأنه يعلم - هذا المخلوق - أنه لم لم يمكّنه الله سبحانه وتعالى لا يستطيع أن يصل. الإنسان يوسوس له الشيطان، هذه الوسوسة إذا لم يشأ الله سبحانه وتعالى أن تحدث أثرها لا تحدث أثراً. فلا يكون شيء في مُلك الله عز وجل من غير إرادته لذلك نقول الذي يتصرف في ملكه لا يُسأل (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23) الأنبياء). فالظاهر – والله أعلم – أن القسم هنا كان مناسباً يعني كأنما أنا سلبت مني العزة فأنا أقسم بعزتك وكأنه يتشبث يهذه العزة، بهذه القوة حتى يستطيع أن يغوي لأنه قال (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) بهذا التأكيد، بمجموعهم واستثنى (إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (83) ص) وعندنا قراءة (المخلِصين). المخلَصين بفتح اللام هم الذين أخلصهم الله عز وجل لعبادته أو هم خلصوا هم بأنفسهم لعبادة الله سبحانه وتعالى وكلاهما مردّه إلى رحمة الله سبحانه وتعالى هو الذي يرحم عباده بأن لا يمكِّن الشيطان من الوصول لإغوائهم. إغواء الشيطان له مقدمات يفعلها الإنسان والشيطان لا يدخل إلى هذا الإنسان إلا بعد أن يقدم هذا الإنسان هذه المقدمات حتى يكون مسؤولاً عن عمله وإلا كيف يُسأل عن عملٍ لم يقدم فيه شيئاً؟. هو يقدم أسباب عمل الخير ويقدم أسباب عمل الضلال ثم الشيطان يتمكن منه وهو ماضٍ في تقديم أسباب الضلال لذلك في القرآن (مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ (79) النساء) هو قدّم الإثنين لكن لا يكون شيء إلا بأمر الله سبحانه وتعالى، في السيّئة نُظِر إلى تقديم الإنسان لهذه الخطوات وفي الحسنة نُظِر إلى النتيجة أنه لا تكون إلا بأمر الله سبحانه وتعالى. (وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَـذِهِ مِنْ عِندِ اللّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَـذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللّهِ (78) النساء) لأن النتائج النهائية من الله سبحانه وتعالى لا تحدث إلا بأمره، بإذنه لكن مرة نُظِر إلى البدايات مع السيئة لأن الإنسان خطا هذه الخطوات ومرة نُظِر إلى النهاية.
إذن هذا القسم بعزة الله سبحانه وتعالى، أحياناً يقول لك شخص: "والذي رفع السماء بغير عمد" يعني هناك شيء مستحيل في نظرك لكنه ممكن في فعل الله سبحانه وتعالى فإذن هذا الذي أقسم عليه من المستحيل أن يكون يعني لما يريد أن يبيّن الإحالة يُقسِم. ذكرنا حديثاً في المرة السابقة عن إمشاء الناس على وجوههم، أليس الذي أمشاهم على أرجلهم بقادر على أن يمشيهم على وجوههم؟ فقال قتادة: "بلى وعزّة ربنا" لأنها نحتاج إلى قوة. في مجال القوة وطلب القوة القسم يكون بعزة الله سبحانه وتعالى مع أن لفظ (الله) يصلح لكل الأنواع. والله سبحانه تعالى في الحديث القدسي استعمل " وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين" لأن فيها معنى القوة. لما يكون الأمر بحاجة إلى بيان القوة والسلطان يقسم بالعزّة..
إبليس يؤمن بعزة الله سبحانه وتعالى وقد خدم في حظيرة الله سبحانه وتعالى وكان من المشتغلين في قضايا الأرض مع ملائكة الأرض. لما الباري عز وجل عرض على الملائكة (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (30) البقرة) لأنهم مشتغلون في الأرض، مهمتهم في الأرض فعرض عليهم، لا يعقل أنه عرض على كل ملائكة السماء والكون وإنما على فئة لها شغل بهذا المخلوق الجديد وبمكانه فإبليس كان من ضمن هؤلاء ليس ملكاً لكن من ضمن الذين لهم شغل لذلك كُلّف مباشرة (ما منعك أن تسجد إذ أمرتك) أُمِر مباشرة بالسجود.
المخلَصين: الذي أُخلِصت نيته وفعله لله سبحانه وتعالى وأُخلِص من الآثام ومن كيد الشيطان، أخلَصه الله سبحانه وتعالى. من الفعل أخلَص يخلِص فلما نريد الفاعل نكسر ما قبل الآخر (مخلِص) ولما نريد المفعول نفتح ما قبل الآخر فنقول (مخلَص).
سؤال 301: ما دلالة التحول من المثنى إلى الجمع في الآية (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (87) يونس)؟ بينما في الآية (قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ (89) يونس) كلها مثنى؟
الآية الكريمة (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (87) وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ (88) قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ (89)). تسأل السائلة أن تبوءا مثنى ثم قال واجعلوا صار جمعاً ولم تنتبه أنه بعد ذلك تكلم بالمفرد (وبشّر) إذن لدينا مثنى، جمع ومفرد فلا بد من الوقوف عند كل جزئية من هذه الجزئيات.
أولاً بنو إسرائيل هؤلاء لا شك أنهم كانوا يسكنون في بيوت، كانوا في مصر وموسى u جاء وطلب من فرعون قال (أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (17) الشعراء) بنو إسرائيل ما كانوا يعيشون في الهواء، كان عندهم بيوت. كانوا في مصر معذّبين وأم موسى كانت في مصر وهي التي ألقت بولدها في اليم، إذن هم عندهم بيوت فلما يقول (تبوءا لقومكما بمصر بيوتاً) معنى ذلك تبوءا بيوتاً جديدة. هذه البيوت الجديدة هي بيوت مهيّأة للسفر لأنه كان يريد أن يُخرِج قومه من مصر فلا يُتصور أن يطلب إليهم أن يبنوا بيوتاً جديدة بالطابوق وبالآجُر. معنى ذلك أنهم كأنما خطوا خطوة في طريق الهجرة، هذه الخطوة التي طُلِب من موسى وأخيه طبعاً لما كان الكلام في تمشية شؤون الأمة ممكن أن يوحى إلى هارون كما أوحي إلى موسى لأن هذه القضية تتعلق بعمل وإجراءات تخص الناس فيمكن أن يوحى للرسول ومؤازره (وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي (29) هَارُونَ أَخِي (30) طه) فلذلك قال (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ).
(تبوءا): التبوء هو الإتخاذ، إتخذا البيت وقالوا البيت مباءة للإنسان لأن أصل باء بمعنى رجع وكأنما الإنسان لما يخرج من بيته يرجع إليه دائماً يعني يبوء إلى داره، باء بمعنى رجع إلى مكانه وأحياناً تكون رجع عامة (وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (16) الأنفال) رجع من عمله بغضب من الله سبحانه وتعالى، (إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ (29) المائدة) ترجع من هذا العمل حاملاً إثمي. (تبوءا لقومكما بيوتاً) إذن هي بيوت جديدة ممكن أن تكون خيماً أو بيوتاً مما يسمى الخصّ. البيت هو ما يبيت فيه الإنسان، البناء الذي يبيت فيه الإنسان الذي هو الحجرة. البيت في الأصل، الإنسان قديماً ما كان يبني غرفاً كثيرة وإنما يبني غرفة طويلة ويغتسل فيها وينام فيها ويستقبل الضيوف فيها، الرسول r كان لديه بيوت أمهات المؤمنين أي كل واحدة لها حجرتها. والطابق العلوي يسمى غرفة، (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (4) الحجرات) وبيت عائشة رضي الله عنها معروف إلى اليوم الذي فيه قبر الرسول r وقبر صاحبيه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما. والكعبة أطلق عليها بيت لأنها مثل الحجرة، تجويف واحد، بناء واحد.
هذا هو البيت، كل منهم يبني بيتاً لأسرته، بيت مؤقت. هذه البيوت كأنما طُلِب إليهم أن يجعلوا إتجاهها أي إتجاه الفتحة فيها بإتجاه القبلة، والقبلة كما يذهب كثير من علمائنا وفيها كلام، (واجعلوا بيوتكم) الآن الكلام مع موسى وهارون، الآن التفت إلى بني إسرائيل وموسى وهارون (تبوءا لقومكما بيوتاً واجعلوا) أي أنتم جميعاً يا بني إسرائيل إجعلوا بيوتكم قبلة. وقف العلماء عند كلمة قبلة هنا ما المراد بها: قسم قالوا بعضها مقابل بعض، وقسم قال: إجعلوا بيوتكم التي كانت في الشام قِبلة صلّ!وا إليها، قسم قال: مساجد، صلّوا فيها، صلوا في هذه المساجد. العرب تسمي التوجه إلى الكعبة قِبلة، إلى الآن في العامية المصرية يقولون: هذا قِبلي أو بحري، قِبلي أي بإتجاه الكعبة. هل كانت قبلة موسى u الكعبة؟ الجواب نعم. قبلة إبراهيم u ومن وراءَه وقِبلة موسى u كانت الكعبة لكن يبدو أنه بعد ذلك في بعض أنبياء بني إسرائيل حدث نسخ وتحولوا إلى بيت المقدس، غالباً لأنها صارت موطناً للأصنام فما عاد يُتّجه إليها لأنها كانت موضع أصنام، أو لسبب آخر، المهم أن إبراهيم u لما رفع القواعد من البيت إتجه إلى الكعبة وذريته تتجه إلى الكعبة وهي القِبلة الحقيقية لعباد الله الصالحين وكان التحول عنها لغرض معين في أول الإسلام ثم عادوا إلى القِبلة.
(وأقيموا الصلاة) يستدل العلماء من كلمة (وأقيموا الصلاة) باتجاه المعنى أنه إجعلوا بيوتكم متجهة إلى الكعبة وصلّوا.
والآن إلتفت إلتفاتاً آخر (وبشر المؤمنين) أن البشارة إنما تكون من الرسول لأن يكون لها وقع أعظم من أن تكون من هارون أو منهما لما تكون البشارة من الرسول يكون لها وقع أعظم، فنجد أنه مرة ثنّى للإشتغال بشؤون الناس ومرة جمع لأن الأمر عام ورجع فأفرد لأن البشارة من الرسول تكون أوقع وأعلى منزلة بخلاف لو جاءت البشارة من شخص معه. هارون كان نبياً لأن الرسول هو صاحب الرسالة، النبي يكون مع الرسول أو بعد الرسول يبلّغ رسالة الرسول ويبشر برسالة النبي فإذن كل رسول هو نبي ولكن ليس كل نبي رسول.
فائدة الإلتفات في اللغة من ضمير إلى ضمير: هذا التلوين في العبارة مع الإرتباط في المعنى لأنه وجدنا المعنى مترابطاً، مرة كلّم الإثنين ثم كان لا بد أن يكلّم الجميع (واجعلوا بيوتكم) ولا يمكن أن يقول: فاجعلا بيوتكما معناه بيت موسى وهارون سيكونان قبلتين وليس هذا المراد وإنما المراد جميع البيوت تتجه بإتجاه القِبلة لأسباب لأن بعض العلماء يقولون لو نظرنا إلى المكان لأن (بمصر) فيها كلام، ما المراد بمصر؟ ما دامت مُنِعت من الصرف فهي مصر المعلومة الحالية لكن ليست بالحدود الحالية. قالوا المراد بمصر بعضهم قال الإسكندرية لأنها كانت قديمة والبعض قال المراد الجيزة بدليل الأهرام، كانوا هناك ويبدو أن الراجح - والله أعلم - أنها ممفيس التي هي في الجنوب أو طيبة. لماذا يرجحه بعض المؤرخين؟ قالوا لأنه هذه المنطقة هي المنطقة التي كان فيها الفرعون الذي عُثِر على جثمانه واكتُشِف أنه مات غرقاً (فرعون موسى) كان من الأسرة التاسعة عشرة الفرعونية وهذا الوقت كان هو وقت موسى u فيرجح بعض المؤرخين أن تكون هذه الإجراءات والعملية كانت في ممفيس وأن بني إسرائيل مشوا مع البحر الأحمر، ما مشوا مع نهر النيل، ساروا مع البحر الأحمر بانتظار أن يصلوا إلى منطقة قناة السويس الحالية ويحاولون العبور هناك، يبدو في تلك المنطقة هناك أدركهم فرعون ولو ساروا بالطريق المعهود مع نهر النيل كانوا حوصروا مبكراً لكن إتخذوا لأنفسهم مكاناً بعيداً عن الطريق مع ساحل البحر الأحمر إلى أن وصلوا إلى هذه المنطقة الضيقة التي يعبر منها باتجاه سيناء ومن هناك إتخذوا البر بعد ذلك. (مصر) إذن نحن لا ننفي كلام علمائنا القدماء نقول هكذا قالوا لكن ما بنوه على أثر صحيح ما قالوا: حدثني فلان قال: قال رسول الله r مصر هي الإسكندرية أو الجيزة ولو كان هذا لا نناقش.
لما قال (اهبطوا مصراً) هنا نوّنها فإذن أيّ بلد. المِصر هو الممصّر أي الذي فيه أيّ بناء، أي ادخلوا أي قرية تجدون فيها عدس وبصل وثوم – ومن الملاحظ أن كل الأشياء التي طلبوها مما ينفخ المعدة – البقل من البقوليات، القثاء هو الخيار الذي يسمونه الآن خيار جثّة وفومها قسم قال الحنطة وقسم قال الثوم لأن العرب تبدل الثاء والفاء بالنسبة للثوم وهي لهجة من لهجات العرب.
سؤال 302: لماذا أثبت النون في تتبعانّ في الآية (قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ (89) يونس)؟
قبل هذه الآية، ننظر في الآية السابقة لأن فيها فائدة. أُنظر موسى u رسول الله وعلى العين والرأس لكن نحن نقول محمد r أشرف خلق الله أجمعين يعني أعلاهم قدراً عند الله سبحانه وتعالى وعند عباده الصالحين وننظر موسى u. الرسول r في الطائف فُعِل به ما فُعِل أولاً صُدّ صدّاً غير جميل وهو رسول الله r وبهذه الرقة والحنان على أمته وحُرِّض عليه سفهاءهم وأطفالهم وضرب بالحجارة ولما ننظر في الدعاء " اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس" لما ننظر في الدعاء نجد هذه الحالة النفسية العجيبة التي مر بها ومع ذلك لما يأتيه الملك ويقول ربك يُقرئك السلام ويقول إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين لم يقل له إفعل ولكن قال r: لا لعل الله أن يُخرِج من أصلابهم من يعبد الله ثم بعد ذلك صاروا قادة في الفتوح الإسلامية. وننظر ماذا دعا موسى u، لما كان موسى يدعو، صحيح غير مذكور دعاءه، هارون كان يؤمّن معناه أن المؤمّن داعي لما يقول آمين إذن هو يدعو. قال موسى u (وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ (88) يونس) هذه اللام يسمونها لام العاقبة، هو لم يعطهم هذه لكي يضلوا عن سبيله كما قال تعالى (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8) القصص) هم ما التقطوه لكي يكون عدواً لهم يعني كي يكون، من أجل أن يكون، وإنما عاقبة هذا الإلتقاط كانت كذا، هذه لام العاقبة، لام النتيجة. المعنى هو الذي يبينها عندما نقرأ الآية الكريمة (فالتقطه آل فرعون) هم التقطوه من أجل رعايته، من أجل حمايته، من أجل أن يكون قرة عين ولكن الآية تقول (ليكون لهم عدواً وحزنا) لتكون العاقبة والنتيجة لهم عدو. وهنا هذه اللام لام العاقبة (وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ) يعني إنك آتيت فرعون وملأه زينة هم استغلوا هذه الزينة والأموال، كانت نتيجة ذلك أنهم استعملوها للإضلال، لا أنت أعطيتهم من أجل أن يقوموا بالإضلال. (رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ) وازن بين الدعوتين! (واشدد على قلوبهم) كأنه إربط على قلوبهم أو كما يقولون شد عليه فقتله. (فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم) لا يريدهم أن يؤمنوا، عذِّبهم أولاً ثم لا بأس أن يؤمنوا. فقال تعالى (قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا) لأن موسى u كان يدعو وهارون يؤمِّن.
(وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ) في غير القرآن مفروض أن تكون بدون النون لأن (لا) ناهية (ولا تتبعا). لكن لما نجد القُرّاء يُجمِعن باستثناء رواية عن إبن عامر، رواية واحدة. جمهور القُرّاء - معناه جمهور قبائل العرب التي تلقت هذه الآية عن رسول الله r - تلقّتها بالنون المشددة (ولا تتبعانّ) وهي نون التوكيد الثقيلة المفروض أن تكون مفتوحة (ليسجنن)، أما النون الخفيفة فتكون ساكنة (وليكونا)، لكن في لغة العرب جميعاً ليس في العرب من يفتح نون التوكيد مع ألف المثنّى، العرب جميعاً يكسرون نون التوكيد مع المثنى "هل تذهبانِّ إلى الموضع الفلاني يا أخويّ؟" يكسرها قالوا لمناسبة الألف لأن نون المثنى بعد الألف تكون مكسورة دائماً مثل: أنتما تكتبانِ، تذهبانِ، تلعبانِ فحوفِظ على الكسرة وغيرت الفتحة في لغة العرب جميعاً، فإذن هذه نون التوكيد وليست نون الرفع.
(تتبع) فعل مجزوم بـ (لا): عندنا قولان للعلماء قول يرى أن نون التوكيد إذا جاءت مع الفعل المضارع يكون مبنياً على كل حال فيقول (تتبعانِّ) هذا مبني وتكون النون محذوفة لتوالي الأمثال (نون الرفع) مبني فلا مكان لها تُحذف، مبني على حذف النون، تحذف النون أو لتوالي الأمثال. ورأي آخر الذي هو الشائع أن الفعل المضارع يكون مبنياً إذا إتصلت به نون التوكيد مباشرة وفي الألفية:
وأعرب مضارعاً إن عريا من نون توكيد مباشر
يعني إذا فصل بين نون التوكيد وبين المضارع ألف الإثنين أو ياء المخاطبة أو واو الجماعة حتى ولو تقديراً لأننا نقول: هل تكتبنّ دروسكم؟ (عندنا واو محذوفة)، هل تكتبنّ يا هندُ؟ (عندنا ياء محذوفة)، هل تكتبانّ ؟ (عندنا ألف محذوفة) فإذن أُعرب المضارع لأنه فصل بينه وبين نون التوكيد. مع ذلك نون الرفع غير موجودة إما نقول لأنه جُزِم بعد لا الناهية جازمة حذفت النون علامة جزمه أو لتوالي الأمثال، لما جاءت (لا) ما وجدت ما تحذف إذن هذه نون التوكيد وليست نون الرفع.
إبن عامر قرأ (ولا تتبعانِ) خفف وهو الوحيد من بين الرواة جميعاً معناه هناك قبيلة عربية فصيحة سمعت من رسول الله r هذا. الأمر ليس صعبة قالوا هذه نون التوكيد الخفيفة لأنها إما خفيفة وإما ثقيلة، الخفيفة ساكنة لكن قبلها ألف ساكن فكُسِرت واختير الكسر رعاية لنون التثنية.
إستطراد من المقدم حول قوله تعالى (مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (32) النمل): (حتى) ناصبة لكن لو نظرت في الكلمة سنجد أن النون مكسورة هذه بدل ياء المتكلم، هي (حتى تشهدوني) والنون للوقاية والياء ياء المتكلم.
بُثّت الحلقة بتاريخ 6/1/2007م
سؤال 303: ما دلالة استعمال (كلهم) و(جميعاً) في الآية (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ (99) يونس)؟
الآية هي قول الله سبحانه وتعالى (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ (99) يونس) هي الآية في تسلية الرسول r وفيها بيان لمن يتلو كتاب الله سبحانه وتعالى كيف كان رسول الله r حريصاً على إيمان قومه، حتى في بعض المواقع في القرآن الكريم يقول (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3) الشعراء) كأنه: أشفِق على نفسك أن تقتلها. فيه تسلية لقلب الرسول r لشدة حرصه يقول له (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ (98) وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ (99) يونس) الله سبحانه وتعالى خلق الخلق وأرسل الرسل بعث الرسل وأنزل لهم الكتب (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3) الإنسان) قال لآدم u (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا (35) البقرة) أثبت لهما المشيئة من أول خلقتهما، (حيث شئتما) أي لهما مشيئة فأنت لا تقتل نفسك، أدِّ واجبك تجاههم. (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا) لا يلدُّ منهم أحد، لا يفلت منهم أحد، الكل يؤمن، هذا توكيد لـ (من في الأرض) (كلهم) يعني كل من في الأرض يؤمنوا. ثم جاءت (جيمعاً) لبيان الحال، يعني حال كونهم مجتمعين على الإيمان غير متفرقين عنه. فإذن (كلهم) لبيان التأكيد أنه لا يخرج منهم أحد عن الإيمان، و (جميعاً) بمعنى مجتمعين على مفردات الطاعة لا يخالف منهم أحد. يعني لو شاء الله سبحانه وتعالى لدخل الناس جميعاً في الإيمان بحيث لا يخرج منهم أحد ولظلوا على إيمانهم بحيث لا يزول منهم أحد بإجراء عملٍ مخالف للإيمان. فهم إذن مؤمنون جميعاً مجتمعون على الإيمان. فكل كلمة أدّت غرضاً: كلمة (كلّهم) أدّت التوكيد وكلمة (جميعاً) أدّت الحال. الحال لا تعني أنها منتقلة دائماً، العلماء يقولون قد تكون الحال أحياناً دالة على الثبوت. حالة كونهم مجتمعين في هذه الحال (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (16) الأنبياء)،(لاعبين) حال لكن لا تستطيع أن تستغني عنها، يقولون الحال فضلة أي خارج العُمدة، هذا مصطلح يعني لا يعني معناه اللغوي أنه فضلة أنه يُرمى. هذا مصطلح قضلة يعني ليس مسنداً وليس مسنداً إليه، كل ما عدا مسند أو مسند إليه اصطلحوا على تسميتها بالفضلات. فالمفعول به قالوا فضلة، كيف نستغني عنه؟ قالوا: (أكرم زيد خالداً) خالداً مفعول به كيف تستغني عن خالداً؟ أكرم زيدٌ، أكرم فعل وزيد فاعل يقولون إذن تمتّ الجملة. ينبغي أن نفهم المصطلح أنه لما يقولون هذا الكلام وكما قلنا في مرة ماضية لما يقولون هذا حرف زائد وهو في كتاب الله لا يعنون أن وجوده كعدمه لكن زائد يعني له تصرف خاص يخالف تصرفه العام في لغة العرب ويكون معناه التوكيد. فإذن (كلهم) للتأكيد و (جميعاً) لبيان الحال، فواحدة مؤكِّدة وواحدة لبيان الحال، والتوكيد وبيان الحال مرادان. لماذا بيان الحال وقد أكد أن من في الأرض آمنوا؟ بيان حالهم أنهم مجتمعين على هذا الإيمان لا يفترقون حوله، قد يكونون مؤمنين لكن يتفرقون في وجهات نظرهم بشأن الإيمان كل له رأيه. فكلمة (جميعاً) أي مجتمعين عليه.
إستطرادات من المقدم:
(جميعاً) هل تستخدم توكيد؟ إذا كانت أجمعين أو أجمعون قد تأتي توكيد لكن (جميعاً) حال.
صاحب الحال: نحن لا نفتش عن صاحب الحال وعن العامل في الحال، نقول حال وكفى، أما صاحبها فهو (من).
(من) الأصل فيها أن تكون للعاقل و(ما) الأصل فيها لغير العاقل لكن إذا كان هناك خلط يمكن أن نستعمل (من) و (ما).
سؤال 304: ما سبب إختلاف ترتيب الأقارب في الآيتين (يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (11) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (12) المعارج) (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) عبس)؟
(يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاء كَالْمُهْلِ (8) المعارج) الكلام على يوم القيامة (وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (9) وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (10) يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (11) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (12) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْويهِ (13) وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيهِ (14) المعارج) نتوقف عند كلمة (يفتدي). إذن الكلام هنا عن الفدية، أن يفدي نفسه، لما كان الكلام على فداء النفس، أن يقدِّم فداء لنفسه بدأ ببنيه، وصاحبته وأخيه وفصيلته التي تؤويه ومن في الأرض جميعاً ثم ينجيه. يقولون الواو لا تقتضي الترتيب لكن الإيراد بهذه الصورة له دلالته.
(فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (33) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37) عبس) إذن الكلام هنا على فرار، هناك كان الكلام عن فدية. (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37)) نحن نكاد نكون قد أجبنا نصف الجواب الآن لما قلنا هناك على الفدية وهنا على الفرار.
لو تخيلنا الأمر على شكل دوائر محيطة بالإنسان: الدائرة الضيقة أقرب دائرة له هو الإبن الذي هو مظنّة أن يطيع أباه، الدائرة التي بعدها الزوجة المرتبطة بالأولاد، ثم الدائرة الأخرى دائرة الفصيل. والفصيلة هي العشيرة أو الأقارب الأدنون من القبيلة. الإنسان لما يكون من قبيلة يكون عنده أقارب أدنون يعني أبناء العمومة وأبناء الخال التي ينتسب إليها في كثير من الأحيان. مثلاً عندنا نحن في العشائر أحياناً تكون العشيرة كبيرة مثل (شمّر) عشيرة كبيرة في العراق، زوبع جزء من شمر، النعيم يقولون باللهجة العامية هؤلاء البوبندر من النعيم أي آل بندر، أي فصيلة بندر، أبناء بندر. كما قال هو من تميم "أنف الناقة"، تميمي تزوج كما تزوج من قبله قبل الإسلام في مدة قصيرة وأنف الناقة طفل صغير أبوه ذبح الناقة ركض إخوته نحو الناقة يأخذون اللحم فوجد رأس الناقة كبيراً فوضع يده في أنف الناقة وبدأ يجرها فصار أنف الناقة يسخرون منه، صار كبيراً، تزوج وصار له ذرية وله أكثر من عشر زوجات في الجاهلية فصاروا بنو أنف الناقة ما كانوا يقولون التميمي وإنما يقولون بنو أنف الناقة. هؤلاء هم الفصيل أقرب شيء إليه ثم (من في الأرض جميعاً) وراء ذلك.
فالإفتداء، الإنسان لما يرى حاله يريد أن يفدي نفسه، يقدم شيئاً: خذوا هذا بدلي، أقرب شيء له هو ولده، أقرب الناس إليه الإبن. فلهول المشهد في ذلك الوقت يتناول الأقرب خذوا هذا، لا ينفع يأخذ الذي بعده – الزوجة -، ثم الفصيل ثم ما في الأرض جميعاً بدلي، لاحظ الترتيب لأن فيه نوع من الفداء.
لما نأتي إلى سورة عبس، نوع من الفرار يعني الهزيمة، الإنسان لما يهرب يهرب من البُعداء أولاً، يتخلى عن من هو بعيد ثم يبدأ يتساقط شيئاً فشيئاً، لنقل كأنهم مرتبطون به فلما يركض أول من يخفف من ثقله: أخيه ثم أمه وأبيه، أيضاً يتخفف منهم. ونلاحظ هناك كان فداء لم يذكر الأم والأب لأنه لا يليق أن يفتدي الإنسان نفسه بأمه وأبيه، فلا يليق أن يذكر مع أنهم داخلون ضمن (ومن في الأرض جميعاً) لكن ما ذكر اسمهم لأن ذكر الأم والأب في الفداء مسألة كبيرة عند الناس أن يفدي نفسه بأمه وأبيه. لكن في الهرب ممكن أن يقول هم يحارون بأنفسهم، يدبرون حالهم. (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36)) التساقط صار شيئاً فشيئاً، (وبنيه) آخر شيء لاصق به كأنه شيء مرتبط بهذا الإنسان وهو يركض هارباً يتساقط البعيد ثم القريب ثم الأقرب حتى تعطى الصورة لهذا المشهد في يوم القيامة. فلما نتخيل هذه الصورة ونرى الفارق في الفداء وفي الفرار عند ذلك تتضح لماذا إختلف الترتيب .
(وصاحبته) هي زوجته والزوجة الإنسان ينام في حجرته معه زوجة وأولاده في السابق فهم أقرب إليه من غيرهم، فقد لا يكون في بيته الأم والأب. الترتيب اختلف لأن الصورة اختلفت: هناك صورة فداء من يعطي وينجو بنفسه فيبدأ بأقرب شيء إليه، بينما الهارب كأنها سلسلة تتساقط يسقط البعيد منها ثم الذي يليه ثم الذي يليه ثم آخر شيء اللاصق به.
هذه الآية في سورة في مكان وهذه الآية في سورة في مكان ومحمد r كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب ولا يرتب هذه الأمور، ألا يكفي هذا في الدلالة على نبوة محمد r؟ ألا يفكر الإنسان أن هذا الرجل الأمي لا يصدر منه مثل هذا التنظيم في مكانين مختلفين تنظر هنا تجد شيئاً وتنظر هنا تجد شيئاً والذي قال الشيئين كان مدركاً لما يقول هنا ولما يقول هنا في آن والمدة متباعدة بين نزول هذه السورة ونزول هذه السورة، هذا كلام ربنا سبحانه وتعالى
دأبنا أن نذكر قراءة نافع لإخواننا في المغرب العربي: (لو يفتدي من عذاب يومِئذٍ) عذاب مضاف ويومِ مضاف إليه، نافع قرأ (من عذاب يومَئذٍ) بالفتح. توجيه علماء العربية لذلك أن (يوم) ظرف والمفروض أن يكون مُعرباً لكن أضيف إلى مبني وهو (إذ) فإذا أضيف إلى مبني كثير من قبائل العرب تبنيه بسبب إضافته إلى المبني فيبنى على الفتح يقال (مبني على الفتح في محل جرّ)، تبنيه على الفتح (يومَئذ). وأكثر القراء قرأوها بالكسر (يومِئذ). نافع والكسائي فقط قرأوا بالبناء على الفتح (يومَئذ). يومِئذ مضاف إليه مجرور بالكسر فإذا فُتِح فالسرّ أنه أضيف إلى مبني. هي أصلها (يومِئذْ) والتنوين عوض عن جملة محذوفة. لأن عندنا التنوين أنواع: تنوين التمكين وتنوين العِوض. تنوين العِوض يمكن أن يكون عوضاً عن مفرد وهو اللاحق لكل عوضاً عما تضاف إليه (كلٌ يعمل على شاكلته) يعني كل إنسان فحذف كلمة إنسان وعوّض بالتنوين، هذا التنوين عوضاً عن مفرد. ويكون عوضاً عن حرف وهو اللاحق بنحو جوار وغواش وهذا فيه كلام طويل، عوض عن الياء المحذوفة لأن جوار وغواش ممنوع من الصرف لا ينوّن لأنه على صيغة منتهى الجموع فلما نوّن قالوا حذفت الياء ونون عوضاً عن الياء المحذوفة وهذا فيه كلام كثير.
وعوض عن جملة وهو اللاحق لـ (إذ) في قوله تعالى (وأنتم حينئذ تنظرون) يعني حينئذ بلغت الروح الحلقوم. نقول قال زيد كذا وكذا وحينئذٍ رد عليه فلان بكذا يعني وحينئذ قال كذا وكذا رد عليه فلان، فهنا (يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (11) المعارج) يبصرونهم يعني يُرى الأحمّاء أحماءهم يعني: يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذْ يبصرونهم ببنيه.
سؤال 305: ما إعراب (جميعاً) في قوله تعالى (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67) الزمر)؟
هذا السؤال مشكلة عند بعض النحويين، ( وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) الواو هنا واو الحال (والأرض قبضته) مبتدأ وخبر. (جميعاً) حال لكن حال ممن؟ لذلك نحن نقول لا صاحب الحال ولا هي حال من ماذا؟ هي حال وكفى، لِمَ؟ لأن هنا بعض العلماء لا يجيز أن يكون الحال من المبتدأ، فيقول لك حال من ماذا؟ فيضطر إلى أن يقدّر والتقدير يكون من معنى الجملة يعني والأرض حدث أو ثبت أو وقع هذا الأمر فيها يشير إلى الثبات جميعاً يقدر تقديراً. والبعض قال لا، هي قبضته بمعنى مقبوضه (الشيء الذي يقبض عليه) فإذن هي حال من الضمير. (والأرض جميعاً قبضته) يعني مقبوضه، مقبوض الله سبحانه وتعالى أي الذي يقبض عليه الباري عز وجل من حيث النص. فنحن نقول نتخلص من كل هذا ولا نصدّع أذهان الناس أحياناً كثيرة أنت تكتفي بشيء يفهمه الإنسان وانتهينا. (جميعاً) حال، يعني بيان حال هذا الأمر (والأرض جميعاً قبضته) يعني هذه حالها وحال أجزائها وحال قسم يقول الأرضين، قال الأرض وهو يعني الأراضين، الأرض بأنواعها، الأرض وطبقاتها، المهم هي لبيان حال.
هنا شيء ما دمنا وقفنا عند هذه الآية: هذه الآية تتعلق بصفات الله سبحانه وتعالى وما يتعلق بالصفات – كما قلنا أكثر من مرة - كثير من علمائنا يُمِرّونه هكذا. ما معنى (وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ)؟ قسم يقول نقرأها هكذا وما يجول في ذهن العربي هو المراد بحيث أن نكون مبتعدين عن التجسيم لأن الله سبحانه وتعالى وصف نفسه بقوله عز وجل (ليس كمثله شيء) فلا ينبغي أن يمثل أو يجسد جلّت قدرته. وقسم قال الآية هي إشارة إلى القدرة والهيمنة والسيطرة، فقدرة الله وهيمنته وسيطرته قائمة على الأرض بما فيها ومن فيها وعلى السموات بما فيها ومن فيها، هذا ممكن أن ينفع في الترجمة لو أردنا أن نترجم معاني القرآن الكريم. أنا اخترت نصاً حتى يتسنى للمشاهد الكريم أن يتبين هذا الأمر،هذا النص هو نص القرطبي، يقول:
|
(وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون) |
|
قوله تعالى: "وما قدروا الله حق قدره" قال المبرد: ما عظموه حق عظمته من قولك فلان عظيم القدر. قال النحاس: والمعنى على هذا وما عظموه حق عظمته إذا عبدوا معه غيره وهو خالق الأشياء ومالكها. ثم أخبر عن قدرته وعظمته فقال: "والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه". ثم نزّه نفسه عن أن يكون ذلك بجارحة فقال: "سبحانه وتعالى عما يشركون". وفي الترمذي عن عبدالله قال: جاء يهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد إن الله يمسك السماوات على إصبع والخلائق على إصبع ثم يقول أنا الملك. فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه ثم قال: "وما قدروا الله حق قدره". قال: هذا حديث حسن صحيح. وفي البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض). وفي الترمذي عن عائشة أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله: "والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه" قالت: قلت فأين الناس يومئذ يا رسول الله؟ قال: (على جسر جهنم) في رواية (على الصراط يا عائشة) قال: حديث حسن صحيح. وقوله: "والأرض جميعا قبضته" (ويقبض الله الأرض) عبارة عن قدرته وإحاطته بجميع مخلوقاته؛ يقال: ما فلان إلا في قبضتي، بمعنى ما فلان إلا في قدرتي، والناس يقولون الأشياء في قبضته يريدون في ملكه وقدرته. وقد يكون معنى القبض والطي إفناء الشيء وإذهابه فقوله جل وعز: "والأرض جميعا قبضته" يحتمل أن يكون المراد به والأرض جميعا ذاهبة فانية يوم القيامة، والمراد بالأرض الأرضون السبع؛ يشهد لذلك شاهدان: قوله: "والأرض جميعا " ًًولأن الموضع موضع تفخيم وهو مقتضٍ للمبالغة. وقوله: "والسماوات مطويات بيمينه" ليس يريد به طياً بعلاج وانتصاب، وإنما المراد بذلك الفناء والذهاب؛ يقال: قد انطوى عنا ما كنا فيه وجاءنا غيره. وانطوى عنا دهرٌ بمعنى المضيّ والذهاب. واليمين في كلام العرب قد تكون بمعنى القدرة والمِلك؛ ومنه قوله تعالى: "أو ما ملكت أيمانكم" النساء (3) يريد به الملك؛ وقال: "لأخذنا منه باليمين" [الحاقة: 45] أي بالقوة والقدرة أي لأخذنا قوته وقدرته. قال الفراء والمبرِّد: اليمين القوة والقدرة. وأنشدا: إذا ما راية رفعت لمجدٍ تلقاها عرابةُ باليمين وقال آخر: ولما رأيت الشمس أشرق نورها تناولت منها حاجتي بيمين قتلت شنيفا ثم فاران بعده وكان على الآيات غير أمين وإنما خص يوم القيامة بالذكر وإن كانت قدرته شاملة لكل شيء أيضاً؛ لأن الدعاوى تنقطع ذلك اليوم، كما قال: "والأمر يومئذ لله" [الانفطار: 19] وقال: "مالك يوم الدين" [الفاتحة: 3] حسب ما تقدم في "الفاتحة" ولذلك قال في الحديث: (ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض) وقد زدنا هذا الباب في التذكرة بيانا، وتكلمنا على ذكر الشمال في حديث ابن عمر قوله: (ثم يطوي الأرض بشماله) |
إشارة إلى انقطاع الدعاوى يوم القيامة والذي نركز عليه في فهمنا لكتاب الله عز وجل والمسلم الذي يقرأ القرآن يتذكر دائماً أن أسماء الله سبحانه وتعالى وصفاته تفهم في ضوء قول الله عز وجل (ليس كمثله شيء) فكل ما خطر في ذهنك فالله سبحانه وتعالى خلاف ذلك وهو السميع البصير.
سؤال 306: ما فائدة (أجمعون) بعد (كلهم) في الآية (فسجد الملائكة كلهم أجمعون (73) ص)؟
هذا تأكيدان. لعلنا ذكرنا مرة أن في كلام العرب أحياناً يكون أكثر من مؤكِّد. يقول لك: نجح الطلاب، أنت لا تتوقع أن ينجحوا جميعاً فيقول لك: نجح الطلاب كلهم أجمعون وأحياناً يضيفون لها أكتعون أبصعون. لما يكون الشك بالغاً أو محاولة نفي أي إحتمال لعدم الجمع يزاد في التوكيد. فلما قال الله عز وجل (فسجد الملائكة كلهم أجمعين) قد يخطر في بال السامع لأن الملائكة بعضهم صار عنده نوع من التساؤل (أتجعل فيها من يفسد فيها) نوع من السؤال لله سبحانه وتعالى بعد أن أخبرهم الله عز وجل كما يقول بعض علمائنا (إني جاعل في الأرض خليفة) كأنما سألوا: ما شأن هذا الخليفة؟ قال: له ذرية بعضهم سيؤمن وبعضهم سيكفر، سيسيل الدماء، فهم بغرابة يسألون سؤال مستفهم يريدون معرفة الحجة والحكمة وليس استفهاماً إنكارياً (أتجعل فيها من يفسد فيها) فقد يتبادر للذهن أنهم لما أُمروا بالسجود ما سجدوا جميعاً فقيل (كلهم أجمعون) حتى لا يبقى أي ريب في أن جميع الملائكة سجدوا لينتزع كل ريب من نفس السامع والمتلقي ثم استثني إبليس (إلا إبليس أبى) معنى ذلك أنه كان مأموراً وهناك نص (ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك) وعدم ذكره في الأول إكراماً للملائكة لأن هؤلاء الملائكة - كما يذهب بعض علمائنا وأنا أميل لهذا الرأي - أنه ليس كل الملائكة في الكون دخلوا الإمتحان وإنما الذين لهم شغلٌ في الأرض، وإبليس له شغل في الأرض كما سبق في علم الله سبحانه وتعالى وفي قدره، فهؤلاء الذين لهم شغل في الأرض جميعاً وإبليس معهم واُدخلوا الإمتحان ثم طُلِب إليهم أن يسجدوا ومن ضمنهم إبليس طلب إليه أن يسجد لكن دخله الكِبر والجرأة على الله سبحانه وتعالى لأنه لم يتكبر كبراً وإنما تجرأ على الله سبحانه وتعالى وردّ الأمر وغلّطه وأبى التوبة ابتداءً، كان عليه أنه أحس بالغلط أن يتوب لكن ليقضي الله أمراً كان مفعولاً.
فهذه فائدة التوكيد لأن الأمر يقتضي إلى نزع كل ذرة من ذرات إحتمال أن يكون بعض الملائكة توقف عن السجود فاحتاج إلى تأكيدين.
سؤال 307: ما الفرق بين (وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17)لقمان) و (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (43) الشورى)؟
في قوله تعالى (يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17) لقمان) هذه وصية من أبٍ لولده. أبٌ يوصي ولده فلا يحتاج لتوكيدات، نصيحة أب لابنه ما يقتضي التأكيد. (يا بُنيَّ) بفتح الياء (رواية حفص عن عاصم)، شُعبة قرأ (يا بُنيِّ). نافع وسائر القراء (يا بنيِّ) إذن إنفرد عاصم بها من القراء السبعة. هي لغتان للعرب، معناه بعض العرب كان إذا نادى ولده يقول يا بنيَّ وبعض العرب يقول يا بُنيِّ والأكثرون كانوا يقولون (يا بُنيِّ) بدليل أن القراء الستة والسابع بروايتين، رواية وافقت الستة يعني بإثني عشر راوياً يعني ثلاثة عشر راوياً يروون يا بنيِّ، يعني جمهور العرب يقولون بنيِّ، هذه لهجة وهذه لهجة، هذه لهجة أقرها الرسول r بأمر من ربه أو قرأ بها وهذه لهجة أقرها الرسول r بأمر من ربه وقرأ بها وقرأت بها القبائل. لكن علماء الصرف يوجهون أنه كيف هذا قال هكذا وكيف هذا قال هكذا؟: (إبن) أصلها بنو لما تُصغّر تصير (بنيو) اجتمعت الياء والواو والأول منهما أصلي ذاتاً وسكوناً فانقلبت إلى ياء وأدغمت الياء في الياء فصارت بنيّ مثل كلمة نَهَر لما تُصغّر تصير نُهير لكن بدل الراء هناك ياء أخرى فصار بياءين أضيفت إليها ياء المتكلم. (التتمة في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى)
بُثّت الحلقة بتاريخ 10/1/2007م
وقفنا في المرة الماضية عند الآية الأولى في قول الله سبحانه وتعالى على لسان لقمان يعظ إبنه (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17) لقمان) وقلنا أن هذه نصيحة أب لولده. في الشورى (وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ (41) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ (42) وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (43)) نلاحظ هنا في البداية توجد لام التوكيد، لام مؤكدة وبعض العلماء يرى أنها في جواب قَسَم محذوف يعني كأنه "والله لمن انتصر"، (إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ). (من عزم الأمور) و (لمن عزم الأمور). اللام هنا في جواب (إنّ) في (إن ذلك لمن عزم الأمور) التي هي اللام المزحلقة. لكننا وقفنا عند قراءة (يا بُنيَّ) بالفتح وقلنا الفتح هنا هو من القراء السبعة لراوٍ واحد وهو حفص عن عاصم هذه التي نقرأ بها. ونحن حريصون على ذكر قراءة نافع من أجل إخواننا في المغرب العربي لأنهم يتابعون البرنامج من خلال كثرة أسئلتهم. نافع وسائر القراء بل شعبة عن عاصم يقرأون (يا بُنيِّ) بالكسر وليس بالفتح، الفتح عند عاصم. وذكرنا أن كلمة (بُني) هي تصغير كلمة (إبن) مثل كلمة نهر تُصغّر فتصير نُهير فتأتي ياء. (بنو) لما تصغر تصير (بنيو) – لأن إبن أصلها بنو والهمزة زائدة في الأول، همزة وصل – لما تصير بنيو تجتمع الياء والواو والأول منهما أصلي ذاتاً وسكوناً يُدغمان في ياء واحدة، مثل كلمة سيد من ساد يسود فصارت سيود تصير سيد، لوى يلوي لوياً صارت ليّاً، طوى يطوي طيّاً، وهكذا إذا اجتمعت الياء والواو والأول منهما أصلي ذاتاً وسكوناً أي غير منقلب عن غيره وساكن وليس سكوناً عارضاً أيضاً تصير ياء وتدغم الياء في الياء. فلما صارت بنيو صارت بنيّ أي عندنا ياءان مثل نهير تخيل أن الراء ياء تصير نهيي لما ينسبه إلى نفسه: هذا نهير زيدٍ تصير ياء أخرى نهيري إجعل الراء ياء فتصير نهييي ثلاث ياءات. فبعض قبائل العرب حذفت ياء المتكلم وهم الأغلبية واكتفوا بالكسرة فقالوا (بنيِّ) فإذن هنا ياء ومحذوفة اكتفاء بالكسرة التي تشير إلى الياء وعليها جمهور القراء كما قلنا. بعض قبائل العرب لم تحذف ياء المتكلم أو حذفت الياء التي قبلها أو حذفت ياء المتكلم وأجرت على الياء الباقية ما يُجرى على ياء المتكلم من الفتح في التخفيف فتقول: هذا لي أو هذا ليَ، كتابي أو كتابيَ بفتح ياء المتكلم. فيا بُنيَّ هذه فتحة التخفيف على ما قرأ الرسول r على قبائل من العرب بلهجتها بإذن من ربه. و(يا بُنيِّ) هذا بالنسبة لاختلاف القراء والنتيجة واحدة هي تصغير الإبن للتحبيب للمتكلم هو نسبه إلى نفسه ثم بدأ يعظه ويوصيه: أقم الصلاة، أُمر بالمعروف، إنه عن المنكر.
إقامة الصلاة تكوين أن تُكوّن نفسك ثم تنتقل مرحلة ثانية تدعو الناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر هذا سيؤدي إلى الإضرار بك فاصبر على ما أصابك فهي نصيحة ومتدرجة وليس الموضع موضع تأكيد زائد فقال له (إن ذلك من عزم الأمور) فأكّد بـ (إنّ) وحدها، أن الصبر على ما يصيبك هو من عزم الأمور، من الإرادة القوية.
لما نأتي إلى الآية الأخرى نجد أنها من البداية (وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ (41)) من أولها فيها توكيد كما قلنا جوّ الآية جو توكيد. (وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ) إنسان اعتُدي عليه والدولة أخذت له حقه بأنه أصر على أخذ حقه ما أراد أن يتنازل فظُلِم ولم يتنازل عن حقه، قد يكون في نفس الذي أُخِذ منه الحق أو من أهله أو من أقاربه نوع من الغضب والحقد على الإنسان الذي أخذ حقه فبدأت الآية بالتأكيد أوالقسم المحذوف الذي هو لام القسم على قولين (وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ) ما يحاول أحد أن يعتدي على هؤلاء الذين أخذوا حقهم أو أخذت الدولة حقهم إنما حصراً (إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ)، هذه توصية سواء للذي أخذ حقه أو الذي اُخِذ الحق منهم (ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور) لأنه فيه صبر وفيه عفو عن الإساءة بالنسبة لمن ظلم أنه إذا عفا الأفضل حتى لا يثير حفيظة الآخرين لا يثير حقدهم والعفو أحياناً لا يكون سهلاً، ألم يقل الشاعر:
قومي هم قتلوا أميم أخي فإذا رميت أصابني سهمي
ولئن عفوت لأعفون جللاً ولئن رميت لأوهنن عظمي
هو متردد بين حالين لأن الذي قتل أخاه قومه يأخذ الثأر منهم، يعني يجعل الدولة تقتص منهم؟ سيُضعف قومه فهم متحير. لذا لما كان الصبر على هذا الأذى والمغفرة يحتاج إلى توكيد والجو كله جو تأكيد من البداية (وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ). وفيها (إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ) بمعنى الحصر والحصر فيه معنى التوكيد فجاءت (إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) معناه أكّد بمؤكدين هنا لمناسبة الحالة لأن الكلام على صبر على عدوان يحتاج إلى تأكيد (إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) بينما النصيحة الطبيعية لا تحتاج لهذا التأكيد (إن ذلك من عزم الأمور).
سؤال 308: ما الفرق بين (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (47) الحج) و(تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (4) المعارج)؟
وردت في سورة الحج (وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (47)) وفي السجدة (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاء إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ (5)) وفي المعارج (تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (4)). علماؤنا وقفوا عند هذه الآيات الثلاث وذكروا أن الآية التي في سورة الحج والآية في سورة السجدة الكلام فيها على يوم في الدنيا. (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ (47) الحج) هم يقولون نوع من التحدي للرسول r كما قال تعالى (سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (1) المعارج) أنولا علينا العذاب، نوع من الحماقة إن كنتُ صادقاً فاستغفر لنا لكن يقولون إن كنت صادقاً أنزل علينا العذاب هذه حماقة. (وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ) الله سبحانه وتعالى وعد بتعذيب هؤلاء لكن ليس في الدنيا. (وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ) الزمن عند الله سبحانه وتعالى زمن غير محسوب بحساباتكم أنتم كما قالوا لما كان فرعون يقول (أنا ربكم الأعلى) كان في عين الله سبحانه وتعالى جيفة طافية في البحر لأن المستقبل في عين الله سبحانه وتعالى ماضي واقع. اليوم عند الله سبحانه وتعالى في هذه الدنيا، في إنزال العقوبات إشارة إلى سعة حِلم الله سبحانه وتعالى عليهم لا تقول المفروض خلال هذا اليوم ينزل العذاب، حلم الله سبحانه وتعالى واسع (كألف سنة) لا تتوقعوا أن ينزل لكم العذاب الآن، أصل العذاب في الآخرة لكن قد ينزله الله سبحانه وتعالى آية لمن يأتي بعدهم. فإذن الكلام هنا على الدنيا (وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (48) الحج) إشارة إلى طول الوقت (ثم أخذتها) إستخدام (ثم) بدل الفاء على التراخي، ما يتوقع الإنسان أن عقاب الله عز وجل ينزل فوراً.
الآية الأخرى أيضاً الكلام على الدنيا وتنزل الأمر وصعود الأمر إلى الله سبحانه وتعالى أيضاً بتراخي، هذه المقادير وهذه الأشياء التي يأمر بها الله سبحانه وتعالى لوقوعها على الأرض (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاء إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ (5) ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (6) السجدة) هو عزيز ورحيم بكم. بمنطق الدنيا هذه الأمور والأخبار التي ترتفع إلى الله سبحانه وتعالى والأوامر التي تنزل من الله سبحانه وتعالى تنزل على التراخي لأن الله سبحانه وتعالى (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (4)) كأنما الباري عز وجل يريد أن يشير إلى الناس إلى الوقت أنه أنتم الوقت عندكم لا تستطيعون أن تفعلوا الأشياء بطريقة كُن فيكون. فالله سبحانه وتعالى كان يستطيع أن يقول كُن فيكون ومع ذلك تعليماً لكم صنع هذه المخلوقات جميعاً في أزمان، في وقت وكذلك الأمر الذي يصعد إلى السماء والأمر الذي ينزل من السماء يحتاج إلى وقت وليس برمشة عين مع أن الله سبحانه وتعالى قادر أن يجعله برمشة عين. هذا أيضاً يوم من أيام الدنيا.
لما ننتقل إلى سورة المعارج (سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (1) لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (2) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (3) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (4)) متى؟ في الدنيا أو في الآخرة؟ نلاحظ الآيات (فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (5) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (6) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (7) يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (8) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (9) وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (10)) إذن هذا يوم القيامة. ففي يوم القيامة سيكون اليوم على الكافرين كما يقول العلماء بطول خمسين ألف سنة. يوم القيامة، اليوم الواحد سيكون عليهم طويلاً وعندنا في الحديث أن بعض الناس يجأرون إلى الله سبحانه وتعالى للعذاب الذي يرونه في الإنتظار يقولون اللهم أنقذنا من هذا ولو إلى النار، فقط لينجوا من الإنتظار. فيقول العلماء سيكون اليوم الواحد على الكافر يوم القيامة بما يعدل خمسين ألف سنة إشارة لإطالة وقت التعذيب في هذا الإنتظار, وطبعاً نحن عندنا بالنسبة للمؤمنين " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله" نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا والمستمعين الكرام والمشاهدين الكرام منهم.
هنا وقفة أيضاً في قوله تعالى في سورة السجدة (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاء إِلَى الْأَرْضِ) في المغرب العربي يقرأون (يدبر الأمر من السماء الى الارض) يقرأونها بما يسمى تسهيل الهمزة. نحن نقرأها بهمزتين محققتين. هم يقرأونها بقراءة ورش بتسهيل همزة (إلى). التسهيل يعني أن تأتي الهمزة بين صوتها وصوت حركتها، الهمزة هنا مكسورة، إذن شيء بين الهمزة والياء. صوت بين الهمزة والياء. هذا الصوت الآن في لهجاتنا منعدم، لا يوجد. لما نقرأ (بسم الله مجراها ومرساها) وفيها إمالة (مجراها) نقول هذه الإمالة موجودة في لهجاتنا ونحن نمثلها للإنسان نقول مثلما تقول (يا رِِيت) صوت الراء هنا صوت الإمالة فيعرفونها. لما يقولون التفخيم في مثل الصلاة والزكاة، عندنا تفخيم مثل كلمة (اليوم) (يو) تفخيم. لكن بين بين ما عندنا في اللهجات ولذلك لا بد أن يؤخذ بالتلقّي والمشكل في التلقي أنه غير دقيق. هم يقولون هذا الصوت هو ليس همزة قطعاً، لما تذهب همزة (إلى) لا تعود همزة. لأن الهمزة عبارة عن غلق حنجري، عندما نقول (يبدأ) تنغلق الحنجرة وتنفتح، إذا لم يحدث هذا لا تكون همزة. هذا الصوت الذي بين بين ليس همزة. يبقى هل هو صوت الحركة؟ هل هو سائط؟ يقولون بينها وبين حرف حركتها، بينها وبين الأف إذا كانت مفتوحة. لما نأتي إلى بعض الشواهد المذكورة في المصحف عندنا بالتعريف عندنا همزة بين بين في قراءة حفص في سورة فصلت هي قوله تعالى (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ آعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ (44) فصلت) وقرأها بالهمزة قُراء الكوفة شعبة عن عاصم وحمزة والكسائي بتحقيق الهمزتين قرأوا (أأعجمي) لكن حفص قرأها بالتسهيل يأتي بالهمزة بينها وبين حرف حركتها، بينها وبين الألف (آعجمي). وعندنا قول الشاعر
أأن ترسمت من خرقاء منزلة ماء الصبابة في عينيك مسجوم
(أأن ترس: هذا متفعلن) همزة بين بين صارت مقابلة لتاء متفعلن لما تخففها تقابل التاء وسيبويه قال الوزن لا ينكسر بها، لما تقابل التاء وفي قول الشاعر (أأنز فعولن مقابل العين) إذن هي تقابل صامت في الوزن معنى ذلك هي يقيناً ليست سائطاً، ليس حركة (الصامت هو الحرف والسائط هو الحركة طويلة أو قصيرة) فهي ليست همزة وهي ليست حركة قصيرة أو طويلة فما هي إذن؟ هي لما كانت من الهمزة، يعني من الوترين الصوت العربي الثاني الذي من الوترين هو الهاء من مخرج الهمزة لكن بدون إنغلاق. لكن علماؤنا ينصون يقولون ولا يجوز أن تأتي بها هاءً. فهي محيّرة لكن الدكتور إبراهيم أنيس رحمة الله عليه الرائد في الدرس الصوتي الحديث بالنسبة للعرب (كتابه بعنوان الأصوات اللغوية) قال هي نوع من الهاء، يعني هاء خفيفة صوت يصدر كأنه هاء، الذي يعزز هذا أن شيخ القُراء المصريين في زمانه المرحوم عبد الفتاح الشعشاعي رحمة الله عليه لما قرأها قرأها هاء (هاعجمي وعربي) مع أنهم ينصون أنها لا يجوز أن تكون هاء. أي يمكن أن نقرأها (آعجمي) وتُؤخَذ بالتلقي وهذا الغالب لا أقطع به ولا بد أن يكون هناك تلقي.
ورش المفروض أهل المغرب يقرأون الآن (من السماء الى الارض) كأنه يريد أن يقولها ياء يأخذونها بالتلقي عن شيوخهم. قراءة الكوفيين على حفص بتحقيق الهمزتين (من السماء إلى الأرض). (وفي خلال الحلقة اتصل أحد الإخوة واسمه محمد من عجمان فقرأ الآية على قراءة ورش وعلى قراءة قالون، حتى أنه قرأ الأرض بدون همزة على قراءة ورش كما يقرأ أهل المغرب الآن وعلّق الدكتور حسام أن الهمزة في كلمة الأرض أيضاً الحركة تلقى على اللام وتحذف الهمزة يقرأها الارض).
وعندنا أيضاً في (سأل سائل بعذاب واقع) نافع وابن عامر أي أهل الشام لا يقرأون (سأل) وإنما يقرأون (سال سائل) كأنه نوع من التخفيف مثل خلف يخاف أو هاب يهاب سال يسال فهي سال سائل فيها تخفيف. جموع القراء يقرأون سأل، إذن سال تخفيف.
سؤال 309: جميع الآيات التي تتكلم عن لوط تأتي (قوم لوط) إلا في آية واحدة في سورة ق (إخوان لوط) فهل من سبب؟
القوم عموماً عام وهو إسم جنس جمعي مثل شعب ومثل رجل وامرأة (أحد المشاهدين إتصل حول ما ذكره الدكتور حسام أن كلمة قوم إسم جنس جمعي فقال هو إسم جمع وإسم الجمع الجنسي هو ما يدل على الجنس بنفسه كالبشر والإبل أما الإسم الجمع فهو الإسم الذي ليس له مفرد من جنسه مثل شعب وجيش. فأجاب الدكتور حسام أنه فعلاً قوم إسم جمع وليس جنسياً). الإخوان أقرب لكن أحياناً يطلق كلمة إخوان ويراد به قومه لأن قومه بينه وبينهم نسَب فهم قومه. قبل كل شيء القرآن الكريم يستعمل كلمة قوم وأحياناً كلمة آل وأحياناً كلمة إخوان. مثلاً عندنا قوم نوح وقوم فرعون وقوم موسى وقوم ابراهيم وقوم اسماعيل وقوم هود وقوم لوط وقوم صالح وقوم تُبّع، وورد أخاهم هوداً وأخاهم صالحاً وأخاهم شعيباً وعندنا أخوهم نوح وهود وصالح ولوط، وعندنا إخوان لوط، إخوة يوسف، إخوان الشياطين. كل واحدة في مكانها فهو ليس خاصاً كلمة الأخوة بلوط u. الإخوة ذكرت لشعيب وهود وصالح ولوط ونوح في حال الرفع والنصب. لكن هذه الآية في سورة ق بشكل خاص يقف عندها بعض الناس بناء على أنه الرقم 19 ونحن خصصنا جزءاً كبيراً من حلقة للكلام على زور الكلام على العدد 19. هذا زور وافتراء على كلام الله عز وجل. 19 وردت لخزنة النار وورد الرقم سبعة وأغلب الأرقام وردت لكن هناك طائفة أجمع علماء المسلمين بشتى مذاهبهم على أنها خارجة من الإسلام. هذه الطائفة تقدس الرقم 19 على هذا قالوا إخوان لوط ما قال قوم لأنه لو قال قوم عدد القافات في سورة ق سيختلف ويزيد قاف ولما يزيد قاف لا ينقسم على 19 ولذا جاء بكلمة إخوان. هذا الكلام فِرية، غير صحيح لأنه سأبين ذلك بغلط الحساب. إخوان لوط، إخوة يوسف. (نستكمل الكلام على هذا الموضوع بالتفصيل في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى).
بُثّت الحلقة بتاريخ 13/1/2007م