برنامج لمسات بيانية
إجابات الدكتور حسام النعيمي على أسئلة المشاهدين
سؤال 313: فعل أرى المضارع يتعدى بمفعول أو مفعولين وأرى بصيغة الماضي يتعدى بمفعولين أو ثلاث، وفي صيغة الإستفهام أأرأيت، كيف تم تركيبة الصيغة (أرأيتك) في سورة الإسراء (قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ (62)) و(أرأيتكم) في سورة الأنعام (قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (40) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (47))؟
هذا الفعل (أرأيتكم) بهذا التركيب هو مظنّة سؤال، لأنه نحن عندنا (رأى) ممكن أن تكون للرؤية البصرية كأن تقول: أرأيت زيداً؟ في السؤال عنه يعني هل وقع منك رؤية له؟ أشاهدته؟ وممكن أن تكون للرؤية القلبية تكون بمعنى علِم (أرأيت زيداً نجح؟) يعني أعلمت زيداً نجح؟ فلما يدخل على (رأيت) الكاف ورد في لغة العرب (أرأيتَكَ) ظاهر الأمر مشكل لأن الكاف للخطاب والتاء للخطاب كأنه يقول له: أرأيت نفسك؟ لو قال أرأيتُك بمعنى أنا أراك لكن لما فتح التاء وجاءت الكاف كأنه يقول له أرأيت نفسك؟ العرب لم تستعملها بمعنى أرأيت نفسك وإنما علماؤنا يقولون: لكن العرب أخرجتها عن صورتها الظاهرة واستعملتها بمعنى آخر، فصارت كلمة أرأيتك بمعنى أعلمني أو أخبرني. يقول له أرأيتك إذا جاء زيد هل ستكرمه كما أكرمت أخاه؟ أخبرني مع شيء من التأكيد، مع شيء من التعجب من إكرامه الأول وأحياناً يكون فيه نوع من التبكيت يعني (أرأيتك) ستفعل هذا مع فلان مع فعلته مع فلان؟ كأنه لم يُكرم فلاناً فهل ستتصرف بعين هذا التصرف؟. واقع الحال هو الذي يبين المعنى الدقيق لهذا هل فيه نوع من التبكيت أو هو للتعجيب أو هو لمجرد الإستخبار بمعنى أخبرني. أرأيتك وردت في القرآن الكريم لكن على ورد على غير معنى أخبرني. العرب تصرفت في الكلمة تصرفاً عجيباً والقرآن نزل بلغتهم.
لما يأتي في سورة الإسراء على لسان إبليس قال (قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَـذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً (62)) نسأل الله تعالى أن يجعلنا والمشاهدين من هؤلاء القليل. لما يخاطب رب العزة (أرأيتك) هو لا يريد أن يقول له أرأيت نفسك؟ ولا يريد أن يقول له أخبرني كما استعملت في أماكن أخرى في المثال الذي ذكرناه وإنما كأنما يريد أن يقول لله سبحانه وتعالى: انظر إلى هذا الإنسان الذي بسببه أنا أصابني ما أصابني لأحتنكن ذريته. فإذن هو في هذه الحالة كأنما نوع من التنبيه أو التأكيد أو لفت النظر إلى هذا الإنسان وهذا نستعمله نحن في العامية أحياناً لما تقول للشخص: شايف إبنك هذا إذا بقي هكذا لن يتقدم. يعني إني سأخبرك شيئاً يقينياً بشأن ولدك هذا. لما تقول له شايف إبنك هذا هو يراه قطعاً لكن كأنك تريد أن تقول له إنس سأحدثك جديثاً يقين بشأن ولدك هذا، إذا بقي هكذا فلن يتقدم. (أرأيتك هذا الذي كرمت عليّ) كأنه يقول: أترى هذا الذي جعلته مكرّماً عليّ أني سأخبرك، سأقول لك كلاماً يقينياً بشأنه لأحتنكن ذريته. (أرأيتك) كلام اعتيادي ألا أترى هذا الذي كرّمته؟هو لا يريد أخبرني لكن كما ذكرنا في المثال العامي شايف إبنك هذا لا تريد أن تقوله له أتراه وإنما أنا سأخبرك بشأن ولدك هذا الذي تراه الآن وهذا ليس سؤالاً. (أرأيتك) هذه الهمزة همزة سؤال لكنه لا يريد استفهاماً إنما يريد تقرير شيء كما قال الشاعر: ألستم خير من ركب المطايا، هو لا يريد أن يقولوا له بلى نحن خير من ركب المطايا وإنما هو تقرير. هذا الفعل استعمل بهذه الطريقة وقد خرج عن ظاهره يعني هو ليس بمعنى الرؤية المنسوبة لمخاطب في الحالين (أرأيتكَ وأرأيتكم) والعرب تصرفت فيه فقالت أرأيتَك وأرأيتِك وأرأيتكما وأرأيتكم وأريتكن. إعرابها: التاء يقولون فاعل والكاف للخطاب لا محل له من الإعراب ولا يكون مفعولاً به. هنا بمعنى أخبرني يذصب مفعولاً واحداً أخبرني الأمر. أرأيتك لخطاب المذكر المفرد، أرأيتكِ للمفرد المؤنث، أرأيتكما للمثنى، أرأيتكم للجمع المذكر وأرأيتكن لجمع المؤنث. لكن يبقى فيها شيء إضافة ما قاله العلماء يكون منظوراً.
لما يقول: (قل أرأيتكم) كأن فيها الإفراد والجمع. أرأيتكم (كم) للجماعة، أرأيت للمفرد، فكأنه يريد أن ينبه كل واحد منهم داخل هذا المجموع يعني أنتم في جمع ولكن لينظر كل واحد منكم نفسه مفرداً (قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (40)) بمعنى أخبروني لكن فيها نوع من التأنيب يعني أنتم تذهبون هذه المذاهب في البُعد عن الله سبحانه وتعالى، يا ترى لو جاءتكم الساعة أو جاءكم العذاب بغتة تلجأون إلى غير الله؟ لأن العرب قديماً كانوا يعرفون الله سبحانه وتعالى وكانوا إذا ذهبوا في البحر وجاءتهم ريح عاصف دعوا الله مخلصين له الدين ثم لما ينجون إلى البر يعودون لشركهم. فالقرآن يذكّرهم وفيها نوع من التبكيت والتأنيب (قل أرأيتكم) أخبروني لكن مع نوع من التبكيت والتأنيب (إن أتتكم الساعة)
والآية الأخرى (قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (47)) هذه طريقة صياغة هذه اللفظة ونص العلماء على أن العرب أخرجتها عن صورتها. لدي بعض النصوص: "وإنما تركت العرب التاء واحدة لأنهم لم يريدوا أن يكون الفعل منها واقعاً على نفسها فاكتفوا بذكرها في الكاف ووجهوا التاء إلى المذكر والتوحيد إذا لم يكن الفعل واقعاً" هذا كلام بعضهم، "والتاء على ما قاله أبو البقاء ضمير الفاعل وما بعده حرف خطاب جيء به للتأكيد"، الأخفش يقول: "إن العرب أخرجت هذا اللفظ عن معناه بالكُليّة (ليس فيه معنى الرؤية وإنما بمعنى الإخبار إما طلب الإخبار أو أن المتكلم يخبر السامع بشيء يقين لما قال: أرأيتك يعني سأخبرك بشأن هذا الذي سأخاطبك عنه - كما ذكرنا في المثل شايف إبنك هذا؟ - فقالوا أرأيتكَ وأريتك بحذف الهمزة أيضاً أما قالوا:
أريتك إن منعت عني ليلى أتمنعني على ليلى البكاءا
استطراد من المقدم عن: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) الماعون) هذه رؤية عادية (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ (11) لقمان) أظهِروا ماذا خلق الذين من دونه، هذه رؤية عين أو رؤية بصيرة، هذا خلق الله فاعرضوا أمامي ما خلقتُم والمطلوب هنا اعرضوا أمامي ما خلقتم من غير مادة سابقة يعني أنكم ولّدتم مادة لكن هذا مادته من الله عز وجل أنتم ما عندكم مادة جئتم بها.
(أرأيتك) هي صيغة خاصة تكوينها الأصلي: تاء المخاطب (الفاعل) وجاءت الضمائر بعد ذلك لبيان الأعداد: أرأيتكَ للمخاطب الواحد، أرأيتكِ للمخاطبة، أرأيتكما للمثنى، أرأيتكم للجمع المذكر، أرأيتكن للجمع المؤنث، وفيها كلها جاءت التاء مفتوحة. (أرأيتُكم) هذه صارت للمتكلم، أي هل وقعت مني رؤية عليكم في هذه القضية؟ ما استعلمت بهذه الصورة وكلها جاءت مفتوحة بالتاء.
سؤال 314: لماذا لم يرد تصنيف لأصحاب المشأمة في سورة الواقعة على غرار تصنيف أصحاب الميمنة والسابقون؟
هذا سؤال وجيه. (إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (1) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (3) إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (4) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (5) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (6) وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (7) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (8) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (9) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) (القارعة)) السائلة تسأل أهل اليمين ميمنة وسابقون فلماذا لم يصنف أصحاب المشأمة على صنفين؟ ليست المسألة مسألة تقسيم وإنما نحن في هذه الدنيا مؤمنون وغير مؤمنين. المنافقون كافرون في الحقيقة لكن يتظاهرون بالإيمان المنافق كافر ولكن يتظاهر بالإيمان ولذلك صار أشد لأن عنده صفة الكفر إضافة إلى صفة المخادعة. المطلوب في هذه الحياة لما يعرض القرآن الكريم علينا الصور المطلوب المنافسة في الخير (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (26) المطففين) أنا لما أعلم أن الجنة درجات وأعلاها الفردوس الأعلى وعندي نوع من الهِمّة أحاول أن أسابق الآخرين في الإرتقاء إلى هذه الدرجة العليا، فيها مجال للمنافسة لما أعرف أن يوم القيامة لا يكون الناس على حدٍ سواء الكل في مستوى واحد في الجنة وإنما هناك من يكون قريباً من الأنبياء والشهداء والصديقين ويؤتى بقارئ القرآن يوم القيامة بعد أن يعرّف منزلته في الجنة فيقال له إقرأ ورتل وارتق فإن منزلتك عند آخر آية تقرأها فيتنافسون في الحفظ. فصار عندنا أصحاب يمين وهؤلاء جنتهم فيها صفات معينة. وعندنا السابقون السابقون جنّتهم لها صفات معينة. فأنا لما أقرأ هذه وأقرأ هذه أحرص على الأفضل فأحاول أن أقدم الخير. لكن الذي سيدخل جهنم هو سيشتوي بمجرد دخولها لا مجال للتمايز، حتى الدركات هم نازلون فيها ليس هناك مجال للتنافس في أخذ الأفضل، لما كان في الجنة مجال منافسة للأفضل كان عندنا ميمنة وسابقون لكن هؤلاء إذا كان سيشتوي سواء كان في الدركة الأولى أو الثانية فهو مشوي مشوي ولا مجال لتشجيعه على التنافس، هم في داخلها ويصطرخون نسأل الله السلامة والعافية.
إذن الغرض من التقسيم - والله أعلم - هو الحث على المنافسة، هناك أكثر من درجة، هناك مراتب والناس عند الله سبحانه وتعالى مقامات ليسوا سواء، بل حتى الذين يدخلون الجنة قسم منهم يأتي ليشرب من حوض الرسول r لأن الحوض على وجه اليقين في الجنة وليس خارج الجنة والرسول r هو يسقي شربة لا يظمأ بعدها أبداً، فيأتي ليشرب يمنعه الملائكة أنك أنت منزلتك لا تؤهلك للشرب من حوض محمد r. حتى أنه في الحديث يقول r أصحابي أي يعرف بعضهم، قسم من الشُرّاح قالوا أصحابي يقصد من أمتي وظاهر النص أنهم أصحابه في زمنه من أهل الجنة لكن خاض بعضهم فيما خاض من فتن لأنه صارت فتن فيدخل الجنة ولا نشك في ذلك لكن لما يصل لحوض المصطفى r ليشرب منه يقال له لا حتى قيل للرسول r أنت لا تدري ماذا أحدثوا بعدك، أحدثوا فتناً فيما بينهم، فُتِنوا لكن هم من أهل الجنة وهم على العين والرأس لكن لا يشربون من الحوض ولا ندري من هم؟ ولا نستطيع أن نقول فلان أو فلان لا يجوز، لكلٍ مقامهم ونحن مبدأنا أن الصحابة على العين والرأس ولا نخوض فيما شجر بينهم من خلاف ولا نخوض في المفاضلة بينهم ويمكن أن يكون فلان في قلبي أفضل من فلان لسابقته لكن نُهينا عن الحوض في المفاضلة لأنه يؤدي إلى نتيجة (لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ (4) الأنفال) ولا نصل لتراب أقدام أدناهم لكنهم مراتب ودرجات. لذلك جاء التقسيم ميمنة وسابقون وأهل النار أهل نار لا يحتاجون إلى تقسيم لأنه ليس فيه حثٌ على المنافسة والمسابقة. هناك في السعي لنيل درجات الجنان ترغيب في المنافسة لكن أهل النار لا مجال للترغيب.
استطراد من المقدم: نحن نفهم هذا في سياق أننا مؤمنون بالله وبآيات القرآن فهل الكفار كانوا يفهمون هذه المعاني؟ التسابق في الخيرات؟
هو كيف يتسابق في النار؟ هل يزيد من سيئاته ليتسابق في أهل النار؟ هم لا يقسّمون ولله المثل الأعلى مثل طلبة جامعة الناجحون يقسّمون لكن الذي يرسب في صفه هو راسب أي سيعيد العام ولا يوجد راسب 40 وراسب 30 هو راسب وسيعيد الفصل الدراسي.
سؤال 315: لماذا جاء الفعل (يستمعون بالجمع) مع أن (من) يأتي بعدها مفرد مذكر (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ (42) يونس) مع أنه ورد بالإفراد في آيات أخرى؟ ولماذا وحّد النظر (وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ) وجمع الإستماع؟
في قول الله سبحانه وتعالى (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ) أولاً كلمة (من) الموصولة لفظها - يقول العلماء - لفظ مفرد، صوتها (من) مثل صوت كلمة (يد) أو (أخ) أو (أب) مكونة من حرفين. (من) إسم موصول بمعنى الذي، اللتين، اللذين، الذين، اللواتي لأنك تقول هي لفظها لفظ مفرد (من) مثل يد، يد مفرد وأخ مفرد لكن (من) مبني لفظها لفظ مفرد معناها العرب تقول: جاءني من أحترمه وجاءني من أحترمها وجاءني من أحترمهم وجاءني من أحترمهنّ وجاءني من أحترمهما، (من) تؤدي كل هذا عند العرب. فهنا لما يكون اللفظ لفظ مفرد والمعنى للجمع أنت تستطيع أن تراعي جانب اللفظ أو أن تراعي جانب المعنى فيمكن أن تقول: جاءني من أحترمه والقادم عدد من الرجال أو من النساء (من أحترمه) يعني هؤلاء الذين جاءوا. جاءني من أحترمه فأجلست كل واحد منهم في موقعه، لا بد من وجود قرينة سياقية. لكن السؤال الذي يرد أنه إذا نظرت إلى اللفظ ونظرت إلى المعنى فنجد أنه في لغة العرب - والقرآن الكريم إلتزم هذا - إذا نظر إلى اللفظ والمعنى في آن واحد يقدِّم اللفظ على المعنى يعني يستعمل إذا قال (من) (ومن الناس من يقول) مفرد (آمنا بالله) جمع (وما هم بمؤمنين) جمع، أعطى اللفظ حقه وأعطى المعنى حقه. لكن أحياناً أنت تعطي المعنى حقه فقط ولا تريد أن تشير إلى اللفظ ومن حقك ذلك كما قلنا (جاءني من أحترمهم). في قوله تعالى (ومنهم من يستمعون إليك) راعى المعنى مباشرة ما راعى اللفظ والمعنى. لو راعى اللفظ والمعنى يقدِّم اللفظ على مراعاة المعنى. هنا راعى المعنى مباشرة قال (ومنهم من يستمعون إليك) ولو قال في غير القرآن ذلك لصح (منهم من يستمع إليك) من هؤلاء يمكن أن يكون واحد منهم جماعة لكن لما جاء (من) يحتمل الواحد والجمع، هنا قال (ومنهم من يستمعون) ولو قال في غير القرآن ومنهم من يستمع لجاز. (أفأنت تسمع الصم) على الجمع.
(وَمِنهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يُبْصِرُونَ (43) يونس): (ومنهم من ينظر إليك) بالإفراد (أفأنت تهدي العمي) هنا راعى اللفظ في كلمة (ينظر) وراعى المعنى في كلمة (ولو كانوا لا يبصرون).
لاحظ الآية الأخرى (وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا حَتَّى إِذَا جَآؤُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ (25) الأنعام) جمع فاستعمل المفرد ثم الجمع.
الآية الأخرى (وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِندِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ (16) محمد) إذن راعى اللفظ وراعى المعنى. ماذا قال العلماء؟ قالوا صحيح هذا جائز وهذا جائز لكن لماذا استعمل الجائز هذا هنا واستعمل الجائز ذاك هناك؟ التأمل في كلام الله سبحانه وتعالى لما يتأمل الإنسان في كلام الله سبحانه وتعالى تنفتح له آفاق، علماؤنا تأملوا فوجدوا أنه إذا استعمل الجمع مباشرة يراد الكثرة وإذا استعمل الإفراد ثم الجمع يراد القِلّة.
هنا عندنا (وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ (42) يونس) الكلام هنا على الإستماع إلى آيات القرآن الكريم والاستماع إلى الرسول r وهو إستماع عام لكل العرب، كان يخاطبهم فيستمعون لكن هؤلاء الذين يستمعون لم يتقبلوا ما تلقيه عليهم فيقول تعالى له (أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ) هؤلاء الذي يستمعون إليك على كثرتهم كأنهم لا يستفيدون مما تقوله لهم، هذا عام. (وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ) (وجعلنا على قلوبهم) هؤلاء المجعول على قلوبهم أكنة، الذين سبق في علم الله سبحانه وتعالى نتيجة إصرارهم وضلالهم أن قلوبهم صارت في أغطية هم ليسوا بكثرة عدد المستمعين، هم مجموعة قليلة، فالذين على قلوبهم أكنة قِلة فاستعمل الإفراد معهم أولاً ثم تكلم على مجموعهم فقال (وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ) فئة قليلة فاستعمل الإفراد.
الآية الأخرى (وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِندِكَ) الذين هم داخلين عند الرسول r ويستمعون (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ) هم قِلة وحتى مجلس الرسول r قِلّة فاستعمل الإفراد (ومنهم من يستمع إليك) على سنة العرب في كلامها لكن استعمال خاص صحيح الإفراد مراعاة للفظ والجمع مراعاة للمعنى وقدم مراعاة اللفظ على مراعاة المعنى لكن لما كان المراد قليلاً استعمل الإفراد ولما كان كثيراً استعمل الجمع ابتداء (ومنهم من يستمعون إليك).
في الموضع نفسه قال (وَمِنهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يُبْصِرُونَ) السياق كان يقتضي في الظاهر ومنهم من يستمعون ومنهم من ينظرون ولغوياً يجوز وتكون العبارة سليمة وصحيحة ولا غبار عليها ولا يحدث فيها سؤال. وهناك لو قال في غير القرآن (ومنهم من يستمع) أيضاً العبارة صحيحة لكن هناك يفوت فكرة الكثرة لو قال يستمع بينما المراد الكثرة يفوت عند ذلك كأنه أراد قِلّة بينما هو يريد الكثرة. هنا أيضاً علماؤنا لما نظروا في هذا الأمر – عنترة في الجاهلية قال: هل غادر الشعراء ، هل أبقى الشعراء لنا شيئاً في ذلك الزمان. لكن الجاحظ يقول : "وليس أضر على العلم من قول القائل ما ترك الأول للآخر" لأنه يصير نوع من التراخي. فعلى مر الزمان علماؤنا يتأملون في كتاب الله عز وجل وتنفتح لهم آفاق.
وهذا أيضاً مما وقفوا عنده قالوا: يستمعون عامٌ للكثرة. (وَمِنهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ) هذا إفراد وفيه قِلّة لكن كيف قِلة؟ قال الذين كانوا يسمعون للرسول r صنفان: صنف كان يستمع جِهاراً وصنف كان يتخفّى في الاستماع يذهب بالليل ويسترق السمع وحدثت أكثر من واقعة أن فلان وفلان التقوا مع بعضهم بالليل وتعاهدوا على عدم العودة ثم عادوا في اليوم التالي ليستمعوا للقرآن الكريم، بينما النظر الذين ينظرون للرسول r محدودون فإذن المستمعون صنفان والناظرون صنف واحد لأنه في الليل لا يرى والمتخفي لا يريد أن يرى وإنما يريد أن يسمع فمن هنا كان السامعون أكثر من الناظرين فجاء الكلام على السامعين باختيار الجمع واختير المفرد لبيان القلة بالنسبة للنظر. ثم شيء آخر: الإبلاغ يكون بالإسماع وليس بالنظر، الأصل في الإبلاغ الإسماع فألصل أن المستمعين أكثر من الناظرين، هذا قولهم وهو قول موفق فيما أرى والله أعلم.
سؤال 316: (إنّ هذان لساحران) لماذا جاءت هذان مرفوعة بعد إنّ؟
هاهنا مقدمة قبل أن نخوض في الإجابة عن السؤال: نحن عندما يرد إلينا كلام لعربي فصيح نحاول أن نجد له توجيهاً لأن أحدث النظريات اللغوية تقول: "إبن اللغة له القدرة على أن يكوّن من الجُمل ما لا حصر له وله القدرة على أن يحكم بأصولية أي جملة في لغته وعدم أصوليتها" معناه هو يتكلم هكذا فكلامه كله محترم ومقبول هذا كلامه. لما نسمع كلام العربي نحاول أن نجد له توجيهاً إما أن يكون موافقاً لكلام عموم العرب وإما أن يكون له حكمة خاصة أو حالة خاصة.
سؤال من المقدم: إلى متى كلام العرب يؤخذ به للإستشهاد ؟ أوقف العلماء الإستشهاد إلى الوقت الذي اختلط الناس وصار العربي يتعلم العربية في الكُتّاب يعني في حدود 150 للهجرة، يقولون آخر من كان يحتج به إبن هرمة الشاعر المتوفى سنة 150 للهجرة كان آخر من يحتج به، بعض العلماء بقوا يسافرون إلى القبائل (هذا في المدن) ويسمعون منهم وفي هذه المرحلة في مرحلة السفر إلى القبائل توقف الأخذ من قريش لأن قالوا قريش اختلطت فما عاد أحد من العلماء يذهب إلى قريش وصاروا يذهبون إلى البوادي، لما بدأوا يجمعون اللغة وجدوا أن قريشاً قد اختلطوا وفسدت ألسنتهم فصاروا يأخذون من تميم ومن هذيل ومن أسد ومن كنانة الذين في البادية. بعض العلماء بقي إلى فترة نحن عندنا في القرن الرابع لكن كانوا يمتحنون أفراداً يرى هل فسد لسانه؟ يقولون لان جلدك يا فلان أي صار حضرياً جلدك صار ليناً لم يعد بتلك الخشونة فلا يأخذون منه. إبن اللغة يؤخذ من لغته. أي شخص يشكك في لغة العرب الآن فقد جانب الصواب لأن اللغة وضعت بناء على دراسات وأولاً القرآن جاء محفوظاً من عشرات الألوف من الناس بقراءاته المختلفة فأخذوا منه، الشعر العربي جُمِع، الكلام العربي –يقولون الكسائي أنفق كذا دواة في التسجيل عن الأعراب – لما يأتي قول الشاعر العجير السلولي توفي عام 90 للهجرة وقوله هذا من شواهد سيبويه وسيبيويه إذا استشهد بشيء يقولون إذا قالت حذامي فصدقوها فإن القول ما قالت حذامي، القصيدة طويلة يقول فيها:
إذا مِتُّ كان الناس صنفان شامتٌ وآخر مُثنٍ بالذي كنت أصنعُ
يعني سيكون الناس بالنسبة لي صنفين، سيبويه قال هنا قوله صنفان - هذا عربي ما كان يدرس وهكذا كان يتكلم - إذن هو كان يعني إذا مت كان الأمر أو الشأن أو الحال "الناس صنفان" مبتدأ وخبر، كان فعل ناقص إسمها محذوف يعود إلى الشأن (الناس صنفان) في محل نصب خبر كان. لما يأتي شاعر آخر صاحب الخزانة:
إذا اسودّ جُنح الليل فلتأت ولتكن خطاك خفافا إن حرّاسنا أُسدا
لم يقل أسدُ فقال هذا عربي يستدل بلغته إذن لما قال أُسدا معنى ذلك يوجّه أن حراسنا تجدهم أو تلقاهم أُسدا، هكذا التوجيه. يقدر له هكذا أن حراسنا تجدهم أسدا لأن العربي لا يخطئ في لغته فيوجّه. كان يستطيع الشاعر في البيت الأول أن يقول صنفين لكنه أراد أن يقول صنفان لأنه يريد أن يقول كان الأمر أو الشأن أو القضية الناس صنفان كأنه أرادها أن تكون كتلة لوحدها الناس بشأني صنفان ثم أدخل كان ليجعل هذا في ما مضى أن حقيقة الأمر سيكون هكذا.
الأحرف القرآنية قلنا أكثر من مرة هي لهجات قبائل نزل بها جبريل u من الله سبحانه وتعالى لأن العرب أمة أمية لم تكن تقرأ أو تكتب أو قُرئت بين يدي رسول الله r فأقرهم عليها بأمر من ربه. لما وحّد عثمان بن عفان رضي الله عنه على حرف واحد الناس تشبثوا بما وافق الرسم مما كان من الأحرف لأن القراءات هي بقايا الأحرف.
(إن هذان لساحران) هذا قراءات العرب، ماذا نجد؟ نجد أهل البصرة بكل قبائلهم كانوا يقرأون (إنّ هذين لساحرين) لو نظرت في المصحف في هذه الآية ستجد كلمة (هذن) مكتوبة بدون ألف وبين الذال والنون لم يكتب شيء، هذه إضافة للألف الخنجرية، القراءة التي نقرأ بها. أهل البصرة وعليهم من قرأ بقراءتهم، أبو عمرو كان يقرأ (إن هذين) لم يقرأ من عند نفسه وإنما قبائل البصرة جميعاً قرأت بين يدي رسول الله r (إنّ هذين) فأقرها بأمر من ربه. إذن عندنا قراءة سبعية يصلي بها جمهور من العرب كانوا يقرأون بها (إنّ هذين)، هذه لا مشكلة فيها ولا يُسأل عنها. القراءة الأخرى: إبن كثير، أهل مكة وحفص عن عاصم وبها نقرأ، أهل مكة وحفص يعني بعض قبائل الكوفة وليست كل قبائل الكوفة يقرأون (إن هذان لساحران) وهذه لا سؤال فيها أيضاً لأن (إنّ) إذا خففت زال عملها ولزم خبرها اللام، تقول: إنّ زيداً مجتهدٌ فإذا خففتها وقلت: إنْ زيدٌ لمجتهدٌ تأتي باللام فارقة بينها وبين النافية وعليها قراءتنا الآن. (إن) تُعرب مخففة من الثقيلة مهملة وزيد مبتدأ واللام فارقة ومجتهدٌ خبر، هذه عليها قراءتنا في المشرق لا إشمال فيها. الإشكال في المغرب العربي (قراءة نافع) وليس المغرب وحده وإنما أهل المدينة المنورة لأن قراءة أهل المغرب هي قراءة المدينة المنورة. (نستكمل الإجابة عن هذا السؤال في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى).
بُثّت الحلقة بتاريخ 27/1/2007م
تابع سؤال 316: نحن وقفنا في الحلقة الماضية عند هذه الآية في قول الله سبحانه وتعالى (قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (63) طه) وقلنا إن القبائل العربية التي كانت في البصرة بمجموعها كانت تقرأ (إنّ هذين لساحران) وهذه لا سؤال فيها لأن إسم (إنّ) منصوب (إنّ هذين) وهذه قراءة أبي عمرو. وأن بعض القبائل التي في الكوفة وأهل مكة لأن إبن كثير وحفص يقرأون (إن هذان لساحران) وهذه أيضاً لا سؤال فيها لأن (إن) هي (إنّ) المثقلة خُففت وإذا خُففت يزول عملها وترتبط اللام بخَبَرها للتفريق بينها وبين النافية حتى لا يُظنّ أنها للنفي فيلزم خبرها اللام، وهذه أيضاً لا سؤال فيها.
السؤال يرد فيما كانت تقرأ به عدد من قبائل الكوفة (شعبة والكسائي وحمزة كلهم في الكوفة باستثناء حفص من أهل الكوفة)، الذين كانوا يقرأون (إن هذان) قِلّة قبيلة أو قبيلتان وسائر القبائل كانت تقرأ (إنّ هذان لساحران) وأهل المدينة كانوا يقرأون (إنّ هذان لساحران) وأهل الشام يقرأون (إنّ هذان لساحران) هذا معناه أن هناك قبائل كثيرة سمعت من الرسول r (إنّ هذين لساحران) قبائل أخرى كثيرة سمعت (إن هذان) وقبائل أخرى سمعت (إنّ هذان) أو قرأوا بين يديه فأجازها r بأمر من ربه كما بيّنا في قضية القراءات القرآنية أنها لا تكون بما يوافق العربية إذا لم يكن لها سند من إقرار الرسول r فهذا أقرّه رسول الله r. ملاحظة أساسية: إختلاف القراءات التي هي بقايا الأحرف السبعة، إختلافها لا يؤدي إلى إختلاف في المعنى حتى إذا كانت اللفظة فيها خلاف معنوي المحصلة النهائية تكون واحدة. مثلاً عندنا (وما هو على الغيب بضنين) على النطق الحالي الذي لا نقره، هذه دال مطبقة وتوقع القارئ في مشكل في مثل (وإذا مرضت فهو يشفين) إما أن يُدغِم إدغاماً ناقصاً وإما أن يقلقل وكلاهما لا يجوز، هي ليست ضاد وإنما هي لو أردنا أن ندقق فيها هي الضاد التي تخرج رخوة ومن الجانب وقد تحدثنا فيها في مرة ماضية. الذي قرأ بالضاد التي كالصاد المنقوطة أو المعجمة قراءة نافع (أهل المدينة) وإبن عامر (أهل الشام) وعاصم (بعض قبائل الكوفة) وحمزة (بعض قبائل الكوفة)، قرأها (بضنين) بالظاء التي كالطاء أهل مكة كلهم، إبن كثير وأهل البصرة والكسائي من قبائل الكوفة هذا قرأ على النطق الحالي (بضنين) وذاك قرأ على النطق الثاني (بظنين). ضنين الأولى التي بالضاد معناها بخيل وضنين الثانية بالظاء معناها متّهم، بخيل متهم، نحن القراءات معنى في المحصلة لا يختلف، بخيل بماذا؟ بخيل بالإبلاغ أنه لا يبلغ الرسالة كاملة، يبخل بإبلاغها، وهنا متّهم في إبلاغها فصار المحصلة النهائية أنه ليس مقصراً في الإبلاغ، هو لا يقصر في الإبلاغ، سواء قرأها هكذا أو قرأها هكذا فُهِم البخل أو فُهِم الإتهام النتيجة الأخيرة أنه لا يقصر في الإبلاغ. لما يقرأ (يحسَبون كل صيحة عليهم) ويفتح السين ويقرأ يحسِبون بالكسر (نافع يقرأ يحسِبون)) لا يختلف المعنى عند العرب، هذه القبائل تقول حسِبته حسِبه يحسِبه وهذه تقول حسِبه يحسَبه، المكسورة حسِب ليس فيها سوى وجهين لأن الكسر لا يُحتمل معه إلا الفتح أو الكسر. فإذن ليكن هذا في ذهن المشاهد الكريم لما نقول قرأ فلان كذا وقرأ فلان كذا أن المعنى الأساسي لا يتغير، لا يختلف. (إنّ هذين) فيه تأكيد، هنا نسبة السحر لموسى وهارون، أو (إن هذان لساحران) التوكيد قلّ قليلاً أو (إنّ هذان لساحران) بالمعاني التي سنذكرها وهي كلها فيها نسبة السحر إلى هذين، يبقى شيء من التأكيد، قلة تأكيد، إلخ. هذه لما نقول القراءات في محصلتها النهائية لا تختلف.
سؤال من المقدم: يقول قائل لِمَ التعدد في هذه القراءات ولم يلزموا نطقاً واحداً؟ ألا يحدث هذا إضطراباً؟
لا لأنه ما أحدث إضطراباً من قبل والسر في هذا أن الله عز وجل وصف رسوله r بأنه بالمؤمنين رؤوف رحيم فمن رحمته r لما نظر إلى أمة العرب وهي أمة أمية في جمهورها، صحيح هناك من يقرأ ويكتب لكن العام الغالب من العرب كانوا أميين فكان الرجل منهم يسمع الآية وينطقها وفق لهجته يعني هو لا يأخذها كتسجيل، هو يسمع العبارة وعندنا نص لسيبويه في قوله تعالى (ما هذا بشراً) يقول: والتميمي (معناه كل تميمي) يرفعها إلا إذا كان عرف كيف هي في المصحف، يعني التميمي لما يسمع (ما هذا بشراً) هو لما يقرأها يقرأها ما هذا بشرٌ إلا إذا قيل له هي مرسومة في المصحف بألف بعد الراء فعند ذلك يطوّع لسانه يغيّر لهجته فيقول (ما هذا بشراً) وإلا من دون ذلك هو يقرأها (ما هذا بشرٌ) لأنه (ما) في لغة تميم لا تعمل عمل (ليس). التميمي يقول: ما زيدٌ ناجحٌ الحجازي يقول ما زيد ناجحاًً. لما رسم المصحف على لغة قريش رسم عندنا ألف بعد الراء فالتميمي الذي يعتمد على السماع فقط يقرأها (ما هذا بشرٌ) هو سمعها ما هذا بشراً لكن ينطقها ما هذا بشرٌ كما قيل (فتربصوا به حتى حين) يقول (عتى حين)، لأن (حتى) عنده (عتى). – عندنا فاكهة في العراق هي نوع من الفاكهة الصيفية نسميها ڠوجة فأحد أساتذتنا المصريين يقول ما هذه؟ إما جوجة أو ڠوڠة.- (حتى) يقرأها (عتى) كما قالت أم الهيثم:
إذا لم يكن فيكنّ ظلٌ ولا جنى فأبعدكنّ الله من شيرات
أثبتت الجيم في (جنى) وأبدلت الجيم ياء في (شيرات تقصد شجرات) ليست كل جيم يقلبونها. أنت تقلب القاف همزة في مصر (تقول عن القلم الألم) لكن لا يوجد مصري يقول عن القاهرة الآهرة، لا يكون الإبدال في كل موقع.
سؤال من المقدم: إذا جاز هذا داخل الكلمة الواحدة سواء من الناحية النحوية أو من الناحية الصرفية لكن من الناحية النطقية أحياناً القراءة تنقل الكلمة من إسم إلى فعل مثلاً: (إنه ليس من أهلك إنه عملٌ غير صالح) وفي رواية (إنه ليس من أهلك إنه عمِلَ غير صالح) و (لقد جاءكم رسولٌ من أنفُسِكم) وفي رواية (لقد جاءكم رسول من أنفَسِكم) ربما يقول المشككون في القرآن الكريم لِمَ هذا التنوع؟
المشكك لا يدرك حقيقة الأحرف السبعة والمفروض أن الإنسان يحترم نفسه عندما يعرف أمراً من الأمور على الناس ويحترم الناس الذين يخاطبهم. لما يأتي أحد المستشرقين ويقول: إن القرآن نزل (وهذه الكلمة (نزل) في الترجمة وإنما هو يقول قيل في القرآن، هو لم يقل نزل لأنه هو لم يؤمن بأنه نازل، المترجم لما ترجم كلامه قال (نزل) أي غيّر في عبارته. لما يقول القرآن نزل أو قيل أو كُتب (تستعمل ما شئت في الترجمة) بلغة مكة المجردة من الإعراب وعلماء البصرة أعربوه، هذا يجهل تاريخ القرآن ويجهل خط المصحف. نحن عندنا المؤمنون مكتوبة بالواو، المؤمنين بالياء، يا أبانا بالألف، أبونا بالواو، هذا كله إعراب، صحيح الفتحة والضمة والكسرة لم تكن موجودة لكن العربي كان ينطقها. هذا يجهل تاريخ القرآن ويتكلم ويقولون عنه عالم كبير. لأن العرب أمة أمية ما عندها شيء مكتوب وإنما على السماع وتغيّر وفق لهجات قبائلها. يقول السختياني قرأ عليّ أعرابي في الحرم: (طيبى لهم وحسن مآب) فصحح له قُل طوبى فقال كيبى، نُقِلت لهم (طوبى لهم وحسن مآب) قال (طيبى) هو ليس من باب المعاندة لكن هو في قبيلته لا يعرف شيئاً إسمه (طوبى) وإنما (طيبى). فالقبائل العربية لما لم تكن تقرأ وتكتب، الرسول r دعا ربه أن يرخّص لأمته في لهجاتها، هذه من رحمة رسول الله r فأقرّها رب العزة له. كل هذه اللهجات سمعها منهم أو هو إبتداءً نطقها لهم بأكثر من لهجة لكل قبيلة. عمر رضي الله قال لابن مسعود لما سأل هذا العراقي قرأ بين يديه (عتى حين) قال عمر: من أين الرجل؟ - عمر كان يمتحن الناس - قال: من العراق – هذيل لم تذهب إلى العراق -، قال: من أقرأك (عتى حين)؟ قال: ابن مسعود. (وابن مسعود صحابي هذلي يقرأ بين يدي رسول الله r : فتربصوا به عتى حين وأجازها له بأمر من ربه) فكتب له عمر رسالة: أما بعد فأن الله عز وجل أنزل القرآن وجعله عربياً وأنزله بلغة قريش فأقريء الناس بلغة قريش ولا تقرئهم بلغة هذيل. هذا كان رخصة لهذيل فقط أما أنت تعلم الناس على لسان هذيل، علّمهم على كلام قريش. لما جاء عثمان رضي الله عنه قال: إذا اختلفتم في حرف فاكتبوه بلغة قريش فإنه بها نزل. فكُتِب المصحف على لسان قريش، حتى لما اختلفوا في التابوت يكتبونه بالتاء أو بالهاء، فقال القرشيون التابوت، وقال الأنصاري التابوه، فرفع اختلافهم إلى عثمان، فقال: اكتبوه التابوت، فانه نزل بلسان قريش. لما ذهبت نُسخ المصاحف إلى البصرة والكوفة والمدينة والشام أهل كل بلد كانوا يقرأون بحرف تركوا ما كانوا يقرأون به من الحروف إلى ما وافق الرسم. لما نأتي إلى (هذان وهذين) هي (هذان) نون مرسومة فأهل البصرة قالوا عثمان كان يريدنا أن نقرأ (إنّ هذين) لأنهم كانوا يقرأونها هكذا، الذين كانوا يقرأون (هذان) قالوا عثمان هو أقرها فبقيت هذه آثار الأحرف وهي القراءات. إذن هي من رحمة رسول الله r وقبل ذلك من رحمة الله سبحانه وتعالى إستجابة لرحمة محمد r أنه كانت هذه القراءات. عثمان رضي الله عنه أراد أن يحمل الناس على حرف واحد (قريش) لكن لأن الرسم احتمل بقيت عندنا هذه القراءات وهي لا تغيّر المعنى وهو نزل بلغة قريش لكن رخّص للقبائل الأخرى. هذه واحدة، والمسألة الثانية القبائل قرأت هكذا والعلماء يحاولون أن يفسروا، يحاول أن يوجه لما يسمعون هذه القبيلة تقرأ هكذا يقولون ما توجيهها، عندنا لغة "أكلوه البراغيت"
تولى قتال المارقين بنفسه وقد أسلماه مبعدُ وحميم
هذه على تلك اللغة والشاعر قرشي. العلماء قالوا توجّه إما على التقديم والتأخير، العربي نطق بها هكذا فلا تقول له أنت أخطأت لأنك أنت تقول للإنسان أخطأت إذا كان متعلماً فإذا علمته الفاعل مرفوع وهو ينصب الفاعل تقول له أخطأت لأن أنا حفّظتك هكذا، لكن لما هو يتكلم هكذا هذه لهجته العلماء لا يقولون له أخطأت وقلنا أن أحدث النظريات اللغوية في العالم أن إبن اللغة لا يُغلَّط فابن اللغة هو يستطيع أن يحكم إذا كانت هذه الجملة أصولية أو غير أصولية ويستطيع أن يبتكر ما لا حصر له من الجُمل. فمهمة العالِم إذن التوجيه والتفسير.
(إنّ هذين) لا نحتاج فيها إلى توجيه، (إن هذان) لا نحتاج فيها إلى توجيه لأنها جاءت على اللغة العامة. الحاجة إلى كلمة (إنّ هذان) هذه القبائل لعلهم الأغلب قرأوا (إنّ هذان) وقلنا قبائل الكوفة والمدينة والشام والآن أهل المغرب الذين هم تبع لأهل المدينة، قراءتهم قراءة أهل المدينة قرأوا (إنّ هذان) يبقى مهمة اللغوي أن ينظر هذه القبائل على أي أساس قرأت (إنّ هذان)؟ وأقرّها الرسول r لأن هذه لغتهم، هذا نطقهم.
عندنا أكثر من توجيه وبعض العلماء وصل به إلى ست توجيهات لكن نحاول أن نقلص التوجيهات: التوجيه الأول قالوا: (إنّ هذان لساحران) (إنّ) هاهنا بمعنى نعم هذان لساحران واستعمال (إنّ) بمعنى نعم وارد في أكثر من شاهد وعندنا شواهد متعددة لعبيد الله بن قيس الرقيّات، شاعر قرشي يقول في رواية:
بكر العواذل في الصباح يلمنني وألومهنّ ويقول شيبٌ قد علاك وقد كبرت فقلت إنّ
(ألومهنّ توكيد) وجاء بهاء التي للسكت، الضمير هنا (هنّ) في (ألومهنّ) ضمير المفعول به إتصل بـ (ألوم) ودخلت عليه هاء السكْت ثم قال (ألومهنّه) بالهاء وفيها قال أيضاً: ولن أطيع أمورهنّه، (فقلت إنّ) أي نعم علاني الشيب وقد كبرت.
لما تكون (إنّ) بمعنى نعم (إنّ هذان لساحران) صار عندهم إشكال وجود اللام في (لساحران) يعني نعم هذان لساحران مبتدأ وخبر، كيف تدخل اللام على الخبر وحقّها أن تدخل على المبتدأ؟ فقالوا العربي يدخلها على الخبر أيضاً وعندنا شواهد على دخولها منها شاهد لعنترة بن عروس
أم الحُليس لعجوزٌ شهربة ترضى من اللحم بعظم الرقبة
(أم الحليس) مبتدأ، (لعجوز) خبر فأدخلها على الخبر. وعندنا (خالي لأنت) وإن كانوا قالوا هذا على التقديم والتأخير لكن نأخذه على ظاهره لأن (خالي) يصلح على الإبتداء (خال) مضاف إلى المتكلم (لأنت) مضاف إلى معرفة فدخل على خبر. وهناك شاهد لعمرو بن عبد الله بن عثمان يمدح الرسول r فيقول:
فإنك مَنْ حاربته لمحاربٌ ومن سالمته لسعيد
(من) مبتدأ، إذن ليس مستغرباً أن تدخل اللام على الخبر وتكون (إنّ) في هذه الحالة بمعنى نعم.
الفريق الآخر قال هذه لغة للعرب يلزمون المثنى الألف يعني يقول: جاء الرجلان، رأيت الرجلان، سلّمت على الرجلان.
إن أباها وأبا أباها قد بلغا في المجد غايتاها
(قد بلغا في المجد غايتاها) موطن الشاهد للتثنية، فيه شاهدان.
من شواهدها المتلمِّس شاعر جاهلي توفي عام 43 قبل الهجرة:
فأطرق إطراق الشجاع ولو يرى مساغاً لناباه الشجاعُ لصمّما
ما قال (لنابيه) وقال (لناباه). الشعراء يتحدثون بمثل هذه اللهجات يعني أكثر من قبيلة، بنو الحارث وزبيد وخزعم وكنانة كانت تتكلم هكذا، إذن جملة قبائل وليست قبيلة واحدة. هوبر الحارثي شاعر جاهلي
تزود منا بين أذناه ضربة دعته إلى هاب تراب عقيم
إبن قارس 394 هـ يقول: كل ياء ساكنة انفتح ما قبلها يقولونها ألِفاً بعض العرب حتى (عليه) يقولون (علاه)، (لديه، لداه). نحن عندنا في لغة العرب عموماً الياء المتحركة إذا انفتح ما قبلها تقلب ألِفاً مثل بيع باع، هذه القبائل الياء الساكنة إذا إنفتح ما قبلها تقلب ألِفاً. ينبغي أن نفهم أن الشعراء كانوا يحاولون ترك لهجاتهم إلى لهجة قريش قبل الإسلام وكأنه ذلك كان تمهيداً من الله سبحانه وتعالى أن تسود لهجة قريش. الآن كيف أن اللهجة المصرية مفهومة من كل العالم العربي وليس هناك عربي لا يفهم اللهجة المصرية لكن لا أظن أن هناك عربي يفهم اللهجة الجزائرية غير الجزائري. لكن لأنه كانت الناس يفدون للحج ثم صارت للتجارة ثم صارت الأسواق الأدبية ومفاخرة القبائل وكله قبل الإسلام فصار الشاعر ابتداءً يحاول أن يقول قصيدته بلهجة قريش حتى تفهمها جميع القبائل وترجع القصيدة بلهجة قريش إلى كل الجزيرة يتناقلها الناس فسادت لهجة قريش وهذا الذي جعل امرأ القيس يكتب بلهجة قريش فلما أثير أنه كيف يكتب بلغة قريش وهو من اليمن إذن هذا موضع، فسّرها العلماء قالوا الشعراء كانوا يتقصدون لكن تبقى فيها آثار من لهجاتهم هي التي حفظت بعض لهجاتهم. الفرزدق تميمي، والتميمي - كما قلنا - لا يُعمل (ما) يقول (ما زيدٌ مجتهدٌ) ما يقول (ما زيدٌ مجتهداً)، القرشي إذا قدّم خبر (ما) على المبتدأ يُهملها يعني يقول (ما مثلك رجلٌ) لأن قدّم، جاء الفرزدق فعلم أن قريشاً تنصب مع (ما) يريد أن يتكلم على لغة قريش فقال:
قد أصبحوا قد أعاد الله نعمتهم إذ هم قريش وإذ ما مثلَهم بشرُ
قالوا كيف نصبت؟ قال هذه لغة قريش، قالوا: قريش إذا قدّمت تُهمل، فإذن كانوا يغريون من ألسنتهم رعاية للغة القرآن بعد ذلك، قبل ذلك كانوا يراعون لغة المحفَل. وعندنا أكثر من شاهد كما قلنا لكونها لغة.
إبن جنّي أيضاً يقول: من العرب من لا يخاف اللبس ويجري الباب على أصل الرفع بالألف فيقول: قام الزيدان وضربت الزيدان ومررت بالزيدان وهم بنو الحارث وبطن من ربيعة.
سؤال من المقدم: لماذا لم يصر الرسول r على تعليم العرب القرآن الكريم بلغة واحدة؟
لا يمكن إذا لم تكن هناك كتابة لأنه كان الرجل كان يأتي إلى الرسول r يسمع الآيات ويذهب إلى قبيلته، ما كانت جماهير القبائل تحضر ويلقنها كما يفعلون الآن، يأتي أفراد يسمعون القرآن ويرجعون والقبيلة كانت بعيدة تدخل في الإسلام بإسلام موفدها وهذه من رحمته r (بالمؤمنين رؤوف رحيم). لكن لما صارت الكتابة أراد عمر رضي الله عنه أن يجمع الناس على حرف واحد لأنه في زمن عمر قلّ من الناس من كان لا يعرف القراءة والكتابة. يقول في تاج العروس لما جاء الرجل لقيه عمر في السوق من أين الرجل؟ قال من بني فلان، فقال: أتقرأ القرآن؟ قال نعم يا أمير المؤمنين، فقال: إقرأ عليّ أم القرآن - هو ما فهم أن أم القرآن هي الفاتحة - قال يا أمير المؤمنين أنا لا أعرف البنات من أين أعرف الأم؟ فأخذه وأسلمه إلى الكتّاب لأن نحن عندنا صار مجالس تعليمية بعد معركة بدر لأن الأسرى كانوا يعلّمون فصارت مجالس تعليم. لبيد ابن أبي ربيعة الشاعر ترك شِعره وصار يُقريء الناس البقرة فلما قيل له لم لا تقول شعراً؟ قال: أبدلني الله ما هو خير منها، من الشعر وصار يحفظ الناس. كان مجالس تعليم، فأسلمه إلى الكُتّاب صاروا يعلّمونه وتعلّم شيئاً وانهزم وترك قصيدة وقال منها:
أتيت مهاجرين فعلّموني ثلاثة أحرف متتابعات
وحطوا لي أباجاد وقالوا تعلّم سعفصاً وقريّشات
وما أنا والقراءة والتهجّي وما حظ البنين من البنات.
معناه تعلّم لكن ما أراد أن يمكث كثيراً. ففي زمن عمر كان التعليم قد إنتشر وبعد ذلك إنتشر بشكل أوسع فلم يعد هناك مجال للتشبث بهذه الرُخص لذلك بعض العلماء يذهب _وأنا أميل إلى هذا الرأي - نتمنى لو اجتمع المسلمون على رواية واحدة. الآن رواية حفص عن عاصم طبعت بالملايين ويكف عن طبع الروايات الأخرى وهذا يشيع لأن كله قرآن وكله سليم وكله جائز وكله يصلّى به، وهذا يجمعنا، هذا توجيه.
إما أن تكون لغة وإما (إنّ) بمعنى نعم. البعض قال على إضمار الشأن أي إنّ الأمر أو الشأن هذان لساحران، هذا توجيه النحويين لكن الأصل أن قبائل العرب نطقت هكذا ومهمة النحوي أن لا يفرض على الناس كيف يتكلمون وإنما أن يفسر كلامهم.
بُثّت الحلقة بتاريخ 31/1/2007م
سؤال 317: لماذا لم تذكر النبوة في آية آل عمران (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (81)) مع أنها وردت في الآية قبلها (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (79))؟ لأنه ذكر النبيين قبلها في الآية الأولى 81.
في الآية 79 يقول الله عز وجل (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (79)) هنا ذكرت النبوة، وفي الآية 81 يقول الله عز وجل (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (81)) لفت نظر السائلة أنه في هذه الآية 81 ذكر الكتاب والحكمة ولم يذكر النبوة بينما في الآية 79 ذكر النبوة، فلماذا ذُكرت النبوة هنا ولماذا لم تُذكر في الموضع الثاني؟
لو نظرنا في الآيتين سنجد أن الآية الأولى كان الكلام فيها أولاً بإطلاق (مَا كَانَ لِبَشَرٍ) هذا البشر الذي يؤتيه الله سبحانه وتعالى الكتاب والحكم والنبوة، فإذن بشر أوتي الكتاب والحُكم والنبوة ما كان له أن يقول كونوا عباداً لي من دون الله، لا يجوز له ولا يتوقع منه ذلك وهذا في الكلام على أهل الكتاب الذين جعلوا من أنبيائهم كأنهم آلهة أو معبودين من دون الله بل هم جعلوا حتى بعض علمائهم الكبار فصاروا يطيعونهم في معصية الله سبحانه وتعالى فالقرآن الكريم جعلهم كأنهم آلهة أو كأنما جعلوهم آلهة من دون الله. وعندنا حديث لعديّ إبن حاتم الطائي دخل مسجد الرسول r وهو يقرأ قوله عز وجل عن اليهود والنصارى (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31) التوبة) فقال عديّ: يا محمد إنهم لم يعبدوهم كيف تقول (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ)؟ فقال r: بلى يا عديّ أحلّوا لهم الحرام وحرّموا عليهم الحلال فاتّبعوهم فذلك عبادتهم إياهم. العبادة لها مفهومها في الإسلام، إلتزام المخالفات الشرعية وجعل هذه المخالفات هي الأصل تكون عبادة، هذا هو الذي عليه ديننا. (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (43) الفرقان) أي إنسان يقوم بالأعمال أو لا يقوم بها بناء على هوى نفسه وليس بناء على سؤال الشرع هو لا يسأل هذا في الشرع حرام أو حلال وإنما يقول أهوى أو لا أهوى وخالف الشرع جعل نفسه إلهاً وأي إنسان يضع تشريعات للبشر خلاف شرع الله للبشر والله سبحانه تعالى وضع تشريعات للبشر ينظم حياته (قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللّهُ (140) البقرة) هذا السؤال الرباني قطعاً الله سبحانه وتعالى أعلم. الله سبحانه وتعالى وضع لنا هذا الشرع ووضع للأمم السابقة شرعهم فهم صاروا يضعون شرعاً خلاف ما شرع لهم فجعلهم الإسلام كأنما اتخذوهم آلهة من دون الله سبحانه وتعالى. (ما كان لبشر) فلا ينبغي لبشر أن يقول كونوا عباداً لي لا يقولها ولا يتصرف تصرفاً يؤدي إلى أن يجعل من نفسه إلهاً ويكون هؤلاء عباداً له. فالكلام عام لكن الآية في توجهها تتعلق بأهل الكتاب وبإتخاذهم الأنبياء آلهة كأنما جعلوه إبن الله وقصّ علينا القرآن الكريم ذلك فيقول القرآن لهم ما ينبغي لبشر أن يقول فهذا من عندكم أنتم تقولون هذا البشر الذي جعلته نبياً لا يقول لكم هذا فلما ذكر البشر ذكر النبوة، لو لم تذكر النبوة هاهنا ولو في غير القرآن ما ذكرت النبوة، يقولون نعم هذا خاص بالعلماء آتاهم الكتاب والحكم لكن نحن نقول نحن عباد لأنبيائنا فجاءت كلمة النبوة هنا حتى تنفي هذا الاحتمال. (الذين أوتوا الكتاب) أي الذين نقل إليهم الكتاب فهم ممن أوتوا الكتاب، الأنباع أوتوا الكتاب ونحن من الأتباع، نحن أوتينا الكتاب عن طريق محمد r. ولو لم تكن النبوة كان يلتبس الأمر وكان ممكن أن يدًعوا أنه صحيح نحن الذين أوتوا الكتاب لا نجعله إلهاً لكن النبي نجعله إلهاً. فهذه فائدة ذكر كلمة النبوة.
عندنا (بما كنتم تعلّمون) عند نافع (بما كنتم تعلَمون) تعلّمون وتعلمون لأن العالِم يعلِّم فالمهنى متقارب. تدرسون تقويّها أنه تعلمون وتدرسون (تعلّمون وتدرسون). نافع وإبن كثير وأبو عمرو قرأوا تعلَمون وأغلب القراء قرأوا تعلِّمون. (تعلَمون) قرأها أهل المدينة ومكة والبصرة، (تعلِّمون) قبائل أهل الكوفة على كثرتها وأهل الشام. لا نستطيع أن نقول قريش لأنها اختلطت. كلمة تعلمون: مكة تعلمون، المدينة تعلمون والبصرة تعلمون والشام تعلّمون، القبائل العربية الكثيرة في الكوفة تعلّمون قُرئت بين يدي رسول الله r. القارئ لا يزيد على كونه شريط تسجيل، يسجل ما يسمع. هذه القبائل مئات الألوف من الناس يقرأون هكذا فأنا أقرأ بقراءتهم.
(النبوة) نافع وحده قرأ (النبوءة) أهل المدينة وحدهم قرأوا النبوءة والنبيئين هذه ستأتي، لأن أهل المدينة الذين بقراءتهم قرأ نافع أخذوا الكلمة من النبأ فالنبيء الذي نقل النبأ عن الله سبحانه وتعالى. وجمهور العرب الآخرين قلنا لما ينطق العربي العلماء يأولون. مكة والبصرة وقبائل الكوفة والشام كلهم قرأوا النبي والنبيين، أهل المدينة وحدهم قرأوا النبيء والنبيئين. النبي والنبيئين باعتبار من النبأ، النبي والنبوة والنبيون علماؤنا وجهوها بأحد توجيهين: قالوا إما أن تكون هي من النبأ وخففت الهمزة وهذا وارد لأن جمهور العرب يكرهونها والعجيب أن أهل المدينة الذين بقراءتهم قرأ نافع يخففون كل الهمزات (فأكله الذئب) قرأوها (فأكله الذيب) يخففونها وفي (قل للمومنين) بدل (قل للمؤمنين) فالقارئ عبارة عن مسجل، لما جاء إلى النبي r قرأها النبيء، لا تقل له أنت تخفف الهمزات، جمهور العرب يقولون النبي تأتي أنت وتثبت له همزة؟ يقول لك هذا ليس شغلي لأني ناقل. أهل المدينة جميعاً لعلهم الأنصار ومن كان يسكن فيها من المهاجرين لأن نافع يمثل قراءة أهل المدينة يقرأون فأكله الذيب ويقرأون يا أيها النبيء، هذا نطقهم. فإما أن تكون هي النبيء وخففت أو هي النبي من النباوة بمعنى الرفيع الشأن (نبا ينبو بمعنى ارتفع يرتفع) النباوة بمعنى الرفعة. فالنبي من النباوة يعني من الرفعة. العرب ما فسروا هذا، العرب قالوا (يا أيها النبي) هم قرأوها هكذا لكن العلماء هكذا وجّهوا، قالوا إما أن تكون من النبأ لأنه ينبيء عن الله عز وجل وإما من رفعة شأنه كلاهما وارد ولكن أهل المدينة أثبتوا الهمزة فالذي يقرأ بقراءتهم يثبت الهمزة والذي يقرأ بقراءة سائر الناس يزيل الهمزة أو يخففها أو يجعلها من النباوة ويقول النبي هكا بهذا المعنى.
الآية الأولى تلاحظ أنه في بدايتها ذكر النبيين، هناك قال (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ) لما قال بشر ذكر النبوة. هنا لما ذكر النبيين فلا داعي لإعادتها مرة أخرى لأنه قال (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ) فلا يحتاج إلى ذلك. فإذن هناك لما لم يذكر النبيين ذكر النبوة وهنا ذكر النبيين فلم يحتاج لذكر النبوة.
إستطراد من المقدم: القراءات التي تذكرها هل سمعها الرسول r كلها كاملة قبل أن يُرفع إلى الرفيق الأعلى أم استحدثت قراءات من بعده وأقرها الصحابة؟
العلماء ينصون أن القراءة سُنّة متبعة عن رسول الله r حصراً نقلاً عن ربه هو لم يتصرف فيها r، لا يملك r أن يتصرف فيها فمن باب أولى لا يملك أصحابه ولا من بعد أصحابه رضي الله عنهم أن يتصرفوا فيها. لأن عندنا أحاديث صحيحة أن الرسول r سأل ربه أن يخفف عن أمته في مسألة نطق القرآن لأنها أمة أمية فبقي مع جبريل u على حرف، على حرفين، على ثلاثة إلى أن وصل ‘لى سبعة أحرف وعلماؤنا يقولون هذه السبعة لا تعني الرقم الذي بين السبعة التي بين الستة والثمانية. ينبغي أن نفرق بين القراءات السبع والأحرف السبعة: الأحرف هي ما أقره رسول الله r لقبائل العرب وكانت تختلف بحسب قراءاتهم يقرأ (عتى حين) يقرأ (وهو الغفور الرحيم يقرأ بدلها وهو السميع العليم) المنزل كان يمليه (وهو الغفور الرحيم) لكن قبيلة قرأت (السميع العليم) فيقول بإذن الله لا بأس فقط قال لهم لا تخلطوا آية رحمة بآية عذاب، كان فيه فسحة لهؤلاء القبائل العربية قبل أن تتعلم أما الوحي المكتوب فكان مدوناً في عهد الرسول r لا خوف عليه لكن هذه القبائل في البوداي. القرآن دُوّن كاملاً في عهد الرسول r لكن ليس بين دفتي كتاب، هو كان مكتوباً فضلاً عن أنه كان محفوظاً في صدور الصحابة. أمر عثمان بن عفان رضي الله عنه بإحراق الكتابة التي بلهحات القبائل لكن الكتابة التي كان يُرجع إليها هي بلغة قريش جمعتها هذه اللجنة من لغة قريش وثبتوها وحتى لما اختلفوا في رسم حرف قالوا ارسموه بلغة قريش فإنه بها نزل. لما صارت الكتابة والقبائل العربية بدأت لهجاتها تتغير إنتهى موضوع الأحرف بحيث إبن شنبوذ لما أراد أن يقرأ (وهو السميع العليم) بدل (وهو الغفور الرحيم) استتيب قيل له نجلدك، قال الرسول r أجازها لكن العلماء فهموا لم أجازها r (استتيب أي أن يتوب من هذا ويقرأ بما بين الدفتين) لكن يقرأ بما بين الدفتين. رسم المصحف كان خالياً من النقط ومن الشكل فلما ذهبت نسخ المصاحف في البصرة كان بعض الصحابة يقرأون وأقرأوا أهل البصرة وعلموهم فكل ما وافق رسم المصحف حسِبوا أن عثمان أراده، هذا كان هو القراءات، فالقراءات هي آثار الأحرف السبعة وليست الأحرف السبعة يعني ما بقي من الأحرف السبعة موافقاً لرسم المصحف هذه هي القراءات. فهي إذن كانت رخصة لقبائل العرب في زمانها لذلك نحن في بعض الأحيان نشير إلى القراءات لأنها واقع قائم لكن نتمنى أن ما كان يريده عثمان رضي الله عنه يتحقق الآن بأن يجمعهم على قراءة واحدة أو رواية واحدة فيجتمع الناس وانتشار مصحف المدينة النبوية الآن قد يسهم في تقريب الناس، المعنى لا يختلف. الإخوة الذين يشتغلون بالقراءات كأنهم لا يريدون لهذا العلم أن يندثر فنقول لهم هذا علم الخاصة، علم القراءات يكون علم الخاصة. وأذكر في بلدة صغيرة مثل الفلوجة التي فيها خمسين جامعاً تصلى فيها الجمعة قبل سنوات انتشر فيها القراءات القرآنية وصاروا يأخذون القراءة بالسند وانشغل بها عدد من الشباب ففي محاضرة ألقيتها قلت يا شباب قلصوا هذا الأمر 300 - 400 شاب في الفلوجة والفلوجة صغيرة يمكن أن تركض من أولها إلى آخرها. هذه الكثرة لا تناسب فاجعلوا عدداً من طلبة العلم هم يعتنون بالقراءات.
سؤال 318: لماذا جاءت (ناصح) بإسم الفاعل (أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (68) الأعراف) مع أنها جاءت بعدها بصيغة الفعل (وَأَنْصَحُ لَكُمْ، وَنَصَحْتُ لَكُمْ) في سورة الأعراف؟
لو تأملنا الآية، النظر في كلام الله سبحانه وتعالى يُظهر أو يبين عِلل الإختيار. في الآية الأولى (قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ (60) قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلاَلَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (61) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (62)) هذه مع نوح u (لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (59)) فاستعمل الفعل (أنصح) وبالاستمرارية أي بالفعل المضارع الذي فيه معنى التجدد والاستمرار لأنه مستمر في نُصحهم.
الآية الأخرى في السورة نفسها عن هود u (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ (65) قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (66) قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (67) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (68)) استعمل إسم الفاعل (ناصح). علماؤنا هنا يقولون هناك فرق بين التُهمتين: التهمة الأولى الضلال إتهموا نوحاً بأنه في ضلال، ضالّ والضلال هو التيه ضال أي تائه أي بعيد عن الصواب، بعيد عن الحق، بعيد عما هو عليه آباؤنا والضلال وصف غير ثابت يتغير بسرعة، تقول للإنسان مثلاً هذا طريق ضلال إنحرف إلى هنا تحوّل إلى هنا فيتحول ليس فيه هذا التشبث أو التمسك لما يكون ضال في الطريق أنت في أفكارك أنت ضال تحول إلى أفكارنا عد إلى عبادة ما نعبد والأمر سهل بدل أن تعبد ربك إعبد أصنامنا فأنت في ضلال يمكن أن يتغير فلما كان الأمر يتعلق بشيء سهل التغيير استعمل الفعل في الرد عليه لما كانت التهمة تتعلق بفعل استُعمِل الفعل في الجواب عنه لكن لما كان الأمر يتعلق بشيء يكاد يكون ثابتاً في الإنسان وهو السفاهة، الإنسان السفيه هذه خِلقة، السفاهة نوع من الحمق.
لكل داء دواء يستطب له إلا الحماقة أعييت من يداويها
ومن معنى السفاهة الحمق ورجعت إلى لسان العرب السفه في الأصل الخِفّة والطيش والسفيه الجاهل والساذج الأحمق. الضلال أمر طارئ يمكن أن يتحول عنه أما السفه يمكن أن يتحول عنه لكن بمدة طويلة يكاد يكون بهذا الشكل فلما كان الأمر يتعلق بإتهام ثابت يكاد يكون ثابتاً إحتاج لنفيه أن يستعمل إسم الفاعل الذي هو دال على الثبات. الكوفيون يسمون إسم الفاعل الفعل الدائم لأن فيه معنى الدوام فاستعمل النصح الثابت في مقابل التهمة الثابتة واستعمل النصح المتغير المتطور في مقابل الصفة المتغيرة المتحولة العارضة فهناك مناسبة في استعمال هذا اللفظ ولذلك العلماء ناصح لا تستقيم في المكان السابق وكلمة أنصح لا تستقيم في هذا المكان. في دقة التعبير لا تستقيم لأن هناك لما استعملوا الشيء العارض ينبغي أن تجيبهم بشيء عارض وهنا لما استعملوا الشيء الثابت ينبغي أن تجيبهم بشيء ثابت (أنصح) فيه تجدد واستمرار لكن فيه نوع من التحول والتغير ليس فيه هذا الثبات، ناصح تقابل السفاهة إتهامه بالسفه ولم يكتف بهذا (كلمة ناصح) وإنما الجملة الأخيرة في الآية (وأنا) يريد أن يزيل عن نفسه هذه التهمة، لاصقة هذه السفاهة وإنما قال (أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ) (نفس اللفظة التي قيلت عن نوح ولكن زاد عليها (وأنا) إستعمال المتكلم (لكم) وليس لغيركم كأنه تخصيص (وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ) نوع من التأكيد باستعمال الجملة الإسمية واستعمال ضمير المتكلم ومجيء هذه اللام التي هي للإيصال يعني أنا لكم، لأجلكم، أنا من أجلكم، هذا اللفظ يناسب ما تقدم وذلك اللفظ يناسب ما تقدم.
الآية 79 (فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ) والآية 93 (فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ) الكلام فيهما بصيغة الماضي فلا موضع لإسم الفاعل فيهما ولذا فهما ليسا مما يقابل الآية 68.
سؤال 319: ما المقصود بكون إبراهيم أمة في الآية (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120) النحل)؟
الأمّة في اللغة لها أكثر من معنى، معاني متعددة، من معانيها الجماعة من الناس الذي هم على فكر واحد أو على إعتقاد واحد يسمون أمة ولذلك (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ (110) آل عمران) علماؤنا يقولون هذا لا يعني العِرق العربي وإنما أمة الإسلام يعني بدخولكم هذا الدين ومن دخل معكم تكونون أمة. لكن عندنا معاني أخرى لكلمة أمّة، في اللسان نجد ينقل أكثر من معنى لهذه اللفظة فمن معانيها الأمة الرجل المتفرد في علمه، في خلقه، لما يكون منفرداً في شيء يقولون فلان أمة يعني كأن الأمة اجتمعت فيه بكل عقولها بكل أذهانها. من معاني الأمة الرجل المُتّبَع. فكِلا هذين المعنيين يصلح على إبراهيم u الرجل الذي لا نظير له والإمام المتّبع. عبارة اللسان يقول "والأمّة الإمام والأمّة الرجل الذي لا نظير له ومنه قوله تعالى (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا) قال أبو عبيدة كان أمة أي إماماً" فإذن يحتمل من حيث اللغة هذا المعنى أيضاً المعنى الآخر لا يبعد أنه كان أمة كان منفرداً عن سواه بالرسالة، بالنبوة، هولا نظير له بينهم. سواء قلنا هذا أو قلنا هذا، الآية على أقوال المفسرين (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا) يعني كان إماماً لقومه.
إستطراد من المقدم: ماذا صنع إبراهيم u ليتفوق على غيره من الأنبياء؟
نحن لا نقول أنه كان متميزاً على الأنبياء لكن هذا نقول محمد r إبراهيم له ميزة أنه أبو الأنبياء يعني كل الأنبياء الذين جاءوا من بعده من ذريته: إبراهيم هو من ذرية نوح u فنوح قبل إبراهيم لكن الأنبياء بعد إبراهيم كلهم من ذريته وما عندنا نبي ليس من ذرية إبراهيم، عيسى u أمه مريم من ذرية إبراهيم وهو خُلِق من غير أب، ومحمد r من ذرية إبراهيم لأنه من ذرية إسماعيل لذلك لما نقول الموازنة: إسماعيل لم يُنبّأ من أولاده إلا محمد r بينما إسحق مئات الأنبياء جاءوا فكأنها كفتا ميزان وكفّة رسول الله r في معتقدنا – كلٌ حرٌ في اعتقاده - نراه سيد الأولين والآخرين قرة العين عليه الصلاة والسلام.
سؤال 320: ما الفرق في إستعمالات الفعل كاد في (فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (71) البقرة) و (إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا (40) النور) و (وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ (51) القلم)؟
(كاد) في دراسات النحو يقولون هي من أفعال المقاربة. لما تقول: "كاد زيد يفعل كذا" يعني قارب الفعل، نقول "كاد المتسابق يفوز" يعني هو لم يفز لكن قارب الفوز. واستعمال (كاد) يأتي بعدها الفعل المضارع الغالب من غير (أن) إلا النادر (ما كدت أن أصلي العصر) الأصل أن تأتي من غير (أن) كاد يفوز، (لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (117) التوبة)، كاد يعني قارب الفعل ولم يفعله.
(ما كاد) أو (لم يكد) معناه أصلاً لم يقارب، يعني لا قاربه ولا فعل من باب أولى. "كاد يفوز" يعني قارب الفوز لكن "ما كاد يفوز" أو "لم يكد يفوز" هذا الأصل. لما نسمع ما كاد يفوز يعني أصلاً لم يقارب مرحلة الفوز، نفي المقاربة. لكن قلنا أكثر من مرة أن العربي يتصرف في الألفاظ ويستعملها ونجد بعض آثارها إلى الآن في هذا الإستعمال يعني صار يستعملها بمعنى فعلت بعد جهدٍ وإبطاء. في العامية نحن نستعملها أحياناً فنقول: بالكاد فعلت هذا الأمر، يعني ما كدت أفعله، هو فعله معناه فعله بعد إبطاء. فإذن لما يقول أحياناً في بعض النصوص: "وصلتُ إليك وما كدت أصِل"، لما يقول "ما كدت أصل" لا يعني أنه ما وصلت ولا قاربت الوصول وإنما قال ابتداء وصلت إليك، ما كدت أصل يعني وصلت إليك ولكن بعد جهد وبعد تعب. كيف يتبين عندنا ما كدت أصل أنها ما قاربت الوصول أو ما وصلت أو وصلت بعد جهد؟ الناس لا تتكلم جملة واحدة وإنما هناك واقع حال وهناك سياق فلما نأتي إلى النص (قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا قَالُواْ الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ (71) البقرة) هذا بعد قصة البقرة في البداية قال (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67) البقرة) وجاء (بقرة) بالتنكير المطلوب أن يمسكوا أي بقرة فيذبحوها فشددوا فشدد الله سبحانه وتعالى عليهم، قالوا (قَالُواْ الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ (71)) لما انسد كل المنافذ قالوا الآن جئت بالحق، فذبحوها إذن هي ذُبِحت. لما قال (وما كادوا يفعلون) نفهم من طلمة ما كادوا يفعلون أنهم فعلوا بعد إبطاء وجهد من خلال النص. ويقوّيها لفظة (فذبحوها) كما تقول وصلت إليك وما كدت أصل، لا يعني بقوله وما كدي أصل ما قاربت الوصول أصلاً لكن لما يأتي سياق آخر يقول (ما كاد فلان يفوز) يسأله أفاز فلان في السباق؟ فيقول له: ما كاد يفوز أي أصلاً ما قارب الفوز من خلال السياق.
النص الآخر نلاحظ الصورة (أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ (40) النور) كأن البحر صار شيئاً غير الموج وكأن الموج إستقل عنه، من فوقه سحاب منخفض كلها ظلمات (بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا) الشخص الذي في هذا الوضع إذا أخرج يده لم يكد يراها، يعني لا يرى ولا يقارب رؤيتها، هو يريد أن يبين شدة الظلمات أن الإنسان إذا نظر إلى يده لا يراها يعني لا يراها ولا يقترب من رؤيتها، حتى ما قارب رؤيتها لشدة الظلمات، لم يكد يراها. فإذن النص هو الذي يبين معنى (كاد) و(ما كاد) و(لم يكد) الأصل فيه أنه للمقاربة والنفي نفي المقاربة لكن العرب استعملت هكذا والقرآن تكلم بلغتهم.
(وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (51) القلم) هذا مع الفعل المضارع لشدة سوء نظراتهم يكادون يجعلونك تزِلّ قدمك كأنهم قاربوا إزلال قدمك وهنا (إن) بمعنى (إنّ) المخففة من الثقيلة. يعني إنهم يكادون يقتربون من إزلالك بنظراتهم وفعلاً أحياناً إذا الإنسان يمشي ومجموعة من الناس ينظرون إليه يرتبك في مشيه. يكادون كأنهم حريصون على أن يؤذوك بنظراتهم إلى درجة أن يجعلوا قدمك تزل وأنت سائر، فإذن هنا فيها معنى المقاربة.
خلاصة الأمر السياق هو الذي يعين المعنى الطبيعي الذي عليه أو المعنى الذي تحول إليه العربي بتحول الدلالة يعني صار يعطيه دلالة جديدة لكن وفق السياق هو الذي يبين مراده منها.
سؤال 321: ما الفرق في التعبير بين الآيتين (وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (19) الأنفال) و (إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (36) يونس)؟
هذا سؤال غريب وعادة السائلة تسأل أسئلة فيها دقة في النظر. الآية (إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ الْفَتْحُ وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ وَلَن تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (19) الأنفال) الفئة مؤنث فيفترض أن يكون الفعل معها مؤنثاً. ممكن في غير القرآن بسبب وجود الفاصل كلمة (عنكم) يمكن أن يقول (يغني) لكن لما تأتي على الأصل لا يُسأل عنه. لو قيل في غير القرآن (لن يغني) وأنا رجعت إلى القراءات فما وجدت قراءة (لا يغني) مع أنه من حيث اللغة جائز، جميع القراء مطبقون على كلمة (تغني). الكلام عن فئة فطبيعي أن يأتي الفعل مؤنثاً.
أما الآية الأخرى (وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (36) يونس) لا تستطيع أن تقول (لا تغني) لأن اللفظ مذكر. إذا كان هذا هو سؤال السائلة وهذا هو الذي فهمناه من سؤالها. وفتشت عن جزئية أخرى في الآية فما وجدت.
تأنيث الفعل للفاعل نحن عندنا فيها قواعد ثابتة:
سؤال 322: ما دلالة تقديم المفعول به مع ذكر الموت (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ)؟ وما الفرق بين حضر وجاء وأدرك وأصاب؟
هذا السؤال توسعت فيه ونستفيد في هذا من المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم وظهر عندي الإستعمال: جاء لفظ الموت فاعلاً في أحد عشر موضعاً في القرآن كله، جاء فيها جميعها متأخراً، يعني المفعول به يكون متقدماً دائماً وما دام في كلها جاء متقدماً كأنه إبعاد للفظ الموت وتقديم للمفعول به وحتى يكون كما يقول بعض العلماء نوع من التشوق لمعرفة الفاعل أنه من الذي سيفعل هذا وأبعد لفظة الموت يعني ما بدأ بها. إذن فيه تقديم إما للإهتمام بالمقدّم أو لإبعاد شبح الموت هذا لأنه حيثما وردت كلمة الموت فاعلاً المفعول به متقدم في أحد عشر موضعاً. بعض العلماء يقول: ذلك التقديم للعناية والإهتمام والتلهف لمعرفة الفاعل.
الموت مع (حضر) ورد في أربعة مواضع، مع (جاء) ورد في موضعين، مع (يدرك) ورد في موضعين، مع (يأتي) ورد في موضعين، مع (يتوفى) ورد في موضع واحد. هذه الأفعال التي هي: جاء وحضر وأتى ويدرك ويتوفى كلها تجتمع في معنى واحد وهو الإقتراب، القرب يعني هناك إشارة إلى القرب لكن ألفاظها إختلفت ولما اختلفت ألفاظها إذن لا بد من إختلاف في الصورة. عندما تقول "حضر فلان" تقول حضر فلان وهو معك، الصورة في حضوره، لما تقول جاء فلان كأنما تتصور فكرة المجيء تصير مرسومة صورة المجيء، أتى مثل جاء لكن تكون أقل لأن الصوت يختلف (جاء وأتى) كأنه بشكل أهون ليس بشدة المجيء، الإتيان أخف من المجيء. أدرك كأنه كان يلاحق شيئاً وأدركه لما يقول (أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ (78) النساء) كأنه يركض وراءهم، (حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ (15) النساء) كأنه أخذهم وافيات غير منقوصات وكان سبباً لأن الموت لا يتوفى لكن الملائكة وبأمر الله سبحانه وتعالى
لما ننظر في الشواهد نجد في حضر: هذه الآية الأولى (أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي (133) البقرة) كأن الموت حاضر مع من هو جالس بجوار يعقوب u لكن هذا الحضور ليس فيه موت كامل، حضر الموت لكن لم تُقبض روحه، يعني إقترب منه الموت. ما الدليل أنه كان في الحضرة ولم تقبض الروح؟ أن يعقوب u كان يوصي أبناءه (إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي) إذن هو لم يكن قد مات لكن الموت جالس عنده وشاهد على الوصية فكأنه إقترب منه الموت لكن لم ينفذ. (نستكمل الإجابة عن هذا السؤال في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى).
بُثّت الحلقة بتاريخ 3/2/2007م
برنامج من بيان القرآن للدكتور حسام النعيمي على إذاعة الشارقة أف أم 94،4 ثلاث مرات أسبوعياً يوم الجمعة والأحد والأربعاء الساعة 5 عصراً ويعاد فجر اليوم التالي الساعة 5 فجراً بتوقيت مكة المكرمة.
أعيد طرح السؤال على الدكتور حسام النعيمي في برنامجه الإذاعي لأن الإجابة لم تستكمل في حلقات برنامج لمسات بيانية فكانت هذه إجابته الكاملة على السؤال:
سؤال: ما دلالة تقديم المفعول به مع ذكر الموت (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ)؟ وما الفرق بين حضر وجاء وأدرك وأصاب؟
جاء لفظ الموت فاعلاً في أحد عشر موضعاً في القرآن الكريم كله، جاء فيها جميعها متأخراً عن المفعول به، يعني المفعول به يكون متقدماً دائماً ووجدناه جميعاً للغاية والاهتمام وجعل السامع يتلهف لمعرفة الفاعل لأن أصل النظم في العربية نحن عندنا نظامان للجملة العربية: نظام المبتدأ والخبر ونظام الفعل والفاعل أو نائب الفاعل. نظام الفعل والفاعل يكون الفعل بعده الفاعل وبعده المفعول به ثم تأتي بقية التكملات، نقول: كتب خالد رسالةً في يوم كذا في مكان كذا، لما نقدم كلمة رسالة (كتب رسالةً خالدٌ) أو أكرم عمراً زيدٌ أو ضرب زيداً محمدٌ هذا المفعول به عندما نقدمه يكون الغرض من ذلك توجيه الإهتمام للمفعول به أكثر من توجه العناية والاهتمام للفاعل وأحياناً يتقدم على فعله فيقال زيداً ضرب خالدٌ، خالدٌ أكرم محمدٌ، كونه منصوباً معناه مفعول به مقدم. المفعول به مع الموت جاء متقدماً فكان قول العلماء أن هناك اهتمام بالمتقدم (بالمخاطَب) كما قال تعالى (إذا جاء أحدكم) يريد أن يتلهف ما الذي جاءه؟ (الموت)، (حتى إذا حضر أحدكم) من الذي حضرني؟ فيقال بعد ذلك الموت. ذلك التقديم للعناية والإهتمام والتلهف لمعرفة الفاعل.
وما دام في كلها جاء متقدماً كأنه إبعاد للفظ الموت وتقديم للمفعول به وحتى يكون كما يقول بعض العلماء نوع من التشوق لمعرفة الفاعل أنه من الذي سيفعل هذا وأبعد لفظة الموت يعني ما بدأ بها. إذن فيه تقديم إما للإهتمام بالمقدّم أو لإبعاد شبح الموت هذا لأنه حيثما وردت كلمة الموت فاعلاً المفعول به متقدم في أحد عشر موضعاً. بعض العلماء يقول: ذلك التقديم للعناية والإهتمام والتلهف لمعرفة الفاعل.
إستعمال الأفعال المسندة إلى الموت:
وجدنا أنه في أحد عشر موضعاً ورد الموت مع أفعال هي: الموت مع (حضر) ورد في أربعة مواضع، مع (جاء) ورد في موضعين، مع (يدرك) ورد في موضعين، مع (يأتي) ورد في موضعين، مع (يتوفى) ورد في موضع واحد. لما ننظر في الاستعمال القرآني لهذه الأفعال وما ورد في معجمات اللغة نرى أنها متقاربة المعنى يكاد يكون الذي يجمعها هذا القُرب. لما تقول جاء معناه صار قريباً، حضر معناه صار قريباً، أتى أيضاً معناها القرب، أدركه معناها القرب، توفاه أخذه كاملاً معناه قريب منه فلا يكون الأخذ إلا عن قرب، فيها معنى القرب لكن هل يصلح أن تكون كلمة مكان كلمة؟ لا، لأن كل كلمة لها معناها الخاص الجزئي فوق الإقتراب بالمعنى الذي جعلها خاصة في هذا الموضع دون موضع آخر. بصورة موجزة نقول لما ننظر في الآيات التي فيها كلمة حضر نجد معنى القرب لكن نجد المشاهدة والملامسة أحياناً، إقتراب إلى حد الملامسة، إقتراب شديد. لما نأتي إلى جاء وأتى مع فارق نجد معنى القرب الشديد وتحقق الوقوع في جاء وفي أتي في موقع مع الفارق بينهما: جاء يكون العمل فيها أظهر والعربية أحياناً تراعي الصوت. لما ننظر إلى حروف (جاء) مكونة من جيم وألف وهمزة، لما ننظر إلى حروف (أتى) مكونة من همزة وتاء وألف فالمشترك بين الفعلين ألف وهمزة والمختلف جيم وتاء وكلاهما صوت شديد بالتعبير الحديث يقولون صوت انفجاري يحدث نتيجة إنطباق يعقبه إنفصال مفاجئ في نقطة معينة في المدرج الصوتي فكلاهما متقارب لكن الفارق أن الجيم مجهور والتاء مهموس. الجيم يهتز معها الوتران الصوتيان ويكون هذا الصوت أظهر وأنصع وأحياناً من مخرج واحد أحد الصوتين مجهور والآخر مهموس. التاء والدال من مخرج واحد لسانك يكون في نفس الموقع لما تقول (قد) تقلقل نجد نوعاً من الرنين لكن لما تقول (قت) التاء مهموسة ليس فيها الجهر. المجهور أقوى وأظهر ولذلك نقول جاء أظهر من أتى أو فيه شيء من الجهر والقوة أكثر من أتى.
الإدراك يكون بمعنى القرب الشديد لكن فيه صورة تشعر بنهاية الفرار من شيء كأنما هناك فارٌّ ومن يلاحقه إلى أن يدركه فينتهي فراره وأيضاً فيها قرب لما يدركه ويوقف فراره. أدركه فيها معنى القرب وفيها صورة هارب وهناك من يلاحقه، من يدركه.
التوفّي: أخذ الشيء وافياً غير منقوص فيه معنى القرب لأن الأخذ يكون قريباً من ما يأخذ. هذه بصورة عامة.
حضر:
حضر يمكن أن تلمس فيها ما هو شديد القرب وشدة القرب ظاهرة في الآيات:
أولاً: في سورة البقرة (أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي (133) البقرة) يعقوب u مفعول به مقدم للعناية لأن القصة متوجهة ليعقوب وليس للموت فقدمه للإهتمام به ثم ذكر الفاعل. إذن حضره الموت وهو يتكلم معناه الموت صار قريباً منه، شارف على الموت لكن وقوعه لم يتحقق، لم يمت بعد بدليل أنه كان يكلم أبناءه ويوصيهم فالموصي لم يمت بعد ولم يفقد وعيه بعد. فالموصي إنما يذكر وصيته أو يؤكدها وهو يرى أنه شارف على الموت أو أن الموت قريب منه لكن وقوعه لم يتحقق بعد بدليل أنه يتكلم ويوصي.
ثانياً: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180) البقرة) إهتمام بالمتقدم وإبعاد شبح الموت الحقيقي. الآية في الوصية والموصي يكون في وعيه ويتكلم لكن ليس أن الموت اقترب منه.
ثالثاً: (يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ (106) المائدة) أيضاً الآية في الوصية.
رابعاً: (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَـئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (18) النساء) التوبة المرفوضة هي التي تكون حين يشرف الإنسان على الموت ويدرك أنه صار قريباً منه كأن الموت لم يقع بعد بدليل أنه استطاع أن يتكلم فهو لم يمت بعد. وعلى هذا نقول أن كلمة (حضر) عندما تأتي مع الموت فيها معنى القرب والمشاهدة وكأنه فيها نوع من التجسيد للموت كأن الموت حيٌّ يحضر مع من يحضر حوله من أهل الذي ينازع فيشهد هذا الموت.
جاء:
أما (جاء) ففيه معنى القرب الشديد وتحقق الوقوع. هذا الفعل استعمل في القرآن بهذه الصيغة.
قال تعالى في سورة الأنعام (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ (61)) مجيء الموت هنا معناه وصول عمر الحيّ إلى نهايته فكأن الموت يخبر بهذه النهاية وتقدير الكلام: إذا جاء قضاء الموت على الحيّ توفت روحه الملائكة أي أخذتها وافية غير منقوصة. (جاء أحدكم الموت) أي اقترب منه ووقع حدث الموت. استوفت الملائكة روحه فيه القرب الشديد وتحقق الوقوع.
وفي سورة المؤمنون (حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99)) قد يقول قائل هم يتكلم ما أدركه الموت، كلا. الكافر يقول رب ارجعون بعد قبض روحه، الرجوع إلى الدنيا يريد أن يرجع إلى الدنيا بعد أن يخرج من الدنيا فإذن هنا معناه (جاء أحدهم الموت) أي اقترب منه وتاله وفارقته الروح. عند ذلك لما يرى ما يرى من هول الحساب يبدأ يقول رب ارجعون. طلب الرجوع إنما يكون لمن فارق الحياة وليس لمن هو في هذه الدنيا. موضعان في القرآن ورد فيهما (جاء) فيهما معنى المفارقة، مفارقة الروح.
يدرك:
في سورة النساء (أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ (78)) الآية كأنما تصور من ينتقل من مكان إلى آخر هرباً من الموت والموت يسعى وراءه حتى يدركه أينما كان ولو كان متحصناً في بروج مشيدة قوية الجدران محكمة الأبواب. لما يدركه يكون قريباً منه ويقبض بعد ذلك. يُفهم من الآية أنه يموت قطعاً. يدرككم أي لما يصل إليكم وسيكون نتيجته مفارقة الحياة. وفيه صورة الملاحقة والهارب الذي يلحقه شيء. حتى في المجاز تقول أدركت ما يريد فلان أي تتبعت عباراته بحيث وصلت إلى الغاية من عبارته.
الآية الأخرى في سورة النساء (وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (100)) هو مهاجر لما هاجر هاجر فراراً بدينه وحياته وهو خارج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله كأن الموت يسعى وراءه (ثم يدركه الموت) الخارج من بيته مهاجراً إنما خرج فراراً بدينه من أن يفتنه الكفار فهو فارٌ منهم لكن الموت يتبعه ويدركه في طريق الهجرة وهذا أجره عظيم فقد وقع أجره على الله كما قال تعالى (فإنه ملاقيكم) الموت هنا لم يأت فاعلاً وإنما إسم إنّ (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ (8) الجمعة).
يأتي:
في سورة ابراهيم (يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (17)) إتيان الموت المراد به إتيان أسبابه من وسائل العذاب لأن الكلام على المعذَّب بنار جهنم العذاب في جهنم بعد قيام الساعة (لا موت). (يأتي) هنا بمعنى إتيان أسباب الموت، أسباب التعذيب تصيبه وتلاحقه في كل مكان وتأتيه اسباب الموت لكن (وما هو بميت) لأنه في النار لا يوجد موت وإنما عذاب. الموت قريب منه بمحيء أسبابه لأن الإحراق من أسباب الموت لكن الإحراق بالنار يوم القيامة هو من أسباب الموت لكن لا يفضي إلى الموت فالموت قريب منه لكنه لا يقع.
وفي سورة المنافقون (وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ (10)) هذا القول يصلح أن يكون قبيل الموت أو بعده لأن قوله (رب لولا أخرتني) (لولا) كلمة عرض كما تعرض تقول لولا زرت أخاك المريض أي أقترح عليك أن تزور أخاك المريض مع تحبيب الأمر. (رب) يتحبب إلى الله تعالى وما قال في الآية (يا الله لولا أخرتني) لأنه يرعض على الله تعالى أن يؤخره إلى أجل قريب يعطيه فرصة عندما أناه الموت. يمكن أن يقول قال هذه الكلمة التي فيها معنى الرجاء والعرض بعد وفاته أو يقولها في نفس لحظات وفاته. الإتيان فيه معنى المقاربة الشديدة وفي الموضع الثاني تحتمل الوقوع.
يتوفى:
ورد في موضع واحد في سورة النساء (وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً (15)) جعل الله تعالى لهن سبيلاً بالحدّ عندما نزلت الآيات وأخبر الرسول r بحدّ مرتكبة الفاحشة. (يتوفاهن الموت) التوفي هو أخذ الشيء كاملاً غير منقوص. الموت لا يقوم بأخذ الشيء وافياً وإنما أُسند العمل إلى الموت على سبيل التوسع لعلاقة السببية لأن الموت معناه إنقضاء العمر الذي يؤدي إلى أن تؤخذ روحه وافية غير منقوصة، أنه يتوفّى. الموت ليس هو الذي يأخذ الروح لكن الموت إيذان بانتهاء العمر، ما بقي لهذا الإنسان من عمره شيء فهو ميّت. الذي يتوفى هذه الأنفس (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ (61) الأنعام) الملائكة التي تأخذ الروح وحتى الرسل الملائكة ليست هي التي تتوفى الأنفس لأن (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (42) الزمر) النسبة الحقيقية أي الفاعل الحقيقي لهذا التوفي هو الله سبحانه وتعالى، الملائكة وسيلة والموت سبب. الله سبحانه وتعالى ينسب أحياناً الفعل لغيره باعتباره الغير سبب أو مرتبط بأمره (مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا (10) فاطر) حصر هنا العزة لله عز وجل وحده دون غيره وفي موضع آخر قال (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (8) المنافقون) إرتباط الرسول r بالله، هو رسول الله فمنحه الله تعالى العزة. كذلك هاهنا لما قال تعالى (حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ) يعني يستوفي أرواحهن الموت أي يتوفاهن ملائكة الموت. قالوا كان ذلك عقوبتهن أوائل الإسلام فنُسِخ بالحدّ. في قوله تعالى (حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ) جاء اللفظ بالإسناد إلى الموت على سبيل التوسع لعلاقة السببية لأن الموت نهاية العمر فهو سبب الوفاة والذي يتوفى الأرواح الرسل من الملائكة بأمر من الله سبحانه وتعالى فالذي يتوفى الأرواح على الحقيقة هو الله سبحانه وتعالى.
بُثّت الحلقة بتاريخ 23/3/2007م