برنامج لمسات بيانية

إجابات الدكتور حسام النعيمي على أسئلة المشاهدين


الحلقة 28

سؤال 121: ما دلالة تكرار لفظة في سورة البقرة (فولّ وجهك) في الآيات 149-150 ؟

هذه الآية (فول وجهك شطر المسجد الحرام) وردت في ثلاثة مواضع في سورة واحدة هي سورة البقرة. والكلام كما هو واضح على القِبلة. إبتداء كان توجّه المسلمين إلى غير الكعبة إمتحاناً لإيمانهم إبتداءً لأنهم كانوا قد ألِفوا التوجه إلى الكعبة قبل الإسلام وألِفوا إحترامها وإجلالها وأنها هي متوجههم وإذا بالرسول r يقول لهم توجهوا نحو بيت المقدس هذا لم يكن سهلاً عليهم فتوجهوا حتى الرسول r لم يكن الأمر سهلاً عليه أيضاً فكان هذا إمتحاناً للمسلمين لذلك قال تعالى (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ) إختبار للمسلمين أنه ينبغي أن تنزعوا كل علاقاتكم بالجاهلية بما هو قبل الإسلام فنجحوا في الإختبار لكن بقيت نفوسهم حائرة. الرسول r كان كأنما يتوجه بالدعاء إلى الله عز وجل من غير أن ينطق ولذلك الآية تقول (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا) إذن الآية الأولى كان في نفسه شيء منها كسائر المسلمين فقيل له لأن الله عز وجل إستجاب لهذا الدعاء الصامت (ا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144)) إذن هذا الموضوع الأول أنه إستجابة لتطلّع الرسول r للتحول.

الموضوع الثاني وردت فيه: فيها بيان للمسلمين أن هذا الذي تحولتم إليه هو الحق حتى لا يبقى في نفوسهم شيء أنه نحن كنا إلى قبلة والآن تحولنا إلى قبلة ثانية الذي كنا عليه ما حكمه؟ إذا كان ذاك الجديد صواباً لِمَ تحولنا عنه؟ وإذا كان خطأ لِمَ كنا عليه؟ فيقول اللهم سبحانه وتعالى لهم (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (149)) حتى لا يبقى في نفوس المسلمين شيء. هذا حق فتؤمنون به أنه حقّ، هذا التحول حق فتؤمنون به وأكدّ الحق بدخول اللام (للحق) و(إنّ) و(من ربك)هذا تأكيد آخر حتى تطمئن نفوس المسلمين. هم بشر في قلبهم إضطراب فضلاً عن أن المشركين وأهل الكتاب أثاروهم بالأسئلة: يأتي إلى المسلم ويسأله كنت تصلي على تلك القبلة فهل صلاتك صحيحة أم لا؟ هل قبلتك صحيحة؟ إن كانت صحيحة لِمَ تحولت عنها؟ وإن كانت خطأ فكل صلاتك خطأ. فطمأنهم الله سبحانه وتعالى أن هذا التحول هو الحق. فصلاتكم الأولى كانت حقاً وهذه هي حق أيضاً وما يقوله الله عز وجل يُلتزم ويطمئن قلبه إليه. يبقى كما يقال شوشرة المشركين وأهل الكتاب فجاءت الآية الثالثة لتؤكد أن هؤلاء الآخرين لا قيمة لقولهم، حججهم داحضة لأنكم آمنتم بالله وبرسوله فقالت الآية وكررت لأن الأمر يحتاج لتكرار حتى يثبت في نفوسهم (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (150)) يقصد هؤلاء الذين يثيرون الأسئلة ضد المسلمين هؤلاء ظالمون لا حجة لهم الحجة لكم. جاء التكرار ثلاث مرات كل مرة له فائدة: في المرة الأولى كان إشارة لإستجابة وفي المرة الثانية كان تطميناً لقلوب المسلمين إنه الحق، وفي المرة الثالثة كان لا تعبأوا بما يقول هؤلاء فقولهم نوع من الظلم وكل تكرار في مكانه لتأكيد المعنى ثم لإرتباطه بصور متعددة.

سؤال 122: ما دلالة ذكر (فيكم) وحذفها في آيتي سورة البقرة 184-185 (أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)؟

السؤال في ذكر كلمة (منكم) . في الآية الأولى قال (منكم) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ). هنا ذكر قوماً آخرين (كما كتب على الذين من قبلكم) لما ذكر الآخرين قال (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) الخطاب عن المسلمين. الآية الأخرى بدأها بقوله (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) الكلام معهم وذكر (منكم) (وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ) واضح (منكم) لأنهم مخاطبون. فلو قال في غير القرآن : فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان منكم مريضاً يكون تكراراً لا معنى أن يقال ومن كان منكم لأنها مذكورة فلا تحتاج الإعادة بينما في المرة لم تذكر (منكم) وإنما ذكرت (من قبلكم) فقال (منكم) والخطاب والكلام مع المسلمين.

سؤال 123: ما دلالة الإختلاف في رد العبد الصالح على موسى في سورة الكهف (قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (72)) و(قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (75))؟

هذه القصة معوفة عند المسلمين لأن كل مسلم يقرأ سورة الكهف كل جمعة. كأن الله سبحانه وتعالى أراد أن يعلم موسى أن العلم الذي عندك هو من الله عز وجل ويمكن أن الله سبحانه وتعالى يعطي علماً لغيرك أكثر مما أعطاك حتى لا يتألّى على الله سبحانه وتعالى. الكل يشعر بالضعف تجاه رب العزّة سبحانه وتعالى. فهذا الرجل الصالح قال لموسى إبتداءً : (إنك لا تستطيع معي صبراً وكيف تصبر على ما تحط به خبرا). هناك أمور سوف لا تكون لك معرفة بها فأنت سوف لن تصبر عليها ولو نظرنا إلى إعتراضات موسى u لوجدناها كلها وجيهة، الإعتراضات الثلاثة كلها كانت وجيهة (خرق السفينة، قتل الغلام، إعادة بناء الجدار) من حقه أن يسأل كيف خرقت السفينة؟. هذه الوقائع جعلته ينسى في البداية وحتى في المرات الثلاث نسي لكن وجد نفسه أنه لا يستطيع أن يسكت: ففي المرة الأولى لما خرق السفينة قال (أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئاً إمرا) قال (ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا) أي ألم يصدر مني هذا الكلام؟ أنا قلت هذا الكلام فكيف نسيته؟ كيف غفلت عنه؟ هذه المرة الأولى فجعل الكلام عاماً.ألم أقل يعني صدر مني هذا القول. لما تكررت في المرة الثانية (قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا) أي أنا كلامي كان معك فكيف تغفل عن هذا؟ في المرة الأولى لأن أول مرة قال (ألم أقل) ولكن لما كرر السؤال كرر الإعتراض ذكّره أن الكلام لم أقله عاماً وإنما ألم أقله لك حصراً؟ فكيف تغفل للمرة الثانية؟ فمجيء (لك) هنا كما يقول نابتة في مكانها أنه معك كنت أتكلم فكيف تغفل؟ في المرة الأولى لم يقل (لك) لأن الكلام كان عاماً لأنهالنسيان أول. في المرة الثانية (لك) حصراً ولذلك فناسب في المرة الثالثة أن يقول (هذا فراق بيني وبينك) لم يقل (أقل) أو (أقل لك) إنتهينا هذه المرة الثالثة. فإذن هو تدرج طبيعي: في المرة الأولى كان الكلام عاماً (ألم أقل) وفي المرة الثانية ذكّره أن الكلام كان معه حصراً فلا ينبغي أن ينسى وأن يغفل (ألم أقل لك) والثالثة قال إنتهى (هذا فراق بيني وبينك) فلا ينبغي أن ينسى.

سؤال 124: ما تفسير ملك اليمين (وما ملكت أيمانهم)؟

العرب عادة تستعمل كلمة اليمين إشارة إلى المِلك والقوة والإستحواذ على الشيء وهم لا يريدون اليمين التي هي غير الشمال. يقولون هذا الأمر في يميني أي في سيطرتي وقدرتي وفي مِلكي.  فما سُمّي بملك اليمين معناه العبيد الذين كانوا يباعون ويشترون بحيث أن الإنسان يكون مالكاً لهم كأي حاجة من الحاجات هذا ملك اليمين. ويكون عادة  من الذكور والإناث. تحتاج هذه المسألة لوقفة قصيرة في بيان موقف الإسلام لأن هذا متكلّم فيه. الإسلام أقر ظاهرة هي ظاهرة الرقيق بيع الإنسان وشراؤه فكيف أقرّه؟  ملك اليمين هم الرقيق. حتى تتضح الصورة أن الرق كان نظاماً عالمياً في كل العالم إذا كان العالم في وقتها بآحاد الملايين كان الرقيق بعشرات الألوف، يعني في كل بلدة وقرية وكانت ظاهرة إجتماعية لا يكاد بيت يخلو من عبد أو أمة أو أكثر ولما نقرأ السيرة كيف فعل المشركون بمن عندهم من الرقيق وكان هناك أسواق للنخاسة والإسلام لما واجه هذه المشكلة لم يحلّها كما حلّ مشكلة الخمرة مثلاً على مراحل سريعة متتابعة إلى أن قال تعالى (فهل أنتم منتهون) قال المسلمون إنتهينا يا رب وسكبوا خمورهم في شوارع المدينة حتى صارت تجري فيها الخمور أنهاراً. فلو تخيلنا أن الله تعالى قال للمسلمين في الكف عن الرقيق (فهل أنتم منتهون) وأخرج كل من عندهم من رقيق للشارع فماذا كان يحصل؟ كان سيحصل فساد لأنه نساء ورجال يُخرجون إلى الشارع. لكن ماذا صنع الإسلام؟ بعض الكُتّاب يشبه فكرة الرقيق بحوض ماء تصب فيه مجموع حنفيات وفي أسفله ثقب صغير. هذه الحنفيات التي تصب كانت موارد الرِق وأعظم مورد كان الحروب ثم الدَيْن إذا كان إنسان يطلب إنساناً آخر بدين معين ولم يوفيه يمكن ن يترقه ثم السرقات ثم الولادة (ما يولد للرقيق) حنفيات كثيرة والمنفذ الوحيد الذي كان هو الموت لا ينقذ العبد أو الأمة من الرٌق إلا الموت وإلا تبقى تباع وتشترى. الإسلام ماذا صنع؟ أغلق جميع الحنفيات وأبقى واحدة للمقابلة بالمثل وهي الحرب لأنه لو الإسلام منع الرق في الحرب لكان يستهان بالمسلمين ويسترقون فجعل هذا مقابلة بالمثل في الحروب. وفتح فتحات كبيرة في داخل الحوض تفرّغ الماء وأهم فتحة فتحها الإسلام هي المكاتبة: يعني أن أي عبد أو أيّة أمَه تستطيع أن تذهب للقاضي وتقول له أنا أريد أن أتحرر فليكاتبني من يملكني فيبعث القاضي على السيد أو مالكه ويقول له مثل هذا أو مثل هذه ثمنه في السوق بقدر كذا حتى لا يشتط السيد في الثمن فتكاتب معه يعمل ويسد لك الأجر فإذا أنهى سداد الأجر يكون حُرّاً. (وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ (33) النور) شرط أن يكون بإستطاعته أن يسد وأن يعمل. (وآتوهم من مال الله) ليس هذا فقط وإنما أعينوهم على المكاتبة هذا وحده كان يكفي لإنهاء الرق أن أي عبد أو أمه تريد أن تكاتب لا يستطيع سيدها أن يمتنع يبتغي الكتاب فكاتبوهم أمر. هذه واحدة تكفي لإنهاء الرق أن أية عبد أو أمة تريد أن تكاتب لا يستطيع السيّد أن يمتنع. مع ذلك الإسلام لم يكتف بهذه وإنما أضاف شيئاً آخر. الشيء الآخر نحن عندنا الزكاة لها مصارف (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (60) التوبة) الصدقات يعني الزكاة  ثمانية مصارف. (وفي الرقاب) في إعتاق العبيد والرقبة تستعمل إشارة إلى هؤلاء العبيد. فإذن الدولة لما تجمع أموال الزكاة عندها ثمانية مصارف تصرفها ، ثُمن واحد من ثمانية إذا أرادت أن تقسم بالتساوي أن تنظر من يريد أن يتحرر ولا يملك تدفع له. هذا إضافة إلى المكاتبة هذا باب واسع فتحته الشريعة الإسلامية لتخليص هؤلاء. باب آخر الذي هو الكفّارات مثلاً (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (92) النساء) (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ (89) المائدة) (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3) المجادلة) . باب آخر أيضاً هو الكفارات فيها تحرير الرقاب. الباب الرابع هو التطوع وهذا التطوع باب لا ينتهي (وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ (177) البقرة) (وما أدراك ما العقبة فك رقبة) هذا التحبيب هذا فقط في القرآن وفي الأحاديث هناك أحاديث كثيرة تتحدث عن إعتاق الرقاب فإذن الإسلام خطا خطوات بعيدة المدى لإذابة وإنهاء الرِقّ. لكن لأنه كان نظاماً عالمياً بقي هذا المنفذ الذي هو منفذ المقابلة بالمثل، الآن إنتهى هذا الأمر وقررت الأمم المتحدة إنهاء الرِقّ والإسلام ليس عنده مشكلة في هذا. لا يقول لك الإسلام ينبغي أن يسترق أبداً إذا وجد هذا النظام يحاول أن يذوّبه لأنه لو فعل كما فعل في الخمرة وأخرج الناس إلى الشوارع يحصل فساد إجتماعي تتحول إلى سرقات وزنا وقتول وغيره. إمرأة في بيت مستور تأكل وتشرب وتعيش وتخدم لكن حاول الإسلام أن يصفّي هذا النظام الموجود لما أُلغيت فكرة أسرى الحروب يكونون رقيقاً والإسلام ليس عنده مشكلة. لا يوجد الآن ملك اليمين لأنه من أين تأتي به؟ الآية كانت خاصة بظروفها إلى عهد قريب أما الخادمات الآن هم أحرار يعملون بمرتّب ولا يجوز معاشرتها معاشرة المرأة إلا أن يعقد عليها فملك اليمين لم يعد موجوداً الآن. لو دخلت دولة مسلمة الحرب مع دولة كافرة يكون أسرى بيننا وبينهم ، هم لا يسترقون أسرانا فلا يجوز أن نسترق أسراهم لأنها بالأصل هي مقابلة بالمثل فإذا أنتم لم تفعلوا هذا فنحن لسنا مستعدون لفعلها.

سؤال 125: ما معنى قوله تعالى (إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56) هود)؟

نحن نقول دائماً أن كل ما تعلق بالكلام عن الله سبحانه وتعالى وعن صفاته وعن أسمائه هذا كله المسلمون فيه على قولين: قول وهو المشهور وهو مذهب الإمام أحمد ومن تابعه يقولون هذه الآيات نُمِرّها كما هي (إن ربي على صراط مستقيم) يعني إن ربي على صراط مستقيم. وفريق آخر من المسلمين من أهل العلم والصلاح والتقوى والورع لا نتهمهم قالوا: لا. القرآن خاطب العرب ننظر كيف فهم العربي هذا فنحاول أن نأؤل بما يوافق لغة العربي وما فهمه العرب نتأول بما تحتمله لغة العرب وليس على الهوى. هذا الكلام ينفعنا الآن في نشر الدعوة لأنه الآن أنت تريد أن تترجم تفسير القرآن للناس فلا تقول لهم أمِرّوا هذا ولكن إنظر كيف فسّر  العلماء المسلمين من الأتقياء الصالحين هذا وأستفيد منه وأترجمه. للمسلم نقول له نُمِرّه أما لغير المسلم فلا أقول هذا ولكن أستفيد مما قاله علماؤنا الذين كانوا على جانب عظيم من الصلاح والورع والتقوى لا نتهمهم فالذي قال هذا الكلام على جانب عظيم من الصلاح والورع والتقوى والذي قال هذا الكلام على جانب عظيم من الصلاح والتقوى ولكنهم إختلفوا في الإجتهاد وفي الفهم. الفهم الثاني الآن نحتاج إليه. لما يقول (إن ربي على صراط مستقيم) الآية تتحدث عن أحد رسل الله تعالى قال: (قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (54) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56)) مجاهد يقول على الحق. غيره يقول فيه إضمار: إن ربي على صراط مستقيم تعني إن ربي على الحق فلن يسلّطكم عليّ هذا التأويل وهذا كلام أحد الأنبياء (قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (54) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ) هو لا يخشى منهم، (إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها) يريها طريقها، (إن ربي على صراط مستقيم). يعني إن ربي على الحق فلن يسلطكم عليّ. هم هددوه بعضهم قال فيها إضمار يعني يدل على الصراط المستقيم وهذا لا يتناسب مع سياق الآية والذين يتناسب مع سياق الآية : إن ربي على الحق فلن يسلّطكم عليّ.

سؤال 126: لماذا استعمال النفي في آية سورة الأعراف (ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17))؟

هذه الآية على لسان إبليس. لما قال (ثم لآتينهم) هذه الآية فيها تحذير كبير من مخاطر هذا المخلوق الذي أخذ على نفسه عهداً أن يضل ذرية آدم (ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِم) لا يترك مكاناً، من أي مكان وبأية وسيلة من الوسوسة. (ولا تجد أكثرهم شاكرين) نقول الشكر لله. هو بيّن كلامه على ظنّه أنه نتيجة هذه التصرفات أكثر بني آدم لا يشكرون الله سبحانه وتعالى. الذي يتناسب مع ظنّه أن يستعمل لا النافية لأن (لن) فيها معنى تأكيد ومعنى التأبيد على رأي الزمخشرية (قال لن تراني) يعني للأبد وفيها دفع للمستقبل فإبليس لا يستطيع أن يقول (ولن تجد أكثرهم شاكرين) لا يصلح أن يستعمل (لن) لأنه لا يملك ذلك، هو يستطيع أن ينفي (لا تجد أكثرهم شاكرين) أما (لن) فهي كلمة متأكّد متثبت يجزم بوقوع الحادثة وهو لا يستطيع أن يقول هذا الكلام وإنما يقول (ولا تجد أكثرهم شاكرين). ولذلك المستحسن أن يقول من يقرأ هذه الآية ليفقأ عين الشيطان أن يقول: الشكر لله، الحمد لله.

سؤال 127: في الآية 82 في سورة النساء قال تعالى (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82)) فهل هناك إختلاف قليل؟

(أفلا يتدبرون القرآن) هذا نوع من التحضيض والحثّ والسؤال الإستنكاري كيف هؤلاء يقولون أن هذا من عند غير الله؟ ألا ينظرون في آياته؟ (أفلا يتدبرون القرآن)  لما يدعوهم إلى تدبره معناه أنه ليس فيه إختلاف ولا ريب وليس فيه مشكل ثم يقول لهم (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه إختلافاً كثيرا) هم كأنهم يلقون هذا الشيء كأنهم يرونه ويلمسونه (لوجدوا فيه إختلافاً كثيرا) السؤال يقول: كأنه لما قال كثيراً مفهوم المخالفة كأن فيه إختلاف قليل، هو ليس هكذا. (لو) حرف إمتناع لامتناع تقول: لو زارنا زيد لوهبناه مالاً كثيراً. قلت كثيراً لنوع من المبالغة أي الإكثار من الشيء وليس المبالغة كما تفهم الآن بمعنى الكذب، العرب تستعمل المبالغة للإكثار مثل غفر غافر والمبالغة فيها غفور وغفّار.فالبمالغة ليست بمعنى الكذب وإنما الكثرة فيها. فلما قال : لو زارنا زيد لوهبناه مالاً كثيراً تعني نحن نُكرِم بكثرة. هو ما زارنا إذن ما وُهِب لا قليلاً ولا كثيراً فإمتنعت الهبة لإمتناع الزيارة فما أخذ لا من القليل ولا من الكثير. وهنا أيضاً لو كان من عند غير الله ولكن هذا القرآن من عند الله فلو كان من عند غير الله لوجدوا فيه إختلافاً كثيراً . إمتنع الإختلاف قليله وكثيره لإمتناع كونه من عند غير الله. يبقى هذا الإختلاف الكثير كما قلنا للمبالغة لو كان من عند غير الله كانوا وجدوا فيه إختلافاً كثيراً لكن أصل الإختلاف إمتنع لإمتناع كونه من عند غير الله فهو من الله إذن ليس فيه خلاف. تماماً كما في المثل الذي ذكرناه وقلناه (لو زارنا زيد لوهبناه مالاً كثيراً) إمتنعت هبة المال بقليله وكثيره لإمتناع الزيارة. وقلنا (لو) حرف إمتناع لإمتناع فلا يقال القرآن فيه إختلاف قليل كلا هو لا فيه إختلاف قليل ولا كثير. الإختلاف كله منفي لأن القرآن هو من عند الله سبحانه وتعالى.

سؤال 128: قال تعالى (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24) الأنفال) وجاءت في القرآن آيات كثيرة عن الربط على القلوب فهل هناك تناقض بين الربط والحول؟

هذا السؤال يدخل أيضاً ضمن ما قلناه على صفات الله تعالى لكن لما يكون هناك نوع من التفسير والإيضاح نأخذ برأي الذين أوضحوا. الآية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24)) هذا الدين هو حياة لكم فإستجيبوا بدعاء الرسول r لكم. معناه أن الله سبحانه وتعالى أعطاكم هذه السمة وهذه الميزة أن يتوجه إليكم الرسول r بالدعوة وأن تستجيبوا لكن الله عز وجل قادر على أن يرغمكم إرغاماً على الإستجابة. (واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه) قلبك يتجه إلى ماذا؟ الله سبحانه وتعالى يحول بينك وبين قلبك يأخذ هذا القلب ويتصرف فيه كما يشاء وأنت لا تستطيع أن تتصرف فيه فعند ذلك يمكن أن يرغمك إرغاماً على ما يريد (واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه). القلب في لغة العرب هو موطن العقل والفكر والعاطفة وكل شيء فالقرآن يستعمله على فهمهم. وأن هذا القلب الذي هو  يوجهك هو يجعلك تختار إعلموا أن الله تعالى قادر على أن يحول بينكم وبينه فيأخذه ويكون حائلاً بينك وبين قلبك  وهو يتصرف فيه فإذا تصرف فيه لا يكون لك قيمة في أن تستجيب أو لا.لكن الله عز وجل أكرمك بأن طلب منك الإستجابة لأن فيها ما يحييك (إذا دعاكم لما يحييكم) أي نداء وأي دعوة هو لحياتكم (واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون) أي ستعودون إليه وعند ذلك يكون الحساب. فلو شاء عز وجل لحملكم حملاً على الإستجابة فهو نوع من تكريم هذا الإنسان بأنه دُعي إلى الإستجابة إلى ما يدعوه إليه الرسول r.

(وربطنا على قلوبهم) في سورة الكهف: هؤلاء أعلنوا إيمانهم وقفوا أمام الناس وأعلنوا إيمانهم قالوا(وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (14)) فاشتُهِر أمرهم فالله سبحانه وتعالى صبّرهم على هذا الإيمان (وربطنا على قلوبهم) لأن أصل هو الربط الشدّ والتقوية عندما تشد شيئاً تقويه. (وربطنا على قلوبهم) بمعنى قوّينا قلوبهم بالصبر صبّرناهم على هذا الإيمان حين قاموا فقالوا هذا الكلام الذي قالوه . وكذلك في قصة أم موسى (إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها ) يعني قوّيناه وصبّرناه والربط على القلب هو التقوية لأنهم أعلنوا إيمانهم بين قوم، إعلان الإيمان هذا كان يمكن أن يودي بحياتهم ويموتوا ولذلك بعد أن أعلنوا تركوا البلد وفرّوا بدينهم وذهبوا إلى الكهف لكن العلماء يقولون المسلم إذا علِم أن في موته حياة للآخرين في ثباته وموته حياة للآخرين كما قال الإمام أحمد رحمه الله لما كان يُجلد فقيل له: قُل كما يقول المأمون فقال: إن ثباتنا ثبات المسلمين وتحمّل. والغلام الذي في قصة أصحاب الأخدود هو علّم الملك كيف يقتله لأن الملك حاول 3 أو 4 مرات ولم يستطع أن يقتل الغلام فشاع أمره في البلد فقال: أنا أدلك كيف تقتلني: تأخذ سهماً من كنانتي وتقول بصوت عال تجمع الناس على صعيد واحد وتقول بسم الله رب هذا الغلام فإنك تقتلني فالملك قالها لإرتباكه لأنه أراد أن يخلص منه فآمن الناس فقالوا: آمنا برب هذا الغلام. فكان في موت الغلام وتضحيته بحياته إحياء للآخرين بالإيمان.

سؤال 129: صفات الرسول r في القرآن جاءت (رحمة للعالمين) وصفات العبد الصالح في سورة الكهف (وآتيناه من لدنا رحمة) متشابهة فهل هناك قيد أن الرسول r هو العبد الصالح صاحب موسى كما جاء في سورة السجدة (فلا تك في مرية من لقائه)؟ وهل اللغة تشير أن الرسول r كان موجوداً في عالم الأمر وكذلك العلاقة بين الرسول r وموسى u في الإسراء؟

الرجل الصالح (آتيناه رحمة من عندنا) أُعطي رحمة وأعطي علماً والرسول r وُصِف بأنه (بالمؤمنين رؤوف رحيم) أعطاه الله عز وجل صفتين من صفاته  أكرمه بهاتين الصفتين(رؤوف ورحيم) فهو r كله رحمة ورأفة بخلاف العبد الصالح أُعطي من الرحمة وأعطي من العلم.  أن يُعطى الإنسان شيئاً غير أن يكون إنسان آخر هو الشيء كله هناك فارق.ولم يرد في الحديث الصحيح ونحن إذا لم يرد شيء في كتاب الله أو في ما صح عن الرسول r الخوض في الغيبيات متاهة. وأن هذا العبد الصالح هو الرسول r هذا الكلام لا نقبله لأنه لم يرد في حديث صحيح. هو رجل صالح كما قال عنه القرآن هل هو الخضر هل هو إنسان آخر ويعنينا الحكمة منه أن علم الغيب لا يعلمه إلا من يُعلّمه الله سبحانه وتعالى لأن كل ما إعترض عليه موسى u كان من علم الغيب (خرق السفينة هناك ملك وراءها لا يعلمه أحد في الدنيا، قتل الغلام من علم الغيب، إعادة بناء الجدار) كله من علم الغيب لا يمكن أن يعلمه موسى لكن هذا الرجل علّمه الله عز وجل هذه الأمور الثلاثة فبهذا القدر. فلا ينبغي أن نحمّل النص ما لا تحتمله لغة العرب لا يجوز.

سؤال 130: ذكرت سابقاً الفرق بين القلب والفؤاد فما دلالة قوله تعالى في سورة القصص (فأصبح فؤاد أم موسى فارغاً إن كانت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها)؟

العرب تستعمل القلب والفؤاد بمعنى واحد ولكن الحديث فرّق بين الإثنين فجعل الفؤاد للغشاء " أرقّ أفئدة وألين قلوباً" فأخذنا بقول "اللسان" أنه يكون الغشاء هو الفؤاد وهذا لا يتعارض مع الآية ففراغ فؤاد أم موسى يتضمن فراغ القلب أيضاً وليس فراغاً حقيقياً وفيه إشارة إلى عدم الإنشغال فهي لم تعد منشغلة. وقوله تعالى (لولا أن ربطنا على قلبها) أي صبّرناها لأن الربط على القلب بمعنى التصبير ، ربط على قلبه أي صبّره هكذا هي في المعجم.

 بُثّت الحلقة بتاريخ 9/3/2006م


الحلقة 29:

سؤال 131: ما هو إعراب لفظ الجلالة (الله) في قوله تعالى (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا)؟

هذا السؤال سأله أحد المشاهدين في الحلقة 27 فكانت إجابة الدكتور حسام النعيمي كما يلي:

هي بدل من الضمير المحذوف الذي هو مثل لا إله إلا الله. (الله) بدل من ضمير مستتر هو (الله). (لو كان فيهما آلهة إلا الله) بمعنى ما فيهما آلهة إلا الله يكون هكذا التقدير. الجار والمجرور دائماً يتعلقان فيحنما تعلقهما تعلقهما بكائن أو موجود. إسم الفاعل يتحما ضميراً على رأي جمهور النحويين. الكوفيون قالوا حتى إذا كان جامداً يتحمل الضمير يعني هو بدل من الضمير المستكن في إسم الفاعل الذي يتعلق بالجار والمجرور. (إلا) أداة إستثناء ملغاة لأنه (لو) بمعنى النفي (لو كان) أي (ما كان) أصل التركيب: لو كان فيهما أحد موجود. كلمة (الله) بدل من هو هذا.

ثم وردت للدكتور حسام إتصالات تستوضح أكثر عن هذا السؤال فكان له هذه الإجابة المفصلة في هذه الحلقة:

نحن في هذا البرنامج نحاول جاهدين أن نعين السائلين لتفهم كتاب الله تعالى والتلذذ ببعض الجوانب البيانية التي فيه. ونفترض في كل سائل لديه إشكال في جزئية فيحاول أن يتفهمها ونحن نحترم كل سؤال وصاحبه. قبل حلقة أو حلقتين جاءنا سؤال يتعلق بإعراب لفظ الجلالة (الله) في قوله تعالى (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا). الإعراب هذا يتعلق بفهم المعنى. كيف يُفهم المعنى؟ أنا تصورت وما زلت على هذا التصور أن السائل إطّلع على شيء من كلام القدماء في إعراب هذه الآية ولم يقتنع به. وكلام القدماء فيه شيء من الشك يعني أنت لا تستطيع أن تقول أن الكلام مقنع مئة في المئة حينما يقولون لنا إن (إلا) لكن الذي مِلت إليه في وقته وقلت السائل لم يقتنع به وأنا لم أقتنع به ونحن نحن لا نصل إلى غبار خيولهم ومع ذلك نحن لسنا ملزمين بكل ما يقولون. فالذي ذهبوا إليه وحتى قسم من المعاصرين أن (إلا) بمعنى غير. و(غير) صفة كلها (إلا الله) لأنه أشكل عليهم إذا كانت (إلا) بمعنى (غير) فالمفروض أن تكون (اللهِ) لأنه تصير مضافاً إليه فأشكل عليهم هذا وقالوا هي لا تظهر عليها الحركة فظهرت على ما بعدها على لفظ الجلالة. لما أعربوها صفة لاحظ المعنى كيف سيكون: لو كان فيهما آلهة مغايرة لله لفسدتا. إذن غير داخل فيها الآلهة غير المغايرة التي كانوا يقولون عنها (إنما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) هذا الكلام غير مقبول وإن أجمعوا عليها، قالها سيبويه أوالكسائي وتبعهم من تبعهم لكن أنا لا أفهم الصفة هنا ولذلك قلت كما أنهم قالوا النفي يمكن أن يكون في المعنى ليس في اللفظ ذكروا البيت الشاهد:

وبالصريمة منها منزل خَلَق عافٍ       تغيّر إلا النؤي والوتِد

قالوا تغيّر بمعنى (ما بقي على حاله) فإذن هو فيه  معنى النفي.الذي ذهبت إليه أن (لو) فيها معنى النفي وعندما نقول (لو زارني زيد لأكرمته) معناها هو ما زارني لأُكرِمه. تسألني: أأكرمت زيداً؟ أقول لو زارني لأكرمته . فـ (لو) فيها معنى النفي ومن هنا قلت في قوله تعالى (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) معناها الأول ذكرت هذا وإن كان فيه بُعد في التأويل لكن المعنى يستقيم لكن عندما نقول (لو) بمعنى (ما) أي (ما فيهما من آلهة إلا الله) مثلما قال (لا إله إلا الله) والإعراب يكون بدل من الضمير في ما تعلق به الخبر (الجار والمجرور). (ما فيهما آلهة إلا الله) ثم هناك شرط محذوف يدل عليه ما ذُكِر (لو كان ذلك لفسدتا) العبارة تكون بهذا الشكل (لو كان ذلك) هذا محذوف لأنه ذُكِر سابقاً وحافظنا على (لو) وحافظنا على إعتبار (إلا) أداة حصر و(الله) بدل من الضمير المستتر الموجود فيما تعلّق به الجار والمجرور (في الخبر المحذوف) (فيهما) يتعلقان بخبر محذوف. الخبر المحذوف إسم فاعل وإسم الفاعل يتحمل الضمير فهذا بدل من الضمير الذي هناك من حيث الصناعة الإعرابية مثل إعراب (لا إله إلا الله) سواء بسواء. (الله) ليس بدل من آلهة وإنما بدل من الضمير المستتر في كلمة موجود أو كائن هو (لو كان فيهما آلهة موجودة) فهو من الضمير المستتر والبدل صناعي أُنظر كلمة (لا إله إلا الله) كيف يعربون الله؟ إنه بدل من الضمير المستتر في خبر (لا) (لا إله موجود أو كائن إلا الله) هنالك ضمير موجود أو كائن والله بدل منها وبعضهم قال (إلا) بمعنى سوى، وبعضهم قال (غير) إبن الضائع قال  لا غير ولا سوى وقال بمعنى (بدل) (لو كان فيهما آلهة بدل الله لفسدتا) وحلّ المشكل.لماذا ظهر الرفع؟ إذا حُذِف المرفوع نعوّض كما في (واسأل القريةَ: إسأل أهل القرية( منصوبة)). أنا مِلت لهذا ولكل رأيه ومن أراد أن يتشبث بكلام القدماء فهو حرٌ في ذلك.

(الله) بدل من الضمير المستتر في الخبر الذي يتعلق به الجار والمجرور. الجار والمجرور لا بد أن يتعلقا ويكون هناك شرط محذوف أيضاً (لو وقع هذا أو لو كان هذا لفسدتا) صحيح أن فيه بُعد في التأويل لكن يستقيم المعنى. قسم يقول (لو) أداة شرط  كلا، هي فيها معنى النفي كما قالوا في (تغيّر) معنى النفي وأجازوا أن يساوي (تغيّر إلا النؤي والوتد) قال هذا يساوي: ما بقي على حاله إلا النؤي والوتد. نوع البدل هنا هو  بدل كل ٍ من كُل، أبدلت هذه الكلمة من هذه الكلمة.

 لا توجد (غير) هم ظنوا أن (إلا) هنا معناها معنى (غير) ولذلك هذا الكلام فيه نظر فكيف تقول إلا فيها معنى غير وتذهب فكرة الحصر بينما الرأي الذي مِلت إليه يُبقي فكرة الحصر تبقى إلا للحصر. هذا صار أسلوب حصر صارت نفي وإلا تحول المعنى إلى حصر كما تقول (ما جاء إلا زيد) حصرت المجيء في زيد ليس هناك إستثناء. هو لونٌ من ألوان الإستثناء يسمونه لكن تحول إلى معنى الحصر ومعنى الحصر يبقى فيما ذهبنا إليه يزول فيما يقوله الذين ذهبوا إلى أنها تكون بمعنى (غير) ولكلٍ إجتهاده.

سؤال 132 : ما دلالة إستعمال كلمة بشر في قوله تعالى (قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20) مريم)؟

هل يمكن أن يقول (ولم يمسسني أحد) لتكون المسألة أعمّ وأشمل؟ لمَ قال بشر؟ المسّ في الأصل في اللغة هو اللمس باليد كأنه لمس بالأطراف، لمس مسّه فهو لمس، المسّ لمس يلمسه ومسّه بمعنى لمسه. أصل المس في اللغة هو اللمس باليد ثم توسعوا فيه فقال مسّه المطر بمعنى أصابه المطر، ومسّه طائف من الجن بمعنى أصابه. وعبّرت العرب بكلمة المسّ أيضاً عن المعاشرة الجنسية فقالوا مسّ المرأة بمعنى عاشرها لكن لفظة مأنوسة تشير إلى المسّ فبدل أن تقول والكلام على لسان مريم عليها السلام من تعبيرالقرآن (وما جامعني أحد، وما عاشرت أحداً) قالت (ولم يمسسني بشر). وبشر هنا خاصة بالإنسان. كان ممكناً أن تقول إنسان أو أحد. (أحد) كلمة عامة تصلح في الحيّ وفي غير الحيّ، تقول الشجرة أحد أغصانها مركّب من شجرة أخرى. الأحد أي الواحد. هذا القطيع أحد إِبِله مريض. لا تقول أحد وهي تريد المعاشرة لا يصلح لأن (أحد) عام. يمكن أن تقول (ولم يمسسني إنسان) لكن إختيار كلمة (بشر) فيها نوع من التناسب لأنه في بداية الآية قال تعالى (إِنَّا نُبَشِّرُكَ) كلمة نبشّرك فيها الباء والشين والراء وكلمة بشر فيها الباء والشين والراء فهذا نوع من التناسق الصوتي لأن المعنى هو هو لكن صار عندنا تناسق صوتي بين يبشرك وبشر والله أعلم. لا تصلح (أحد) هنا ولا رجل ولا إنسان. رجل قد تعني أنه يمكن أن يكون مسّها شاب صغير لأن الرجل مكتمل. كلمة البشر عامة مثل إنسان كلمة عامة أيضاً لكن فُضّلت كلمة بشر للتناسق الصوتي (يبشرك، بشر).

سؤال 133 : ما الفرق بين قوله تعالى بطونه في سورة النحل (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (66)) وبطونها في سورة المؤمنون (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (21))؟

الكلام على الأنعام في قوله تعالى (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (66)) بالتذكير والأنعام مؤنث: نَعَم وأنعام مثل سبب وأسباب. الإشارة المفروض أن تكون الإشارة إليه بالمؤنث. والفرّاء يقول الأتعام يُذكّر ويؤنّث فنقول هذا الأنعام وهذه الأنعام والفراء عالم لغوي وعندما يقول هذا الكلام يكون من سماعه للعرب ونحن نثق بكلام علمائنا حين ينقلون لنا يقولون سمعت العرب تقول كذا إنتهى الأمر هي هكذا ولذلك خمسون شاهداً من شواهد سيبويه لم يُعرف قائلها لكن إتعمدت لأن سيبويه قال سمعت شاعراً يقول هذا الكلام وهكذا تُؤخذ اللغة. فلما يقول الفرّاء وهو من علماء الكوفة الكبار: يُذكر ويؤنث ويستدل بهذه الآية (في بطونه، في بطونها). لكن يبقى السؤال لماذا ذُكّر هنا وأُنّث هنا؟ هو صحيح يجوز الوجهان. جمع التكسير إذا أُريد به الجمع ذُكّر وإذا أُريد به الجماعة أُنّث (الجماعة مؤنث والجمع مذكر) لما تقول: رجال تستطيع أن تقول قال الرجال تقصد قال جمع الرجال، وقالت الرجال يعني قالت جماعة الرجال. بهذا التأويل يأولونه. إذا أوّلته بالجمع ذكّرت وإذا أوّلته بالجماعة ذكّرت. هذا غير لأنه جمع لغير العاقل. كيف أحال عليه بالتذكير والتأنيث والفرّا ءقال يذكر ويؤنث؟

يبقى السؤال: لم ذكّرها هنا وأنّث هنا؟ ولِمَ لم يعكس؟ لِمَ لم يجعلها على طريقة واحدة؟ من التأمل فيها وهذا الكلام لعلمائنا القدماء (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (66)) قال هنا كلمة (بعض) منويّة يعني: وإن لكم في بعض الأنعام لعبرة وليس في كل الأنعام، هذا المعنى مثلما قلنا جمع الرجال وجماعة الرجال هناك نيّة. كلمة (بعض) مذكر، يقال (هذا بعض النسوة) لا تقول هذه إلا بسبب الإضافة وهذا غير. فهي مذكر. فلما قال (إن لكم في بعض الأنعام) تقدير، قال (نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ). لماذا بعض؟ لأن الحليب أو اللبن لا يكون من كل الأنعام وإنما يكون من الإناث فقط فإذن لما تكلم على اللبن قال: (مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا ً) هذا لا يصدق على جميع الأنعام وإنما على بعضها، على جزء من الأنعام الذي هو الإناث. ثم بعد أن أنهى  قال (وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (67)) ترك الأنعام ولم يتكلم عليها. الكلام على جزء من الأنعام وهو هذا البعض فأشار إليه بضمير المذكر لأن كلمة بعض مذكر.

الآية الثانية (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (21)) لا يمكن أن يقول في بعض الأنعام هنا. ننظر الآية: هذه المنافع في كل الأنعام وليس بعضها لأنه لا يصلح لأن الآية الأولى (مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا ً) إنتهى الكلام على الأنعام إنتهى فذكر الكلام على الأنعام المؤنث فقط. أما هذه الآية فقد مضى الكلام على الأنعام كلها عموماً لأنه (وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ) ليس من الإناث فقط (وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ) ليس الإناث فقط ولذلك نظر إلى كلمة الأنعام عامة وعند ذلك تكون مؤنثة ولا يصلح فيها كلة بعض ولو صلح فيها (بعض) لذكّر.

الأنعام تُذكّر وتُونّث هذا كلام الفرّاء ولكن نحن سألنا متى تُذكّر ومتى تُؤنّث؟ تُذكّر إذا نويَ فيها معنى بعض وإذا لم ينو فيها معنى بعض تبقى على تأنيثها. كلمة أفعال جمع فعل في غير العاقل للتأنيث مثل سبب واسباب تقول هذه الأسباب لا تقول هذا الأسباب وبالتالي هذه الأنعام هنا الأنعام على عمومها شاملة المذكر والمؤنث لأن هنا لا تستطيع أن تضع بعض. لا يمكن أن يقول في سورة النحل : نسقيكم مما في بطونها وينصرف الذهن للمؤنث يصير إعتراض: كيف سقيتنا من بطونها ذكوراً وإناثاً؟ لكن لما تقدّر من بعضها يستوي المعنى عند ذلك فلا بد أن تأتي الآية الأولى بالتذكير والآية الثانية بالتأنيث لأن كلمة بعض لا تستقيم في الآية الثانية. الأنعام مفردها النَعَم بالفتح مثل سبب وأسباب وهي غير النِعَم جمع نِعمة.

سؤال 134: ما دلالة استعمال التذكير والتأنيث في قوله تعالى (وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (31) الأحزاب)؟

الكلام هو لنساء النبي r ورضي الله عنهنّ. (ومن يقنت منكم) العلماء يقولون (من) لفظها لفظ مذكر ومعناها وفقٌ للسياق بما يوافق السياق. يعني ممكن أن تأتي (من) للمفرد المؤنث وتأتي للمفرد المذكر وتأتي للمثنى وتأتي لجمع الذكور وتأتي لجمع الإناث لكن لفظها لفظ مذكر فأنت تقول: من درس أو من يدرس. بعد ذلك يمكن أن تعيد عليها بالإفراد أو التثنية أو الجمع أو التذكير أو التأنيث فيمكن أن تقول: من يدرس ينجحون، من درس نجحوا، من درس نجحت، من درس نجحا، من درس ينجحون، فيقول مرة أعدت على اللفظ ومرة أعدت على المعنى. أنت ماذا تريد من المعنى؟ فإذا قلت : من درس نجحوا، تريد الذين درسوا نجحوا ويمكن إبتداءً أن تقول من درسوا نجحوا ومن درسن نجحن ومن درست نجحت لكن غالباً لو نظرنا في آيات القرآن الكريم نجد أنه مع (من) إبتداءً يُراعي لفظها لفظ المفرد المذكر فيقول مثلاً (وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَا (75) طه) فأحياناً ينظر لمّا يكون الكلام على المفرد دائماً عن المفرد لكن لما يكون عن الجمع يبدأ بالإفراد مراعاة للفظ (من). (ومن يقنت) نظر إلى لفظ (من) أنه مذكر مفرد يقال (ومن يقنت) ثم بيّن (منكن) يعني من يقع منه القنوت منكن. فإذن (من) هنا روعي لفظها لأن قلنا لفظ (من) مفرد مذكر. المعنى هنا للمؤنث الجمع، ما الدليل على أن المعن للجمع المؤنث؟ الدليل أنه قال (منكن). فإذن في كلمة (يقنت) وهذا هو الماضي أولاً يبدأ بمراعاة لفظها ثم يُراعي معناها كأنما يعطي (من) حقها مرتين يعطي (من) حق اللفظ ثم يعطيها حق المعنى فقال (ومن يقنت منكن) راعى في كلمة (يقنت) حق اللفظ وهذه سُنّة العرب في كلامهم مع (من) تراعي حق اللفظ أولاً ثم تراعي حق المعنى.حتى يكون الكلام عاماً في البداية مع (من)

(وتعمل صالحاً) راعى المعنى مع أنه لغة يجوز أن يقول (ومن يقنت منكن لله ورسوله ويعمل صالحاً نؤتها أجرها) هنا يكون قد راعى اللفظ فقط. وقُريء (ويعمل صالحاً) في السبعة و قرأ حمزة والكسائي (ويعمل صالحاً) معناها أن بعض قبائل العرب وفّقت بين الفعلين (يقنت – يعمل) ولا توجد قراءة (تقنت) لأنه خلاف لغة العرب. لغة العرب تراعي لفظ (من) أولاً ثم تعكف عليه بمراعاة المعنى لأن اللفظ هو الظاهر والمعنى يأتي بعد ذلك فهي أولاً تراعي اللفظ ثم تعلّق عليه بمراعاة المعنى. ولو عكس لاعترضت العرب وقالوا هذا ليس من كلامنا.

وشيء آخر يمكن أن نلحظه:  طبعاً خمسة من القرّاء السبعة معناه أكثر القبائل العربية بل لغة قريش (من يقنت –  وتعمل) لكن حمزة والكسائي  أنهما كانا في الكوفة بعض قبائل العرب المحيطة بالكوفة وقرأوا بما أقرّه الرسول r لهم وليس من عند أنفسهم وهذا نكرره دائماً وأن القراءة ليست من هوى النفس وإنما برواية. وقبائل العرب روت عن آبائهم الأمة أخذته عن الأمة لكن عموم القراء قرأوا (وتعمل). لما ننظر (وتعمل صالحاً) هذا التأنيث تذكيره قد يُلبس لأن قبله (ورسوله) (وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا) كأن العمل يعود على الرسول r فتفادياً لمثل هذا اللبس الذي قد يحدث قرأ الجمهور (وتعمل) ليس هذا هو السبب لكن كما قلت روعي اللفظ ثم المعنى ولكن لما روعي إبتعد هذا اللبس. الواو في (وتعمل) عاطفة على (ومن يقنت) ولذلك جزم.

 في سورة يوسف قال (وقال نسوة) ولم يقل (قالت نسوة): قلنا هذا الجمع الذي هو جمع تكسير، النسوة جمع إمرأة لأن ليس لها مفرد من لفظه وهو جمع تكسير إذا قُدّر بالجمع وقال جمع النسوة يقول (قال) ولجماعة النسوة يقول (قالت جماعة النسوة).

سؤال 135: وردت في القرآن ( يسألونك) و (ويسألونك) و(يستفتونك) و (ويستفتونك) فما دلالة إضافة الواو وحذفها؟

الواو تكون عاطفة لكن نجد الآيات (يسألونك) في قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (218) يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219)) هنا الكلام إنتهى عند (غفور رحيم) فلما يبدأ موضوعاً جديداً لا يبدأ بالواو وإنما يبدأ بـ (يسألونك) لأنه لا يريد أن يستكمل كلاماً سابقاً فقال (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ) هذه الآية نفسها فيها يسألونك وويسألونك، لما بدأ بها بعد كلمة (والله غفور رحيم) بدأ بها غير معطوفة على ما قبلها بدأ (يسألونك) ثم في الآية نفسها قال (ويسألونك) معطوفة على يسألونك الأولى التي هي غير معطوفة على شيء فلا يقول (ويسألونك).

أحصيت المرات التي وردت فيها (يسألونك) من غير واو في تسعة مواضع هي في جميعها تكون في بداية كلام جديد: (يسألونك عن الخمر والميسر (219) البقرة)، (يسألونك عن الأهِلّة (189) البقرة)، (يسألونك ماذا ينفقون (215) البقرة)، (يسألونك عن الشهر الحرام (217) البقرة)، (يسألونك ماذا أُحل لهم (4) المائدة)، (يسألونك عن الساعة (187) الأعراف) (يسألونك كأنك حفي عنها (187) الأعراف)، (يسألونك عن الأنفال (1) الأنفال)، (يسألونك عن الساعة (42) النازعات)

 ووردت (ويسألونك) في ستة مواضع كلها فيها عطف منها (ويسألونك ماذا ينفقون (219) البقرة)، (ويسألونك عن اليتامى (220) البقرة)، (ويسألونك عن المحيض (222) البقرة)، (ويسألونك عن الروح (85) الإسراء)، (ويسألونك عن ذي القرنين (83) الكهف)، و(ويسألونك عن الجبال (105) طه).

يستفتونك وويستفتونك:

يستفتونك وردت مرة واحدة في القرآن وكان في بداية موضوع (فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (175)) الكلام إنتهى ثم قال: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (176) النساء) كلام جديد. (ويستفتونك) وردت مرة واحدة أيضاً في بداية آية إكتنفتها الآيات المبدوءة بالواو من قبلها ومن بعدها يعني أحاطت بها الآيات المبدوءة بالواو وهي في سورة النساء من الآية 124 إلى الآية 132 (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (124) وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (125) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (126) وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (127) وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (128) وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (129) وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (130) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (131) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (132)) كلها بدأت بالواو مرتبطة آية بآية أخرى فالمناسب أن تأتي هي بالواو أيضاً ولا تشذ عن سياق الآيات كلها من 124 إلى 132 كلها جاءت بالواو.

سؤال 136: قال تعالى في سورة النساء (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ) وفي المائدة (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ) فما وجه الإختلاف بينهما؟

الغلو معناه الإفراط ومجاوزة الحدّ.  من غلا يغلو في دينه وهي غير غلا يغلي غلياناً. (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ) ما هو هذا الحق؟ إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم، هذه الآية الأولى في سورة النساء.

والآية الأخرى في سورة المائدة (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ) آية النساء تفسّر آية المائدة. ما هو الحق الذي يريده؟ الحق أن الله سبحانه وتعالى لا شريك له وأن عيسى رسول الله وليس كما يقولون.

بُثّت الحلقة بتاريخ 11/3/2006م


الحلقة 30:

سؤال 137:  وما دلالة التعريف والتنكير في كلمة بلد بين الآية في سورة البقرة )وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا)  وسورة إبراهيم )وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا( ؟

هاتان الكلمتان وردتا في آيتين في موضعين مختلفتين: الآية الأولى في سورة البقرة قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126) وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127)). الآية الأخرى في سورة إبراهيم (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (35) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (36)).

في الآية الأولى )وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا) لو نظرنا في الإعراب: الإشارة هذا إلى أي شيء؟ (هذا) هو يشير إلى شيء. كلمة (هذا) صارت المفعول الأول لفعل (إجعل) و(بلداً) المفعول الثاني و (آمنا) صفته، أي صيّره بلداً إذن لم يكن بلداً (إجعل بمعنى صيّر) إذن هو أشار إلى موضع المكان أو الوادي الذي وصفه في آية أخرى (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37)) فاجعل هذا بلداً، ثم وصف البلد بأنه آمن فكلمة (آمنا) ستكون صفة للبلد. فإذن ما كان بلدأً لأنه لو كان بلداً كيف يجعله؟ لم يكن فيه عناصر البلد. هذا كان في أول السُكنى في بداياته: إسماعيل u كان قد شبّ حديثاً عن الطوق  وبدأ الناس يجتمعون حول إسماعيل وأمه والماء الذي ظهر فما كان بلداً فكأنه قال: إجعل هذا الموضع بلداً.

في الآية الثانية المكان صار بلداً وصار فيه ناس بل أكثر من ذلك جاء إليه من يعبد الأصنام وسكن مع هاجر ولذلك انظر إلى الآية الثانية (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا) صار بلداً. البلد صارت بدلاً من (هذا) المفعول الأول و(آمناً) صارت المفعول الثاني يعني جعلتُ البلد آمناً صار المفعول الثاني بعد أن كان صفة في الآية الأولى. (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ)  معناه أن هناك في البلد من القبائل أو من الأعراب الذين سكنوا مع هاجر كانوا يعبدون الأصنام فلا يريد أن ذريته يتأثرون بهؤلاء. فخلاصة الأمر إذن لما قال : إجعل هذا بلداً آمناً لم يكن قد تأسس البلد فلا بد أن يقول (بلد) وبعد أن أسس البلد وصار بلداً أشار إليه بالتعريف. الطلب في الآية الأولى أن يجعل هذا المكان غير ذي الزرع بلداً بصفة الأمن وفي الآية الثانية إنصب  الطلبعلى الأمن ودفع عبادة الأصنام.  ليس هذا فقط ولكن انظر إلى رحمة الله سبحانه وتعالى في الآية الأولى أنه رب العالمين مؤمنهم وكافرهم يرُبّهم ويرعاهم لكن يُثيب المحسن يوم القيامة ويعاقب المسيء. إبراهيم u أراد الرزق للمؤمنين (وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ) فبِمَ أُجيب؟ (قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِير) حتى الكافر (فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّار). الله تعالى رحمته في الدنيا وكرمه شامل للمؤمنين ولغير المؤمنين لكن دلّهم على طريق الخير ودلهم على طريق الشر ثم يحاسبهم كل بحسب عمله فهذا سر إستعمال النكرة مرة والمعرفة مرة أخرى في موضعين مختلفين والله أعلم. كلمة بلد الموضع الذي يسكن فيه جمع من الناس غير كلمة قرية ومدينة. يمكن للقرية أن تسمى بلداً أو المدينة تسمى بلداً أي المكان الذي يجتمع فيه الناس.

سؤال 138: ما الفرق بين (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا) الطلاق، وبين (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) البقرة؟

لو نظرنا في الآيتين سنجد السبب واضحاً. الآية الأولى كانت تتكلم على التكاليف عموماً (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286)) في التكاليف وفي أمور الحياة وفي العمل. إذا عمل خيراً يكون له وإذا عمل سوءاً يكون عليه وهذا في عموم التكاليف فقال الله عز وجل (لها ما اكتسبت وعليها ما اكتسبت) فهو كسبٌ وإكتساب.

لكن الآية الثانية (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (7)) الإيتاء هو الإعطاء. لما ننظر في سياق الآية الكلام على المال أي ما آتاها من مال (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا) فالكلام على الإنفاق ولما يكون الكلام على الإنفاق الإنسان ينفق. والكلام هو على المطلقات أي ما أعطاها من الرزق، فلا يكلف الفقير أن ينفق ما ليس في وسعه بل لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها من حيث المال عندما يكون هناك إنفاق فبقدر ما عندك تُنفِق (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ) بهذا القدر أي بمقدار ما آتاه الله (لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها). أما هناك (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها) فهي في التكاليف.

 والتي في التكاليف للعلماء وقفة فيها: (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها) جمهور العلماء قالوا كما قال الرسول r "إذا أمرتكم بأمر فاتوا به ما استطعتم" أي بقدر طاقتكم. الصلاة مثلاً أمر إذا كان الإنسان مريضاً يؤديها بطريقة أخرى فبقدر وسعه وبقدر طاقته ولذلك يقول مثلاً لما وُصِف صفة صلاة الرسول r هل وُصِفت وهو r في داخل الصف أو خارج الصف؟ وصفته وهو إمام خارج الصف يعني منفرداً فإذن هذه صفة المنفرد قد لا تنطبق في بعض جزئياتها على من هو داخل الصف، يقول العلماء المجافاة بين الإبطين عند السجود هي للمنفرد أو جلسة التورك والإفتراش هذه للمنفرد الرسول r قال: صلّوا كما رأيتموني أصلي" لكن لو فعلتها في الصف قد يؤذي جارك، إذا كنت تصلي السُنّة أو تصلي إماماً تفعلها لكن في الجماعة لا تفعلها لأنك قد تؤذي المصلين معك. وقوله r: "فاتوا منه ما استطعتم" أي وأنت منفرد تورّك وإفترش وإفعل ما فعله الرسول r لكن لما تجد نفسك قد آذيت جارك إجلس الجلسة الإعتيادية

وقول آخر (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها) معناها إن جميع التكاليف هي في وسع البشر لأنه سبحانه و تعالى لم يكلّف البشر شيئاً لا يطيقونه هذا يحتاج إلى إستنباط أنه لم يكلفهم ما لا يطيقونه فإذا كانوا لا يطيقون يخفف عنهم. بهذا الشكل حنى نجمع بين الأمرين.

(لا يكلف الله نفساً إلا وسعها) دلالة التنكير للأنفس هي للعموم والشمول أي جنس النفس أيُّ نفس لا يكلفها الله تعالى إلا وسعها، إلا ما تطيقه. الرسول r لما يقول "إذا أمرتكم بأمر فاتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن أمرفانتهوا" في مسألة النهي نقطع فلما نُهينا عن الربا إنتهى الأمر لا نقول هذا ربا وهذا رُبيّ ربا خفيف هذا لا يجوز. وإذا أمرنا بأمر نأتي منه بقدر طاقتاتنا. أمرنا بالصيام فإذا كان الإنسان مريضاً يخفف عنه. والوسع هنا بمعنى الطاقة أو القدرة (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها) أي إلا ما تطيقه، ما تستطيعه.

سؤال 139: لماذا جاءت كلمة الرسل بالجمع في سورة الفرقان (وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ) مع أن نوح وباقي الرسل جاءوا منفردين في سورة الشعراء (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (105)) (كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (123) (كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (141)) ((كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (160) ((كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (176)) ؟

هذه تتكرر في عموم القرآن (وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ) . هنا شيء أحب أن أنبّه عليه أن هذا القرآن نزل بين عرب فصحاء ولو كان فيه ما يخالف لغة العرب لكان فرصة للتشنيع عليه. أما أن يأتي الآن في آخر الزمان من يحاول أن يتلمس شيئاً مما يظنه من المخالفات فهذا قصور في فهمه لكن نحن نسأل لأن هناك من يريد أن يرمي القرآن بحجر وبيته من الزجاج ولو أردنا أن نناقش ما في مُقدّسه لفضحناه على الهواء ولكن ليس هذا من شأننا.

هو رسول واحد لكن في مواطن كثيرة ترد (كذبوا المرسلين) وهو رسول واحد. ولذلك علماؤنا يقولون من كذّب رسولاً فقد كذّب جميع الرسل الذين من قبله. هم كذّبوا نوحاً ومن قبله لأنهم أنكروا مبدأ الرسالة. الرسل من حيث المعنى لأنه هو رسول مبلّغ عن ربه منبّه على وجود رسل من قبله فإذا كذّبوه فقد كذّبوه بذاته وكذّبوا من نسب إليهم الرسالة لأنه ينسب االرسالة إليهم فإذا قيل هو كاذب فهو كاذب بكل قوله ومن ضمن قوله أنه هناك رسل من قبلي فكذبوا بهم جميعاً،  وإشارة إلى إرتباط الرسل كأنهم جميعاً قافلة واحدة من كذّب واحداً منهم فقد كذّب الجميع.

سؤال 140: ما دلالة جميعاً في قوله تعالى في سورة الزمر (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67))؟ ما المقصود بكلمة الأرض في قوله تعالى (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (74))  في سورة الزمر؟

هذا الكلام على يوم القيامة والصورة التي ترسم صورة هيمنة لله سبحانه وتعالى لا يشركه فيها أحد ولو على سبيل المجاز والتسامح أو الكفر به سبحانه. في حياتنا الآن يمكن أن يقول لك كما قال النمرود لإبراهيم (أنا أحيي وأميت) يدّعي لنفسه شيئاً هو لله سبحانه وتعالى  (قال ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت) يقول أنت محكوم بالإعدام فأبرّئه وأنت بريء فأقتله فانتقل إبراهيم إلى مسألة أخرى لا مجال فيها. في الدنيا يمكن أن يكون هناك نوع من الإدّعاء لكن في الآخرة لما يقول الباري عز وجل (وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَة) جميعاً هنا حال أي حال كونها مجتمعة بكل جزئياتها بمن فيها ومن عليها ومن فوقها ومن تحتها الأرض جميعاً هذه الكرة.

قال (والأرض جميعاً قبضته) هذا كما قلنا وكرّرناه سابقاً : ما يتعلق بالله سبحانه وتعالى، بصفاته وبما يُنسب إليه من مدلولات المسلمون فيه على قولين: منهم من يقول نُمِرّها هكذا وهم الجمهور يعني (والأرض جميعاً قبصته يوم القيامة) معناها: والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة وكفى وافهم منها ما تفهم.

وقلت أن الفريقان من أهل العلم والصلاح والتقوى والورع ويسع المسلم أن يأخذ بالقولين ونحن الآن بأمس الحاجة للرأي الآخر (قول التأويل) بسبب ترجمة هذه المعاني: العرب عندما تقول في قبضته أو تحت قبضته يعني هو تحت سيطرته. الآن نحن نستعملها يقال: صار في قبضة العدو ولا تعني القبضة أي جعله في راحته وأغلق يده عليه كلا وإنما تحت سيطرته ، تحت قوته، تحت قدرته بهذا المعنى نفهم (والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة) من غير منازع ولو على سبيل المجاز ولن نجد من يقول كما قال النمرود وأنا شعبي في قبضتي عندي حرس وشعبي في قبضتي. إذا كان من يقولها في الدنيا ففي الآخرة لن تجد من يقولها.

(وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) اليمين معناها القوة والقدرة عند العرب ولذلك قالوا: (مِلك اليمين) العرب لما تقول هو ملك يمينه لا يقصدون هذه اليد اليمنى وإنما في ملكه أي في قدرته وتصرفه لا يعنون يده. نهى علماؤنا إذا تكلمنا عن صفات الله سبحانه وتعالى أن نشير بأيدينا مثلاً عندما تقول قلب الرجل بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء لا يجوز أن تشير بأصابعك حتى لا يكون هناك تجسيد وإنما تقول بلسانك شفاهاً فقط.

الطيّ معلوم. تطوي الورقة أي تقلب جزءاً على جزء وتجمعها في يدك. أيضاً فيها إشارة إلى معنى المِلك والقدرة والهيمنة الكاملة والسلطة الكاملة. لما يكون الشيء مطوي بيمينك أي تحت السيطرة. فإذن الأرض جميعاً والسموات جميعاً تحت قبضته وقلنا حتى نتبين عظم الصورة كل هذا الكون المنظور تحت السماء والأولى (ولقد زينا السماء الدنيا) حيثما كانت النجوم هي في السماء الدنيا كيف هي السماء الدنيا؟ لا ندري. الدكتور عبد المحسن صالح وهو أستاذ في جامعة الإسكندرية قال في كتباه "هل لك في الكون نقيض؟"وهو في علم الفلك هذا الكتاب، يقول تخيّل لو جمعت الأرض والكواكب والشمس وجُعلت كتلة واحدة أمكن أن تدفن في قشرة واحد من النجوم فتخيل عظمة ذلك النجم وتخيل من نحن حتى نفكر بذات الله سبحانه وتعالى وعظمته. وأذكر الذي كان يدرس على شيخه فأخذ ورقة وبدأ يقلب فيها وشيخه كان فيه كِبر قال الشيخ للتلميذ: ما تصنع؟ قال أريد أن أرى الأرض لملك الله، قال كهذه النقطة. فصار يقلّب فقال: ماذا تفعل؟ قال أفتش عنك يا سيدي. فكانت له بها عبرة. الآية لا توحي بأي إشارة للتجسيد ولذلك قال تعالى (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) ينزّه الباري عز وجل عما يشركون.

(وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ) هناك تبديل فالأرض الذي يورثها المؤمنون يتبوأون من الجنة هي ليست هذه الأرض وإنما هي أرض الآخرة التي قال تعالى عنها (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (48) إبراهيم). فإذن نحن لسنا والعياذ بالله في يد الرحمن كما تهيأ للسائلة ونحاسب كلا. نحن في قبضته أي في سيطرته وفي  ملكه فنحاسب.

سؤال 141: ما هو تفسير الآية 178 في سورة البقرة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (178))؟ وما الوجه البلاغي في هذا التقسيم؟

هل إذا قتل حرٌ عبداً لا يؤخذ به؟ وإنما يقول أعطونا ثمنه؟ هنا نقول في كثير من الآيات ينبغي الرجوع إلى سبب النزول. نحن عندنا قاعدة عامة (ولكم في القصاص حياة) هذه القاعدة العامة. هنا ننظر في قوله تعالى (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (158) البقرة) الصفا والمروة من شعائر الله فهل معنى الآية أنه يمكن أن يفعلوها ويمكن أن لا يفعلوها؟ كلا، بل كانوا يريدون أن يتركوها لأنهم كانوا يحسون أنها من أعمال الجاهلية.

كان هناك ثأر بين حييّن من أحياء العرب أسلموا قبل أن تُفضّ المشكلة وأحدهما كان قوياً متجبراً فقبل أن يدخلوا في الإسلام كانوا يقولون العبد منّا بالحرّ منهم والمرأة منّا بالرجل منهم حتى نصطلح وإلا الحرب مستمرة هكذا من التجبر والحرب مستمرة فلما دخلوا في الإسلام بقوا على حالهم وعلى قولهم فنزلت الآية: نعم في القصاص حياة لكن الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى. انظروا كم من أحراركم قُتِل وأحرارهم قُتِل؟ هذه بهذا والفارق  تدفع عنهم الديّة وكذلك للعبيد وللنساء حتى تحل المشكل وهو مشكل مؤقت  لكن تبقى القاعدة عامة (ولكم في القصاص حياة) القصاص عامة وهذا المرجح من آراء علمائنا في الآية.

سؤال 142: الضالّ هو من لم يعرف فكيف نفهم قوله تعالى (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (23 الجاثية))؟

خلال كلامنا على سورة الفاتحة وقفنا عند كلمة (ولا الضالين) وقلنا المغضوب عليهم هم الذين يعرفون الحق وينحرفون يعني يضلون على علم فهم مغضوب عليهم. أما الضالون فهم الذين يكونون في معصية من غير معرفة أحكام الشرع. فالسائل يسأل من هذا المجال هذا يقول أضله الله على علم. الآية لم تقل وضلّ هو على علم، لا. هو يُصنّف ما دام على علم من ضمن المغضوب عليهم ودليل الغضب الآية (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ) هو لا يسأل ما حكم الشرع في هذا؟ وإنما ما يوافق هوى نفسه يفعله من دون أن ينظر في حكم شرع الله هل هذا يجوز أو لا يجوز فهو لا يفكر فإلهه هواه ولم يتخذ الشرع منهاجاً إذن ما دام هكذا إتخذ إلهه هواه فإذن (أضله الله على علم) على معرفة. والعقوبة (وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ) هو لم يضلّ هو وإنما الله تعالى أضله لأنه إتخذ من نفسه إلهاً فغُضِب عليه وهذه المصائب التي نزلت على رأسه من قبيل غضب الله عز وجل عليه.

بُثّت الحلقة بتاريخ 16/3/2006م

أسئلة وردت خلال الحلقة وأجاب عنها الدكتور حسام النعيمي مباشرة:

سؤال 143: هناك مؤنث مجازي ومؤنث حقيقي وكلمة نسوة مؤنث حقيقي فلماذا جاءت (وقال نسوة) في سورة يوسف على هذه الصيغة؟

تكلمنا سابقاً عن هذا الموضوع وقلنا جمع التكسير والجمع الذي ليس له واحد من لفظه هذا غير المجازي والحقيقي مثل كلمة رجال وجمع الجنس مثل كلمة عرب هذا يجوز في الفعل معه التأنيث والتذكير بإعتبار التقدير: إذا قدّرنا جمع( قال جمع الرجال) نقول قال الرجال، وإذا قدرنا (قال جماعة الرجال) نقول قالت الرجال. فهنا (قال نسوة) كان يمكن أن يقول قالت نسوة و قال (وقال نسوة)  لما قال (قال نسوة) الفائدة حتى يكون شيء عام لغرض العموم.. (يمكن مراجعة إجابة السؤال 134).

سؤال 144: ما دلالة استخدام المثنى والجمع في قوله تعالى (إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما(4) التحريم) ؟

المثنى إذا أضيف إليه يقولون:  قطّعاه بأسيافهما يجمعون المضاف إلى المثنى ولا يقولون (بسيفيهما) هذه اللغة الأعلى. هما إثنان كل له سيف قطّعا رجلاً العرب لا تقول قطّعاه بسيفيهما (هذه لغة رديئة) اللغة العليا أن يقول (قطّعاه بأسيافهما) يجمعون المضاف إلى المثنى فهذه جاءت (إن تتوبا فقد صغت قلوبكما) على اللغة العليا من لغات العرب وهذا هو الأصل.

سؤال 145: كلمة (بقيت) في آية سورة هود (بَقِيَّتُُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (86)) هل جاءت في موضع آخر مكتوبة بالهاء (بقية)؟

هذا يتعلق بالرسم في المصحف وقد تحدثنا عنه سابقاً. الرسم في المصحف يمثل صورة من تطورالخط العربي في زمانه. في كلمة (بقيت) إذا رُسمت بقيت بالتاء المفتوحة فستجدها في جميع نُسخ المصاحف مرسومة بالتاء المفتوحة مثل كلمة رحمة ورحمت ولكن هل وردت (بقية) بالهاء في مكان آخر؟ هذا يحتاج لمراجعة المصحف فإن وردت سيكون لنا جواب ثاني  وإن لم توجد معناه أن هذا رسمها وهكذا رسمها صحابة رسول الله r.

سؤال 146: (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآَتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12) مريم) ماذا آتاه الله؟ هل الحكم هو النبوة أو آتاه شيئاً آخر؟

الحُكم هو الحكمة ويحيى u من صِغره كان حكيماً.

سؤال 147:  قال تعالى (فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24) مريم) هناك قراءة (مِن تحتها) وقراءة (مَن تحتها) فهل يختلف المعنى؟

هاتان قراءتان وتكلمنا على القراءات القرآنية. قراءة حفص تمثل ما قرأ به الرسول r أو قرأ به قبائل العرب مما أجازه الرسول r بأمر من ربه, حفص عن عاصم وعاصم الكوفي وورش عن نافع نافع المدني قراءة أهل المدينة. هما قراءتان معتبرتان فإذا كانت (مِن تحتها) يكون لذكر المكان و(مَن تحتها) أي  ناداهاعيسى الذي تحتها ناداها مَن تحتها أي عيسى. وفي الحالتين القراءات لا تغيّر المعنى فهو باق هو هو لكن كل قبيلة قرأت بقراءة فرُخّص لها بأمر الله تعالى وهذه قراءة عثمان أراد أن يجمع الناس على لفظ واحد لكن لأن المصحف لم يكن منقوطاً ولا مشكولاً تمسك كل بما سمع من الصحابي ما دام موافقاً  للرسم الموجود من غير نقط ولا شكل ولذلك كل بقي على هذا اللفظ  وما أراده عثمان يمكن أن يتحقق الآن لو وُجِد من يفرض على الناس حرفاً واحداً. يندر أن تغير القراءات المعنى وإن تغيّر فهو يدور في نفس الفلك الدلالي.

بُثّت الحلقة بتاريخ 16/3/2006م


الحلقة 31:

سؤال 148: ما دلالة استخدام صيغة المضارع في قوله تعالى (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) الصافات) مع أن المنام من الماضي؟

الواقعة معروفة مشهورة عند المسلمين كيف أن إبراهيم u أرأى في المنام أن عليه أن  يذبح ولده إسماعيل وهناك من يقول ولده إسحق لكن المشهور عندنا أنه إسماعيل. رؤى الأنبياء كما ورد في الصحيح وحي. النبي إذا رأى شيئاً في المنام فهو وحي من الله سبحانه وتعالى. يعني صورة من صور الوحي أن يكلّم في المنام بأمر ينبغي أن ينفذه. لأن الأمر في غاية الخطورة: ذبح الإبن والإبن الوحيد الذي إنتظره طويلاً أو الإبن الثاني بعد إسحق من هذه المرأة أيّاً كان، تكررت الرؤيا ثلاث مرات كما يذكر علماؤنا في ثلاث ليال متتابعة يرى الرؤيا نفسها هناك هاتف يهاتفه يقول له إذبح ولدك. فلما تكررت الرؤيا ثلاث مرات لم يأمن أن تتكرر الرابعة أو الخامسة فأراد أن يبيّن لولده أن هذه الرؤيا مكررة دائماً ومستمرة فإستعمل الفعل المضارع الذي يناسب هذا الإستمرار يعني الرؤيا متواصلة مستمرة (إني أرى) لو قال ((إني رأيت) كان مرة واحدة يقول إنتظر تتكرر، ما تتكرر، تتأكد ، ما تتأكد،  لكن لما قال (إني أرى) ثبتت الرؤيا وهي مكررة ورؤيا الأنبياء في الأصل وحي من الله تعالى حق.

(أذبحك) بالمضارع يعني عليّ أن أقوم بهذا الأمر. وكان الجواب (قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ (102)) لأنه أدرك أن هذا أمر من الله عز وجل (سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) ليس سهلاً أن يُذبح الإنسان. استعمال الفعل (أذبحك) لأن هذا الذي طُلب إليه ولم يُطلب منه أُخنقه أو أُدفنه في التراب وإنما طُلِب إليه أن يأخذ السكين ويُمِرّها على رقبة ولده. يعني هذا ليس بالأمر السهل وإنما إمتحان عظيم لأبي الأنبياء إبراهيم u وقد نجح في الإمتحان (وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105)).

سؤال 149: ما دلالة إستخدام الفعل المضارع يموت في قوله تعالى (وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (15)  مريم)؟

الكلام عن يحيى u قال (وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (15)) يموت: فعل مضارع. نحن نعلم لما قال على لسان عيسى u (وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33)) يمكن أن يكون هو لم يمت ميتة البشر وإنما ميتة نقل إلى السماء هذه فيها كلام. لكن يحيى هل ما زال على قيد الحياة؟ هذا يتعلق بشيء في اللغة يسمونه: "حكاية حالٍ ماضية". هذا هو حكاية حال ماضية. مثلاً لما أقول: تكلم أبي معي وقال إنه سيذهب إلى المنطقة الفلانية وسيصنع كذا وسيقول كذا وذلك قبل وفاته رحمه الله" فأنت تنقل الحال الماضية في حال المضي في واقعه عندما كان يتحدث في ذلك الوقت قال: سأذهب وسوف أفعل وسيكون كذا هو يمكن أن يكون فعل. عندما ننقل الصورة إلى الماضي كأنك تعيش في هذا المُضي لأنك تنقله تقول: قال لي أبي قبل عشر سنوات إنه سوف يذهب إلى المكان الفلاني. هو قال سوف يذهب لأن هذا حاله في الماضي وهو يتحدث عن المستقبل وأنا الآن أنقل الكلام وهو ماضي. فصارت العبارة هي حكاية حال ماضية يعني نحكي حاله في الماضي فهو في الماضي لكن حاله كان هذا. يحيى في الماضي قال هذه الكلمة قيل عنه: (سلام عليه يوم ولد يوم يموت ويوم يبعث حيّا)(يوم وُلِد) لأنه كان مولودأً، وكان حياً وسوف يموت ومات بعدها (ويوم يموت). والكلام في الماضي عن إنسان كان حيّاً ولذلك تسمى حكاية حال ماضية. يحكون حال الإنسان في الماضي ففيه مجال للفعل المضارع، فيه مجال لفعلالأمر كما قلنا قال أبي إفعلوا هذا ولا تفعلوا هذا وهو يوصينا عند وفاته. كلمة إفعلوا ولا تفعلوا وهو يوصينا بالفعل المضارع. حكاية حال الماضي يعني ننتقل إلى الماضي ونعيش في حالة المتكلم.

بالنسبة لعيسى أيضاً الكلام (والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا) وهو حيّ أن نتكلم ولا نريد أن نخوض في طريقة موته. هو قطعاً لم يُصلب (وما قتلوه وما صلبوه)  لكن هل بعد ذلك أدركته الوفاة؟ لا شغل لنا بهذا لكن حسب الحديث الصحيح "أنه سينزل آخر الزمان يقيم الناس على دين محمد r".

دلالة كلمة (حيّاً) مع البعث: فيه نوع من التوكيد أن هذا الموت وراءه حياة. بعثه بمعنى أخرجه. قد يقال أخرجه ميتاً من قبره لكن بعثه حيّاً أي أعاد إليه حياته.

سؤال 150: ما الفرق بين استخدام فعل نبّأ وأنبأ في القرآن الكريم كما في سورة التحريم (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (3))؟

(وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ) كلمة بعض في اللغة تعني الواحد أو الواحدة إلا إذا تكررت (بضع من ثلاث إلى تسعة) (وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (99) الكهف) بعضهم لبعض تكون جماعة لجماعة أما إذا جاءت مفردة فالغالب في لغة العرب ، هناك شاهد أو شاهدان استعملها للجماعة للقِسم لكن الراجح في كلام العرب وهذا الذي عليه القرآن الكريم أنه إذا إستعمل بعض تعني واحداً وهنا جاء بمعنى واحد (بعض أزواجه). (فلما نبّأت به) فهي كانت إحدى زوجاته r ورضي الله عنهن جميعاً أسِرّ إليها حديثاً ، ما هذا الحديث؟ نحن منهجنا في فهم القرآن أنه ما سكت عنه القرآن نسكت عنه. عندنا أحاديث توضح الصورة لكن هذه الأحاديث متفاوتة الدرجات: حديث يتكلم على شرب العسل وحديث يتكلم على مواقعة ماريا القبطية في بيت حفصة رضي الله عنها. هذا الأمر ليس مهماً ولو كان مهماً لأشار إليه القرآن الكريم لكن هو قال (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا) ما قال لنا ما هو فنقول سرّاً أخبر الرسول r به إحدى زوجاته والروايات تقول أنها عائشة رضي الله عنها وعن أبيها. هي لم تحفظ هذا السر يعني ضاق به صدرها فإتجهت إلى أقرب الناس إليها (زوجة ثانية من زوجات الرسول r) وبدأت تحدثها بسِرّ رسول الله r أن الرسول r قال لي كذا وقال لي كذا ولا شك أنها في بداية الأمر ترددت قبل أن تتحدث فهذا أخذ زمناً، الحديث أخذ زمناً والتردد أخذ زمناً هذا يناسب صيغة فعّل لأن فعّل في اللغة تحتاج إلى وقت أطول من أفعل. نبّأ (فعّل) غير أنبأ (أفعل). لما تقول: أعلمت زيداً أي أوصلت إليه معلومة لكن لما تقول علّمته التعليم يحتاج إلى وقت ويحتاج إلى جهد. أخرجت الشيء وخرّجته،  وهكذا. فصيغة فعّل في لغة العرب تحتاج إلى تلبّث، وقت، زمن يأخذ (فلما نبّأت به) معناه أخذت وقتاً. أخذت وقتاً حتى في الكلام. الحكاية نفسها تحتاج إلى وقت الكلام في وقت هو لم يكن كلمة واحدة أو كلمتين وإنما حديث (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا). (فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ) أظهره أي أطلعه وعرّفه أن فلانة أخبرت بحديثك والحديث كاملاً  فالرسول r لرعايته لبيته ولأهل بيته ولسماحته عرّف بعضه وأعرض عن بعض، معناها الحديث طويل ذكر بعضه وترك بعضه ما خاض في كل التفاصيل وإنما قال جزءاً من قولها (عرّف بعضه وأعرض عن بعض). (فلما نبّأها به) هذا التعريف، هذا  البعض (به) تعود على البعض الذي تحدّث به كان حديثاً أخذ زمناً قال: (فلما نبّأها). قالت (من أنبأك هذا) (هذا) يعني إفشاء السر هي تعلم تفاصيل القول وهي لا تحتاج إلى نبّأ وإنما إلى أنبأ لأنه ليس فيها سرعة وليس فيها تلبّث ولا وقت. (نبّأها) شرح لها ماذا قالت جزء من الحديث هي قالت (من أنبأك هذا) من أعلمك إفشائي للسر. إفشائي السر لا تحتاج للفعل المشدّد (نبّأ) وإنما إلى (أنبأ) لأنه يحتاج إلى وقت قصير.

هذه الظاهرة إستعمال نبّأ وأنبأ مضطردة في القرآن الكريم بحيث أننا لما نأتي إلى أفعل كما في قوله (وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31)) أنبأ وردت في أريعة مواضع في القرآن كله وسنجد أنها جميعاً فيها إختصار زمن، فيها وقت قصير وليس فيها وقت طويل. أما نبّأ فحيث وردت، وردت في ستة وأربعين موضعاً ( من المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم) سنعود إلى ذكر إحصائها لأن لنا رأياً فيها. لاحظ (وعلّم آدم الأسماء كلها) بمفهوم البشر التعليم يحتاج إلى وقت ولذا قال علّم ولم يقل أعلم. الأسماء كلها أي هذا الشيء إسمه كذا عذا المخلوق إسمه كذا ورب العالمين يمكن أن يقول كن فيكون. لكن أرادت الآية أن تبيّن أنه لقّنه هذه الأشياء بوقت كما أنه خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان بإستطاعته أن يقول كن فيكون. (وعلّم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة) وذكرنا في مرة سابقة استعمال عرضهم لأن فيها العاقل وغير العاقل. (فَقَالَ أَنْبِئُونِي) لأنه هذا ما إسمه؟ فلان أو كذا وهذا لا يحتاج إلى  شرح وتطويل ما قال (نبّؤني) قال(أنبؤني) لكن في مكان آخر قال (نبؤني بعلم إن كنتم صادقين) . قالوا (قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32))  أيضاً ما تعلّموه على وقت. (قَالَ يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ) آدم هذا كذا إسمه وانتهى، وهذا؟ كذا وهذا؟ كذا. الإنباء بكل إسم على حدة لا يأخذ وقتاً ولهذا قال (أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِم) (فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ) واحداً واحداً لا يحتاج إلى وقت.

إذا جاء الفعل بصيغتي فعّل وأفعل نفس الفعل فيكون أفعل إذا جاء لزمن أقصر من فعّل مثل علّم وأعلم ونبّا وأنبأ.  في سورة الكهف (سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (78)).هذا ليس إنباءً وإنما تبيين من نبّأ لأن فيها كلام كثير (أما السفينة، أما الغلام، أما الجدار) فهي ليست مختصرة. (سَأُنَبِّئُكَ) جاءت بالتشديد مشددة ما قال سأنبئك. المضعّفة يعني فعّل من النبأ جاءت في ستة وأربعين موضعاً كما في سورة يوسف