برنامج لمسات بيانية

إجابات الدكتور حسام النعيمي على أسئلة المشاهدين


الحلقة 32:

سؤال 159: ما الفرق بين يتقون (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187) تتفكرون (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (266))، يتذكرون (وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (221))، تعقلون (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (242))  في خواتيم الآيات في سورة البقرة؟ وكيف نميز بينهم في الحفظ؟

نحن كنا بدأنا في الحديث قليلاً عن هذ الموضوع. إبتداءً، حفظ القرآن الكريم يعتمد على المراجعة والتكرار بالدرجة الأولى. بمعنى أن الذي يحفظ كلام الله سبحانه وتعالى ينبغي أن يراجعه وقلنا أنه كان الأولون يقومون الليل بالقرآن الكريم بحيث في كل أسبوع، في كل أسبوعين يكون قد ختم القرآن فيبقى يراجع فلا ينسى لأنها وُصِفت الآيات بأنها كالإبل الشوارد التي تشرد فلا بد من تقييدها بالمراحعة. ومع ذلك يمكن أن يتلمس الإنسان بعض الروابط أنه يربط هذه الآية بخاتمتها تكون فيها المسألة الفلانية. نحن رجعنا إلى جملة آيات وما أشار إليه السؤال وركّزنا في سورة البقرة. فالذي يتبيّن لنا طبعاً الآيات تكون أحياناً للخطاب (لعلكم تتقون) وأحياناً للغيبة (لعلهم يتقون) هذا أيضاً له جانب: متى يكون خطاباً ومتى يكون للغيبة؟ لأنه أحياناً القرآن يخاطب وفجأة ينتقل للغيبة ذلك عندما يكون الكلام عاماً عندما يريد الحكم أن يكون عامّاً مطلقاً يتحول من المخاطب إلى الغائب ليكون لجميع الغائبين وليس لهؤلاء الذين خوطبوا لجزئية معينة.

الذي وجدناه في سورة البقرة أن كلمة (تتقون) وردت أربع مرات في السورة كلها (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21)) (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (63)) (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179)) (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآَنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187)). جعلنا سورة البقرة نموذجاً لما يمكن أن يقوم الحافظ بالربط فيه. لما ننظر إلى هذه الآيات: التقوى هي تجنّب الوقوع فيما لا يرضي الله سبحانه وتعالى حتى لما أحد الصحابة سُئل: ما التقوى؟ قال: أمررت بأرض مشوكة (فيها شوك)؟ قال: نعم، قال: ماذا تصنع؟ قال: أشمّر يعني أرفع ثيابي حتى لا تتمزق بالشوك، قال: هذه التقوى يعني أنك تتجنب مخالفة ما يريد الله سبحانه وتعالى حتى تتخلص من الضرر أو الأذى الذي يصيبك بسبب المخالفة، الصورة التي رسمت للأرض المشوكة تعبير رائع لبيان التقوى. عندما يقول r لمُعاذ بن جبل :" وتوقّى كرائم أموالهم فإنهم حريصون عليها" توقّى يعني تجنّب أي لا تنتقي الأفضل دائماً وإنما الوسط في الزكاة.

الآيات المختومة بقوله تعالى (لعلكم تتقون) في سوة البقرة  لأن الحكم حتى يكون عاماً ينبغي أن نقرأ المصحف. لعلكم تتقون في سورة البقرة هذه سمته. عندما يقول تعالى (لعلهم يتقون، لعلكم تتقون) يكون سياق الآية في طلب إما بأمر (إفعلوا) وإما بنهي (لا تفعلوا) أو بـ (كتب) بمعنى فرض بحيث أن على السامع أو على المؤمن أن يتجنب معصية الله سبحانه وتعالى أن يتّقي المخالفة (لعلكم تتقون) قالوا لعلّ بمعنى كي، أنا أخبركم بهذه الأمور كي تتقوا الوقوع في المخالفة. هذا فيما يتعلق بـ (لعلكم تتقون).

لما نأتي إلى (لعلكم تتفكرون) نجد أنها وردت مرتين في سورة البقرة (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219)) (أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (266)) الكلام طلبٌ للتفكر إما بضرب مَثَل حتى يتأمل الإنسان هذا المثل وإما يكون جواباً عن سؤال حتى يتفكر في الإجابة عن السؤال. والآيتان فيما يتعلق بالمال.

(لعلهم يتذكرون): التذكّر للإتّعاظ أنه تكون له عظة بذلك. فوجدنا أنه في سياق بيان مخالف لعُرفِهِم. يعني الأعراف عندهم بشيء معيّن ثم يأتي الحكم مخالفاً للعُرف الإجتماعي فعند ذلك يُطلب إليهم أن يكون لهم بهذا الكلام عظة وعبرة يتّعظون به فلا يخالفوه.

الآيات وردت في سورة البقرة (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (221)) ثم وجدنا ستة مواضع في آيات أخرى (تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) إبراهيم) (وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (43) وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (46) وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (51) القصص) (وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآَنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (27) الزمر) (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (58) الدخان) وجدنا القاعدة عامة مضطردة.

نأتي إلى بعض النماذج: المثال الذي أمامنا، الآيات الكريمة تتحدث في هذا المثال (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا) هناك موضوع معيّن يتكلم فيه ثم يقول (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآَنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا) هنا نهي (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) هذا الكلام عام. لعلّهم بمعنى (لكي) يبيّن هذه الحدود، هذه حدود شرع الله سبحانه وتعالى فلا تقربوها، يبيّن آياته حتى تتقوا مخالفتها. هناك مناسبة بين صدر الآية وخاتمتها. الفاصلة مسألة ينبغي أن يدركها قرّاء القرآن الكريم: الفاصلة فيها جانب ذوقي تميل إليه النفس ولله المثل الأعلى كالقافية في الشعر. العربي يميل إليها لكن ليس هناك آية واحدة تُقُصّد فيها الفاصلة لوحدها من غير إرتباط بالمعنى ولذلك نقول دائماً المعنى مقدّم والفاصلة تأتي لأن عندنا مواضع ضُحّي فيها بالفاصلة من أجل المعنى: في سورة الأحزاب (وهو يهدي السبيل) وسورة الأحزاب كلها مطلقة بالألف إلا هذه الفاصلة (السبيلَ) لأن الوقف على سبيل الله تعالى يحتاج إلى إستقرار وليس قلقاً. في سورة الضحى (ما ودّعك ربك وما قلى) حذف الكاف ليس لأجل الفاصلة. ما ودّعك ليس فاصلة. ما هو القلي؟ هو البُغض وهو لا ينسجم أن يرتبط البُغض بضمير الرسول r. الحذف هنا ليس لأجل الفاصلة فالفاصلة لاحقة، لا يقول له: ما قلاك لأنه ما حدث منه قلى كأنما أنت غير مقصود لم يحدث البغض ولم يحدث القلى لأن الرسول r هو حبيب الله وحبيب المسلمين وحبيب المؤمنين وقُرّة العين r فلا يلائم مطلقاً أن يرتبط البغض بالضمير العائد على الرسول r لكن جاءت مع الفاصلة (وما قلى). الفاصلة تأتي لاحقاً المعنى. أي فاصلة أنت تراها مرتبطة بمعنى لكن هي منسجمة، هذا الإنسجام الذي يميل إليه الذوق العربي يريد هذه النهايات المتتابعة الرتيبة (تعلمون، تدرسون، تدركون، تسمعون...ون) أو تأتي مطلقة بالألف (السبيلا، مسطورا، حكيما) يريدها ولذلك نقول دائماً هذا الذي يُكتب ويسمونه شعراً هذا مخالف للذوق العربي وسيموت ولا يحتاج إلى كبير عناء. وأنا لا أقصد الشعر العمودي فهو مناسب لذوق العربي، الشعر الحُرّ فيه إنكسار بسيط كسروا عمود البيت وإلتزموا التفعيلة الواحدة وفيها أحياناً تأتي آخرها حرف روي لكن كلامي على هذا الذي مات في فرنسا ثم أرادوا أن يبعثوه حيّاً في بلاد العرب يرطنون به، هو في البلد الذي نشأ فيه مات وأنتم هنا ترطنون به وكل يوم تقرأ في الصحف الشاعر الفلاني والشاعرة الفلانية تقرأ فلا تجد وزناً ولا قافية ولا معنى. القرآن لا يهتم بالفاصلة على حساب المعنى أبداً وهذه مسألة مفروغ منها. قد يشير علماؤنا للفاصلة لكن ليست هي السبب وإنما المعنى هو السبب والفاصلة جاءت مناسبة.

(أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (266)) الآيات السابقة والآيات اللاحقة كلها على الإنفاق فلما كان الكلام على الإنفاق، على المال والعطاء ضرب الله عز وجل للمخاطبين هذا المثل . أُنظر الصورة من يودّ هذا؟ شيخ كبير عنده ذرية ضعفاء تزوّج على كِبَر أو تزوج فتاة صغيرة وهو كبير وصار عنده ذرية ضعفاء يفكر فيهم وفيها ثمر تأتي نار تحرقه لا أحد يودّ ذلك. (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ) تفكّر، شغّل عقلك، هذا المال الذي عندك قد يحرقه الله تعالى في أية لحظة فأنفق منه، فكّر. فلما كان الكلام على قضية تستدعي التفكير قال (لعلكم تتفكرون).

الصورة الأخرى: العُرف الإجتماعي عند العرب أنه إذا أراد أن يتزوج لا يختار أَمَة ولكن يختار حُرّة ولا يزوّج إبنته لعبد وإنما يزوجها لحُرّ وإن كان أياً كان. لما يقال له هذا عبد يخطب إبنتك وهو ملياردير ، وهذا حُرٌ فقير فيقول أعطوها للحُرّ. فإذن الآية تريد أن تعالج عُرفاً إجتماعياً أن الإيمان هو المقدّم  وليس النسب وليس أي شيء آخر ولذلك يقول الله عز وجل (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (221)) (أولئك أي المشركين)، لعلهم يتذكرون أي لعلهم يتعظون، تكون لهم بعذا الكلام عظة وعبرة: خُذ العبد لإبنتك وخُذ الأمَة لإبنك إذا كانا مؤمنين أفضل فهذه موعظة لأنها مخالفة لعُرفٍ إجتماعي. والرجوع إلى سائر الآيات يُظهر هذا. وبهذا المنطق ولهذا رفض العربي آية السرقة (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38) المائدة) عندما ختمها بـ غفور رحيم  لا تستقيم مع سياق الآية لأن بدايتها (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) عزم القارئ قال يرويها الأصمعي:فقلت والله غفور رحيم، قال أحد الأعراب: لا يكون، قال له تحفظ القرآن؟ فلما رجعت قلت: والله عزيز حكيم، قال: الآن، قلت: أتحفظ الآية؟ قال لا، لا يكون غفور رحيم ويقطع ثم قال: عزيز حكيم عزّ فحكم فقطع ولو غفر ورحم ما قطع.

سؤال 160: لماذا لم يذكر الإنجيل بعد موسى في قوله تعالى (قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (30) الأحقاف)؟

الآية الكريمة في سورة الأحقاف. والمخاطبة للرسول r (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآَنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (29) قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (30) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآَمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (31) الأحقاف) أولاً النفر من 3 إلى 10، الجماعة الإثنان جماعة أول الجمع إثنان في اللغة أول الجمع إثنان لأنه معنى الجمع أن تضم شيئاً إلى شيء وأول الجمع إثنين لأنك تجمع هذا إلى هذا وأنت تصلي جماعة ومعك شخص واحد. الفِرقة أكبر. المهم النفر، إن الذين إستمعوا كانوا عدداً قليلاً من الجنّ ومن جِنّ جزيرة العرب لأن الرسول r كان يقرأ القرآن في مكة فهؤلاء إستمعوا. الدين الذي كان سائداً قبل الإسلام في جزيرة العرب هو اليهودية وليس النصرانية. اليهود كانوا قبائل في جزيرة العرب. علماؤنا يتكلمون في هذه القضية كلاماً بما قد لا يكون مقنعاً وما أختاره أنا وأراه مقنعاً أن هؤلاء الجنّ كانوا قد عرفوا عبادات اليهود أو آمنوا بموسى u. اليهودية الآن أي يهودي لو سألته ما قولك بعيسى u؟ لا يقول هو نبي وأُنزل عليه كتاب، هو لا يؤمن بعيسى u ولا بكتابه كما أنه لا يؤمن بمحمد r ولا بكتابه. اليهودي هذه عقيدته ولذلك بقي يهودياً وإلا كان يصبح نصرانياً أو مسلماً. اليهود من بعد موسى u لا يؤمنون به. هؤلاء الجنّ لا يبعد أنهم كانوا من اليهود والدليل على إنتشار اليهودية أنه حتى ورقة بن نوفل لما ذهب إليه الرسول r وقصّ عليه ما وقع له في الغار قال له: إن الناموس الذي أُنزِل على موسى. الذي في السيرة أن ورقة بن نوفل كان مؤمناً بدين يهود لأنه كان منتشراً في الجزيرة. لاحظ في المدينة كم قبيلة يهودية كانت: بنو قينقاع، بنوالنضير، بنو قريظة، سكان خيبر. أما النصارى فجاءوا من نجران ليحاوروا الرسول r. ما كان هناك نصارى في الجزيرة. عيسى u ليس نبيّاً عندهم. عند اليهودي عيسى u إنسان يستحق القتل. هو بُعث إليهم، إلى بني إسرائيل وحوّلوا بعثته إلى عالمية وصاروا يدعون الناس للدخول في دينهم وهو بُعث إلى بني إسرائيل والإسلام هو الدين العالمي ما قال بعثت إلى العرب (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين). ظاهر النص في الآية أن الجنّ يؤمنون لأنه دعاهم إلى الإيمان ولذلك بعض العلماء يقول الجنّ لا يكون منهم رسول وبعضهم يقول (وإن من أمة إلا خلا فيها نذير) وإنما قالوا هؤلاء منذرون وليسوا رسلاً لأن الرسل من البشر لأنه قال:(وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ) فإذن هم يتبعون أنبياء البشر. عيسى وموسى عليهما السلام لم يُبعثا للناس كافة، رسالة موسى u أن أرسل معنا بني إسرائيل، هذه رسالته فقط. الرسول r هذا الدين لأنه الدين الخاتم ختم الله تعالى به الأديان كان للثقلين بكل ما وُجد منهم هذا الدين عاماً عالمياً. هذه الآيات تشير إلى أن الجنّ كانوا من أتباع موسى u ولم يكونوا يعرفون عيسى u أو يعرفونه ولم يعترفوا به لأنهم كانوا باقين على ديانتهم. نحن لا نرفض أن يدخل يهودي الإسلام ولا نقول له أدخل في النصرانية أولاً ثم تعال إلى الإسلام. إذا أراد اليهودي أن يدخل في الإسلام يدخل. هؤلاء الجن كانوا من الجن الذين يعرفون دين موسى u والذي يعرف دين موسى فقط إذا كان يهودياً لا يعترف بعيسى لأنهم حاولوا قتله. لو إعترفوا به نبيّاً ما صلبوا هذا المشبّه وقتلوه على أنه عيسى u وقتلوا من وراءه (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (91) البقرة) لذا قالوا (من بعد موسى) كانوا يهوداً ودخل الإسلام في قلوبهم فإذن من موسى إلى محمد r ينتقلون. بعد أن دخلوا في الإسلام وعندما يقرأون القرآن عند ذلك يجب أن يؤمنوا بأن عيسى u كان نبيّاً لأنه حتى يكتمل إيمان المسلم ينبغي أن يؤمن بما ورد في كتاب الله عز وجل وفي كتاب الله إثبات نبوة عيسى u.

(وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآَنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا ) حضروه بمعنى حضروا القراءة . كان r يتلو القرآن فقالوا أنصتوا فلما إنتهت القراءة ولّوا إلى قومهم منذرين. لما ننظر في مسؤولية المؤمن، من يؤمن بهذا الدين سمعوا آيات فانطلقوا بها ونحن نسأل أبو بكر الصديق رضي الله عنه لما أدخل أول خمسة في الإسلام (أول من أقام الصلاة ثمانية جباه تسجد لله خمسة منها جاء بها أبو بكر وجبهة أبو بكر وجبهة علي وجبهة زيد بن حارثة ) ماذا كان عند أبي بكر من معلومات إسلامية؟ آيتين أو ثلاث لكن إنطلق بها كذلك الجن ولهذا بعض الناس لما تقول له إنصح جارك يقول لك ليس عندي علم. هذا العلم الذي عندك أن الصلاة واجبة وأنالصوم واجب وأن الربا حرام هذا يكفي وأكثر مما كان عند أبي بكر. (فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ) أي لما دخل الإيمان في قلوبهم إنطلقوا إلى قومهم يدعونهم إلى الإسلام.

سؤال 161: ما الفرق بين العقيم والعاقر؟

لو أخذنا الكلمتين: عين وقاف وبينهما إما ميم أو راء فالخلاف في الميم أو الراء. كلاهما إمتناع الحمل أو الإنجاب هذا الأصل هذا كتاب الله بلغة العرب, لكن أنظر إلى لغة العرب.انظر إلى هذا العلوّ الذي لا تكاد تجده في لغة أخرى. كيف ننطق الراء؟ الفم مفتوح والراء يتكرر، والميم: الفم مقفل مجرى النطق الطبيعي أُغلق ويخرج الصوت من الأنف غنّة من الأنف. ويقول العلماء لقحت الناقة عن عُقر، يعني يمكن الناقة أن تكون عاقراً ثم ينالها الحمل. ناقة مضى عليها زمن لم تحمل قالوا هذه عاقر. عقر بالراء لأن الراء أهون من الميم وليس فيها غلق. إذن العقر قد يعقبه حمل عند العرب. (قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (40) آل عمران) لما قال عاقراً يمكن أن تحمل. هو دعا الله عز وجل فقال (وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5)  مريم) هو دعا الله إذن لما دعا الله كان يتوقع أن يستجيب الله تعالى له لكن مع ذلك لما فوجيء بأن ما دعا به الله صار صار مستغرباً (وكانت امرأتي عاقراً) والعاقر يمكن أن تحمل.

من جملة الأمراض التي عندهم العَقام بالميم من العُقم الداء الذي لا يُبرأ منه فلما شيء ليس فيه نتيجة العقام قال رحمٌ معقومة أي مسدودة في اللغة لا تنفتح ولا تلد. ويقال ريح عقيم لا تلقح سحاباً ولا شجراً ويوم القيامة يوم عقيم لأنه لا يوم بعده. فإذن كلمة العقم لا نتيجة من ورائه. الآن يستعملون معالجة العقم هذا إستعمال محدث، العقر يعالج (يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (49) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (50) الشورى). قال (رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ) إستعمل عاقر ولم يستعمل عقيم (ويجعل من يشاء عقيما) لأنه ليس هناك مجال في الإنجاب. الذي يُنجب إما إناث أو ذكور أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً أو لا يُنجب (إنجاب، عدم إنجاب، تقسيم الإنجاب: ذكور وإناث).

 يبقى سؤال: إمرأة إبراهيم كانت عاقراً أو عقيماً؟ (فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (29) الذاريات) ما قالت عجوز عاقر مع أنها بُشّرت بغلام. كيف استعملت عقيم؟ هي أولاً جاءت في صرة أي في صيحة أو في ولولة وضربت وجهها كأنها تستحي على كِبر سِنّها وقالت عجوز عقيم لأنها عند نفسها من التجربة التي مرت بها إلى أن بلغت مرحلة الشيخوخة هي عقيم لا تقول عاقر لأن قولها  عاقر كانت تتأمل لكنها هي قطعت الأمل تماماً فلا غرابة أن تقول عقيم ولو قالت عاقر لكان الكلام غير سليم لأنها قطعت الأمل تماماً فاستعملت عقيم.

ما دام الله سبحانه وتعالى  قال لها يكون لك غلام سواء كانت عاقراً أو عقيماً يفتحها الله سبحانه وتعالى. هل كانت زوجة إبراهيم تتحدث اللغة العربية؟ قلنا القرآن ليس ترجمة حرفية لكلام من يروي عنهم وإنما هو صياغة جديدة بالأسلوب العربي لِما وقع. زوجة إبراهيم u كانت تريد أن تقول إنني غير قادرة على الولادة إنه مرّت بي سنون وأنا لا ألد، هذه هي الصورة. إمرأة شاخت وهي لا تلد قالت: شخت وأنا لا ألد لكن القرآن عبّر عن ذلك بما يتناسب مع روحية العربي كيف يفهم النص. هي ليست ترجمة ولذلك تأتي العبارات مختلفة بحسب السياق لواقعة واحدة بحسب سياقها وبحسب الآيات الواردة فيها وهي ليست ترجمة حرفية حتى نقول هي قالت كذا وترجمة كذا هي الكلمة الفلانية وإنما هي صورة حال يعبّر عنها القرآن الكريم.

سؤال 162: في اجتهاد من إحدى المشاهدات في التأمل في الآيات في سورة آل عمران التي تختم بـ (العزيز الحكيم) وجدت أن السياق يكون للمستقبل فهل هذا صحيح؟

تأملها كان في مكانه في سورة آل عمران لكن نقول أن هذا الكلام لا يكون عاماً في كل كلام الله سبحانه وتعالى  وإنما الذي وجدناه أنه قد يكون للمستقبل وقد يكون للأمر الثابت حينما يكون وصفاً لله سبحانه وتعالى كهذه الآية: (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (6) آل عمران) تصوير الله عز وجل للناس في الأرحام ليس مستقبلاً وإنما هو دائم ثابت.

في سورة البقرة ست آيات كلها للمستقبل (الآيات: 129-209-220-228-240-260)، في آل عمران أربع آيات كلها للدائم ( الآيات: 6-18-62-126)، في النساء (الآيات 56-158-165) آية واحدة للمعنى الثابت كهذه الآية في آل عمران (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18)). العزيز الحكيم قيامه بالقسط هو ليس للمستقبل وإنما هو ثابت دائم. في المائدة مرة للمستقبل ومرة حكم عام (الآيات: 38-118)، الأنفال في أربعة مواضع للدوام (الآيات: 10-49-63-67)  وفي التوبة موضعين للمستقبل والدوام (الآيات: 40-71)، إبراهيم الآية 4، النحل آية 60، النمل الآية 9، العنكبوت الآية 26 و 42، الروم 27، لقان 9 و 27، سبأ 27، فاطر 2، الزمر 1، غافر 8، الشورى 3، الجاثية 2 و 27، الأحقاف 2، الفتح 7 و 19، الحديد 1، الحشر 1 و 24، الممتحنة 5، الصف 1، الجمعة 1 و 3، التغابن 18، . فحتى يكون الحكم عاماً ينبغي أن نمر بكل الآيات لأن هذا كلام الله عز وجل ولذلك ينبغي أن يكون إستقصاء وإحاطة بما في السور.

بُثّت الحلقة بتاريخ 23/3/2006م


الحلقة 33

سؤال 163: هل كل من يتقي الله ويتوكل عليه يرزقه الله تعالى كما في الآية (ومن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (3) الطلاق) وقوله تعالى (توكل على الحيّ الذي لا يموت)؟

الآية موضع السؤال في أصلها تتعلق بالكلام في موضوع النساء وطلاق النساء لكن العبارة عامة. هي الآية بتمامها الكلام عن المطلقات (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (3))  لكن هذه القطعة من الآية هي عامة (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ). السؤال عن معنى التوكل، وهل من خلال الآية المتقي المتوكل مرزوق حتماً؟ فيما يتعلق بمعنى التوكل هناك أصل من أصول العقيدة الإسلامية أنه لا يتم أمر إلا برضى الله عز وجل، إلا بما يريد (وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (84) فَأَتْبَعَ سَبَبًا (85) الكهف) (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (30) الإنسان). هناك أصل آخر أيضاً أن الإنسان ينبغي أن يسعى لأن معنى التوكل أن تخرج من طاقة نفسك وجُهدها وحولها إلى حول الله سبحانه وتعالى. أن تقول يا رب ليس لي حول، تُلقي بأمرك على غيرك هذا معنى التوكل. لكن فيه لمسة وهي أن المتوكل في المفهوم الإسلامي ينبغي أن يقدّم جميع الأسباب ثم يتوكل لأنه عندنا حديث عن الأعرابي الذي قال له r: أعقلها وتوكّل. أي إربط الناقة بالعقال لأن الناقة تربط من ثنيّة يدها حتى لا تستطيع أن تسير فتبقى باركة أو يمكن أن تقف لكن لا تستطيع أن تمشي. (إعقلها وتوكل): معناه إتخذ الأسباب وتوكل. الأسباب لا بد من إتخاذها لذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما وجد أُناساً في المسجد في غير وقت الصلاة سألهم: ما تصنعون؟ قالوا: نحن المتوكلون على الله ويأتينا رزقنا، قال: بل أنتم المتواكلون إن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة. وأمرهم بالسعي والعمل. في قوله تعالى لمريم عليها السلام (وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطباً جنيا) هي ولدت حديثاً تحتاج إلى الرطب الحلو هي لا تستطيع أن تعمل وتحتاج إلى الرطب، كان الله عز وجل وهو قادر على أن ينزل عليها الرطب كرماً لها وقد جاءها بالغذاء لما كان يسألها زكريا (أنّى لك هذا قالت هو من عند الله) ذاك كان من غير سعي، الله تعالى كان يرزقها من غير سعي لكن (وهزي إليك بجذع النخلة) أنت تريدين وتحتاجين إلى رطب والرطب لا ينزل لوحده فينبغي أن تعملي وإن كان عملك في الحقيقة لا يؤدي إلى هز جذع نخلة ورجل بكامل قوته لا يستطيع أن يهز جذع نخلة فما بالك بإمرأة ضعيفة فما بالك وهي ولدت حديثاً؟ لكن القرآن الكريم يريج أن يعلمنا أنه ينبغي أن نقدم الأسباب، لا بد من سبب وإن كان ضعيفاً لكن حتى لا نتعبّد بالأسباب وننظر إلى أن السبب هو الفاعل أعطانا مثالاً لمريم كأن يأتيها الرزق وهي في مكانها من غير أن تقدم سبباً يأتي حتى لا نتعبد بالأسباب. فلا نقول السبب هو الفاعل وإنما الفاعل هو الله سبحانه وتعالى. فإذن التوكل غير التواكل: التوكل أنك تحسب الأمور حساباً دنيوياً هذا يكون كذا وهذا يكون كذا أفعل كذا وأفعل كذا ثم تعتقد يقيناً أنه لن يكون هناك نتيجة إلا بتوكلك على الله تعالى وإلقاء الأمر إليه جلّت قدرته أنه  يا رب هذا كل ما أستطيعه والأمر إليك من قبل ومن بعد حتى يبقى المسلم وثيق الصلة بقدر الله سبحانه وتعالى لا ينفك عنه دائماً. هذا فيما يتعلق بالتوكل إذن نقدم كل الأسباب المؤدية إلى النُجح ثم نقول يا رب توكلنا عليك من قلوبنا لأنه أنت تقدم جميع الأسباب ثم لا يكون ما تريد في كثير من الأحيان.

(ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب) هذا عهد من الله تعالى ينبغي أن نطمئن إليه لأنه عندنا شرط (من يتق الله) وجواب شرط (يجعل له مخرجا). التقوى وكن مطمئناً أن الله عز وجل سيجد لك مخرجاً ويرزقك من حيث لا تحتسب (يرزقك: هذا معطوف على المجزوم وهو مجزوم) وهو داخل ضمن العهد. الله تعالى يتعهد جلّت قدرته (ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب). هنا وقفة قصيرة: الموظف يقول أنا رزقي واضح أشتغل الشهر بكامله ونهاية الشهر آخذ مرتّبي فرزقي ثابت واضح فكيف يرزقني من حيث لا أحتسب؟ هنا ينبغي أن نبيّن مفهوم الرزق. الرزق نوعان رزق بمال يدخل إليك هذا المنظور، ورزق بضُرٍ يدفعه الله عز وجل عنك هذا رزق أيضاً وهو مستور. يمكن هذا الموظف الذي يقول رزقي ثابت أنه ضرسه تؤلمه، فيذهب إلى الطبيب،  يمكن أن الله سبحانه تعالى يجعل الأمر خفيفاً بحيث أنه لا يحتاج إلى تنظيف بسيط ويمكن أن تحتاج لحشوة جذر تكلف ألف درهم فالفارق هو رزقه لما كفّ عنك حشو الجذر وجعل أمره سهلاً المبلغ الفارق هو رزق جاءك وأنت لا تعلمه. الرزق الذي يدفع الله عز وجل عنك ضراً هو أرحم بك مما يدخل جيبك لأن الثاني يكون فيه ألم الضرس ودفع المال. فإذن هكذا ينبغي أن نفهم رزق الله عز وجل. الرزق ليس دخول شيء وإنما كفّ ما يقتضي الإنفاق أن الله عز وجل يكف عنك،  فيكون رزقك من حيث لا تحتسب. فضلاً عن أن هناك رزق يأتيك ن حيث لا تحتسب أحياناً أنت جالس في ندوة معينة ويقال هناك أسئلة وأجوبة وجوائز وفجأة يأتيك سؤالاً تعرفه فيأتيك رزق أنت ما كنت محتسباً له. بالإضافة إلى بركة الله أن الرزق يبارك فيه. فإذن نثق ونطمئن أن من يتقي الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب (ومن يتوكل على الله فهو حسبه) يعني الله يكفيه ويغنيه عن غيره. عندما نقول حسبي الله يعني يكفيني الله سبحانه وتعالى. (فهو حسبه) أيضاً هذا عهد. هذا أسلوب الشرط والجواب. في الحديث الشريف "لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما تُرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً" ليس كما ترزق الطير في عشها وإنما تغدو أي  تذهب وتفتش عن الحبوب فهي تقدم الأسباب ويمكن أن يذهب الطير إلى مكان ولا يجد حَبّاً لكن يجب أن يذهب ويفتش فالمسلم ينبغي أن يكون هكذا ويذهب يغدو ويعود. هذا التوكل الحق أن الإنسان لما يخرج من حول نفسه إلى حول الله سبحانه وتعالى بعد أن يقدم الأسباب لأن هذا أصل من أصول الفكر الإسلامي. الحول هو القوة والطاقة والجهد (لا حول ولا قوة) أي لا طاقة لنا.

إستخدام القرآن للفظ التوكل ولم يقل يعتمد مثلاً:  لأنك كأنك توكل هذا الأمر كأنك تجعله وكيلاً عنك. نحن الآن نوكل شخصاً  نقول وكّلته أي جعلته مقام نفسي بحيث له أن يبيع ما عندي ويشتري وأن تقيمه مقام نفسك. أما الإعتماد فأصله أن تتكئ على شيء تجعله عموداً لك كالعصى (إعتمد عصاه) أي إتكأ على العصا. تتكئ يعينك في شيء أما أن يكون وكيلاً عنك يعني يتصرف بدلك. لما توكل الأمر إلى الله سبحانه وتعالى لما تقول (اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك) هذه الخصلة من الشعر إسحبني حيث شئت يا رب، لو قلت هذا الإنسان نبيل كريم لن يخذلك وسيختار لك الخير فما بالك عندما تقولها لرب العزة سبحانه وتعالى  تقول له يا رب ناصيتي يبدك أنت توكلت عليك تكون مطمئناً (فهو حسبه) أي يكفيه الله سبحانه وتعالى.

هل هناك لمسة بيانية بين الفعلين يتق ويتوكل؟ التقوى هو تجنب كل ما لا يرضي الله سبحانه وتعالى كما يتجنب الإنسان ما يسيء إليه إذا سار في أرض مشوكة يشمّر ويسير فمن يتق الله أي من يتجنب معصية الله سبحانه وتعالى وإغضاب الله عز وجل. التقوى ليس خوفاً وإنما هي خشوع في القلب وتجنب لما لا يرضي الله سبحانه وتعالى. الإنسان يتجنب هذا الذي يغضب ربه عز وجل ، إتق الله يعني  تجنب أن تسقطه،  خف منه، فيها معنى الخوف، معنى الخشوع والهيبة وليس الخوف الإعتيادي الذي فيه خوف مع بغضاء وإنما هذا خوف مع حب، أنت تحب الله تعالى وتخشاه وتستحي منه. الخشية والخوف والإستحياء كله ينجمع في التقوى. أما التوكل أنك وأنت خاشع خاضع متجنب للمعاصي متقي تُلقي بأمور حياتك كلها إلى اله تعالى تقول يا رب تولّى هذا الأمر أنت وأنا قدمت الأسباب أنجح أو لا أنجح لا أدري لكن أنت كن وكيلي ولله المثل الأعلى نحن نقول فلان وكيلي فيقوم مقام نفسي فما تظن بالله سبحانه وتعالى عندما يكون مقام نفسك كيف سيعاملك، كيف سيختار لك؟ ولا شك كل ما يختار لك خير حتى ما يبدو في ظاهره أنه  فيه أذى لكن هو فيه خير لك يقيناً.

تنكير كلمة (مخرج) هل هو للدلالة على أي مخرج؟ لم يقل يجعل له المخرج المعلوم. سيكون هناك مخرج ما هذا المخرج؟ لا ندري لكن على جه اليقين هناك مخرج كما قال موسى u (قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62))  لا يدري كيف ولكن هو يقيناً الله تعالى سيوجهني ويهديني إلى طريق الخلاص. كلمة (كلا) في الآية كلمة ردع وانظر إلى القرآن كيف استعمل؟ في البداية قال: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (52)) رفعٍ لقيمتهم لكن لما قالوا (قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61)) نزلوا رتبة وقال (أصحاب موسى) ولم يقل عبادي. في البداية قال (أسر بعبادي) رفعٌ لقيمتهم لأنهم كانوا هم المؤمنين لكن لما وصلوا البحر صار عندهم شك قالوا (إنا لمدركون) وهذا الشك أنزلهم رتبة من عبودية الله إلى صحبة موسى u وهي رتبة عالية ولكن شتان بين أصحاب موسى وعباد الله فقال تعالى (أصحاب موسى) ولم يقل عبادي.

سؤال 164: ما اللمسة البيانية في كلمة (لكن ليطمئن قلبي) على لسان إبراهيم u في آية 260 من سورة البقرة؟

الكلام على لسان إبراهيم u (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (260) البقرة) ينبغي أن نتذكر أولاً أن إبراهيم u في هذا الطلب كان يخاطب الله سبحانه وتعالى وكان الله تعالى يخاطبه وليس وراء مخاطبة الله عز وجل إيمان. يعني لما يكلّم الله عز وجل ويسمعه ويسمع كلام الله تعالى هل يحتاج إلى إيمان فوق هذا؟ هل يحتاج إلى دليل؟ هو يناجي ربه وربه يخاطبه إذن المسألة ليست مسألة إيمان أو ضعف إيمان أو قلة إيمان أو محاولة تثبيت إيمان لأن مخاطبة الله عز وجل هي أعلى ما يمكن أن يكون من أسباب الإيمان. وهو أي إبراهيم u الأوّاه الحليم، كليم الله عز وجل . فالقضية ليست قضية إيمان بمعنى أنه كان يمكن في غير القرآن أن يقال (أرني كيف تحيي الموتى ليطمئن قلبي) لماذا دخلت (أولم تؤمن  قال بلى)؟ الله سبحانه وتعالى يعلم أنه مؤمن لأنه يكلّمه فكيف لا يؤمن. والتساؤل هو لتقرير أمر كما قال الله عز وجل في سورة المنافقون (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (1)) كان يمكن في غير القرآن أن يقول (قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يشهد أن المنافقون لكاذبون) وإنما وضع بين هذه وهذه (والله يعلم إنك لرسوله) لماذا؟ لدفع ما قد يتوهمه إنسان أن تكذيب الله عز وجل لهم في الرسالة لأنهم قالوا (نشهد إنك ارسول الله) ولما يقول (إنهم لكاذبون) يعني لست رسولاً يحتمل هذا المعنى يعني: إما يقول كاذبون في إيمانهم أو كاذبون في نسبة الرسالة إليه فلو قال في غير القرآن مباشرة (قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يشهد أن المنافقون لكاذبون) يقولون الله شهد بكذبنا ونحن كذبنا الرسول فأنت لست رسولاً. الآية (والله يعلم إنك لرسوله) جاءت في مكانها وهي جملة إيضاح وتثبيت معنى.

هنا قال (أولم تؤمن قال بلى) هذا للسامعين لأن السامع لما يسمع إبراهيم u يقول: أرني كيف تحيي الموتى هو سيسأل أي السامع: ألم يكن إبراهيم كامل الإيمان؟ فحكى لنا قال (أولم تؤمن قال بلى) إذن أثبت الإيمان لإبراهيم u حتى لا يخطر في قلوبنا أن إبراهيم u طلب هذا الأمر ليثبت إيمانه وهو مؤمن. قد يسأل سائل ألم يكن الله تعالى يعلم أن إبراهيم مؤمن؟ هذا أصل من أصولنا ، من أصول كل المؤمنين بالله تعالى من اليهود والنصارى والمسلمين وكل المِلل يدركون أن الله تعالى يعلم السر وأخفى، كلهم يقولون ذلك ويدركون ذلك (وإلهنا وإلهكم واحد) ربنا وربكم واحد لليهود والنصارى فالرب الذي يؤمنون به ونحن نعلم أنه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء فإذن هو عالم. هذا السؤال هو لتقرير أمر قد يخطر في ذهن المتلقي لما يسمع أن إبراهيم يقول (رب أرني كيف تحيي الموتى) يقول إذن إبراهيم كان في إيمانه شك فأثبت لنا هذه الجملة قال (أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي) إذن ما موضع الإطمئنان هنا؟ علماؤنا يقولون أن إبراهيم u كليم الله عز وجل الأوّاه الحليم كان في قلبه شيء يريد أن يراه، أن يلمسه، أن يرى سر الصنعة الإلهية، أن يرى هذه الصناعة كيف تكون؟ ليس من قبيل تثبيت الإيمان وإنما من قبيل الإطلاع على سر الصنعة، هو يريد أن يطّلع وأن يرى. هذا ولله المثل الأعلى مثل شاب أبوه طبيب جرّاح يعمل عملية إستئصال زائدة لمريض فيقول يا أبي وهو رأى أن الشخص قد نجا: أنا أحب أن أرى كيف تعمل يمكن؟ فيقول نعم. هو يريد أن يرى سر الصنعة وليس إيماناً إنما إطمئنان القلب. إطمئنان القلب هو إستقراره. القلب نقول أنه غير مطمئن إذا كان يشغله شيء. هو كان يشغله أن يعرف الكيفية التي قلنا أن الله تعالى إختص بها نفسه لما تكلمنا عن الآيات المتشابهة. (أرني) هو يريد أن يرى سر صنعة الله ويشاهدها، وأرني تعني أريد أن أرى رؤية العين لأن إحياء الموتى لا يُرى فهو كان يتطلع إلى أن يرى هذا الشيء . والله تعالى لم يجبه لِماذا تريد أن ترى؟. هؤلاء الأنبياء مقرّبون إلى الله سبحانه وتعالى هو يختارهم فلا يفجأهم بردٍ يضربهم على أفواههم، لا. كما قلنا (أولم تؤمن) إعلام للآخرين حتى يثبت إيمان إبراهيم u وأنه لم يكن يريد رؤية هذا الإحياء ليتثبت إيمانه وإنما ليرى كيف تعمل يد القدر، ليرى سر الصنعة ويرى يد الله تعالى كيف تعمل في إحياء الموتى ولذلك قيل له: خذ أربعة من الطير. الأربعة يبدو أن الجبال التي حوله كانت أربعة والجبل هو كل مرتفع صخري عن الأرض وإن كان قليلاً والذي ذهب إلى المدينة المنورة يرى جبل الرماة مرتفعاً صخرياً واطياً ليس عالياً. (فصرهن إليك) أي إحملهن إليك حتى تتعرف إليهن وترى أشكالهن وهي أيضاً تشم رائحتك وتتعرف من أنت. ما قال القرآن قطّعهن لأن هذا معلوم من كلمة (واجعل على كل جبل منهن جزءاً). إذن أربعة طيور قسمهن أربعة أقسام ومن كل طير وضع قسماً على جبل فاجتمعت. هذا ليس مجرد إخراج ميت إلى الحياة وإنما بهذا التقسيم إبراهيم u كان يريد أن يرى هذا الشيء ليس شكّاً. أربعة فصرهن إليك أي ضمهنّ إليك أحياءً ثم ذبحهن وقطعهن كل طير إلى أربعة أقسام ووضع من الطير الأول والثاني والثالث والرابع على كل جبل ثم ادعهن اجتمعت جميعاً بمجرد أن ناداها وجاءت إليه مسرعات (يأتينك سعيا) فرأى يد الله عز وجل كيف تعمل شيء أحبّ أن يراه  ولا علاقة له بقوة الإيمان أو بضعف الإيمان لأن إيمانه لا شك فيه وأثبته لنا القرآن الكريم  بعبارة (أولم تؤمن قال بلى) كان يمكن في غير القرآن أن تحذف هذه العبارة.

في موقف شبيه  قصة العزير (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آَيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (259) البقرة) أراه مثالاً في نفسه هو. مسألة إحياء الموتى كانت تداعب أذهان وفكر الكثيرين من باب الإطلاع على الشيء ولمعرفته وليس للشك لأنه كان هناك يقين بأن الله تعالى يحيي الموتى وهذا هو الإيمان.

سؤال 165: ما معنى الجمع في قوله تعالى ((وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (80) النحل) وهل هو جمع نوعي؟

الصوف جنس ٌ مثل الماء. لما نقول ماء العراق عذب، تعني ماء العراق جميعاً. ولما نقول مياه العراق عذبة، المتحصل النهائي هو هو، لكن الصورة إختلفت: عندما تسمع كلمة مياه تعطي صورة الكثرة. هنا الصوف مثل الماء. كان يمكن في غير القرآن أن يقول من صوفها ووبرها وشعرها لكن لا تأتي هذه الصورة لأن وفي موطن بيان نعمة الله تعالى وبيان فضله على هؤلاء الناس. الجموع متواترة منذ البداية قال تعالى (وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ (80) ما قال جلد لأن هذه نعمة يحسّها العربي حينما كان يأخذ من الجلود وهي خفيفة ويضعها على الجمل وحيثما وقف ربط بعضها ببعض وصنع بيتاً يقيه الشمس والبرد والمطر هذه نعمة عظيمة بالنسبة له.

الصوف ليس للبيوت فقط لأنه أثاثاً ومتاعاً إلى حين، هو للأثاث والمتاع وحتى الملابس تتمتع بها تكون جزءاً من المتاع فإذن هو إختار أن يستعمل الجمع في معرض الكلام على فضل الله سبحانه وتعالى على البشر وعلى كثير إنعامه.

(وجعل لكم من جلود) من جلود يمكن أن يقول جلد لكن هنا لغرض بيان عظيم فضل الله سبحانه وتعالى بإستعمال صيغة الجمع.

سؤال 166: ما الفرق بين كلمة الناس في سورة الناس؟

أصل السؤال متأتٍ من كلمة الناس التي هي قبل الأخيرة في السورة (في صدور الناس). بعض المفسرين قال كلمة الناس هنا بمعنى المخلوقين من الثقلين الإنس والجن فإذن هو يوسوس في صدورهم والناس الأخيرة (من الجنة والناس) هم البشر. لكن هذا الكلام مرجوح والرأي الراجح أن الناس حيثما وردت هي مقابل الجِنّة. الجِنّة والناس. عندنا الجِنّ يقابله الإنس وهما الثقلان، الجانّ يقابله الإنسان، والجِنّة تقابلها الناس لأن الجِنّة معناه المجموعة من الجِانّ ليس كل الجن وإنما أفراد من الجن. والناس هم أفراد من الإنس، وقد يطلق على الإفراد وقد يطلق على الجمع أو على مجموعة كبيرة أو على الإنس جميعاً فلما قابلها بالجِنّة التي هي لأفراد فمعنى ذلك أن كلمة الناس هنا يراد بها القِلّة.

لما يقول (قل أعوذ برب الناس) الإستعاذة هنا  ثلاث مرات (برب الناس، بملك الناس، بإله الناس) أما في سورة الفلق فإستعاذ مرة واحدة والمستعاذ منه أربعة. وهذا سؤال ورد من أحد المشاهدين وهو: في سورة الناس المستعاذ به ثلاث الربوبية والألوهية والملك والمستعاذ منه واحد أما في سورة الفلق فالمستعاذ به واحد والمستعاذ منه أربعة فما الفرق؟

هذا الوسواس أي الذي يقوم بالوسوسة يعني فاعل مثل ثرثار الذي يثرثر ويقوم بالثرثرة. فالوسواس الذي يقوم بهذا الشيء في صدور الناس الذي هو محطة عمله. الصدر بحيث يغبّش عليه ومن هذا الغبش يدخل إلى القلب. لماذا قال الصدر؟ حتى يظهر أن القلب وما يحيط به لأن الصدر مكان القلب وهذا مجاز مرسل. الإستعاذة هنا لأن الوسوسة التي في الصدر أو في القلب تتعلق بشيء داخلي وليس بشيء ظاهري. والشيء الداخلي هو الذي يتعلق بالإيمان والإعتقاد ومن هنا تأتي الوسوسة. ولذلك إستعاذ برب الناس، ملك الناس، إله الناس لم يعطف لأن القضية خطيرة فإستعاذ بالمربّي الذي يتعهد بالتربية وبالملك المالك المتصرف وبالمعبود الإله (بالصفات الثلاث) لتنجيه من هذا الأمر لتسلم له عقيدته الداخلية . بينما الأذى  في سورة الفلق أذى خارجي ظاهري (حاسد قد يمكر بك، النفاثات قد يعملن شيئاً ضدك، الليل إذا أظلم قد تأتي منه أقعى أو غيرها ، السحر) كلها أضرار جسدية فهذه لا تقتضي كثرة الصفات وإنما صفة واحدة وهي (رب) لأن كل الأذى هو خلاف ما يريده الله عز وجل في تربيته لهم. خلاف التربية لأن الذي يؤذي لم يتربّى ولم يتلق التربية تلقياً صحيحاً والله تعالى أرشده إلى أن يتربى تربية صحيحة لكنه لم يفعل لذا إستعاذ برب الفلق. والفلق هو إنبثاق النور والضوء لأن عمل هؤلاء جميعاً يكون في الظلمة: الحاسد والنفاثات والساحر فهناك مناسبة عجيبة. وهنا أيضاً لما يقول (برب الناس) مسألة تربية، (ملك الناس) مسألة التملك والقهر لأن الملك ملك وقاهر ومتسلط.

فائدة هذا الترتيب : رب، ملك، إله: هو تدرج لأن التربية تكون في الصغر ثم الملك عادة عمله مع الجند ومع الكبار ، إله : المعبود الذي يفرّغ نفسه لعبادة الله سبحانه وتعالى هم عادة الكبار في السن أكثر من الشباب بعد أن يتفرغوا من الجندية أوغيرها. فهذا التردج هكذا من هنا جاء. الذي يوسوس في صدور الناس (من الجنة والناس) يعني هذا الوسواس يكون من الجن ويكون من الإنس، أما وسوسة الجن فهذا يدخل في مساحة الغيب الذي قلنا عنه في المتشابه (والراسخون في العلم يقولون آمنا به) . الجن يوسوسون، كيف يوسوسون؟ هذه مساحة المتشابه ونحن آمنا به. أما وسوسة الإنس فنحن نعرفها: الصديق الذي يوم القيامة يقول القائل (يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (29) الفرقان)، المستشارون الذين يوسوسون في صدور بعض الناس أو الحُكّام أو غيرهم ليقوموا بهذا العمل أو لا يقوموا بهذا العمل حينما لا تكون فيما يرضي الله عز وجل فهي من هذه الوسوسة. فوسوسة الإنس نحن نعاني منها في حياتنا. الوسوسة تطلق على الخبيث من الكلام أما المشورة فهي مطلوبة عموماً (وأمرهم شورى بينهم). الوسوسة كأنها كلام خافت هو ليست لديه الشجاعة أو الجرأة أن يصرّح بما يقول أو يُعلن الوسوسة عموماً لأن ما دامت بهذه الصورة وما دام يستعاذ منها فهي للشرّ وليست للخير لأن تلك نصيحة إذا كانت للخير فهي نصح أوإرشاد أو تذكير ولا تكون وسوسة لأن النُصح يكون واضحاً.

بُثّت الحلقة بتاريخ 25/3/2006م


الحلقة 34

سؤال 167: ما الفرق بين المؤمنين والمسلمين في سورة الذاريات(فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (36))؟

هذه الآية تتكلم عن بيت واحد هو نفسه لكنه وُصِف مرة بكلمة المؤمنين ومرة أخرى وُصِف بكلمة المسلمين في موضع واحد وهو بيت لوط u. والحكاية أن الملائكة جاءوا إلى إبراهيم u والقصة معروفة فسألهم إلى أين أنتم؟ قالوا: إلى هذه البقعة قال: إن فيها لوطاً، قالوا نحن أعلم بمن فيها (قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (32) العنكبوت) فأخرجوها من الأهلية لأنه في الأصل المرأة من أهل البيت لكن أخرجوها لما كانت تعمل بإتفاقها مع المشركين ضد لوط u. الآية تقول (فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (فيها) تعني من هذه البلدة التي كان فيها لوط u يدعو قومه إلى الإيمان لأنه الوحيد الذي آمن بإبراهيم u من أهل البلدة ثم صار نبيّاً وصار يدعو (فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ).

نحن عندنا في القرآن الكريم في بعض المواطن هناك تفريق بين المؤمنين والمسلمين بل حتى في الحديث: في حديث سعد بن أبي وقاص لما قال : يا رسول الله أعطِ فلاناً فإنه مؤمن. قال: أو مسلم. فهناك فرق بين المؤمن والمسلم وفي الآية (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ (14) الأحزاب) فإذن الإيمان شيء داخلي : ما وقر في القلب وصدّقه العمل. العمل المصدِّق هو الإسلام لأنه لما جاء جبريل u يعلّم المسلمين أمور دينهم " حدثني أبي عمر بن الخطاب، قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب. شديد سواد الشعر. لا يرى عليه أثر السفر. ولا يعرفه منا أحد. حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فاسند ركبتيه إلى ركبتيه. ووضع كفيه على فخذيه. وقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وتقيم الصلاة. وتؤتي الزكاة. وتصوم رمضان. وتحج البيت، إن استطعت إليه سبيلا" قال: صدقت. قال فعجبنا له. يسأله ويصدقه. قال: فأخبرني عن الإيمان. قال: "أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر. وتؤمن بالقدر خيره وشره" قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان. قال: "أن تعبد الله كأنك تراه. فإن لم تكن تراه، فإنه يراك". قال: فأخبرني عن الساعة. قال: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل" قال: فأخبرني عن أمارتها. قال: "أن تلد الأمة ربتها. وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء، يتطاولون في البنيان". قال ثم انطلق. فلبثت مليا. ثم قال لي: "يا عمر! أتدري من السائل؟" قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم " الأعمال الظاهرية هي الإسلام والباطن هو الإيمان. المؤمن يقيناً هو مسلم لأن الذي يستقر الإيمان في قلبه يطبّق لكن ممكن أن الإنسان يطبّق والإيمان لمّا يدخل بعد في قلبه. كل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤناً. عندما يحدثنا عن إنسان معيّن ويقول إنه مؤمن ثم يقول بعد ذلك أنه هو مسلم معنى ذلك أنه جمع له الأمرين: الإيمان الباطني والتطبيق العملي أراد أن يشير إلى التطبيق العملي. فأهل هذا البيت كانوا مؤمنين (فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين) لوط وأهل بيته لأنه (فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين) البيت المقصود به أصحاب البيت، سكان البيت لأن البيت هو ما يبيت فيه الإنسان، هو ما يقضي فيه ليله . هذه على قبيل (واسأل القرية) في سورة يوسف. (فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين) بمعنى غير أهل بيت من المسلمين. لم يقل المؤمنين حتى لا تتكرر أولاً لأنه لو قال في غير القرآن ( فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين، فما وجدنا غير بيت من المؤمنين) هنا التكرار غير محمود لأنه لا معنى له. (غير بيت) يكون مطلقاً ولو قال (غير بيت منهم) كأن يصغّرهم وهو يريد لهم قيمة. فإذا كرر المؤمنين هنا وهي قريبة كأنما يكون تركيزاً على الإيمان وليس فيه إشارة إلى التطبيق العملي والآية أرادت أن تذكر أنهم مؤمنون مطبقون لإيمانهم عملياً فجمعت لهم بين الإيمان والإسلام لأنهم هم أنفسهم وليسوا فريقان فريق مؤمن وفريق مسلم كما (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا) لكن هؤلاء وصفهم بالإيمان. فحينما يعود ويصفهم بالإسلام معناه هذا تأكيد لقيامهم بالتطبيق العملي لإيمانهم، أنهم مطبقون عملياً. هذا قول جمهور المفسرين. هناك قول آخر ولا بأس أن نذكره والمشاهد الكريم يحاول أن يرى إلى أي التأويلين يطمئن قلبه لأن اللغة تحتمل ذلك. الرأي الأول وفيه رفع منزلة لأهل لوط، نحن لا ندري على وجه التعيين من كان مع لوط  u من أهل بيته. هم يقولون إستناداً إلى ما ورد في التوراة أنه كان عنده بنتان وامرأته لكن هذا ليس ثابتاً عندنا من الناحية التاريخية ومن الممكن أن يكون لديه آخرون، من الممكن أن يكون في بيته من المؤمنين، وفيه وإن كان فرداً حتى إذا كان ذكر البنتين يمكن أن تكون إحدى إبنتيه إستقر الإيمان في قلبها والثانية هي مسلمة على دينه ولم يستقر الإيمان في قلبها هذا الإستقرار. فلما قال (غير بيت من المسلمين) معناه هي تدخل معهم ولو قال من المؤمنين لا تدخل معهم هذه البنت التي لم تكن قد إستقر الإيمان في قلبها أما قوله المسلمين فيشملها ذلك لأن المؤمن مسلم  والمسلم غير المؤمن ذُكر أنه هو مسلم فيكون الكلام أعم عند ذلك وهذا رأي مرجوح. والرأي الراجح هو الأول أن الجميع كانوا مؤمنين، أنه نوّع بالعبارة حتى يبيّن أن أهل هذا البيت كانوا مؤمنين مطبقين عملياً لإيمانهم فوصفهم مرة بالمؤمنين ثم ألحق ذلك بكلمة وصف المسلمين. فكان الإيمان مستقراً في قلوبهم وكانوا مطبقين لعلامات الإيمان لأنه قد يكون الإنسان مؤمناً لكن يقصّر في التطبيق ولذلك يتوب إلى الله تعالى ويستغفر وليس من قبيل عدم الإيمان. فإذن هذا الوصف فيه رفعة شأن لهؤلاء.

قد يقول القائل لماذا لم يقل : وجدنا فيها غير أهل بيت؟ لماذا حذف (أهل)؟ وفي آية سورة يوسف (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (82)) حذف أهل أيضاً؟

الحذف هناك يختلف عن الحذف هنا بحسب السياق. هناك حذف أهل وهنا حذف أهل. هناك فارق في الصورة هناك (وإسأل القرية) إخوة يوسف كانوا متهمين بأنهم ليسوا صادقين لأن عند أبيهم تجربة سابقة معهم لما جاءوا وقالوا أكله الذئب يوسف وهو لم يأكله فالآن يقولون إبنك سرق وقد يكون كذباً كالذئب فقالوا: (واسأل القرية التي كنا فيها) صحيح هي أهل القرية لكن كأنهم يريدون أن يقولوا له أن صدقنا ثابت في القرية حتى بجدرانها ،حتى بحيوانها، إسأل القرية كاملة، القرية التي كنا فيها والبلدة كأنها جميعاً تشهد لنا ليس بناسها فقط وإنما حتى بجدرانها. وهذا ينسحب على العير أي القافلة (والعير التي أقبلنا فيها) العير ومن عليها ومن معها ومن فيها لأنهم كانوا يشكّون في أنفسهم. أما في آية سورة الذاريات (غير بيت) لو قال : غير أهل بيت تكثر. أهل البيت تصير كثير: القرية من بيوت  فأراد أن يبيّن قلة الذين إتّبعوا لوطاً u فقال (غير بيت) واحد ولو قال أهل بيت: الأهل مجموعة فتكون الصورة فيها كثرة فحذف هنا. هنا أراد الحذف حتى يبيّن القِلّة وهناك (في سورة يوسف) حذف حتى يبيّن الكثرة. ولكل حذف مكان بحسب السياق والله أعلم.

سؤال 168: ما الفرق بين (وأنزل جنوداً لم تروها) و(وأيّدهم بجنود لم تروها) وما المقصود بكلمة: لم تروها؟

في سورة التوبة في قوله تعالى (إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (40) التوبة) هذا النصر الذي تحقق في الهجرة هو سلامة رسول الله r من الأذى (إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (40) التوبة) (إن الله معنا) هذه ميزة للصديق رضي الله عنه وما قال r كما قال موسى (إن معي ربي سيهدين) وإنما قال (لا تحزن إن الله معنا) رفع شأن لأبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه. (فأنزل الله سكينته عليه) جمهور العلماء يقولون الهاء في (عليه) تعود إلى الصدّيق لأنه هو الذي كان مشغول البال أما الرسول r فكان مطمئناً وقال له "ما ظنك بإثنين الله ثالثهما". (وأيّده) الهاء تعود على الرسول r. (وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا)  هذا تقرير عام، (والله عزيز حكيم).

(وأيده بجنود لم تروها) الجنود أو الجند. الجند إسم للجنس كما تقول: الماء، الريح، القوم. يقال هؤلاء قوم أي جنس. القوم جنس مكوّن من أفراد فالجند جنس ولذلك هذا الجنس يمكن أن يُجمع كما جُمع قوم أقوام، جند، أجناد. إذا ورد جمع بصيغتين فعند ذلك ينظر في القِلّة والكثرة. فالجند مجموعة على جنود وأجناد، صيغة أفعال في الجمع تكون للقلة فإذن هنا جنود للكثرة. الجند في اللغة: الأنصار والأعوان بعد ذلك أُطلِقٌت متأخرة على القوات المسلحة ثم صار جند وجنود لأن هذا قديماً لم يكن موجوداً.. لما يقال جنّد الجنود أي هيّأ الأنصار: الأنصار لم يكونوا جنوداً وإنما كانوا في السوق يبيعون ويشترون ثم لما ينادى للقتال فيكون في ساقة الجيش. في عهد الرسول r الكل كانوا مدنيون وفي أي لحظة يكونون مقاتلين. الجند في اللغة الأنصار كما قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ (14) الصف) لما نقول أنصار الله بمعنى أنصار شرعته وأنصار دينه.

(وأيّده بجنود لم تروها) أي أيّده بأنصار يناصرون رسول الله r, ما كان هؤلاء المناصرون؟ يقول تعالى (وما يعلم جنود ربك إلا هو): الغشاوة التي يجعلها على أبصارهم، يجعلهم لا يسمعون، لا يدركون، لا ينتبهون الملائكة تفعل فعلها، كل هذا يدخل. منهجنا في هذا الأمر أن القرآن الكريم إذا لم يفصّل وما عندنا دليل للتفصيل نقف عند ما قال. (وأيده بجنود لم تروها) أنتم لم تبصروا هؤلاء الجند فكان تأييداً من الله سبحانه وتعالى وكان نصراً لأن طبيعة الأشياء أن رجلين فارّين من قومهما وقومهما وضعوا جوائز، طبيعة الأشياء أن يُمسكوا لأنهم في الصحراء وفعلاً هم وصلوا إلى الغار بحيث أن أبا بكر الصديق قال للرسول r : لو نظر أحدهم إلى موضع قدمه لرآنا. فقال r: ما ظنّك بإثنين الله ثالثهما. فطبيعة الأشياء أن يلقى عليهم القبض لكن ذلك لم يحدث. لكن الله تعالى نصر رسوله r بجنود لم يروها: تغيير طبيعة الأشياء جزء من جند الله عز وجل، سراقة إبن مالك رأى رسول الله r وصاحبه رضي الله عنه وأرضاه وناداهما فكان أبو بكر يخشى من سراقة لأن سراقة كان من الفرسان المعدودين ولذلك خرج وحده معتمداً على قوته أنه يستطيع أن يجابه الرسول r وصاحبه لوحده لكن غارت قوائم فرسه في الرمال وتكررت ثلاث مرات. هذا جند من جنود الله عز وجل. فهذا هو الجند الذين لم يرهم المسلمون: قد يكونون ملائكة أو الصرف الذي صرف الله به، غشاوات الأعين، عدم الإنتباه، كل هذه الأشياء التي تخالف طبيعة الأشياء هي جند من جنود الله (وما يعلم جنود ربك إلا هو). الحشرة الصغيرة هي جند من جنود الله عز وجل (النمرود دخلت في أذنه حشرة). فهذه الجنود أنتم لم تروها أي ليسوا مناصرين من الرجال الذين ترونهم فنصر الله عز وجل يأتي من غير الأشياء التي تراها أنت.

في سورة الأحزاب قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (9)) (جاءتكم جنود) جنود تراها العين : قريش ومن جاء معهم من الأحزاب. (جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ) ريحاً هي من جنود الله أيضاً، (وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا). الريح رأيتم فعلهاهذا من جند الله وهناك جنوداً لم تروها. هذه الجنود: التخذيل الذي حدث، الملائكة التي أدخلت الرعب في قلوب هؤلاء الناس، الخلاف الذي وقع بينهم (نبقي أو نمضي) كل هذا هو من جنود الله غير المرئي. فإذن لا يتوقع المسلم أن الله سبحانه وتعالى دائماً يرسل جنداً مرئية لأن الملائكة شاهدها بعضهم في القتال وسمعها بعضهم. أثناء القتال  في معركة بدر بعضهم رأى الملائكة وسمع صوتها وهي تتحدث مع بعضها. ويمكن هناك جند لم تروها لم تقع أعينكم عليها سواء من الملائكة أو من غير الملائكة. المهم أن تكون واثقاً بنصر الله سبحانه وتعالى وأنه تعالى له جنود يسخّرهم يكونوا نصراء لدينه. (لم تروها) أي لم تروها رأي العين. الله سبحانه وتعالى يخبرنا عن آثارها كيف ينصر رسوله؟ سماه نصراً نجاة الرسول r من قريش (إلا تنصروه فقد نصره الله) كان نصراً.

سؤال 169: ما الفرق بين (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) البقرة) و (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (38) يونس) و(قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (13)هود

التحدي كان بأكثر من صورة، كان هناك تحدي في مكة وتحدي في المدينة. السور المكية جميعاً جاءت من غير (من) (أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (33) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (34) الطور)، والطور سورة مكية، الحديث يمكن أن يكون آية أو عشر آيات أو سورة كاملة، بحديث مثله: الحديث مطلق. (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (38) يونس) بسورة مثله، (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (13) هود) بعشر سور، (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88) الإسراء) هذه السور المكية بعضها قال بحديث، آية من مثله لذلك نقول ما ورد في كتاب الله عز وجل هو ليس نقلاً حرفياً للكلام وإنما هم قالوا كلاماً والقرآن الكريم يأتي به مصوغاً بما يناسب أعلى درجات الفصاحة والبلاغة. ليس هو هذا الذي قاله، حتى عندما يقول (وقالوا كذا) فهذا ليس قولهم حرفياً لأن هذا كلام الله تعالى وذلك كلامهم ولما يكون الكلام لغير العرب كلاماً قديماً هو ليس ترجمة حرفية كما قلنا وإنما هو حكاية حالهم بأسلوب القرآن الكريم. فإذن كان أحياناً يطالبهم بحديث، أحياناً يقول لهم: فإتوا بقرآن مثله، أحياناً عشر سور، أحياناً سورة مثل الكوثر أو الإخلاص، هذا كان في مكة. سورة واحدة فكان يقول (مثله), في المدينة (في سورة البقرة) المكان الوحيد الذي قال (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) البقرة). هنا القرآن إنتشر وأسلوبه صار معروفاً، الآن يقول لهم (بسورة من مثله) لو قال : بسورة مثله كما قال سابقاً يعني سورة مثل سور القرآن الكريم. (من) هذه للتبعيض، هو هل له مثل حتى يطالَبون ببعض مماثله؟ هو لم يقل : فاتوا بمثله وإنما ببعض ما يماثله ولا يوجد ما يماثله فما معناه؟ هذا معناه زيادة التوكيد. لما تأتي (مثل) ويأتي عليها حرف في شيء ليس له مثل معنى ذلك توكيد كما قال تعالى (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11) الشورى) الكاف للتشبيه، ومثل للتشبيه معناه أنه لو تخيلتم لو أن تصوّركم أنجدكم بأن تتخيلوا مثالاً لهذا القرآن فحاولوا أن تأتوا بمثل ذلك المثال ، بجزء من ذلك المثال الذي تخيلتموه فهذا أبعد في التيئيس من قوله (مثله) مباشرة.

بسورة مثله أي بسورة مماثلة، (من مثله) يعني  بسورة من بعض ما تتخيلونه مماثلاً. هذا إمعان في التحدي وأبعد لأنه صار القرآن منتشراً. فلو تخيلت أيها السامع شيئاً يماثل القرآن وهذا غير ممكن لأنه سبق وقال تعالى (لا يأتون بمثله) فإتوا ليس بمثله بمثل هذا الذي تخيلتم وإنما بجزء من مما تتخيلونه مماثلاً له فكان أبعد من التحدي لأن هذه الآية نزلت في المدينة بعد أن كان القرآن قد إنتشر وعمّت الرسالة. كما قال الله عز وجل (ليس كمثله شيء) يعني لو أن عقلك تخيّل مثالاً فالله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء لو تخيّلت مثالاً يعني إبعاد للصورة.

سؤال 170: ما الفرق بين (جنات تجري من تحتها الأنهار) و(وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100) التوبة)؟

الآية الوحيدة التي وردت فيها من دون (من) هي الآية 100 في سورة التوبة وسورة التوبة هي آخر ما نزل من القرآن الكريم. يقول الله عز وجل (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم) (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار) هؤلاء الذين توفي عنهم رسول الله r وهم أكثر من إثني عشر ألفاً (والذين إتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم) ما قال: ثم عاد فسخط عليهم. فرضي الله عنهم أكثر من إثني عشر ألفاً من أصحاب محمد r نحن نترضى عنهم جميعاً كما رضي الله عنهم. (وأعدّ لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا) أعدّ لهم إذن علِم أنهم سيموتون على طاعته ولذلك أعدّ لهم جنات وبيّن أنهم خالدون فيها أبداً.

عندنا حرف الجرّ (من) له عدة معاني في اللغة عموماً: قد يكون للتبعيض عندما تقول: أخذت من الدراهم فأنفقتها أي بعضها. وقد يكون لإبتداء الغاية: خرجت من مكان كذا، كان إبتداء غايتي من هذا المكان، من هنا إبتدأت. السياق يؤدي إلى المعنى وقد تكون زائدة: ما جاء من رجل، لا يعقل أن يكون بعض رجل فتكون هنا زائدة لغرض التوكيد. في جميع الآيات في القرآن الكريم يقول لما يتكلم على (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) حيثما وردت تأتي (من تحتها) إلا في هذا الموضع (تجري تحتها) . لما يقول (تجري من تحتها) كأنما نبع النهر يبدأ من هناك: من تحت تلك الجنان ليس من أسفلها لكن من عندها. تجري من تحتها معناها النبع يكون في الجنة تنبع من تحتها . (تجري تحتها) ممكن أن تكون نبعت من مكان آخر وجرّت تحتها ومرّت بها. الأقوى هو الذي يجري من تحته، الذي يتفجر من تحته ويجري. هذه الآية في سورة التوبة فيها قراءة سبعية أهل مكة كانوا يقرأون: تجري من تحتها الأنهار يعني جبريل u نزل (تجري تحتها الأنهار) ونزل (تجري من تحتها الأنهار) لماذا؟ بشكل خاص في هذا المكان؟ إنه نزل بلفظين

(تحتها) (ومن تحتها) معناه أن هذه الجنات لصحابة رسول الله r هذه الجنات المياه التي فيها صنفان: مياه تتفجر من داخلها ومياه تأتيها من كل مكان. فبالجمع بين القراءتين لأن أهل مكة جميعاً كانوا يقرأون: من تحتها وهذه قراءة إبن كثير. وهنا نقول العناية بالقراءات التي هي بقايا الأحرف هو عِلم الخاصّة. نحن عندنا مثلاً في الموصل الشيخ إبراهيم المشهداني أمدّ الله في عمره  وولده محمد معنيٌّ بالقراءات والإقراء لكنه لا يقول إذهبوا فإنشروا هذه القراءة بين الناس وإنما هو علم للخاصّة لطلاّبه نستفيد منه في هذا الموضع حتى نبيّن قيمة أصحاب رسول الله r أن جبريل ينزل مرتين مرة يقرأ فيها (تحتها) ومرة يقرأ فيها (من تحتها) فيحفظ جمهور من المسلمين لهؤلاء (تحتها) وجمهور (من تحتها). فلما تجتمع القراءتان معناه الجنان التي لأصحاب محمد r تختلف عن جنان سائر الناس. سائر الناس تجري من تحتها الأنهار، تتفجر الأنهار وتمضي لكن أن تتفجر فيها وتأتيها من كل مكان، هذه الصورة خاصة بجنان صحابة رسول الله r.

سؤال 171: ما دلالة كلمة الجيوب في آية النور(وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ)؟

هذا حديث يطول ولكن نجيب عن السؤال بقدر الجانب اللغوي فيه. أولاً الخمار في اللغة هو غطاء الرأس وسُميت العِمامة القديمة خماراً لأنها كانت تُلفّ على الرأس وينزل جزء منها على الحنك وتُشكّل في الطرف الآخر، وفي الحديث أن رسول الله r مسح على الخف والخمار (يقصد العمامة). فإذن الخمار هو غطاء رأس. حدود هذا الغطاء ليس من شغلنا لكن الخمار غطاء.

(وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنّ): الجيب هو فتحة العنق من الثوب، الفتحة التي يُدخل الإنسان فيها رأسه لأنه كان الثوب عبارة عن قطعة قماش تُقصّ من جانب ويُدخل رأسه فيها ثم تُخاط من الجوانب. كان الملبس بسيطاً والبعض كان يلف جسمه بالثوب لفّاً. فالمطلوب لما يكون هناك فتحة يُدخل الإنسان رأسه منها. هذه الفتحة تكون مريحة فيكون فيها نوع من الزيادة بحيث يظهر العنق وشيء من الصدر فالقرآن الكريم طالب المؤمنات بالغضّ من أبصارهنّ (لاحظ إستعمال (من) للتبعيض حتى ترى طريقها ولو قال يغضضن أبصارهن كان لا يمكنها أن تمشي وترى الطريق). قوله (وليضربنّ بخُمُرهن) هذا الخمار والضرب هو الإزاحة: أن تزيح الخمار من جهة رأسها تمدّه إلى أن تضرب به على جيبها بحيث تستر عنقها وصدرها.

بُثّت الحلقة بتاريخ 30/3/2006م


الحلقة 35

سؤال 172: ما المقصود بـ (يدنين) وما هو معنى الجلباب في آية سورة الأحزاب (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (59))؟ وما هو الحجاب الشرعي؟

هذا السؤال ذو شقّين: الشق الأول يتعلق بالمعاني معاني هذه الآية الكريمة وما فيها من لمسات والشق الثاني يتعلق بالجانب الفقهي (صورة الحجاب). نحن نبيّن بقدر ما يتعلق بعلمنا والصورة بتفاصيلها يٌسأل عنها أهل الإختصاص على قلّتهم في هذا الزمان، المسلم يتحرّى كبار العلماء ويسألهم عن أمور دينه أما طلبة العلم فيسمع منهم ثم يتجه إلى كابر العلماء.

الآية الكريمة (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (59)) الآية نزلت بمناسبة لكن هي عامة إلى قيام الساعة (العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب). العرب قديماً سواء كانوا في المدينة أو في الصحراء لم يكن لديهم أماكن لقضاء الحاجة في داخل البيوت وكانوا يتقذّرون منها كيف يجعل مكان قضاء الحاجة في داخل بيته، فكانوا يخرجون إلى البر، إلى الخلاء ومنه سُمي قضاء الحاجة الخلاء ثم تُرِك وهذه من الكلمات التي تُترك من وقت لآخر. أو ينزلون إلى الغائط وهو المكان المنخفض ثم صارت تُطلق على الخروج نفسه. النساء لا يستطعن الخروج خلال النهار فكُنّ يتقصّدن الخروج خىل الليل يذهبن لقضاء الحاجة. بعض السفهاء كانوا يتحرون أوقات خروج النسوة للتحرش بهنّ والسفهاء موجودون في كل مكان وفي كل زمان. فنساء المؤمنين، نساء الرسول r، بناته ٍ شأنهم شأن سائر الخلق: النساء يخرجون في هذه الأوقات ويتعرض لهن هؤلاء السفهاء. نزلت الآية الكريمة وكان السفهاء يعتذرون قائلين: كنا نظنهن إماء (هذه أمة نتحرش بها، أمة ليس لها أحد يدافع عنها فيُسمعونها بعض الكلام يتحرشون بها) فجاءت هذه الآية تريد أن يكون للمسلمة شعار خاص أو زيٌ خاص تُعرف به فإذا عُرِفت لا تؤذى عند ذلك إذا آذاها أحد يمكن أن ترد عليه أو تخبر وليّها بمن تعرّض لها ويكون ما يكون.

(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ) الجلباب في اللغة، في المعجم هو ما يُلبس فوق الثياب : الإنسان يلبس ثوباً ثم يلب فوقه شيئاً وهذا الشيء يسمى جلباباً. وأحياناً قد يُطلق على ما يُلبس لوحده شرط أن يكون كاسياً، بشرط أن يكسو الجسم كله. لما نأتي إلى الروايات وكتب التفسير نجد أنهم يتوسعون في معناه فيذهبون إلى أن الجلباب نوع من أنواع الخِمار ويصفون العمل فيه أن تديره المرأة على جبينها ثم تنزل به على أنفها ثم تربطه بعد ذلك كأنه اللثام لا يظهر إلا العينان فقط. ومنهم من قال يُخفي نصف الوجه وتظهر عين واحدة حتى ترى الطريق. هذا في كلام العلماء والفقهاء من غير الدرس اللغوي، هذا فهمهم وفيها روايات. لكن عندنا رواية في الصحيح أن أم عطيّة رضي الله عنها من الصحابيات قالت للرسول r: يا رسول الله لسنا جميعاً نملك جلباباً (هذا يعزز القول أنه الملبس الذي فوق الثياب) قالr: لتعطيها أختها جلباباً. يعني لما تخرج إلى قضاء حاجتها تأخذ جلباب أختها. يبقى طوله كيف يكون؟ هذا يتعلق بالملبس وهناك أحاديث تتحدث عن هذا الموضوع: أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها تسأل الرسول r لما تحدّث عن إرسال الثوب (وهذا فيه كلام للرجال إذا نزل عن كعب القدم ومعلل أنه للكِبر لأنه في الحديث نفسه لما أبو بكر الصديق رضي الله عنه قال: يا رسول الله إن أحد شقي ثوبي يسترسل إلا أن أتعاهد ذلك منه، قال: إنك لا تفعل ذلك خُيلاء) فتقول أم سلمة رضي الله عنها: نحن ما شأننا النسوة؟ قال: تطيله شبراً من الأرض قالت: إذن تنكشف أقدامهن يا رسول الله (لأن المرأة لم تكن تلبس الجورب) قال: تجعله ذراعاً ولا تزدن عن ذلك. في ذلك الوقت المرأة تطيل ثوبها ذراعاً على الأرض. هذه الصورة القديمة للجلباب والثوب الطويل. لما صار الجورب بواصفاته لا يشف ويمكن متابعة السير فيه وبعض البدويات تربط من القماش جول رجلها وساقها عندما تأخذ الحطب فصارت هذه الصورة. كان للفقهاء قول آخر في هيأة هذه الثوب وكوله وهذا ندعه لأهله. لكن هذا الذي ورد في الروايات والأحاديث.

(يجنين) الإدناء هو الإرسال. يقال أدني ثوبه أي أرسله وأطاله. إذا خرجت في الليل يكون هذا مظهرها فلا تؤذى أما إذا دخلت المعركة – وكانت المسلمات تدخلن الحروب - أو خرجت للسوق كيف سيكون حالها هذا نعيد فيه الناس إلى كلام علماء الأمة. هذه الآية والتي في سورة النور (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) تتكلم عن الحجاب في مكانين مختلفين لكن نقف عند ما هو من عملنا.

أولاً (يا أيها النبي) هذا النداء لِمَ لم يقل (يا أيها الرسول)؟ كل كلمة لها مكانها. ثم (قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ) لِمَ لم يقل: أزواج وبنات المؤمنين؟ هذه تحتاج إلى وقفة.

كلمة (يا أيها النبي) أولاً عندنا النبي والرسول: كل رسول هو نبي. الرسول هو الذي لديه رسالة إلى الناس مطلوب منه أن يبلّغها، النبي هو الذي كان يوحى إليه أشياء قد لا تكون مطلوبة منه أن يذيعها للناس وقد تكون لأهل بيته أو قبيلته فقط. فكلمة الرسول أوسع من النبي. (يا أيها النبي): نحن نظرنا في الآيات التي وردت فيها (يا أيها الرسول) والآيات التي وردت فيها (يا أيها النبي) فوجدنا من كتاب المعجم المفهرس لألفاظ القرآن لمحمد فؤاد عبد الباقي أن (يا أيها الرسول) جاءت في مكانين فقط  في مخاطبة رسول الله r (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آَمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آَخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (41) المائدة) (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67) المائدة) الكلام على الرسالة والإيمان بالرسول. فيما سوى ذلك عندما يتعلق الأمر بتنظيم شؤون الحياة ليس الموضوع رسالة وإنما تنظيم شؤون حياتهم فقال (يا أيها النبي) في 13 موضعاً في القرآن كله. فإذن هنا في تنظيم شؤون حياتية وهي ليست في تبليغ رسالة أو إيصال رسالة وإنما تنظيم شؤون الحياة أنه حتى تنتظم شؤون حياتكم ليكُن هذا الأمر، لذلك المناسب هنا أن يقول (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ) لأن الكلام في أمور حياتية وليس في الرسالة.

(قل لآزواجك) كان يقول : لنسائك أو لنساء المؤمنين وتشملهم لكن القرآن الكريم في هذا الموضع لأنه قال (إمرأة لوط وإمرأة نوح) لأن الزوج هو المُقارب كما قلنا في قلب الكلمة (كلمة جوز هي فلقتان كأن فيها تقريب). الله سبحانه وتعالى في هذه الآية يرفع من قدر أمهات المؤمنين رضي الله عنهن وأرضاهن جميعاً، مات رسول الله r وهو راضٍ عنهن جميعاً ومات وهو في حجر عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها. (قل لآزواجك) قرّبهن هنا لأن المطلوب حماية لهنّ فهؤلاء رفيعات الشأن.

(وبناتك) رفعة لشأنهن وكل بناته r جميعاً من صُلبه ومن رحِم خديجة رضي الله عنها لا كما يقول البعض أن فاطمة فقط هي بنت محمد r والباقيات بنات خديجة من زوجها السابق هذا كذ وإفتراء على التاريخ. (بناتك) رُسمت بالألف في كل المصاحف حتى لا يأتي ضال أو مضل فيقرأها بنتك. زوجات عثمان رضي الله عنه إبنتا محمد r وخديجة ليعلم المسلمون ذلك لأن هناك نوع من التشويش والتضليل.

(ونساء المؤمنين) لِمَ لم يقل أزواج وبنات المؤمنين؟ إختصرها بـ (نساء) لأنه إكتفى بما تقدّم لأنه قال الأزواج والبنات. والنساء تشمل الأزواج والبنات. والملاحظ أن كلمة أزواج جمع زوج وهي اللغة الفصحى. هناك لغة ضعيفة يسميها سيبويه لُغيّة أي لغة ضعيفة لبعض قبائل العرب غير المشهورة بالفصاحة المختلطة بالأعاجم يقولون هي زوجته بالتاء كما نقول الآن. الفصيح أن يقال زوج فلان تكمّل معه النصف الثاني. زوجة هي لُغيّة جمعها زوجات ولم ترد في القرآن الكريم أبداً ولا توجد كلمة زوجة بالتاء في القرآن. كلمة زوج يُقصد بها المرأة ويقصد بها الرجل.

(ونساء المؤمنين): كلمة نساء تشمل الزوجات والبنات. تُطلق على الإناث. ذكر تعالى (أزواجك وبناتك) صنفان ولأنه ذكر الصنفين جمع الإثنين مرة أخرى في كلمة (نساء) حتى لا يكرر فيقول: قل لآزواجك وبناتك وأزواج المؤمنين وبنات المؤمنين. وكلمة نساء تطلق كما قلنا على الأزواج وعل البنات كما في الآيات (فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ) في تقسيم المواريث (نساء) تدل على بنات المتوفّى (لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً) يعني الزوجات (نساء المؤمنين) فتشمل هذه وتشمل تلك.

(نساء المؤمنين) قال المؤمنين ولم يقل المسلمين لأن المؤمنين تشمل المسلمين عامة.  والمؤمنمون دخل ضمنهم هؤلاء المسلمين الذين إلتزموا بتعاليم الله سبحانه وتعالى في قلوبهم وتحدثنا عن هذا في سؤال سابق في قوله (فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ). فلما يقول (ونساء المؤمنين) يعني الذين إستقر الإيمان في قلوبهم من المسلمين. أما الذين لم يستقر الإيمان في قلوبهم فهؤلاء ينبغي أن يكونوا تبعاً حتى من المنافقين ليحافظوا على أعراضهم وهذه فرصة أن تميّز نساؤهم من الإماء فالكل سيتبعون المؤمنين فجعل المؤمنين سمة أو ميزة على الذين أسلموا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ (14) الأحزاب) فهؤلاء الذين دخل الإيمان في قلوبهم مميّزون مقدّمون. والجميع سيقلدون المؤمنين (ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين) هذه الحكمة للبيان عدم المعرفة حتى لا يؤذين لأن الكلمة تؤذي المرأة وربما تعود المرأة للبيت تبكي تقول قيل لي كذا، أحدهم تحرّش بي وقال لي كذا فالكلمة تؤذيها.

(وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) لما بدر منكم سابقاً من عدم تحجّب نسائكم بهذه الطريقة. والله سبحانه وتعالى غفور بالشيء الماضي رحيم بكم في توجيهه لكم بأن تعملوا هذا.

أسئلة وردت خلال الحلقة وإجابة الدكتور حسام النعيمي عليها:

سؤال 173: مفعول الفعل علِم مفتوح الهمزة (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ (20) المزمل) (وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (49) الحاقة) لكن ورد في بعض المواضع مكسور الهمزة (وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (42) التوبة) (قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16) يس) (وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (1) المنافقون) لماذا وردت عكس القاعدة؟

فعل علِم ينبغي أن يأتي بعدها (أن) مفتوحة الهمزة لكن إذا جاءت اللام التي سميناها اللام المزحلقة أي لام الإبتداء كما في قولنا (علمت أن زيداً ناجح) فإذا قلنا (علمت إن زيداً لناجح) عند ذلك نكسر الهمزة في (إن). في ألفية إبن مالك توضيح هذه المسألة:

فاكسر في الإبتدا وفي بدء صلة                     وحيث إنّ لِيَمينٍ ُمكمله

أو حُكيت بالقول أو حلّت محلّ                        حالٍ كزُرته وإني ذو أمل

وكسروا من بعد فِعلٍ عُلّقا                            باللام كاعلم إنه لذو تُقى

فحيثما جاءت اللام تُكسر الهمزة كما في قوله تعالى ( وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (1) المنافقون).

سؤال 174: ما التوجيه الإعرابي لكلمة (والظالمين) في الآية (يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (31) الإنسان)؟ الواو ليست للعطف وإلا لعطف الظالمين على الذين يدخلهم تعالى في رحمته وليست للإستئناف.

هذا يسمونه باب الإشتغال. في الإشتغال الواو هنا  واو عاطفة جملة على جملة أو إستئنافية يعني تقدير الكلام: وأعدّ للظالمين عذاباً أو أُذكر الظالمين أعدّ لهم عذاباً أليماً. فهو باب في النحو يسمى باب الإشتغال كأنه تعالى عاقب الظالمين لأنه لما يكون الإشتغال بحرف جرّ يأتون بالمعنى. هنا الإشتغال بحرف جر (والظالمين أعدّ لهم). لما نقول: زيدٌ أكرمته: الفعل أكرم يتعدّى، تقول أكرمت زيداً (زيداً مفعول به) ولك أن تقدّمه للإهتمام فتقول: زيداً أكرمت فيكون مفعول به مقدّم، لكن لما تقول: زيداً أكرمته (أكرم) أخذ الهاء فمن الذي نصب زيداً؟ قالوا هنا الفعل إشتغل بنصب ضميره عن نصبه. كيف نعرب زيداً؟ قالوا فيها شتى الأقوال ولكن أفضل الأقوال في الدراسة الحديثة هو ما ذهب إليه الدكتور فاضل السامرائي في كتابه معاني النحو يقول نعرب زيداً إسم منصوب على الإشتغال وكفى. لا نقول هناك فعل محذوف. هنا (والظالمين أعدّ لهم) لأن هذا إشتغل عن طريق حرف الجر (لهم) فتُأوّل عند ذلك من معناها يعني (عذّب الظالمين أو عاقب الظالمين أعدّ لهم عذاباً أليماً) يقدّر فعل. أما على رأي الدكتور فاضل (والظالمين) إسم منصوب على الإشتغال  وإنتهى. مثل زيداً مررت به كأنه المقصود: جاوزت زيداً مررت به لكن من أين جئنا بفعل جاوزت؟ قُل منصوب على الإشتغال وإنتهى الأمر. النحو علمٌ نضج وإحترق فلا يبعد أن يكون أحد العلماء القدامى قال مثل هذا الكلام الذي قاله الدكتور فاضل لكن إلى الآن فالدكتور فاضل هو الذي قال هذا الكلام. (والظالمين) منصوب على الإشتغال وليس معطوفاً على مرفوع.

سؤال 175: ما إعراب كلمة (الله) في الآية (وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (40) التوبة) ؟

هذا إسئناف. يعني جعل كلمة الذين كفروا السفلى . لو قيل في غير القرآن وكلمةََ الله كأنه جعلها ولكن (كلمةُ الله) تقرير أي هي هكذا هي العليا . فهو إستئناف. جعل كلمة الذين كفروا السفلى، الكلام إنتهى.  الآن بدأنا كلاماً جديداً (وكلمةُ الله هي العليا) لا يمكن أن يقول وجعل كلمةُ الله هي العليا وكلمةُ الله هي العليا حتى ترتبط الجملتان جاء بالواو الإستئنافية إستأنفت كلاماً جديداً. (كلمةُ الله) هي تقرير لم يجعلها مصنوعة معمولة وإنما هي هكذا هذا وجودها.

سؤال 176: نصراني يتعرض للقرآن يقول أنه في قوله تعالى (لا يأتون بمثله) يتعارض مع حديث عمر "وافقني القرآن في عدة مواضع"  ويقول كيف ينزل الله تعالى القرآن كلاماً يشابه كلام البشر؟ ويسأل أيضاً عن التعارض الذي يزعمه في (إنّ هذان لساحران) و(إن هذان لساحران) من حيث اللغة؟

هذا النصراني الذي يتعرض للقرآن الكريم وهو بيته من زجاج  ويقذف غيره بالحجر ونحن لا نتعرض لكتاب غيرنا إلتزاماً بما قاله أولو الأمر لكن هم للأسف يتعرضون للقرآن في الفضائيات. لكن نقول له: حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه صحيح قال عمر (وافقت ربي في ثلاث) ولم يقل (وافقني القرآن في ثلاث) وهذا من أدب عمر وسوء أدب هذا النصراني المعترض. والقصة أن عمر بن الخطاب قال: كنت أقول يا رسول الله لو إحتجبت نساؤك يدخل عليهن البر والفاجر. هذا مقترح والرسول r كان بيته مفتوحاً إلى أن نزلت آيات الحجاب ففرح عمر وقال (أنا وافقت ربي) بإعتبار أن هذا القرآن موجود قبل أن تخلق الأرض وقبل أن يخلق عمر. ونقول لهذا النصراني الدين لا يُبنى على الأكاذيب، فلا تكذبوا على الناس ولا تتعرضوا للغة.

أما سؤاله عن (إن هذان لساحران) سبق وقلنا أن (إنّ) إذا خُففت يبطل عملها. تقول إنّ زيداً ناجحٌ فإذا خففت تقول: إنْ زيدٌ لناجح واللام تسمى الفارقة بين النافية والمؤكِدة. إنْ زيدٌ لناجح تعني (إنّ زيداً) لكن أنت خففتها كأنك لا تريد هذا التأكيد لأن (إنْ) أقل تأكيداً وأخفّ من إنّ فخففت. تبقى قراءة إنّ هذان لساحران قلنا أن جمهوراً كبيراً من العرب يعامل المثنى معاملة المقصور مثل كلمة عصا كما تقول: هذه عصاك ورأيت عصاك ونظرت إلى عصاك، جاء الرجلان، رأيت الرجلان وسلّمت على الرجلان. فجاءت هذه القراءة من هذه القبائل ورُخِّص لهم بها رحمة من الله عز وجل بأمّة محمد r الأميّة. فهي قراءة والذي بين أيدينا (إنْ هذان لساحران) وليس فيه مشكل.

سؤال 177: لماذا أتت (قد) مع الفعل يعلم للتحقيق بدل التشكيك في الآية (قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا (63) النور)؟

قد ليست دائماً للتحقيق وإنما السياق هو الذي يقررها. وهذا الذي حفظناه ليس صحيحاً وإنما هذا هو الشائع أما العلم السليم الصحيح أن السياق يعيّن معنى هذه الأدوات. هذه أدوات مثل أحرف الجر يتعيّن معناها بالسياق. حرف الجر (من) مرة تأتي للتبعيض ومرة للتأكيد والسياق يعيّنها. قال الله تعالى (قد نرى تقلّب وجهك في السماء) قد نرى: تأكيد مع المضارع فإذن هي تأتي للتأكيد مع المضارع . ونذكّر دائماً أن العرب كانت حريصة عل أن تجد خللاً لغوياً في القرآن فتطير به لتحارب الإسلام. المشركون كانوا يتمنون أن يكون هناك خلاف لغوي الآن بعد 1400 سنة يأتي من يعترض؟!.

هناك روايات طفيفة لا ندري مقدارها من الصحة على بعض الألفاظ أن عربياً لم يفهم هذا اللفظ. وهذا ليس غريباً لأنه أبو ذر الغفاري رضي الله عنه قال له رسول الله r: يا أبا ذر ناولني السكين، فصار أبو ذر يتلفت ثم نظر إ