برنامج لمسات بيانية

إجابات الدكتور حسام النعيمي على أسئلة المشاهدين


الحلقة 36

سؤال 178: جاء في القرآن كله تقديم كلمة شهيد على بيني وبينكم كما جاء في سورة الأنعام (قل الله شهيد بيني وبينكم) وسورة يونس آية 29 والرعد آية 43 والإسراء آية 96 والأحقاف آية 8 أما في سورة العنكبوت فقد جاءت كلمة شهيد متأخرة عن بيني وبينكم في الآية 52 (كفى بالله بيني وبينكم شهيداً) فما سبب الإختلاف؟

مسألة التقديم والتأخير في القرآن الكريم تستدعي النظر في عموم التقديم والتأخير في اللغة بمعنى أن لغة العرب لماذا تقدم ولماذا تؤخر؟ لا شك أن هناك أسباباً للتقديم. الأصل عندنا نظام للجملة العربية بشقّين: الفعل مع مرفوعه سوءا كان فاعلاً أو نائب فاعل ثم تأتي المتممات من مفعول به، حال، مفعول مطلق إلى آخره . والشق الثاني : المبتدأ والخبر ثم يأتي بعده المتممات. أحياناً بعض المتممات تتقدم على الخبر. الأصل مبتدأ وخبر أو فعل ومفعول في بعض الأحيان تكون هذه المتممات بينية تدخل بين المبتدأ والخبر (أركان الجملة الرئيسية) وفي بعض الأحيان حتى المتممات وهناك نظام لها: المفعول به يتقدم على غيره في كلام العرب وهم لديهم هذا المثال: (ضرب الأمير اللصَّ ضرباً مبرّحاً أمام داره في بيته). يذكرون هذه المتممات. فالمفعول به يتقدم. وهناك نظرية العامل والمعمول: المعمول يتقدم على عامله. الأصل في المعمول أن يتأخر على عامله. هذا فيه تفصيل.

لكن نجد أنه بشكل عام التقدم يكون للإهتمام في الغالب إلا في بعض الأحيان. يكون التقديم لإقامة الجملة. مثلاً حينما يكون المبتدأ نكرة ولا مسوّغ للإبتداء به إلا تقدم الخبر وهو ظرف أو جار ومجرور كما جاء في ألفية إبن مالك:

ولا يجوز الإبتدا بالنّكره                   ما لم تُفِد كعند زيدٍ نمره

وهل فتى فيكم فما خِلٌ لنا                 ورجلٌ من الكِرام عندنا

ورغبةٌ في الخير خيرٌ وعمل             بِرٍّ يزينُ وليُقس ما لم يُقل

فأحياناً يكون التقديم والتأخير واجباً وله مواطن وقوانين في لغة العرب ومن خلال كلام العرب علماؤنا إستطاعوا أن يستنبطوا هذه القواعد أو القوانين. فلما نأتي مثلاً إلى كلمة زيدٌ في المكتبة، يمكن أن تقول: في المكتبة زيدٌ. سيبويه يقول يجوز الوجهان على معنيين مختلفين: في الجملة الأولى أخبرنا عن وجود إنسان في مكان معين هو المكتبة وهو زيد، فسواء قلنا زيد في المكتبة أو في المكتبة زيد، نحن نسبنا الوجود لزيد في المكتبة لكنه يقول لا. عندما تقول زيد في المكتبة، عنايتك بالإنسان زيد أكثر من عنايتك بالمكان (في المكتبة). لما تقول : في المكتبة زيد، أنت تعتني بالمكتبة أكثر من عنايتك بزيد. تتضح الصورة أكثر عندما تدخل (إنما): إنما في المكتبة زيد. هنا صار الحصر في الآخر فلم يعد الإهتمام بما تقدم وإنما صار الإهتمام بالمتأخر لأنه حُصر. (إنما في المكتبة زيد) تقولها عندما يختلف الناس من في المكتبة؟ بعضهم يقول في المكتبة عمرو والآخر يقول في المكتبة زيد والآخر يقول في المكتبة حسن فأقول: إنما في المكتبة زيد. فالمسؤول عنه هو الآخر المحصور. لكن لما نعرف زيداً لكن لا ندري أين هو؟ تقول العرب: إنما زيد في المكتبة، هنا إختلفوا في المكان.

فأحياناً المتقدم هو المعني به وأحياناً يأتي بحيث تؤخر ما أنت مهتم به، لكلٍ قانونه ولكلٍ نظامه.

لما نأتي لنظام الفعل والفاعل : أكرم زيدٌ خالداً (زيد أعطى وخالد أخذ)، أكرم خالداً زيدٌ، لم يتغير المعنى الأساسي أيضاً زيد أعطى وخالد أخذ لكنك إعتنيت بالكرم وخالد أكثر من إعتنائك بزيد. فإذا قلت: خالداً أكرم زيدٌ، تكون عنايتك بخالد أكثر من الكرم وأكثر من زيد. العربية لأنها لغة معربة فيها هذه المرونة وهذه السعة.

نأتي إلى الآية (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (51)  قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (52) العنكبوت) في غير القرآن يمكن القول: كفى بالله شهيداً بيني وبينكم. بل حتى في القرآن في آيات أخرى في خمس آيات وردت بهذه الصيغة (كفى بالله شهيداً بيني وبينكم) تأتي شهيداً بعد إسم الجلالة. أما في الآية موضع السؤال في سورة العنكبوت: (كفى بالله بيني وبينكم) جاءت متقدمة على (شهيداً). إذن هناك سر جعل هذه الكلمة مقدمة. والذي قدّمها في خمسة مواضع يستطيع أن يقدمها في الموضع السادس فلماذا جاءت (كفي بالله بيني وبينكم شهيداً) شهيداً متأخرة؟

جاء في الآية (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (51)) الخطاب للرسول r (أنزلنا عليك) و (عليهم) إذن (عليك، عليهم) فناسب أن يقدّم (بيني وبينكم) لأن الخطاب للرسول r: قل كفى بالله بيني وبينكم شهيداً) وإلا كان يمكن أن يقول (كفى بالله بينك وبينهم شهيداً) هذا شيء.

الأهم من هذا أنه عندنا كلمة (يعلم) هذه جملة فعلية هي وصف لكلمة (شهيداً) (شهيداً يعلم) يعني شهيداً عالماً فلما كان يعلم وصفاً لشهيدا فلو قدم شهيداً وجعله (وكفى بالله شهيداً بيني وبينكم يعلم) يكون هناك فاصلاً بين الصفة والموصوف يطول الكلام ويضعف. حينما تفصل الصفة وموصوفها يضعف الكلام من حيث التركيب سيتبعد الوصف عن صفته ويكون (بيني وبينكم) فاصلاً. فتفادياً لهذا الضعف - ولغة القرآن اللغة الأعلى والأسمى والأرقى- فتفادياً لهذا الضعف وإتّكاء على ذكر المخاطب والغائبين (عليك، عليهم) نوع من التنسيق، والأصل أن يتفادى الفصل بين الصفة والموصوف بكلام (بيني وبينكم) تطيل الفاصل والأصل في اللغة العليا أن لا يُفصل بين النعت ومنعوته.  وهو قد يجوز أن تفصل لكن ليس هو الأفضل في اللغة العليا. لذلك جاء (كفى بالله بيني وبينكم شهيداً يعلم) لأن (يعلم) نعت لـ(شهيداً) فلا بد أن تتصل بها.

الآيات الأخرى جاءت على الأصل يعني أن العامل تقدم على المعمول لأن (بيني وبينكم) معمولان لـ (شهيداً) تقدم على العامل. لكن لما يتقدم (شهيد) يأتي المعمول بعدها. الطبيعي أن يأتي العامل ثم يأتي المعمول (كفى بالله شهيداً بيني وبينكم) فما جاء على الأصل لا يُسأل عنه. كما تقول: كتب زيد رسالة، لا نقول لماذا تقدم الفاعل ؟ هذه رتبته هكذا يأتي قبله. إذا جاء الشيء على الأصل لا يُسأل عنه عندما يكون العامل مقدّماً على معموله فهذا هو الأصل. بيني وبينكم معمولان متعلقان بـ (شهيداً) لما يأتي (بيني وبينكم) بعد (شهيداً) لا يُسأل عنه لأن هذا الأصل. مع ذلك لو نظرنا في الآيات التي قد تأخر فيها الظرف نجد أن هناك أسباباً دعت إلى تأخيره ولا يمكن أن يتقدم:

الآية الأولى: (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (18) قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آَلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (19) الأنعام) السؤال عن الشهادة هنا وليس عن مكانها ولذلك ينبغي أن يقدم في القرآن وفي غيره. (قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) لأن السؤال عن الشهادة.

الآية الثانية: جدل بين المشركين ومن كانوا يعبدونهم، كانوا يتخذونهم آلهة من دون الله يتبعون ما يقولون وإن خالف قولهم شرع الله. (وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ (28) فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ (29) يونس) هؤلاء الشركاء يريدون شاهداً ليس المهم بيننا وبينكم المهم الشاهد يشهد لهم أنهم ما كانوا يعبدونهم ولذلك جاءت (وكفى بالله شهيداً بيني وبينكم) بينما هناك في الآية التي تقدمت فيها جاءت بسبب وجود (يعلم) الذي هو الصفة أخّرها وقدّم الظرف، والظرف اللغة تتوسع فيه.

الآية الثالثة: (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (43) الرعد) الكلام على الرسالة

الآية الرابعة: (وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (94)  قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (96) الإسراء) الكلام على الرسالة

الآية الخامسة: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (8) الأحقاف) الكلام على القرآن يحتاج إلى شاهد.

هذا بصورة موجزة.

سؤال 179: ما الفرق بين استعمال كلمتي عقاب وعذاب كما وردتا في القرآن الكريم؟

هناك رأي لبعض العلماء أن هذه الكلمات هي من لهجات مختلفة فليس بينها فروق ويستدلون بكلمة السكين والمُدية. لكن التدقيق هو ليست الأسماء فقط وإنما أحياناً الإشتقاقات نجد تصرفاً فيها فهذا يدعونا إلى التأمل في جميع الآيات التي وردت فيها هذه اللفظة وننظر هل هي موازية مقارنة للفظة الأخرى؟ هل هناك فارق ولو دقيق؟ نجمع كل الآيات التي فيها كلمة عقب ومشتقاتها عقاب وعاقبة وعوقب ومعاقبة بكل إشتقاقاتها وكذلك كلمة عذّب عذاب يعذب معذب تعذيباً يعذبون. الذي وجدناه في هذا أن العقاب وما إشتق منه ورد في 64 موضعاً في القرآن الكريم والعذاب وما إشتق منه ورد في 370 موضعاً. فلما نظرنا في الآيات جميعاً آية آية وماذا فيها وجدنا أن هناك تناسباً بين الصوت والمعنى: هو العذاب عقاب والعقاب عذاب أنت عندما تعاقب إنساناً تعذّبه بمعاقبته والعذاب نوع من العقوبة أنك تعذّب إنساناً كأنك تعاقبه. لكن يلفت النظر أن الثلاثي هو (ع-ذ-ب) و(ع-ق-ب) إذن العين والباء مشتركة ويبقى الذال والقاف. لاحظ لما نأخذ الفعل عقب كيف ننطق القاف؟ لأن القاف يسمونه في الدراسات الحديثة إنفجاري والقدامى يسمونه شديداً يعني يُولد بإنطباق يعقبه إنفصال مفاجيء مثل الباء، بينما الذال المشددة فيها رخاوة وفيها طول. من هنا وجدنا أن كلمة العقاب تكون للشيء السريع والسريع يكون في الدنيا لأن القاف أسرع. والذال فيها إمتداد، هذا الإمتداد يكون في الدنيا والآخرة، العذاب يأتي في الدنيا ويأتي في الآخرة. عندما نأتي إلى الآيات نجدها تتحدث عن عقوبة للمشركين في الدنيا يسميه عذاباً وفي الآخرة يسميه عذاباً ولا يسميه عقاباً في الآخرة لا يسميه عقاباً (فعاقبهم الله كذا بإدخالهم النار) لا يوجد (فعذبهم بدخول النار). أما العقاب ففي الدنيا. هذا من خلال النظر في جميع الآيات لكن هناك نظرية تحتاج لتنبيه أنه لما يأتي الوصف لله عز وجل لا يكون مؤقتاً لا بدنيا ولا بآخرة فلما يقول: (والله شديد العقاب) هذه صفة ثابتة عامة يعني هذه صفته سبحانه لكن لما يستعمل كلمة العقاب مع البشر يستعملها في الدنيا لم تستعمل في الآخرة. كذلك العذاب إستعملها للعذاب في الدنيا وفي الآخرة وإستعملها (وأن الله شديد العذاب) لأن العقاب فيه سرعة وردت في القرآن (إن ربك سريع العقاب) وليس في القرآن سريع العذاب. لذلك نقول هذه اللغة لغة سامية ينبغي أن تُعطى حقها فلا يجوز التنصّل عنها وهي بهذه الروعة وهذا السمو أن الحرف الواحد بتغير صوته تغير المعنى مع أن المعنى متقارب.

بعض الآيات التي تؤكد هذا الذي بيّناه:

العقاب: (إن ربك سريع العقاب وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (165) الأنعام) وصف لله سبحانه وتعالى لكن لم يصف نفسه جلّت قدرته بأنه سريع العذاب. نجد مثلاً آيات العقاب منها (ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بُغي عليه لينصرنه الله (60) الحج) عاقب وعوقب في الدنيا، (إن الله شديد العقاب (2) المائدة) صفة عامة، (العاقبة) النتيجة لأنها مأخوذة من عقب القدم هو مؤخر القدم ولذلك يقولون: نكص على عقبيه. فاستعمل العاقبة وليس العقاب، العاقبة إستعملها للخير وللشر بينما العقاب لا يستعمل إلا للشر. إستعمل العاقبة للخير لأنها بمعنى نتيجة العمل يعني ما يعقب العمل، بدل ما يقول : ما يعقب عملك يكون كذا قال: عاقبة عملك. هي تحمل ما يكون عقب الشيء لأن إرتبطت بعقب القدم. عاقبة هذا العمل بمعنى ما يعقبه، ما يأتي بعده قد يكون خيراً وقد يكون شراً. ولذلك إستعمل العاقبة في 32 موضعاً في القرآن كله بهذا الإحصاء (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137) آل عمران) هذا في الدنيا، لكن في الآخرة (فكان عاقبتهما أنها في النار خالدين فيها (17) الحشر) نتيجة العمل لأن الكلام على ما يعقب العمل، خير في الدنيا (قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128)الأعراف) النتيجة التي تعقب هذا العمل هي للمتقين. و(وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (132) طه).

العذاب: الفعل عذّب والعذاب في الدنيا (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (5) النمل) عذاب دنيوي (لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ)، وفي الآخرة (ولهم في الآخرة عذاب عظيم (114) البقرة)، وجاء بها بمعنى العقاب (وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين) هذه عقوبة سمّاه عذاباً ما يدل على أن العذاب أوسع من العقاب لأنه يستعمل دنيا وآخرة ويستعمل بمكان العقاب.

الآية في سورة الحشر (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (2) وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (3) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (4)) الجلاء لم يسمّه عذاباً، أخرجهم لكنه عقاب على عمل أرادوا القيام به لأنهم نكثوا عهدهم مع رسول الله r فإذن يستحقون العقاب على النكث لأنهم أرادوا أن يقتلوا الرسول r ومن معه لما ذهب إليهم في قصة بني النضير وهي معروفة. (لعذّبهم في الدنيا) (ولهم في الآخرة عذاب النار) (العقاب) هذا الذي فعله بهم عقاب شديد كان أن يخربوا بيوتهم بأيديهم وأن يغادروا بيوتهم لأن صار الرجل منهم يخرب بيته ليأخذ الخشب.

سؤال 180: في كل القرآن الكريم ترد (تراباً وعظاما) كما ورد في سورة المؤمنون الآيات 35 و83، وسورة الصافات آية 16 و 53، وسورة الواقعة آية 47 إلا في سورة الإسراء وردت مرتين بقوله تعالى (عظاماً ورفاتا) في الآيات 49 و 98  فما الدلالة البيانية لكلمة رفاتاً في سورة الإسراء ولماذا تقديم كلمة عظاماً في آيات سورة الإسراء أيضاً؟

(تراباً وعظاماً) حيث وردت في القرآن في أكثر من موضع وهذا هو الأصل. عندما تنبش قبراً تجد أولاً التراب وتحته تكون العظام لا تجد لحماً ولا جِلداً فهم عندما كانوا يرون هذه الجثث الميتة للحيوانات يجدون حولها تراب وهي عظام فكانوا يقولون تراباً وعظاماً.

في حالة واحدة (وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (49) الإسراء) يبدو أنها كانت في مناقشة مع رسول الله r ويبدو أن الذين ناقشوه أو أحدهم كان يحمل بيده عظماً وأمسكه بيده وطحنه بيده فتكسّر العظم. لما يتكسّر العظم يكون رفاتاً والرفات هو الدقاق أو الكِسَر الأشياء المكسّرة ليست المطحونة كالتراب وإنما التي فيها أجزاء مكسرة فقال: بعد أن كنا عظاماً وكسّره قال: ورفاتاً. ولذلك ردُّ الآية يُظهر هذا لأنه يقول هذا شيء ضعيف وقد جعلته رفاتاً كسّرته، فقالت له الآية: (قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (50) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (51)) لأنه كسر العظم قال الحديد لا يتكسر والحجارة لا تتكسر فجاء الرد في الآية لو كنتم حجارة أو حديداً التي ليس فيها حياة لأعادكم الله عز وجل ومن باب أولى عندما تكونوا عظاماً أو رفاتاً يعيدكم الله عز وجل. (انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (48) وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (49)) كسر العظم أمامه. ولذلك في المرة الثانية أعاد العبارة نفسها (وأنا أشدد هنا أن ما ورد في القرآن هي ليست عبارات من نُقِل عنهم وإنما هي بألفاظ القرآن بما قالوه بواقع حالهم، يمكن أنهم ما قالوا عظاماً  ورفاتاً ويمكن أن يكون قال أهذا العظم بعد أن كسّرته أنا وصار دقيقاً أيعود؟ القرآن يعبّر عن تلك الحالة بلفظ القرآن. ومن هنا نذكر بأن كلمة عمر رضي الله عنه : "وافقت ربي في ثلاث" لم يقل وافقني ربي يعني عباراته جاءت بالمعنى الذي جاء لفظ القرآن معبّراً عنه فهو لم يوافقه في لفظه ولم يلفظ عمر هذه الكلمات. نحن قلنا لما قال عمر لرسول الله r يا رسول الله لو احتجبت نساؤك ثم نزل قوله تعالى (يا أيها النبي قل لأزواجك) ليس كلام عمر أو غيره لأن عمر وغيره لا يرقى تعبيرهم لتعبير القرآن الكريم بأسلوبه وبألفاظه وليست ألفاظ اولئك الناس لا من العرب ولا من غير العرب، موسى u لم يكن يتكلم العربية والشيطان لم يكن يتكلم العربية. حينما قال عمر رضي الله عنه (فتبارك الله أحسن الخالقين) هم يروون هذا أن الرسول r قال وبها خُتمت. لكن حقيقة نحن الذي نميل إليه أن عمر لم يذكرها بهذا النص ولكن ذكر معناها وقال الرسول r :" بهذا خُتمت" وقال (تبارك الله أحسن الخالقين). فضلاً عن أنها عبارة عامة تبارك الله الآن نحن نقولها ولكن هي ليست من القرآن الذي أُلقي على فم عمر أو مما جاء من القرآن لأن عمر قال هذه الكلمة. ينبغي أن ندرك أن عبارات القرآن وألفاظه خاصة به أما أن يأتي كلام البشر بعد ذلك موافقاً هذا مما قاله الرواة. ونحن فيما يُروى ويتعلق بكلام الله عز وجل ولو رود في الصحيح أشترط فيه التواتر لأن القرآن إشترط فيه التواتر. ما جاء على لسان الأنبياء السابقين عبّر عنه القرآن الكريم بألفاظه إلا إذا كان وحياً لا بلسانهم فهم لم يكونوا عرباً.)

لما تكررت بعد ذلك (عظاماً ورفاتاً) في السورة كانت إعادة للعبارة الأولى (وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (97) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (98) الإسراء) إعادة القول مرة أخرى بأسلوبه فأُعيد الكلام.

فائدة التكرار في القر،: هؤلاء أُدخلوا النار لأنهم قالوا هذا الكلام وليس كل تكرار معيباً. أُنظر لما قال الشاعر:

ألا لا يجهلن أحدٌ علينا         فنجهل فوق جهل الجاهلينا

أربع مرات تكررت كلمة جهل في البيت وهذا ليس تكراراً ممقوتاً على العكس، هو يريد أن يهدد والتكرار مطلوب لذاته هنا فهو يقول لهم: لا يتحامق أحد معنا ولا يكون أحد سيئاً معنا لأننا نكون سيئين أكثر معهم بدرجة مضاعفة، لأنه أصل القصة أنه قتل الملك عمرو بن هند (أبا هند فلا تعجل علينا).

سؤال 181: ما الفرق بين جعل وخلق في سورة الأنعام (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1))؟

وردت خلق وجعل في آية (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آَتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (189) الأعراف) ووردت خلق وخلق في آية أخرى (يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1) النساء). فلماذا جاءت هنا خلق وهنا جعل؟

الزمخشري يقول في أساس البلاغة أن أصل الخلق هو التقدير. يقال: خلق البزّاز (أي الخيّاط) الثوب بمعنى قدّر أبعاده قبل أن يقطعه. ومنه خلق الله تعالى الخلق (مجاز) قدّرهم على تقدير أوجبته حكمته سبحانه وتعالى. فخلق الخلق بتقدير أوجبته حكمته تعالى. جلّت قدرته

أما جعل فقد جاء في تاج العروس: لفظ عام في الأفعال كلها وهو أعمّ من فعل وصنع. يقال: جعل بعضه فوق بعض أي ألقاه، جعل القبيح حسناً أي صيّره وحوّله كما في قوله (إنا جعلنا الشياطين أولياء)، جعل البصرة بغداد أي ظنّها، جعل له كذا على كذا أي شارطه، جعل يفعل كذا أي أقبل وأخذ، بمعنى التوجه والشروع في الشيء والإشتغال به، جعل بمعنى سمّى (وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً)، جعل بمعنى الإعتقاد (ويجعلون لله البنات) يعتقدون، وجعل بمعنى التبيين. والجعل فعل عام يحمل معاني كثيرة منها الصُنع وإيجاد الشيء من الشيء والتبديل والتبيين والإعتقاد والظنّ والشروع في الشيء والحكم بالشيء على الشيء والنسبة والتشريف والخلق والإيجاد وغير ذلك من المعاني. الخلق والإيجاد من ضمن معاني جعل لكن خلق لما تُستعمل لوحدها تكون بمعنى الإيجاد على شيء قدّره الله سبحانه وتعالى بحكمته ليس على مثال سابق. كلمة (جعل) فيها معاني كثيرة متشتتة لذلك تأتي في 14 موضعاً إجتمعت جعل وخلق تتقدم خلق وتأتي جعل لأن الخلق هو الإيجاد والجعل هو تصرّفٌ بعد الخلق (هناك شيء يلي الخلق) لذلك كلمة جعل تأتي دائماً بعد كلمة خلق. (إضغط هنا لقراءة تتمة الإجابة).

بُثّت الحلقة بتاريخ 20/06/2006م


الحلقة 37

سؤال 182: صحة ما جاء في الكتب عن  قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: وافقت ربي في ثلاث

نقول ما ذكرناه في المرة الماضية ونحب أن نؤكده في أذهان المشاهدين أن كلام الله سبحانه وتعالى لا يشبهه كلام بشر وإذا ورد في بعض الأحيان لفظ أو لفظان هذا يكون من باب الموافقة مما ألقاه الله عز وجل على لسان بعض عباده. يمكن مثلاً أن الإنسان يشرب ماء أو يأكل طعاماً فإذا إنتهى منه قال: الحمد لله. فالحمد لله هذه لا يعني أنه وافق كلمة (الحمد لله رب العالمين). وإن جاءت متفقة فهذه كلمات تأتي عفو الخاطر يلقيها الله تعالى على لسان من يشاء بهذا القدر: كلمة أو كلمتين. أو  يتعجب إنسان من شيء فيقول سبحان الله لا تعني أنها موافقة لقوله تعالى (فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون). لكن لو كانت آية كاملة أو جزء آية كامل عندئذ تقتضي الوقوف ومع ذلك حتى هذا الذي ذُكِر أو هذا الذي ورد، أحياناً تشيع أمور ليس لها نصيب من الصحة أو من الدقة. ولقد وقفت عند ما نُسِب إلى عمر إبن الخطاب رضي الله عنه من  مسألة (فتبارك الله أحسن الخالقين) عندما كان يقرأ الرسول r الآيات المتعلقة بالخلق قبل أن يتمها تذكر الروايات أنه قال عمر: فتبارك الله أحسن الخالقين، فقال r: هكذا نزلت. أولاً هذه الرواية لم أجدها لا في صحيح البخاري ولا في مسلم ولا صحيح إبن حبان ولا في موطأ إبن مالك ولا في سنن إبن ماجه ولا في سنن النسائي ولا سنن الترمذي ولا سنن إبن داوود ولا في مسند الإمام أحمد مع أنها تتعلق بكتاب الله عز وجل وبحادث مع رسول الله r فكان من الأولى أن تُذكر. ذُكِرت في بعض كتب التفسير ونحن نقول دائماً كتب التفسير فيها تساهل ويُرجَع في مثل هذه الأمور إلى مظانّها فإذا كانت قضية لغوية يُرجع إلى المعجمات وإذا كانت تتعلق بالحديث يُرجع إلى كتب الحديث وهكذا.

كتب التفسير فيها نوع من التساهل والروايات الواردة في كتب التفسير تنسب هذه الواقعة مرة إلى عمر بن الخطاب ومرة إلى معاذ إبن جبل ومرة إلى عبد اله بن أبي سرح. وكلها تروى بكلمة التمريض (قيل) يعني الخبر معلول مريض فيه عِلّة ولو كان قائله معروفاً لجاء في الرواية: قال فلان، لكن قيل إن عمر كذا فقال له r هكذا نزلت. قيل إن معاذ إبن جبل كان زيد إبن ثابت يكتب فقال هذا الكلام فتبسم الرسول r قال: يا رسول الله لِم تبسمت؟ قال هكذا نزلت. ليس لها أصل في كتب الحديث من الذي قالها؟ عمر أو معاذ أو قيل عبد الله إبن أبي سرح ( قال r هكذا نزلت فقال إذا هكذا نزلت أنا نزل عليّ قرآن فارتدّ وبعد ذلك رجع إلى الإسلام، ما الذي أعاده مرة أخرى؟ هذا الكلام ينبغي أن نتوثق بشأنه من الصحاح حتى لو كان الحديث ضعيفاً لأن الحديث الضعيف فيه إحتمال خمسين في المئة أن يكون الرسول r قاله. لذلك كثير من العلماء يفضل الحديث الضعيف على الرأي لأن على الأقل فيه إحتمال أن رسول الله r قاله. هذا الكلام لا وجود له في الكتب التي رجعت إليها وهي كتب أصول. فإذن هذه الحكاية ينبغي أن تُطّرح أن عمر قال (فتبارك الله أحسن الخالقين) فقال له r: هكذا نزلت. ونقول: الآية نزلت هكذا وحفظها المسلمون من كلام الله عز وجل ما وافق أحدٌ فيها كلام الله سبحانه وتعالى.

المشكل في أيامنا هذه فيمن يعتلي المنابر لأن المنابر في الغالب يعتليها طلبة علم. العلماء الكبار يندر أن يعتلي أحد منهم منبراً ويخطب. كان في السابق مسجد جامع واحد في المدينة يخطب فيه كبير العلماء. كم من كبار العلماء يعتلون المنابر اليوم؟ هم قِلّة لأنهم لا يستطيعون تغطية كل المساجد. آلآف المساجد موجودة الآن فيها طلبة علم جزاهم الله كل خير لكن ينبغي أن يعلم كل إنسان مقداره في هذا الوجود، في هذا المجال من العلم حتى إذا سُئل عن أمر يقول إسألوا فلاناً فإنه أدرى مني ولا يقول أنا الشافعي أو أنا أبو حنيفة. إنما يوجّه الناس إلى كبار العلماء الذين يجب أن يكونوا هم مرجعية للأمة أما أن يقرأ إنسان كتيباً أو كتيبين ثم يُفتي ويكفّر فهذه مصيبتنا التي نعيش فيها الآن بسبب عدم إحترام المرجعيات العليا. هناك فرق بين خرّيج الأزهر والمدارس الدينية في السعودية والعراق وغيرهما وبين من قرأ كتب الشافعي وأبو حنيفة وقال أنا مفتي الأمة. من هو الشافعي وأبو حنيفة؟! هم رجال ونحن رجال!.هذا لا يجوز لأن هذا شرع الله

هذا الذي وجدته فيما يتعلق بـ (فتبارك الله أحسن الخالقين). البعض يقول أن عمر قال: وافقت ربي في أربع. والمشهور: وافقت ربي في ثلاث لكنهم يضيفون إليها هذه المسألة فصارت أربع.

قلت إذا كانت آية كاملة أو كلام طويل إذا قيل هكذا أكالب بالتواتر. أما أن يقال هذا الحديث ورد مثلاً في خمس مرات هذا ليس تواتراً ومع ذلك سآتي إلى نموذج من هذا:

قيل لأحد العلماء إن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قرأت: (إذ تَلِقونه بألسنتهم، تلِقونه: قالت هي من ولق الكذب). المعروف أن الواو واللام والقاف كيفما تقلّبت : ولق، لوق، قوَل، وقل، تشير إلى معنى الحركة والخفوف كما ذكر إبن جِنّي. (لا آكل من الطعام إلا ما لُوِّق لي) أي ما عملت يد في تحريكه. هذه العربية. الأمر يخص السيدة عائشة رضي الله عنها لأن الكلام عن حديث الإفك والسند كله صحيح لأن المخاطَب قال للقائل أن عائشة قرأت (تلِقونه) وتقول هو من ولق الكذب (يعني حرّك لسانه بالكذب)  تلِقونه موافق لرسم المصحف وموافق للعربية، سنده صحيح. لكن فقد التواتر، قال: أبي ثقةُ على فلان وفلان ثقة على عائشة، كلهم ثقاة قال: ولم لا تقرأ به؟ قال لأننا نجيء به عن الأمة عن الأمة. لذا نقول قرأ أهل مكة، قرأ أهل المدينة الأمة تقرأ وليس فرداً. فإذا كان يؤخذ كلام الأمة والفرد إن صح السند لا يؤخذ في القرآن، الكلام المتعلق بكلام الله عز وجل بهذا التعلق أن هذه الكلمة قيلت قبل القرآن والقرآن نزل بها هنا نطالب فيها التواتر.

نأتي إلى : (وافقت ربي في ثلاث) هذا الحديث ورد في كتب الحديث ومتعلق بالآية ورد في مسلم، وفي البخاري (حديثان) وفي صحيح إبن حبّان وعند الإمام أحمد في ثلاثة مواضع أما غير ذلك من كتب الحديث مما رجعت إليه فلم يرد فيه أبداً. فهو ورد في سبعة مواضع. لو دققنا في الحديث نجد الرواية عن عمر رضي الله عنه رواها إبن عمر (عبد الله) ورواها أنس وهما صحابيان جليلان. ننزل من إبن عمر نافع مولى إبن عمر. من أنس حُميد أحد التابعين. من حُميد تفرّعت الرواية فإذن هي ليست سبعة أحاديث وإنما حديث عن إبن عمر وحديث عن أنس رواه حُميد ووزعه فرواه هشيم أخذه البخاري، يحيى بن أيوب أخذه البخاري، عبد الله إبن بكر السهمي أخذه إبن حبّان، هشيم أخذه أحمد، إبن أبي عدي أخذه أحمد ويحيى أخذه أحمد ولكن كل هؤلاء يرجعون إلى حُميد فإذن هما حديثان وليس سبعة.

الحديث الذي عن إبن عمر نصّه في صحيح مسلم: " حدثنا عقبة بن مكرم العمي. حدثنا سعيد بن عامر قال: جويرية بن أسماء أخبرنا عن نافع، عن ابن عمر. قال: قال عمر: وافقت ربي في ثلاث: في مقام إبراهيم، وفي الحجاب، وفي أُسارى بدر". ( صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة رضي الله عنهم)

ما ذكر نصوصاً وما قال: قلت كذا ونزل كذا. المقصود بـ وافقت ربي أي موافقة في الأحكام، مقترح أنه يا رسول الله لو نصلي في مقام إبراهيم. هذا حكم، إقتراح،  فنزلت الآية بألفاظ القرآن الكريم وليس بلفظ عمر. في الحجاب قال: لو حجبت تساءك، نزلت الآية بألفاظ القرآن وليست كما قال عمر، في أسارى بدر : يا رسول الله لا نأخذ أسرى ونزلت الآية بلفظ القرآن فالكلام غير كلام عمر (ما كان لنبي أن يكون له أسرى). هذا الذي ورد في صحيح مسلم عن إبن عمر ما قال ألفاظاً، هذا إبنه وهو أوثق وهذه خمسين بالمئة من الرواية.

وهذا ما جاء في الرواية الثانية عن حُميد رواها لهشيم وليحيى بن أيوب وعبد الله السهمي ولأبن ابي عدي وهؤلاء نشروها عن حُميد. الرواية فيها كلام أولاً لكن مختلف (إبن عمر يقول : وفي أسارى بدر) بينما الأحاديث هذه تقول: في مقام إبراهيم وفي الحجاب وفي تطليق النساء، فالقسم الثالث مختلف. عمر لا يعقل أنه تكلم مرتين وإنما هو تكلم مرة واحدة وإبنه روى هذا : وفي أسارى بدر، وحُميد روى أنه في تطليق النساء فهذه تحتاج لدراسة. أنا لست مختصاً بالحديث ولكن محقق ونشرت كتاباً في تحقيق النصوص عنوانه: "تحقيق النصوص بين المنهج والإجتهاد" قبل ربع قرن نشرته لي جامعة بغداد وُبع سنة 1990م. أنا أعمل في التحقيق والتحقيق يقول أن الكلام هذا بحاجة إلى نظر. العبارات مختلفة مرة يقول:

حدثنا عمرو بن عون قال: حدثنا هشيم، عن حميد، عن أنس قال: قال عمر: وافقت ربي في ثلاث: فقلت: يا رسول الله، لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى، فأنزلت: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى}. وآية الحجاب، قلت: يا رسول الله، لو أمرت نساءك أن يحتجبن، فإنه يكلمهن البر والفاجر، فنزلت آية الحجاب، واجتمع نساء النبي صلى الله عليه وسلم في الغيرة عليه، فقلت لهن: عسى ربه إن طلقكن، أن يبدله أزواجا خيرا منكن، فأنزلت هذه الآية. (البخاري، أبواب القبلة)

هذا النص إختلف في الحديث الآخر. هذه رواية النص فيها نصف الآية، وفي رواية أخرى بقيت ثلاث كلمات من الآية (أزواجاً خيراً منكن):

- [ 6896 ] أخبرنا بدل بن الحسين بن بحر الخضراني الحافظ الإسفراييني حدثنا حميد بن زنجويه حدثنا عبد الله بن بكر السهمي عن حميد عن أنس قال قال عمر بن الخطاب وافقت ربي في ثلاث أو وافقني ربي في ثلاث قلت يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى فأنزل الله { واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى } وقلت يدخل عليك البر والفاجر فلو حججت أمهات المؤمنين فأنزلت آية الحجاب وبلغني شيء من معاملة أمهات المؤمنين فقلت لتكفن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ليبدلنه الله أزواجا خيرا منكن حتى انتهيت إلى إحدى أمهات المؤمنين فقالت يا عمر أما في رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يعظ نساءه حتى تعظهن أنت فكففت فأنزل الله { عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزوجا خيرا منكن } (فهرس إبن حبّان، كتاب إخباره صلى الله عليه وسلم عن مناقب الصحابة رجالهم ونسائهم بذكر أسمائهم رضوان الله عليهم أجمعين إلى النهاية)

وفي مكان آخر بقيت كلمتان (خيراً منكن):

- حدثنا مسدد، عن يحيى بن سعيد، عن حميد، عن أنس قال: قال عمر: وافقت الله في ثلاث، أو وافقني ربي في ثلاث، قلت: يا رسول الله، لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، وقلت: يا رسول الله، يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله آية الحجاب، قال: وبلغني معاتبة النبي صلى الله عليه وسلم بعض نسائه، فدخلت عليهن، قلت: إن انتهيتن أو ليبدلن الله رسوله صلى الله عليه وسلم خيرا منكن، حتى أتيت إحدى نسائه، قالت: يا عمر، أما في رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يعظ نساءه، حتى تعظهن أنت؟ فأنزل الله: {عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات}. الآية. وقال ابن أبي مريم: أخبرنا يحيى بن أيوب: حدثني حميد: سمعت أنسا، عن عمر. [393] (البخاري، كتاب التفسير)

وفي رواية أخرى أضيفت كلمة مسلمات  (ليبدلنه الله أزواجاً خيراً منكن مسلمات)

فالروايات مضطربة وإضطراب الروايات معناه أن رواة السند يتصرفون يعني أن راوي السند سمع هذه الكلمة العامة (وافقت ربي في ثلاث) في مسألة الحجاب فهو إستحضر الآية وذكرها، هذا ممكن ويمكن أنه إستحضر الآية ووظّفها. هم ثقاة ليسوا كذابين ولكن أراد أن يوضح. مع كل ذلك هذا حديث واحد في صحيح مسلم ليس فيه ذكر الآيات. والحديث الثاني كله يجتمع عند حُميد فأنا أعدّه حديثاً واحداً. أين التواتر فيه؟ وأنت تتكلم عن كتاب الله عز وجل؟، عن موافقة وهي غير موافقة؟ هناك إضطراب، هناك إختلاف، تقديم وتأخير في العبارات.

هذا من راوي السند الثقة هو تصرّف وقال هكذا وردت. ولو كانت منضبطة جميعاً  بعبارة واحدة فهو حديث واحد. والحديث الواحد لا يؤخذ به. إذا كان الحديث (تلِقونه) الذي ذكرناه سابقاً ما أُخِذ به!. لذلك هذا الكلام على العين والرأس لكنه يُركن جانباً. ما نقول جاءت كلمات كثيرة من الآية ورأينا أن في بعضها وردت كلمتان فقط.

في بعض الأحاديث كلمتان إن صحت الرواية ويمكن أن يكون عمر قال ألا تخشين أن يبدله الله أزواجاً خيراً منكن لكن نزل كلام الله عز وجل. نريد هذه الفكرة أن تستقر في أذهان المشاهدين أن كلام الله عز وجل لا يشبهه كلام بشر وأن ما روي في ذلك إما أنه لا يصح كما في ختام الآية (فتبارك الله أحسن الخالقين) كما أوضحناه سابقاً أو أن فيه إضطراباً وروي في مكان مجملاً وفي مكان صار فيه نوع من التفصيل يعود إلى رجل واحد. وحتى لو صحّ نحن نطالب فيما يتعلق بالقرآن الكريم بالتواتر ليقرّ هذا في أذهان الناس أن كل شيء يتعلق بالقرآن يُطلب فيه التواتر.

وللفائدة أورد هنا ما وجدته في موسوعة الحديث للفائدة:

- أخبرنا يزيد بن هارون ثنا حميد عن أنس قال : قال عمر بن الخطاب وافقت ربي في ثلاث قلت : يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى فأنزل الله { واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى (فهرس الدرامي، كتاب المناسك))

- حدّثنا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ الْعَمّيّ. حَدّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ قَالَ: جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ أَخْبَرَنَا عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ. قَالَ: قَالَ عُمَرُ: وَافَقْتُ رَبّي فِي ثَلاَثٍ: فِي مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ، وَفِي الْحِجَابِ، وَفِي أُسَارَىَ بَدْرٍ.(المنهاج (النووي) كتاب فضائل الصحابة)

- حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا هشيم أنبأنا حميد عن أنس قال: قال عمر رضي الله عنه : -وافقت ربي في ثلاث قلت: يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى فنزلت واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وقلت يا رسول الله إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر فلو أمرتهن أن يحتجبن فنزلت آية الحجاب واجتمع على رسول الله صلى الله عليه وسلم نساؤه في الغيرة فقلت لهن عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن قال: فنزلت كذلك. (فهرس مسند أحمد (مسند عمر بن الخطاب رضي الله عنه))

سؤال: ما الفرق بين جعل وخلق في سورة الأنعام (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1))؟

ذكر الزمخشري في أساس البلاغة أن أصل فِعل (خلق) هو التقدير ولذلك يقول: خلق البزّاز (أي الخيّاط) الثوب بمعنى قدّر أبعاده قبل أن يقصه بالمقص. هذا الأصل ثم قال: هذا الإستعمال: خلق الله الخلق على سبيل المجاز بمعنى أوجده على تقدير أوجبته حكمته سبحانه وتعالى. هذا هو الأصل.

أما (جعل) فالعلماء يقولون: لفظ عام في الأفعال وهو أعمّ من فَعَل وصَنَع وسبق أن ذكرت نماذج من تاج العروس سابقاً فيما يتعلق بهذا الموضوع. الخلق هو الإيجاد على تقدير توجيه حكمة الله سبحانه وتعالى ، الأصل الإيجاد على تقدير من غير مثال سابق. والجعل فعل عام يحمل معاني كثيرة منها الصُنع وإيجاد الشيء من الشيء والتبديل والإعتقاد والظنّ والشروع في الشيء (جعل يُنشد قصيدته) يعني شرع وبدأ، الحكم بالشيء على الشيء والنسبة والتشريف أيضاً وفيها معنى الإيجاد. معاني كثيرة يذكرها أصحاب المعجمات.

الذي رأيناه أن كلمة خلق وجعل إجتمعتا في أسلوب القرآن الكريم في أربعة عشر موضعاً. حيثما إجتمعتا تقدّم الخلق على الجعل لأن الخلق إيجاد والجعل شيء من شيء فهو من الخلق. لذلك في الآية (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1)) خلق السموات والأرض مقدّم على جعل الظلمات والنور، لا يكون هناك ظلمات ونور إلا بعد خلق السموات والأرض. لكن الذي لفت نظرنا لم يسأل السائل عن آيتين متشابهتين بصورة متقاربة وهما آية في سورة النساء (يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1) النساء) وآية في سورة الأعراف (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آَتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (189) الأعراف). يُفترض في آية النساء أن تأتي بـ (خلق) و(جعل) كما جاء في آية الأعراف (خلق وجعل) لكنها جاءت (خلق وخلق). رجعنا إلى المواضع الأخرى في القرآن فوجدنا أنه إذا بدأ الكلام يبدأ بالخلق (خلق) وإذا بنى عليها شيئاً يبني بـ (جعل) إلا في هذا الموضع في سورة النساء وهذه تحتاج لوقفة.

إذا نظرنا في المواضع الأخرى التي جاءت فيها (خلق وجعل) نجد: في سورة الروم(وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21)) بدأت الآية (ومن آياته) ثم قال (وجعل بينكم)، في سورة النحل (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (70)) ثم قال بعدها (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (72))، في سورة فاطر (الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1)) فطر الشيء بمعنى خلقه وبدأه وأوجده لذلك يقول أحد الصحابة: "ما علمت معنى فاطر إلى أن إختصم رجلان عندي في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها. يعني بدأتها"

فطر أي بدء الخلق فلما قال فطر قال بعدها (جعل)، (ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (38) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (39) القيامة) ذكر الخلق ثم ذكر الجعل. لما يكون الخلق مجرّداً (وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (45) النجم) يذكر الخلق بدون الجعل، (وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (3) الليل) قسم.

إلا في آية سورة النساء (يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1)). وهذه تحتاج إلى وقفة:

جعل تأتي بعد خلق لأنها مرحلة لاحقة ويتصور هنا في آية سورة النساء أن يقول أيضاً (خلق وخلق) كما قال في آيات أخرى. الفارق أنه لما قال (وجعل منها زوجها) قال (ليسكن إليها فلما تغشاها ) مفرد، لكن هنا الكلام على خلق البشرية (وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء) فلما كان الكلام على خلق البشرية عموماً ذكر خلق الرجل وخلق المرأة و(وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء)، ما قال (جعل منها زوجها) لأنها ستقتصر عند ذلك إنما أراد أن يبيّن أنه إنطلق إيجاد البشرية من خلقين: خلق آدم وخلق حواء ثم (وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء). فلما تكلم على خلق البشرية إستعمل كلمة الخلق للزوجة. في الأماكن الأخرى لما كان الخلق محدداً قال (جعل). حيثما ورد وهذا هو أسلوب القرآن الكريم في الإستعمال حتى نقول أن كل كلمة في مكانها في القرآن الكريم.

بُثّت الحلقة بتاريخ 22/4/2006م


الحلقة 38

سؤال 183:  اللمسات البيانية في آيات سورة الكهف في قصة موسى u مع الرجل الصالح أو الخِضر: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (60) فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (61) فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آَتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (62) قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (63) قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آَثَارِهِمَا قَصَصًا (64) فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (65))

هذه الآية تقع في سورة الكهف ضمن قصة موسى u والخضر أو الرجل الصالح وورد في الحديث أن إسمه الخِضْر قال بكسر الخاء وسكون الضاد وهذا هو الأفصح. وقد وجدت بين أيدينا مجموعة من الأسئلة تتعلق بهذه القصة فرأيت أن أبدأ بها ونمر على هذا السؤال.

تبدأ الآيات بقوله تعالى (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا) الإنسان يمكن أن يسأل: أولاً لِمَ قال (فتاه)؟ ما المقصود بالفتى؟ والأمر الثاني لماذا يخبره بهذا الكلام؟ أصل القصة كما تذكرها الأحاديث الصحيحة أن موسى u سُئل عن أعلم من في الأرض أو عن العلم فقال أنا فقيل له أنت لا تعلم كل شيء، أوحى الله سبحانه وتعالى إليه أن علمك جزء من العلم وليس كل العلم فأراد أن يربّيه التربية الإلهية بالتطبيق أن يعلم أن هناك حيّزاً من العلم لم يُمنَحه وهو علم الغيب. أنت تعلم العلم الظاهر، علم الشرع. فوعده .في مكان خذ معك سمكة أو حوتاً في مِكتل وتذهب به إلى مجمع البحرين وهناك سيذهب الحوت، في المكان الذي سيذهب فيه الحوت ستجد الرجل الذي وعدتك به. هذه هي القصة.

أولاً كلمة فتاه هذه لمسة من القرآن الكريم في الوقت الذي كان هناك عبودية وتبعية الإنسان يكون تابعاً لغيره. الرسول r ينهى أن يقول المرء عبدي أو أمتي وإنما يقول فتاي وفتاتي الفتى كأنه إبن. فكأن هذه لمسة إنسانية من رسول الله r الذي هو رسول البشرية ورسول الإنسانية جميعاً. لا يقال خادمتي، عبدتي، عبدي، أمتي وإنما فتاي وفتاتي حتى هو الشخص العامل يحس بقيمته الإنسانية عند ذلك. فالقرآن يذكر هذا الكلام حتى  يؤدّب قُرّاء القرآن كيف يتعامل مع الناس.

(لا أبرح حتى) هذه كلمة تقال لبيان الإصرار على الشيء: لا أبرح حتى أفعل كذا أي سأستمر على جهدي إلى أن أفعل هذا الأمر.

(أو أمضي حقبا) الحقب جمع حِقبة والحقبة هي مدة من الوقت قسم يقول سنة وقسم يقول ليس لها وقت محدود كأنه يقول سأمضي إلى ما لا نهاية. (لا بثين فيها أحقابا) أي أزمنة طويلة قد لا تكون محسوبة. هذا الإصرار ينبغي أن يعلمه المصاحِب له. لا ينبغي أن يخدعه أو أن يغشّه، هو معه يخدمه، إذن ينبغي أن يعلم من معك أين تريد ولذلك الرسول r كان في غزواته القريبة يورّي (يستعمل التورية) مثلاً هو يريد أن يذهب إلى المنطقة الجنوبية يبعث رجلاً للمنطقة الشمالية يقول له إستكشفوا لنا الطريق فيظنّ الناس في المدينة أنه سيذهب إلى الشمال لكن لما خرج r في غزوة تبوك نبّه الصحابة إلى أنه يريد الروم حتى الذي يريد أن يأتي معنا يأتي والذي لا يأتي يتحمل نتائج عدم مجيئه لأنه الذي يقوى على المجيء هناك أناس فاضت أعينهم من الدمع حزناً أن لا يجدوا ما ينفقون لم يكن عندهم شيء فجلسوا.

(وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا) كان في هذا بيان لفتاه أنه قد يمضون زمناً طويلاً في رحلتهما. الآية لا تقول لنا إن الفتى وافق لكن المفهوم ضمناً  من قوله تعالى (فلما بلغا مجمع بينهما) أنه كان معه.

.ما هذان البحران؟ كما قلنا في منهجنا ما سكت عنه القرآن نسكت عنه لأنه لو كان فيه فائدة للقاريء كان ذكره القرآن. فإذن مجمع البحرين هو مكان يجتمع فيه بحران مع مراعاة أن العرب تسمي النهر الكبير بحراً: النيل في لسان العرب بحر، والفرات في لسان العرب بحر ودجلة في لسان العرب بحر. لكن لما يأتي إلى الأنهار الصغيرة يقول نهر. قد يسميه نهراً أو قد يسميه اليمّ وقد يطلق اليم على البحر أو على النهر الكبير. هناك إذن نقطة إلتقاء أو قد تكون نقطة إفتراق لأن المكان الذي يجتمع فيه فرعان. الإنسان يمكن أن يتخيل ما شاء الله  له أن يتخيل مع مراعاة المكان الذي عاش فيه موسى u: هو عاش في في مصر، فلسطين وسيناء. يمكن أن يكون البحر المتوسط أحد هذين البحرين مع النيل وقد يكون تفرع النيل، أو الملتقى ويمكن أن يكون أي شيء. لكن ليس فيه فائدة وما عندنا دليل على وجه التحديد أنه هذا لكن هناك مؤشرات لما يقول مثلاً: السفينة وجاء عصفور فنقر نقرة في الماء معناه أن الماء حلو لأن العصفور لا ينقر من ماء مالح فهو إذن ماء حلو أو في الأقل ماء مخلوط. لا نطيل أين هذان البحران؟ لا فائدة من ذلك.

(مجمع بينِهما): كلمة بين هي ظرف مكان تشير إلى مساحة. (مجمع بينِهما) هذه المساحة التي إجتمع فيها البحران. لما نرجع إلى أصل كلمة البين هي بمعنى البِعاد والمفارقة ومنه قول الشاعر في مدح الرسول r (بانت سعاد فقلبي اليوم متبول). البين هو البعاد والمفارقة فإذن هو فيه معنى المفارقة، معنى الفصل أن يكون فاصلاً. (مجمع بينهما) هذا الفاصل جعله للبحرين لأن كل واحد منهما له جزء منه لأن هذا ماء والماء يختلط حتى إذا  كان ملح وحلو يكون هناك منطقة مختلطة سماها القرآن الكريم (برزخ) هذا البرزخ منطقة الإجتماع بينهما، هناك فاصل منطقة مختلطة (بينهما برزخ لا يبغيان) لا يكون هناك خلطٌ كامل. هذا قد يشاهده أهل منطقة البصرة: شط العرب جزء منه فيه ملوحة من الخليج ثم لما تصعد إلى الأعلى يقل الملح فهناك منطقة فيها إختلاط.

(مجمع بينهما) جعل البين واحداً وفي مكان آخر جعله بينين (هذا فراق بيني وبينك) جعل لكلٍ بيناً لكن هنا جعل بيناً واحداً (مجمع بينهما). ليس من السهل أن تفصل بين هذا عن بين ولذلك فقال القرآن (مجمع بينهما). لهذا نقول كل كلمة في القرآن هي في موضعها في كتاب الله عز وجل.

(نسيا) لماذا إستعمل التثنية في النسيان؟ ممكن إذا جاء إثنان أحدهما متبوع والآخر تابع أن المتبوع يتكلم بإسم الإثنين: ذهبنا أنا وهذا، هو يتكلم بإسمه لكن يبدو هنا أن النسيان بمعنيين: موسى u نسي والفتى نسي لكن نسيان موسى u غير نسيان الفتى. موسى u يعلم أن لُقياه لهذا الرجل يكون عن طريق ذهاب الحوت فلما أمضيا الليل في هذا المكان عند الصخرة (وسيأتي لماذا قلنا أنهما أمضيا الليل) يُفترض أنه في الصباح قبل أن يغادر أن يسأل عن الحوت هل بقي أو ذهب لأن علامة لقياه أن يذهب الحوت في البحر مع أن الحوت كان مشوياً وأكلا منه في الطريق، هذه مهجزة أن هذا الحوت الذي كان مشوياً وأكلتما بعضه  سيُبعث حيّاً ويمضي في البحر بطريقة عجيبة سيذكرها لنا (سربا). فنسيان موسى u نسي ليس بمعنى حدث شيء ولم يتذكره وإنما غفل عن ذكره أو أهمله، يعني أهمل ذكر الحوت، نوع من إهمال الشيء كما قيل في القرآن الكريم (كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تُنسى) أي أهملتها، لم تأخذ بها لأنها ما جاءته وحفظها ثم نسيها لكنه أهمل العمل بها والأخذ بها والإنتباه إليها. كذلك اليوم تُنسى أن تهمل (فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا) نهملهم كما أهملوا كما أهملوا هذا اللقاء.  ولذلك فنسيان موسى u من باب الإهمال: أهمل ذكر الحوت. أما نسيان الفتى أنه وموسى u نائم، هو رأى عجباً رأى هذا الحوت يقفز من المِكتل وهو مشوي ومأكول منه يقفز إلى الماء ويمضي في الماء بشكل سريع بحيث يكوّن سرباً، الرسول r حلّق بين أصابعه B  يعني صنع نفقاً من الماء بسرعة بحيث صار الماء نتيجة سرعته كأنه نفق وهذا معنى سرب. (جعل لنفسه مسرباً: نفقاً). السرب بمعنى نفق الماء، فسار فيه ولذلك هذا لا يُنسى. فإذن هذا الحادث وقع وكان ينبغي لما يستيقظ موسى u أن يحدّثه الغلام بما حدث لأنه أمر عظيم لكنه نسي وغاب عنه. فنسيان موسى u غير نسيان الفتى لكن كلاهما نسي وكلٌ نسي بما يناسبه من النسيان: موسى u كان نوعاً من الإهمال أهمل ذكر الحوت وكا كان ينبغي أن يهمله لأن موعده مع الرجل بحركة الحوت.

ما الذي يدلّ على أنهما ناما ليلاً؟ (فلما جاوزا  ) مضيا ويبدو أنهم مشيا مسافة وظهر عليهما التعب في أوائل شروق الشمس لأن الغداء في اللغة هو غير ما نستعمله نحن الآن (وقت الظهيرة) وهذا ليس صحيحاً. الغداء في العربية هو طعام الغداة والغدوة ما بين الفجر وشروق الشمس. الإفطار يكون بعد الصيام. فقال (آتنا غداءنا) معناه هو خرج بعد الفجر أو قبيل الفجر لا ندري المهم ناما وقتاً أو بعضاً من الليل لم تخبرنا الآيات. الغداء قبل شروق الشمس أو مع شروق الشمس. الغداء أول وجبة يتناولها العربي في وقت الغدوة بين الفجر وشروق الشمس (بالغدو والآصال) وكما في الحديث (لرزقكم كما ترزق الطير تغدو خماصاً وتعود بطانا). فإذن كان مبيت بعض الليل ثم سارا إلى أن أُنهِكا فقال نأكل هذا الأكل. (لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا) هذا مؤكد أنه ظهر عليه التعب الشديد بوجود اللام و(قد): (قد للتحقيق واللام للتأكيد) كأنه قَسَمٌ محذوف: والله لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا). (نصبا) النصب هو أشد التعب. هذا كلام موسى u أنه تعب. لما قال (آتنا غداءنا) تذكر الفتى. أُنظر كيف يعلمنا القرآن الرقة مع الناس: الفرق بين آتنا وأعطنا (سبق وذكرناها في وآتت كل واحدة منهن سكينا) في سورة يوسف ما قال أعطت. وقلنا أن الفرق بين آتى وأعطى: العين والألف والألف هو مجرد هواء يهتز معه الوتران فيكون ألفاً، العين حرف حلقي ومجهور يهتز معه الوتران وله مخرج معيّن فأقوى. فالعين أقوى من اللام ولذلك لما تكلم عن شيء قوي قال (إنا أعطيناك الكوثر) الكوثر شيء عظيم فاحتاج الحرف القوي لكن آتينا وآتنا فيها نوع من الرقة واللين. (آتنا غداءنا) مع أنه متعب لم يفقد أسلوب الرقة والمجاملة مع فتاه: كما يقول له يا ولدي إتنا بالطعام كلمة رقيقة.

الآن تذكر الفتى  فقال (أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة) كلمة أرأيت صيغتها صيغة سؤال وحقيقتها تعجيب. يعجّبه من هذا الشيء. أرأيت إلى كذا؟ بمعنى إعجب من أمري. اللفظة أرأيت معناها هل نظرت لكن لا يعنيها بهذا المعنى لما يقول أرأيت لكن العرب تستعملها في موطن التعجيب لما يريد أن يعجّبك من شيء يقول أرأيت هذا الأمر يعني إعجب منه إنه شيء عجيب. مثل: (أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى) يعني ما أعجب هذا الأمر كيف ينهى عبداً عن الصلاة هو يصلي وينهاه عن عبادة الله عز وجل. فهي لفظة تعجب. الألفاظ لا تعطي دائماً معانيها المعجمية: (أرأيت الذي يكذب بالدين) عجيب أن يكذب بدين الله عز وجل؟. (أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة) لأنه سيذكر له أمراً عجباً. يقول له: إعجب من أمري وكيف نسيت لأن أمري يحتاج إلى تعجب. لما يقول r في الحديث الشريف "فاظفر بذات الدين تربت يداك" تربت يداك في المعجم تعني تعفّرت يداك بالتراب ولكنها في الحديث لا تعني هذا وإنما يريد من هذا المعنى ربحت وفُزت. هذا الإستعمال ولذلك نقول دائماً أن الذي يحكم ليس اللفظة بمعناها المعجمي وإنما من داخل السياق. هو أراد أن يذكر لموسى u أمراً عجباً فقال له (أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة) إحتميا بصخرة وناما. (فإني نسيت الحوت) هذا النسيان الحقيقي هو لم ينسى الحوت وإنما نسي أن يخبر موسى u بأمر الحوت، فيها إختصار. هل كان الفتى يعلم أن العلامة ذهاب الحوت.؟ لا بد أنه أخبره بالأمر لأنه ما دام السفر طويلاً ولا يعلم مداه فلا بد أن يكون موسى u قد أعلم فتاه بهذه الدلالة من دلالة قوله (أو أمضي حقبا) فأنت تستطيع أن تتخلى عني وتقول أن هذا الشرط لا أستطيعه.

(وما أنسانيهُ): في غير القرآن أو في غير هذه الرواية التي هي رواية حفص، نحن نعتمد القرّاء السبعة ولا نمنع من العشرة المتواترة وأكثر المسلمين على أن القرّاء العشرة قراءاتهم متواترة لكن قلة من الناس لا يميل إلى تواترها والجمهور مجمعون على السبعة. كل قارئ بروايين: عندنا 14 راوياً، 13 راوياً قرأوها (وما أنسانيهِ) بالكسر، فقط حفص قرأها (وما أنسانيهُ) بالضم. عاصم الذي هو قارئ حفص عنده راوي آخر هو شعبة فأقرأ شعبة (وما أنسانيهِ) وأقرأ حفصاً (وما أنسانيهُ)  تدل على أن دقة هؤلاء القرّاء أنهم كانوا ينقلون ما يسمعون من جمهور العرب. فعاصم سمع من قبائل كثيرة من العرب (أنسانيهِ) وسمع من قبائل كثيرة من العرب (أنسانيهُ) فلا يستطيع أن يرجّح فقرأ لهذا هكذا وقرأ لهذا هكذا. بعض العرب قرأ بهذه وبعض العرب قرأ بهذه. وكلتا القراءتين بموافقة رسول الله r أو بقراءته المباشرة بأمر من ربه سبحانه وتعالى. القراءات ليست من عند رسول الله r التي هي الأحرف وإنما هي سُنّة متّبعة عن الله تعالى قرأ بها جبريل أو أذن بها جبريل عن الله سبحانه وتعالى قرئت بين يدي رسول الله r فأُذن له بأمر من ربه جلّت قدرته. القبائل قالت أنسانيهُ. أنسانيهِ: عندنا الضمير مبني والبناء لزوم حركة أو سكوناً. معنى مبني يعني  كأنه جدار مبني لا مجال فيه للتحرك. لا يوجد مبني على صورتين وإلا يكون معرباً، طالما وجدت حركتين يعني يُعرب. هذا الضمير (هاء الغائب) لما يكون ما قبلها ساكناً نقول (هذا مِنْهُ) فهو مضموم، لما يكون ما قبلها مفتوحاً يضم (الكتاب لَهُ)، لما يكون ما قبلها مضموم يضم (كتبتُهُ). لما يسكن ما قبله أو يفتح أو يضم يكون مضموماً معناه مبني على الضم. لكن الإنتقال من الكسرة إلى الضمة ثقيلة (بِِهُ) (فخسفنا بهِ وبداره الأرض) لما تقرأها بالضم (بِهُ) ثقيلة وجمهور العرب تكسره للمجانسة ولذلك الإعراب الدقيق (بِهِ: الباء حرف جر والهاء ضمير مبني على الضم وقد كُسِر لمجانسة الكسرة  وكذلك (فيهِ) لأن الكسرة والياء من مخرج واحد. لو قلت (أنسانيهُ) مبني على الضم وكُسِر للمجانسة وننظر في مكانه من الإعراب في محل نصب مفعول به. لو قال أنسانيهِ مبني على الضم وكُسِر لمجانسة الياء وهو في محل نصب.

جمهور العرب قالوا أنسانيهِ (13 راوياً قرأها إنسانيهِ). المصحف الذي بين أيدينا برواية حفص وحفص قرأ أنسانيهُ. الضمة ثقيلة. هذه التعليلات ليست تعليلات العرب وإنما تعليلات العلماء. العرب لم يقولوا لنا لماذا رفعنا الفاعل ونصبنا المفعول ولكن العلماء جاءوا وقالوا العرب رفعت الفاعل للسبب الفلاني ونصبت المفعول للسبب الفلاني وهي أسباب وجيهة مقبولة منطقياً. فقال الضمة ثقيلة قطعاً لأن ولادة الضمة تكون بحركتين، بعمليتين: اللسان في الخلف يرتفع نحو سقف الفم إلى مكان بحيث لو إرتفع فوقه أحدث إحتكاكاً مسموعاً وإستدارة الشفتين للتنويع، إذن عمليتان . بينما الكسرة تولد بإرتفاع اللسان من أوله نحو سقف الفم فيسموها الحركة الضيقة الأمامية والضمة الحركة الخلفية. فإذن الضمة أثقل من الكسرة فلما كان الأمر ثقيلاً : نسيان سمكة مشوية تدخل في البحر بهذه الصورة ويُنسى  بهذا الشكل شيئاً ثقيلاً فجاءت الضمة، إستخدموا الحركة الثقيلة للإخبار عن أنسانيهُ. فناسب ثِقل الضمة ثِقل الواقعة.  ولهذا عجّبه منه (أرأيت إذ أوينا) هذا شيء عجيب. (فإني نسيت الحوت) ونسب النسيان لنفسه لأن هذا النسيان هو منه ونسبه لنفسه وحده  ولم يقل نسينا الحوت لأنه يخبره عن قضية عظيمة ولم يكن مناسباً أن يقول لموسى u أنت أيضاً لم تُذكّرَني. (عجبا) ذكر التعجب هنا.

(ذلك ما كنا نبغِ): يعني هذا الذي وقع من خروج الحوت ومن دخوله في الماء بهذا الشكل ورجوع الحياة إليه هو الذي كنا نبغيه. (ذلك ما كنا نبغِ) يفترض أن يكون فيها ياء: بغى يبغي مثل رمى يرمي فلما يتكلم عن نفسه مع مجموعة يقول نحن نرمي فيضع الياء. الياء هنا في الخط حُذِفت مع أن كُتّاب المصحف أثبتوها في موضع آخر. كذلك (تعلّمنِ) حذف الياء. وأثبت الياء في (ستجدني، ولا أعصي). إذن الكاتب يعلم أن هناك ياء ومع ذلك حذفها هنا ولم يثبتها في موضعين. رسم المصحف فيه كلام لكن بصورة موجزة فيه قولان: قول يقول أن الرسول r كان يقول للصحابي كيف يكتب: ضع هنا تاء مفتوحة، ونحن نقول ينبغي أن بدأ البحث حيث إنتهى الآخرون في دراساتهم حتى لا نعيد الدراسة. وفريق آخر يقول هذا تطور الخط العربي. لكن هناك مواضع كان لها غاية: مرة يرسم التاء طويلة ومرة مربوطة ومرة يرسم الألف ومرة لا يرسمها. هناك مواطن لها غاية ومواطن أخرى تبين تطور خطّهم.

هنا غاية، (نبغِ). قلنا سابقاً أنه لما ذكر كلمة (وبناتك) وكتبها بإثبات الألف  كان لغاية حتى لا يأتي أحد ويقول بنتك ويخرج أحد من بناته r. فهنا (ما كنا نبغِ) بالكسر. هذه الياء إختلسها إختلاساً، إختصرها. الإختلاس معناه الإختصار، لم يشبعها لأن القرآن نزل صوتاً ولم ينزل مرسوماً مكتوباً معناه أن الرسول r قرأها هكذا (ذلك ما كنا نبغِ فارتدا) فلما سمع الكاتب هذا كتبها من غير ياء. ولو قرأها الرسول r (نبغي) كان أثبت الياء. مع ذلك قد توجد قراءات بالياء هذا إشباع يعني أن بعض قبائل العرب أشبعت فأقرّت. لكن حديثنا عن المرسوم الآن لأن الرسم في كل مصاحف الدنيا (تبغِ) بالكسرة. هنا لما إختلس الياء هذا موضع سرعة وإختصار. لما يقلّص الكلام معناها هو يسرع في الكلام لأنه مستعجل على الرجعة يريد أن يعود إلى هذا الرجل فإختصر في لفظه (نبغِ فارتدا) يشير إلى سرعة الرجوع. فسرعة الرجوع ناسبها سرعة نطق الكلمة بعدم إشباع للياء لأن معناها واضح (ذلك ما كنا نبغ فارتدا) وهو نوع من الإختصار.

في الموضع الآخر (على أن تعلمنِ مما علمت رشدا)  تعلمنِ بالكسر لها معنى آخر ليس موضع سرعة. لم يقل تعلمني لأنها تدل على إظهار لشخصه ولكن هو تلميذ يريد أن يتعلم فلا معنى لهذا الإظهار فبكل أدب يقول علماؤنا أدب المتعلم مع معلّمه كيف يكون فيه نوع من التواضع (تعلمنِ مما علمت) يعني أنا صغير. أما المعلِّم فقال (إنك لن تستطيع معيَ صبرا) وبعد ذلك قال (ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصي لك أمرا) لأنه في موطن المعاهدة فأظهر إسمه (ستجدني، أعصي) هنا موطن معاهدة هذا شخصي كاملاً أعاهدك على هذا. هذا في الدرس الصوتي كيف توظيف الأصوات من إطناب، إيجاز، إطالة، إختلاس الصوت، مدّ الصوت، لذلك هذه المدود التي يتكلم عنها علماء التجويد مدّ حركتين أو أربعة أو ست لها دخل بإيحاء المعنى. صوت المعنى يكون نوع من الظلال للمعنى والإيحاء للفظ، المعنى اللفظي معلوم لكن يكون هناك إيحاء وظلال للفظ. (نبغِ فارتدا) على سرعة.

(على آثارهما قصصا) يقصّان الأثر يتتبعانه حتى لا يضيعا، هذا أثرنا. هما رجعا إلى الصخرة فوجدا الرجل. لم يذكر القرآن من أين جاء الرجل؟ أهو نبي مرسل؟ ملك؟ ما ذكر لنا شيئاً.

سؤال 184:  ما الفرق بين (من عندنا) و(من لدنا) في سورة الكهف (فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (65))؟

(فوجدا عبداً من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلّمناه من لدنا علما): في الحديث الشريف أن اسمه الخِضْر. سنقف عند كلمة عبد، عباد، عندنا، لدنا كلها فيها لمسات:

كلمة عبد في اللغة تعني إنساناً سواء كان مملوكاً أو حُرّاً. فلما يقول في القرآن (فوجدا عبداً) أي وجدا هذا الإنسان لكن فيه إيحاء عبوديته لله سبحانه وتعالى. ما قال بشراً أو إنساناً لأنه يريد أن يربطه بالعبودية لله تعالى والعبودية لله عز وجل هي أسمى المراتب للبشر كما قال تعالى في سورة الإسراء (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً) في أروع المواطن سمّاه عبداً. كلمة عبد أنا رجعت إلى التاج (تاج العروس في جواهر القاموس) لتاج الدين الزبيدي، وجدت عجباً في جموع كلمة عبد أوصلها بعضهم إلى أكثر من عشرين جمعاً ونظمها أكثر من واحد تراجع في تاج العروس. من جملة جموع عبد: عبيد وعباد. كان يمكن أن يقول عبيدنا لكن جرى إستعمال الناس أن كلمة عبيد في جمع العبد المملوك الذي يُباع ويُشترى. والله سبحانه وتعالى يريد أن يُكرم هذا الإنسان فاستخدم  له كلمة عباد (عبادنا). العباد يستعمله عموم الناس هو جمع عبد وحتى مجموعة المماليك تسمى عباداً وهذا يعطينا إهتمام القرآن الكريم لإستعمال الناس. كلها في الأصل جمع لكلمة عبد الذي هو إنسان ويمكن أن يكون مملوكاً. الناس تستمعل كلمة عبيد للمملوكين وعباد لعباد الله. عباد من الدرس الصوتي فيها ِعزة وشموخ والياء في عبيد فيها إنكسار وخضوع وهبوط. كان العرب يدركون هذا ولذا وقفوا عاجزين أمام القرآن الكريم، وكانوا يدركون ذلك ويتلمسون  ويتحسسون الدرس الصوتي لأن هذه لغتهم. قد يكون هناك أفراد يغيب عنه ذلك لكن جمهور العرب كان يفهم ذلك. في مواطن كثيرة تغير حرف عن حرف لكن المعنى العام يكون واحداً لكن تجد فوارق. انظر الفرق بين: صرع وزرع كلاهما له صلة بالأرض. إختلف الحرف الأول الصاد والزاي. ننظر الصوت الذي تحدثه الصاد كأن فيه إنبساط والصوت الذي تحدثه الزاي تشير إلى كأنه الثقب في الأرض. هذا ليس عبثاً ولا يقال العربية شأنها شأن سائر اللغات ولا يقال العربية لغة إعتباطية لكن لا يجوز أن يَصُمّ الإنسان أذنيه عن مثل هذه الأمور.

(عبداً من عبادنا) إكراماً له أنه من عبادنا. (آتيناه) الإيتاء غير الإعطاء لأن فيها رفق وتلطف ولين.

(آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما)) كلمة عند ولدن لما نأتي إلى المعجمات يقولون معناهما متقارب لكن هناك فرق دقيق في اللغة: لدن أقرب من عند. قد تستعمل (عند) للشيء البعيد: يقال عندي مال والمال يسرح في البرية، لكن لا تقول: لدني إبل وإنما تقول عندي إبل. لدُنّي أقرب من عند وفيها قرب مكاني. مع الله تعالى فهو سبحانه يُنزّه في مسألة المكان لكن صورة القرب. قرب (عند) غير قرب (لدن) لذلك قال موسى u (قد بلغت من لدني عذرا) أي من أعماقي. لم يقل من عندي لأن لدن أقرب. (رحمة من عندنا) الرحمة واسعة ممدودة فاستعمل لها (عند). الغيب خاص بالله سبحانه وتعالى (من لدنا علما) لأنه علم الغيب والغيب لدنه سبحانه وتعالى. الغيب لدنه ولا يقال عنده. في غير القرآن يمكن أن نقول (من عندنا علما) لكن كلمات القرآن الكريم غير. أما الرحمة شاملة واسعة ولو عكس لا يستقيم المعنى لأن الرحمة ليست خاصة بالخِضْر وإنما هي عامة: موسى يدخل فيها وغيره من البشر يدخل فيها. أما علم الغيب فخاصٌ بالخِضْر أوحاه الله سبحانه وتعالى إليه وهو علّمه سبحانه وتعالى  ولم يكن علمه.

(تتمة الإجابة في الحلقة 39 على هذا الرابط)

بُثّت الحلقة بتاريخ 27/4/2006م


الحلقة 39

تتمة الكلام عن اللمسات البيانية في آيات سورة الكهف في قصة موسى u مع الرجل الصالح أو الخِضر: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (60) فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (61) فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آَتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (62) قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (63) قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آَثَارِهِمَا قَصَصًا (64) فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (65) قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (67) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (68) قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (69) قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (70) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (71) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (72) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (73) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (74) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (75) قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (76) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (77) قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (78))

تلخيص لما ورد في الحلقة السابقة:

وقفنا عند جملة مسائل في قوله تعالى (وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا). كلمة لا أبرح: أفعل كذا إشارة إلى التصميم ( لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا) حقباً أي أوقاتاً أو دهوراً أو زماناً مفتوح. قلنا هذا حتى يُعلِم الفتى بما ينتظره حتى لا يُغش أنه المكان قريب وتأتي معي. لا، وإنما هناك مرحلة طويلة سأسلكها، فيه نوع من التخيير إن شئت أن تمضي معي وإن شئت فلا. ثم إستعمال كلمة فتاه وهذا اللطف مع التابع الذي يتبعه وذكرنا حديث الرسول r: لا يقول أحدكم عبدي وعبدتي وإنما يقول فتاي وفتاتي. (فلما بلغا مجمع بينِهما) وقفنا عند كلمة بينِهما ولماذا قال بينِهما وما قال بينَهما؟ أضاف إلى البين لأن قلنا أن البين هو المسافة أو المساحة بين الشيئين. لكن هذه المساحة تابعة لكلا البحرين لأن يكون هناك إختلاط بين مياه البحرين، فهو بينٌ لهذا وبينٌ لهذا فجمعه بكلمة بينِهما. (نسيا حوتهما) النسيان نوعان: نسيان موسى u شيء ونسيان الفتى شيء آخر له معنى آخر. (فاتخذ سبيله في البحر سربا) السرب هو نوع من النفق في الماء. (فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غذاءنا) ذكرنا أن الغداء هو الطعام الذي قبل شروق الشمس بين الفجر وشروق الشمس. وهذا معناه أن موسى u وفتاه ناما عند الصخرة، كم ناما؟ ساعة أو نصف الليل أو أكثر الليل ثم مشيا إلى أن طلع الفجر وبعد الفجر أحس بالجوع فطلب الطعام. (قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت) نسب النسيان لنفسه نوع من الأدب لأن موسى u أيضاً نسيه. لم يقل الفتى: أنت تسألني عنه لأن الموعد عند ذهاب الحوت في الماء ونحن نمنا عند الماء فكان تسألني، لكن نسبه لنفسه نوع من التأدب. (وما أنسانيهُ إلا الشيطان) الأصل في الضمير أن يكون مبنياً على الضم وجاء على الأصل وهي قراءة مجموعة من القبائل العربية التي أبقته  ومنها لغة قريش أنها تبقيه. هذه رواية وحيدة والثانية عن شعبة عن عاصم (أنسانيهِ) وبيّنا أن هؤلاء الذين رويت عنهم هذه الروايات أقرّها الرسول r أو قرأ بها إقراره بإذن ربه لغرض لبيان الثقل لأن الضمة ثقيلة والأمر ثقيل أن ينسى فكان هناك نوع من المناسبة بين ثقل الضمة وثقل الحدث الذي نُسي. كيف ينسى هذا الحدث؟. إلى أن قال (ذلك ما كنا نبغِ) ذكرنا أن الكسرة للسرعة وحذف الياء للسرعة وهي قراءة لعدد من القراء. عندنا من القرّاء من أشبع الكسرة فصارت ياء لأن الكسرة إذا مددت بها الصوت علماؤنا يقولون ينشأ من بعدها الياء المدّية (الدرس الحديث يقول: هي تصبح ياء تتحول من حركة إلى حركة طويلة أو حرف طويل). عندنا ثلاثة من القرّاء السبعة قرأوا بالياء في الوصل إذا وصلوا قرأوا بالياء (نبغي فارتدا) وإبن كثير وصلاً ووقفاً وهو قارئ مكة. (فوجدا عبداً من عبادنا) ذكرنا أن كلمة عبد لها جموع كثيرة ومن جموعها عبيد وعباد ويستويان في الإستعمال. هذه الجموع الكثيرة في الغالب تكون من لهجات تجمعت في الإستعمال لكن قلنا الناس كأنما خصصوا وهذا ليس من صلب اللغة وإنما من الإستعمال. كأنما خصصوا كلمة عباد لعباد الله وعبيد للمملوكين في الدنيا. فجاءت كلمة عبداً من عبادنا حتى ترسم هذه الصورة هنا أنه هو عبد لله. (آتيناه رحمة من عندنا) آتي وأعطى متقاربة في المعنى لكن العين أقرب من الهمزة التي آلت إلى ألف في آتى أصلها أأتى مثل أأدم صارت آدم يقولون نقلت الحركة إلى الهمزة التي قبلها وحُذِفت أو قُلِبت ألفاً ولكنها في الحقيقة أسقطت الهمزة ومدّ الصوت بالحركة التي قبلها فصارت ألفاً. (آتيناه رحمة من عندنا) كلمة (عند) تشير إلى المكان القريب و(لدن) تشير إلى المكان الأقرب عند العرب. وكان يمكن في غير القرآن أن تستعمل عند ولدن الواحدة مكان الأخرى. والفرق في مسافة القرب من المتكلم بين عند ولدن. عندما نتكلم عن الله سبحانه وتعالى تكون مسألة القرب معنوية. (رحمة من عندنا) الرحمة واسعة تمتد ولا تكون خاصة به أما علم الغيب فهو من لدنا لأنه خاص بالله سبحانه وتعالى.

هل ذهب الفتى مع موسى u في الرحلة؟ لم يذكر إن كان الفتى ذهب مع موسى u والخِضر لأن صار الكلام بالمثنى (فانطلقا، فذهبا) ولم يقل فانطلقوا، معناه أنه إلى هذا الحد فتى موسى u لم يعد معه وموسى u صار كأنما هو فتى لهذا الرجل وهو التابع. لم يُذكر الفتى، من هنا تبدأ الآيات تُغفِل ذكره وصار لما يُتحدث عن هؤلاء الناس الذين ذهبوا في السفينة يتحدث بالمثنى.

(إنك لن تستطيع معيَ صبرا) ما اللمسة البيانية في النفي القطعي (لن تستطيع)  في الآية وفي (معيََ)؟

(قال له موسى هل أتبعك على أن تعلّمن مما علمت رشدا): هو يعلم أن له موعداً مع هذا الرجل وأنه سيكون معه وسيتعلم منه لكن مع ذلك لم يقل له أنا عندي علم إني سأرافقك وهذا نوع من أدب التعلّم. (هل أتبعك) جعل من نفسه إبتداءً تابعاً بشرط أني أتّبعك وأخدمك حتى أتعلم وهذا التعلم هو الذي سار عليه سلفنا الصالح. هنا يحضرني ما وقع لإبن جنّي مع شيخه أبي علي الفارسي: إبن جنّي كان شاباً متضلعاً من علم النحو وكان في الموصل وجلس للتدريس في الموصل. أبو علي الفارسي كان مارّاً فوجد شاباً صغيراً على منبر يفتي في النحو ويتكلم في مسائل شديدة التعقيد في النحو ويحلّلها وتوجهت إليه أسئلة وهو سأله في النحو فوجده بحراً، فسأله مسألة في الصرف (كيف تبني من كذا على مثال كذا) فقصّر فيها إبن جِنّي وصار يخلط لأن هذا غير هذا. فقال له أبو علي الفارسي كلمة صارت مثلاً: قال يا هذا زبّبت وأنت حِصرم؟ (أي تريد أن تجعل من نفسك زبيباً وهو العنب الجاف وأنت حصرم في بداية نشأة العنب يكون حامضاً)  يعني هذا مكان التدريس لا يأتيه الإنسان هكذا صغيراً. فسأل عنه إبن جِنّي : قال من هذا؟ قيل: أبو علي الفارسي فلزمه يخدمه وتقول الروايات لزمه أربعين سنة ولم يتصدر للتدريس إلا بعد وفاة شيخه. هذه المتابعة في التعلّم. فكم من الحِصرم نرى في حياتنا اليوم المتزببين؟ ينبغي أن يكون لدينا أدب التلمذة وأدب التعلّم. المفروض أن ننظر إلى شيوخنا في كل علم من العلوم.

(هل أتبعك): هذا السؤال المؤدب، يريد إذناً منه بالإتّباع مع أنه يعرف أنه سيتبعه ويكون معه وهذا أدب التعلم في الإسلام. (على أن تعلمنِ) هذا الذي أريده لنفسي وإشترطه لنفسي، إذن موسى u يعلم أن هذا الرجل معلَّم قد عُلِّم شيئاً لم يعلمه موسى u فأريد أن أتعلم ما ُعِّلمت. (أن تعلمنِ مما علمت رشدا) ما يؤدي بي إلى الرشاد وقدّم الجار والمجرور للإهتمام به. في غير القرآن يمكن أن نقول: أن تعلمنِ رشداً مما علمت لأن الجار والمجرور يتأخر. لكن قدّمه في الآية للعناية بهذا الذي عُلِّمه لأنه حريص على العلم ويعلم أنه سيكون رشداً. هنا كلمة (تعلمنِ) هذه قراءة وعندنا قراءات أخرى (تعلمني) بالإشباع. نسأل أيضاً لمَ إختلس وقال: تعلمنِ؟  ولم يقل تعلمني؟ حتى يعطي صورة لمحاولة تضاؤل التلميذ أمام شيخه فما قال تعلمني أنا. أنا تلميذ (تعلمن) صغيرة. قابل هذا الأدب أدب من الشيخ، من المعلِّم في قوله تعالى (معيَ صبرا) ما قال  معي بالمدّ في هذه الواية لأنه وجده مهذباً مؤدباً يصغّر من نفسه فتواضع معه أيضاً. فضمير المتكلم هنا جاء مقتضباً لأن (معي) فيها مدّ، الياء مدية أما (معيَ) الياء ليست مدّية وإنما قيمتها قيمة حرف صامت ولذلك تحملت الحركة (معيَ) مثل الباء واللام والكاف ومثل أي حرف فليس فيه ذاك المدّ. فهو إذن ناسب (تعلمنِ) (معيَ). هم يقولون الفتحة لتخفيف المدّ بدل أن يمدّ يخفف مدتها هكذا فيقول: معيَ. والقبائل تتصرف بما يناسب المعنى والصوت. لاحظ في إضافة المنادى لغير المنادى الصحيح (ألفية إبن مالك):

واجعل منادى صحَّ إن يُضف لِيا                     كعبدِ عبدي عبدَ عبدا عبديا

بدل أن يقول هذا عبدي بالياء يمكن أن يختلسها. هذه القبائل التي إختلست (عبدِ، ربِ) أي يقول  يا عبدي يا ربي وهذا موجود والقرآن جاء بلسان القبائل تيسيراً من الله سبحانه وتعالى على هذه الأمة بدعاء رحمة الأمة r دعا ربه وطلب أن يخفف عن أمته فلا يلزمهم بحرف واحد. وجاء هذا البيان من القبائل.

من أين علِم الخِضر أن موسى u لن يستطيع صبرا بحيث قال له (إنك لن تستطيع معيَ صبرا)؟

موسى u من أهل هذه الدنيا وصاحب شريعة، صاحب نظام حياة لزمانه فهو يعامل الأمور على ظاهرها وعندنا: إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان. نحكم على الناس بالظاهر ولا نقول هذا دخيلته كذا "هلاّ شققت عن قلبه" للذي قتله الصحابي وهو يقول أشهد أن لا إله إلا الله. تقبلها منه كما هي إلا إذا تصرف تحاسبه على تصرفه. فموسى u يعلم الظاهر والخِضر أُعطي في هذه الجزئيات علم الغيب لذلك قال (من لدني) من لدن الله عز وجل مما هو أقرب من كلمة (عند) العامة. فلا يمكن أن يصبر موسى u على شيء مخالف للشريعة فيما يراه لأنه في الظاهر مخالفات شرعية فكيف يسكت؟ ولذلك كان الخضر مطمئناً أن موسى u لن يصبر ولا سيما أن طبيعة موسى  u فيها شيء من الإنفعال. فرق عظيم بيت الرسل، بين رسول ورسول: محمد r يُضرب بالحجارة ويقول: اللهم إهد قومي"، موسى u شديد عنده نوع من الشدة: رجل من شيعته (فوكزه موسى فقضى عليه) بلكمة قضى عليه، وثم مرة ثانية أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما (لن أكون ظهيراً للمجرمين). لذلك سنجد أن عجلة موسى وشدته سنجدها في قوله تعالى (إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني) سددت على نفسك المنافذ.

(لن تستطيع معيَ صبرا): العلم الذي عند موسى u هو علم ظواهر الأشياء والعلم الذي عند هذا الرجل الصالح الذي ورد إسمه في الحديث الخِضر هو علم الغيب ولا موسى ولا غيره يملك شيئاً من علم الغيب إلا إذا علّمه الله عز وجل ذلك. (ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء) إذن ما كان الرسول r يعلم الغيب إلا بمقدار ما يعلّمه الله عز وجل. فمن هنا جاءت ثقة الخِضر أن موسى  لن يستطيع معه صبرا. والخضر يعلم أمه هذا نبي الله موسى u لأنه قيل له ذلك وعلم من سيقابل وكيف سيكون معه؟ إنسان من هذه الأرض وهو ملتزم بالشريعة لا يمكن أن يسكت على هذا الذي فعله الخضر، أي شخص ملتزم يقول ماذا فعل؟  موسى u نُبِّه ولذا نقول عنده نوع من الإستعجال في تصرفه فقال له (إنك لن تستطيع معيَ صبرا) وبيّن له (وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا) شيء لا تعلمه لا تعلم بواطنه، أنت تجده في الظاهر مخالفاً لشريعتك، وشريعتك تأمرك بإنكار المنكر لا تسكت عليه. (وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا) مع ذلك لأن في موضع معاهدة قال: (ستجدني) ذكر الياء كاملة لأنه موطن معاهدة وينبغي أن يُظهر بشخصيته الكاملة (ستجدني إن شاء الله صابراً) علّق الأمر على المشيئة، (ولا أعصي لك أمرا) أيضاً مجال عهد أنه سأكون تابعاً لك كأي تابع.

(فإن إتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا): إشترط عليه شرطاً: أنت تريد أن تتبعني (فلا تسألني) لاحظ المناسبة: لم يقل فإن إتيعتنيَ فلا تسألنيَ ما إختصر لأن موسى لم يختصر في هذا المكان لأن المكان مكان معاهدة وفي المعاهدة كل شخص يكون بكيانه.(فإن اتبعتني فلا تسأني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا).

ما الفرق بين الإمر والنُكر؟

(فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (71)) ( فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (74)) كلمة إمراً يعني شيئاً شديداً. جئت أمراً شديداً يأمر الناس بعضهم بعضاً بعدمه، بتجنّبه لأنه مما يأمر الناس بعضهم بعضاً بتجنبه. ومما يأمر الناس بعصهم بعضاً أنه من أحسن إليك لا تسيء إليه ولا تعرّض الآخرين للخطر. هذا شيء يأمر بعضنا بعضاً به. وفِعلك هذا شيء شديد. لكن في (نُكرا) يعني منكر عظيم. العمل يختلف، قد يقول قائل إغراق مَنْ في السفينة أكثر من قتل نفس لكن الإغراق غير متحقق لأنه قال (أخرقتها لتغرق أهلها) هذه اللام هنا لام العاقبة أو لام النتيجة كما قال تعالى (فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزنا) هم ما التقطوه لهذه الغاية لكن نتيجة إلتقاطه سيكون كذا وكذا. هذه اللام يسموها لام العاقبة أو لام النتيجة: العبد الصالح لم يخرق السفينة ليغرق أهلها ولكنه تصور موسى u أنه خرقها وسينجم عن خرقها إغراق أهلها. إضافة إلى ذلك يبدو أن السفينة لم تكن في عرض البحر ولم تكن قد سارت بدليل: (حتى إذا ركبا في السفينة خرقها) ولم تكن في عرض البحر، هم بمجرد ركوبهم خرقها.

هناك سؤال طُرِح سابقاً أنه لماذا موسى u هو الوحيد الذي يعترض؟ هو يقيناً كان بحيث لا يراه أحد لأنه لو أراد أن يخرق السفينة لأخذوا على يديه. ربما هو نزل وحده إلى الأسفل وبدأ يخرق فلم يره إلا موسى u فالسفينة ما زالت في طريقها ولذلك في الحديث أنه جاء عصفور وقف على حافتها أو حرف السفينة فنقر نقرة من الماء. معناه أنه قريب من الشاطئ، من ساحل النهر والنهر حلو لأنه لا يمكن أن ينقر العصفور من ماء البحر المالح.

(إمرا): أنت عرّضت أهلها للخطر. ما غرق أحد بينما هناك وقع القتل فعلاً. لذلك إيقاع القتل جريمة كبيرة بينما هنا إفساد سفينة أو تخريب سفينة تُعرّض الركاب للخطر لكن لم يصبهم شيء. فقطعاً رأى الناس يتسابقون للخروج من السفينة لما بدأ الماء يدخل وبدأ الناس يقولون بدأت السفينة تغرق.

الإمر الشيء العظيم الذي يأمر الناس بعضهم بعضاً بعدم فعله، بينما النُكر ما هو شيء منكر عظيم شيء تنكره الفطرة والشرائع ولذها جاء مع القتل.

سؤال: (قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (72) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (75) قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (78)) هذا الترتيب الطبيعي. أول مرة يكون فيها خلاف في البداية لم يكن هناك خلاف من قبل (وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (68)) هذه واحدة مما لم يحط به خبرا أنت ما عندك علم بها : أنا قلت لن تستطيع معي صبرا. نفس الجملة قلتها لكن لم يقل (قلت لك) لأن في البداية كأنه يريد أن يذكّره، نوع من العتاب البسيط لأنها أول حالة ما واجهه الخضر وإنما قال (ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا) فقال موسى u (قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (73)) الإرهاق هو أن تحمّل الإنسان فوق ما يطيق, والعسر هو ضد اليسر.

في المرة الثانية قال (ألم أقل لك) صارت أشدّ. أنا كان كلامي معك  وليس مع غيرك.

في المرة الثالثة قال (هذا فراق بيني وبينك) فصار الترتيب طبيعياً في البداية (ألم أقل) ألم يصدر مني هذا الكلام؟، في المرة الثانية الكلام صدر لك مباشرة (ألم أقل لك) وفي المرة الثالثة إنتهى الأمر.

موسى u هو أعطى على  نفسه هذا الأمر عندما قال (إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني) فهنا لا تؤاخذني بما نسيت كان فعلاً  نسيان أو غفلة.

(فانطلقا حتى إذا لقيا غلاماً فقتله) كلمة غلام في العربية يقصد بها جنس الذكر من المولودين يسمونه غلاماً وليس الفتاة. من ولادته يسمى غلاماً والبنت تسمى بنتاً. من ولادته إذا وُلِد يقال وُلِد له غلام فيها نوع من التفاؤل. الغلام هو الذي يغتلم يعني يصل إلى سنٍّ يشتهي الأنثى فيبدأ يحس بحاجة إلى الجنس الآخر ويبلغ سن الرشد فكأنما عندما يولد طبيعة الإنسان يحب الذكور أكثر من الإناث من القديم لأن الذكر يشتغل معه ويحارب (أفمن يُنشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين) كالذي يقاتل ويأتي بالرزق وغيره، لكن الإسلام خاطب الرجل كما خاطب المرأة ورفع من شأنها كثيراً.

كم كان سِنُّ هذا الغلام؟ لم تحدده لنا السورة. غلام في اللغة منذ أن يولد إلى أن يراهق، إلى أن يبدأ يشعر بحاجته للمرأة. والصبي خلال ذلك. الصبي هو أيضاً الذي يصبو إلى الجنس الآخر. لأن الغُلمة كما يقولون هي شدة الشوق إلى الجنس الآخر فالصبي أدنى منه قليلاً. كم عمره؟ لا يُعلم. لكن من خلال الجو العام للقصة يبدو أنه كان يرهق أبويه يؤذيهما والذي يُرهِق أبويه طغياناً وكفراً ويُخشى أن يستمر في هذا لا شك أنه كان بالغاً أو كان قريباً من مرحلة البلوغ. هذا من خلال الجو العام (فخشينا أن يرهقهما طغياناً وكفرا) يعني أن يزيد في هذا. هناك خشية من أين علمها؟ لا شك أن بعض ما أُعلمِ به من تصرفه، لها دلائل. وسنأتي لذكر رأي في مسألة خشينا، من الذي كان يخشى؟ وأردنا؟ البعض يقول : إشتراك الخضر مع الأبوين في الخشية والإرادة.

(حتى إذا لقيا غلاماً فقتله) السؤال: هل كان بإمكان موسى u أن يسكت؟هو أُريد له أن يُعلَّم أن علمه علم شريعة ظاهر، هناك مساحة، هذه المساحة التي تكلمنا عليها قلنا هناك مساحة  فيما إختص الله عز وجل بعلمه حتى فيما ورد في بعض الأمور في القرآن في علمه.  المعنى اللغوي والمعنى المفهوم وما في القرآن آية إلا وهي مفهومة، لكن ما وراءها. وسنأتي للكلام عن التأويل لاحقاً.

(قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا) شيء عظيم ومن النظر في هذه العَظَمة سنجد بعض الآراء ولعل الذي نميل إليه أن الخضر لما أراد أن يحكي هذه القضية لأنها قضية عظيمة عظّم نفسه قال: (خشينا) بالتعظيم لأنها مسألة عظيمة. هنا قال موسى u (إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني) والرسول r قال: رحِم الله موسى لو صبر لتعلّمنا منه الكثير من هذه الأمور. فموسى u قطع على نفسه الطريق وكان في عجلة (وعجلت إليك رب لترضى).

(فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا) لدني: كأن هذا الذي في قلبي أنت وصلت إليه ولذا لم يقل (بلغت من عندي). وصلت إلى هذا الموضع بحيث لا مجال فيه للإجتهاد بعد ذلك.

(فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية إستطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما): بعض الإستعمال يقول: إستضاف، إستضافه، إستضافه بمعنى طلب منه أن يضيّفه وليس كما نستعملها الآن مقلوبة. أنا أستضيفك يعني أطلب منك أن تجعلني ضيفاً لأن الهمزة والسين والتاء فيها معنى الطلب. قال: إستطعما أي طلبا الطعام لأن كلمة إستطعما طلبا الطعام تحتمل أمرين: تحتمل ضيافة وتحتمل شراءً. قالت الآية (فأبوا أن يضيفوهما) إذن كان الإستطعام ضيافة، المفروض أن يضيفوهما كما كان يصنع العرب قديماً ًبل بعضهم لا يُحسن لأن يأكل إلا ومعه شخص حتى يخرج من داره وأول مارّ يقول له تعال نأكل لأنه لا يُحسن أن يأكل لوحده، وبعضهم كان يرقد ناراً في الصحراء حتى يراها الأضياف. (فأبوا أن يضيفوهما) كانوا بخلاء وللتشهير بهم وإظهارهم هؤلاء البخلاء. لم يقل القرآن (هذه القرية) أو حددها؟ الأشياء التي ليس فيها نفع لا يذكرها القرآن. ليست هناك بلدة يقال عنها أن أهلها بخلاء وإنما هناك أفراد في كل بلدة بخلاء وفيها كِرام وهذا يأتي من المنافسة بين المدن.

كان يمكن في غير القرآن أن يقول (إستطعماهم) هذه ثقيلة. يعني إستطعما أهل القرية، فهذا الثقل أولاً لضمير المثنى والجمع يلتقيان في مكان واحد مع الهمزة والسين والتاء المزيدة يعني الكلمة تكون طويلة فيها ثقل ولفظ القرآن يحرص على الخِفّة إلا إ