برنامج لمسات بيانية
إجابات الدكتور حسام النعيمي على أسئلة المشاهدين
تتمة اللمسات البيانية في قصة موسى u مع الخِضر في سورة الكهف:
(قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (78)) نحن بدأنا في الحلقة الماضية من بداية موسى u مع الخِضر أو الرجل الصالح. وهذا الإسم الخِضر ورد في الحديث الصحيح عن رسول الله r فيمكن أن نقول الرجل الصالح ويمكن أن نذكر إسمه وهذا لا يقدم ولا يؤخر من صلب الموضوع.
وصلنا للإعتراض الثالث الذي نجم عنه أن قال (هذا فراق بيني وبينك) وبيّنا لم قال: بيني وبينِك ولم يقل بيني وبينَك. وقفنا عند (سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا) كان يستطيع أن يقول هذا فراق بيني وبينك ويذهب وتنتهي القصة. لكن أراد أن يبين لموسى u هذه التصرفات التي تصرفها ولم يسكت عليها موسى u لأنه لم يكن يملك أن يسكت عليها. لأن موسى u يتعامل مع ظاهر أحكام الشرع وهذه الأمور غيبية لا يعلمها فأراد أن يظهر له هذا الغيب. لذلك نقول كلمة التأويل لها معنيان: الأول بمعنى التبيين أو البيان والتفسير كأن يفسّر قوله (سأنبئك بما لم تستطع عليه صبرا) أي هذا السؤال الذي سألته تسبب في أن يفارق بعضنا بعضاً نشرحه ونبيّنه ونفسّره، هذا التبيين والتفسير. والثاني: التأويل هو بيان حقيقة الشيء وبيان ماهيّته. هنا المراد بالتأويل بيان الحقيقة، (سأنبئك بتأويله) أي بيان حقيقة ما لم تستطع عليه صبرا. (وما يعلم تأويله إلا الله) أي وما يعلم حقيقة أمره إلا الله سبحانه وتعالى، والراسخون في العلم يقولون كل من عند ربنا كما قلنا في وقته أوصاف الجنة على الحقيقة: فيها نخل ورمان لكن أيُّ نخل وأيُّ رمان؟ ما حقيقتهما؟ الحور العين، ما حقيقتهن؟ نحن نأخذ الحور العين نساء لكن ما حقيقة هؤلاء النساء؟ ما حقيقة هذا النعيم؟ هذا مما إستأثر الله عز وجل بعلمه، فما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به. التأويل معرفة حقيقة بواطن الأمور التي هي مما إختص الله تعالى بعلمه وإلا لو علمه موسى u ما إعترض إبتداء. فإذن كونه إعترض فهم لم يعلمه مع أنه نبي وهو أشرف الناس في زمانه.
(سأنبّئك) بالتشديد لأن فيه توضيح ولم يقل (أُُْنبئك) لأن الإنباء للشيء الموجز المختصر. (ما لم تستطع) جاء بالفعل كاملاً لأنه مقبل على إيضاح وإعلان وشرح وعلى كمال، شيء كامل
(أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (79)):
(أما السفينة) بدأ من أول الأحداث. (أما) حرف تفصيل، تقول حدثت أمور أما الأمر الفلاني فكذا وأما كذا فكذا. وما بعدها مبتدأ وخبر (السفينة: مبتدأ وكانت خبر للمبتدأ). (لمساكين) كلمة مساكين دخلت عليها لام المِلك. السفينة لهم، كانوا يملكونها ومن هنا حاول بعض العلماء أن يفرّق بين الفقراء والمساكين. يمكن للمسكين أن يكون مالكاً لشيء لكن هذا المِلك لا يسد كل حاجته فيستحق من مال الله، من الزكاة (إنما الصدقات للفقراء والمساكين). أما الفقير فلا يملك شيئاً، قد يكون عنده قوت يومه لكنه لا يملك مجال عمل ولا يملك شيئاً أصلاً فيقال هو فقير. نحن إن شاء الله أعنياء بفضل الله تبارك وتعالى. الغني هو الذي لا يحس بحاجة ونحن بحمد الله أغنياء لا نحس بالحاجة لشيء والفضل لله تعالى من قبل وبعد. قد يكون لأحدهم مال كثير ولكنه يتضور إذا رأى غيره عنده شيء لا يملكه هو فيشعر بالفقر. لأن الغنى غنى النفس.
(لمساكينََ) قد يسأل البعض أن مساكين جاءت بعد حرف الجر اللام فكان يجب أن تكون مجرورة ولكنها في الآية مفتوحة وذلك لأن مساكين ممنوع من الصرف لأنها على صيغة منتهى الجموع فيُجرّ بالفتحة نيابة عن الكسرة.
(يعملون في البحر) على سفينتهم. (فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غضبا) فأردت: هنا الإرادة نسبها لنفسه ونسبها لنفسه بصيغة الإفراد، ما قال: فأردنا أن نعيبها لأن فيها معنى العيب: إنسان يصنع شيئاً فيه عيب لا يفخّم نفسه. ما فعله بوحي من ربه وهو بعد ذلك سيقول (ما فعلته عن أمري). لكن سياق الأحداث: أن يخلع لوحاً من سفينة ويحدث عيباً فلما أحدث عيباً لا يتناسب العيب مع التفخيم لأنه مجرد رفع لوح العيب يعمله أي عامل يأتي بفأس وينزع خشباً أو لوحاً من السفينة لا مجال لتعظيم نفسه ولا تصح نسبة العيب لله سبحانه وتعالى يقيناً، لا يكون لأنه على لسان الجنّ لما قال: (وأنا لا ندري أشرٌ أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا) لما ذكر الرشد نسبه إلى الله تعالى ولما ذكر الشر نُسِب للمجهول. القدر كله خيره وشره من الله تعالى. هذا الأدب الذي ينبغي أن يتعلمه الناس مع الله سبحانه وتعالى أن يكون في غاية الأدب عندما يذكر ربه جلّت قدرته وحينما ينسب إليه الأشياء. وحتى في اللفظ يتأدب مع الله سبحانه وتعالى. إبراهيم u قال (وإذا مرضت فهو يشفين) لم يقل وإذا أمرضني نسب هذه العِلّة لنفسه أنه هو تسبب بمرضه وهو سبحانه يشفيه. نسب لنفسه هذا الفعل على سبيل الإفراد (فأردت) لأن فيها كلمة العيب (أن أعيبها) لا يتلاءم مع التعظيم.
(وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غضبا): طبيعة السياق أن يقول وكان أمامهم ملك، لكن لو تخيلنا السفينة وهي واقفة والذي نذهب إليه أن موسى u والخِضر صعدا إلى السفينة وبمجرد صعودهما خرقها من دون إطالة وقت. معنى ذلك أمامهم البرّ، لأن السفينة لما تقف على الشاطيء أمام الركاب الذين فيها يقفون ينظرون إلى الساحل يودعون الناس فأمامهم البرّ. كلمة وراء في لغة العرب أحياناً تستعمل لما ينتظرك. تقول للإنسان وراءك عمل كثير. ليس بمعنى خلف ظهرك وإنما ينتظرك عمل كثير حتى في العامية نستعملها. ورائي لا تعني خلف ظهري وإنما ينتظرني ولذلك قال تعالى (ومن ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد) لا يعني وراء ظهره وإنما تنتظره جهنم والعياذ بالله. (ومن ورائهم عذاب غليظ) (من ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون) هذا من إستعمال العرب ونحن الآن نستعمله.
(يأخذ كل سفينة غصبا): يأخذها غاصباً يأخذها عنوة حتى من غير مقابل لأنه قيل أن الملك داخل معركة ويجهز جيشه فتأخير السفينة لغرض أن يمشي هذا الملك بمن معه من أسطول للمعركة فينجو هؤلاء المساكين بسفينتهم. ليس المعنى أنه لم يكن يأخذ السفينة المعيبة ولكن تعني أنها لا تصل إليه. ما من سفينة إلا ويحدث فيها عيب وتعالج وهو خرق لوح لا يؤدي إلى دمار السفينة، سيدخل فيها الماء لكن تحتاج لوقت تُسحب السفينة إلى الشاطيء والغرض من خرق السفينة التأخير. أردت أن أعيبها، لماذا أردت هذا الأمر؟ لأن وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا فالعيب يؤخرها، كيف تُصلح السفينة؟ تُسحب إلى الشاطيء، تُفرّغ من الماء، ويعود اللوح إلى مكانه ويُطلى بالقار وترجع السفينة إلى ما كانت عليه ولا تبقى معيبة لأن هذا إضرار بالمساكين. غاية ما في الأمر تأخير هؤلاء المساكين عن وصولهم إلى الملك الذي كانيدخل حرباً وفعلاً حصل تأخير، سُحِبت السفينة وفُرِّغت من الماء وأعيد اللوح إلى مكانه وطُلي كأي ضرر يصيب أي سفينة وتعود. إذن الغرض من عيب السفينة التأخير.
(فأردت أن أعيبها) باستعمال المصدر المؤول ولم يقل فأردت عيبها لأنها تعني طلبت عيبها أو فتشت عن عيب فيها فلا يستوي هنا. فلا بد أن يقول (فأردت أن أعيبها) حتى ينسب العيب إلى نفسه مع الإرادة بهذه الصيغة صيغة المصدر المؤول. الصيغة (وأما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا) بهذا الترتيب لا شك أن الخِضر لم يقل هذه الكلمات حرفياً. هذا البناء هو البناء السليم لأن الذي في ذهن موسى u بالترتيب: مشكلة السفينة، هذه المشكلة يجب أن تعالج أولاً فقال له: أما السفينة، وأما الغلام، وأما الجدار لأنها ركائز القصة. كل قصة لها محور تدور حوله. هنا المحور السفينة، هناك المحور الغلام وهناك المحور الجدار. فلا بد أن يبدأ هكذا بمحور القصة: أما السفينة، وأما الغلام فكذا، وأما الجدار فكذا. ثم بنى عليه بعد ذلك: أما السفينة فكانت لمساكين، قدّم تمهيداً لفعله لا يبدأ فأردت. ثم يبقى السؤال: لِمَ؟ السفينة كانت لمساكين فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا، تمّت الجملة هكذا. هذا البناء يكون بهذه الصيغة هو الذي إختاره القرآن الكريم. في غير القرآن يمكن أن يقول: أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا فأردت أن أعيبها، لكن الجملة تضعف لما تبتعد هكذا كأنك تحكي لي قصة لكن بيّن لي لماذا قمت بهذا العيب؟ وهذا الترتيب إلتزمه في المواطن الثلاثة: يذكر محور القصة ويدير حوله الحديث حتى يبيّن السبب كيف يأخذها؟ هو لا يستشيرهم وإنما بيّن السبب وإنما يأخذها في حال إغتصاب، غاصباً. إستعمل المصدر (غصبا) كان يمكن أن يقول غاصباً أهلها لكن المصدر في اللغة أقوى من المشتق لأنها كلها تؤخذ منه. المشتق هم إسم الفاعل، إسم المفعول أو غيره. كان يمكن في غير القرآن أن يقول غاصباً أهلها، لكن إستعمل المصدر قال: يأخذ كل سفينة غصباً كأنه يغصبهم غصباً على ذلك وهي فيها معنى الحال لكن فيها معنى التوكيد أيضاً. إستعمال المصدر هنا فيه معنى المصدر المشتق وفيه معنى التوكيد (غصبا) ما قال غاصباً. المصدر أقوى بلا شك كما في قوله تعالى (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين) لم يقل يهدي وإنما قال هدى للمتقين لأنه في كيانه هدى فالمصدر أقوى. والكلام الفعل مشتق من المصدر والدراسة الحديثة تقول الفعل هو الأصل لأنه يحدث فعل ويكون محتوياً على حدث وزمن. لكن المصريون يستدلون بإستدلالات عقلية ويبنون على بعض الجوانب اللغوية أن المصدر حتى أنهم يقولون من إسمه يصدر عنه، يقولون أنتم سميتموه مصدراً.
(وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (81)):
هناك قال: فأردت وهنا قال: فخشينا أن يرهقهما طغياناً وكفرا. قلنا الغلام يصلح من ولادته أن يسمى غلاماً إلى أن يغتلم أي يبدأ بطلب الجنس الآخر. فمن بدايته نوع من التفاؤل مثلما سمّت العرب فاطمة تفاؤلاً بأنها ستكبر وتلد وتُرضِع وتفطم، وسمّت عائشة بأنها ستعيش, والعرب تسمي الصحراء مفازا والملدوغ سليم. لكن هنا الغلام ما عندنا دليل تاريخي ثابت يبيّن في أي مرحلة من العمر كان إنما الأسلوب أو اللفظ الوارد هنا يوحي بأنه كان متقدماً في العمر ليس صغيراً والدليل: لما يقول (فخشينا أن يرهقهما طغياناً وكفرا) الإرهاق تحميل الإنسان فوق ما يطيق. طغياناً وكفراً: طغياناً حال كونه طاغياً وحال كونه كافراً فيرهقهما من طغيانه ومن كفره فهو لا يكون كافراً إلى أن يبلغ مرحلة السؤال. معنى ذلك أنه معذِّب لأبويه بكفره وطغيانه وهما مؤمنان. كما قال تعالى في مكان آخر (وهما يستغيثان الله ويلك آمن) والأب والأم دائماً يريدان لولدهما الخير. فإذن (فخشينا أن يرهقهما طغياناً وكفرا) معناه كان كبيراً وليس في مرحلة الطفولة الصغيرة جداً. الأبوين عادة لما يكون ولدهما بهذه الصورة يحرصان على إيمانه، على إسلامه وهو يعذّبهما، يحملهما فوق ما يطيقان عند ذلك يتجهان إلى الله سبحانه وتعالى أن يبدلهما خيراً منه: يدعون: اللهم أبدلني خيراً من هذا. هو لا يريد أن يذهب ولا يُعوّض وإنما يريد تعويضاً. ممكن هذا المعنى هو السبب في إستعمال الجمع (فخشينا أن يرهقهما) أي هو (الخِضر) والأبوين، يحتمل هذا المعنى: (فخشينا أن يرهقهما) كانا يخشيان ذلك ومن معهما المنفّذ الذي سينفّذ القتل (فأردنا) إرادة دعاء أنا وأبويه كأنما أطلعه الله عز وجل على ما كان يدعو به أبوا هذا الغلام، هذا وجه. والوجه الثاني نلاحظ في بداية القصة قال (ذلك ما كنا نبغِِ) من الذي كان يبغي ملاقاة الخضر؟ الذي كان يبغي ملاقاة الخِضر هو موسى u والفتى تابع ليس له بُغية إلا خدمة موسى u مع ذلك تكلم بالجمع عن نفسه وعن تابعه لأن التابع معه ملحق. هنا أيضاً يمكن أن يكون قوله (فخشينا) إدخال موسى u معه بإعتباره تابعاً هنا. تابع موسى u ما كان له شغل بهذا وإنما هو متابع له فيمكن أن تكون (فخشينا) أي أنا خشيت لكن أدخل معه موسى u لأنه تابع له، هذه واحدة ثم لأنه لم يأخذ على يده فيمنعه من القتل. موسى u إعترض بعد القتل. جاء رجل لشخص يقتله تكفّه وموسى u قوي (فوكزه موسى فقضى عليه) (فسقى لهما) وحمل الصخرة فكان يستطيع أن يمسك بالرجل لكن هو إنتظر لما ينهي الموضوع ثم قال لِمَ قتلته؟ (أقتلت نفساً بغير نفس) فكأنه أشركه معه. والحالة الثالثة التي أميل إليها أن القتل أمر عظيم فيحتاج إلى معظّم لنفسه أن يفعل هذا الفعل (فأردنا). قلنا هناك صغّر نفسه لأن فيه عيب (فأردت) القتل عيب لكن هنا هادف إلى شيء. والقتل فيه عيب لكن كلاهما يقصد إلى خير لكن قلع لوح مسألة صغيرة، تعريض ناس إلى خطر محتمل ضعيف لأنهم قريبون من الشاطئ وما زالت السفينة لم تتحرك لكن هذا قتل نفس وإنتظار ودعاء من الله سبحانه وتعالى أن يعوضهما خيراً منه فاستعمل صيغة المعظّم لنفسه (فخشينا): أنا تجرّات على القتل لم يقل أنا تجرأت على القتل ولكن قال نحن تجرأنا على التقل بتعظيم نفسه (فأردنا أن يبدلهما ربهما) عظّم نفسه لعظمة الحدث : قتل النفس لأن الرسول r يقول: "هدم الكعبة أهون على الله من قتل نفس بريئة" (من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً). هذا الفساد المحتمل (فخشينا أن يرهقهما طغياناً وكفرا) جعله الخِضر واقعاً وهو واقع لأنه تعالى أعلمه بشأن هذا الغلام وهذا في الغيب وأطلعه على غيب هذا الغلام. في القضايا الغيبية لا يطلع عليها أحد إلا من إرتضى من رسول يطلعه بما يحتاج إليه. أمر المؤمن كله له خير لا يدري الإنسان إذا تقدمت به السن، تقدم به العمر يتذكر أموراً كثيرة وأنا أذكر في مرات عديدة يداخلني شيء في نفسي لواقعة أنا أقول الحمد لله فيها خير لكن في نفسي أقول ليس فيها خير، ثم تمضي الأيام وثبت لي باليقين أنه كان الخير في ما وقع ولذلك ينبغي على الإنسان أن يُحسن ثقته بالله سبحانه وتعالى. لو قلت لرجل يحمل في بطنه العذرة وكلنا ذلك الرجل لكن إنسان نبيل تقول له يا فلان ناصيتي بيدك قدني إلى حيث تشاء هل يقودك إلى شر؟ فكيف بك إذا قلت لرب العالمين: اللهم أنت ربي ناصيتي بيدك. ماذا يختار لك؟ لا شك كل الخير. فما تراه أحياناً من غير الخير من موت ولد، من قطع رزق أحياناً، من أذى بدني، من أذى نفسي، سِفلة الخلق يوجهون لك إهانة أحياناً كل هذا أذى نفسي، هذا من الخير لأن الله سبحانه وتعالى حاشاه أن يختار لعبده المتوكل عليه ما هو غير خير.
سؤال: ورد سؤال خلال الحلقة من أحد المشاهدين حول (فأردت، فأردنا، فأرد ربك) بما أن العيب شخصي فقال فأردت أما فخشينا فالأبوين مؤمنين والإبن عاقّ فنسب الفعل له ولله تعالى لأن فيه جزء شخصي وهو القتل وجزء غيبي لله تعالى أما الجدار فالأبوين صالحان والولدين صالحين فنسب الأمر إلى الله تعالى. وقال معنى فخشينا و فأردنا أنه يقصد به الله تعالى والخِضر ويجيب الدكتور حسام النعيمي:
جمهور المفسرين يقولون هذا الكلام الذي تفضل به بعض الإخوة. أنه (فأردت) نسبه الخِضر لنفسه لما فيه من العيب. (فأراد ربك) نسبه لما هو خاصٌ بالله سبحانه وتعالى، (فأردنا) نسبه لله تعالى وللخِضر. لكن يمكن أن تجمع نفسك مع الله تعالى مهما كان الأمر. لا تقول أردنا أنا ورب العزة لأن الرسول r لما قال له أحدهم: ما شاء الله وشئت ما قال له ما شئتما أنت والله وإنما ما شاء الله وشئت، فصله. فقال r : أجعلتني لله ندّاً؟ قُل ما شاء الله ثم شئت. إجعل الفاصل طويلاً (ثم) وليس بالواو. فكيف نرتضي أن يقال: فخشينا أنا والله، فأردنا أنا والله؟ هذا الكلام غير مقبول حتى إذا قاله بعض المفسرين. ولذلك فتشنا عن إجابات أخرى ووجدنا أيسر الإجابات: تعظيم النفس أنه عظّم نفسه، أو أدخل موسى u معه ،أو دخل مع الأبوين هذا كله تحتمله اللغة. أما أن تكون أنت مع الله كلاكما تفعلان فعلاً واحداً لا يجوز هذا الكلام. وليس كل ما أورده أصحاب التفسير نحن نرتضيه ونقبله. رب العزة يتعالى أن يكون له ندٌ أو شريك في اللفظ. لذلك فتشنا عن هذه الإجابات ونستبعد مطلقاً أن يكون (فأردنا) أنا وربي نفعل هذا لا يجوز أن نقول فيها شيء من نفسه وشيء من اله فجمع نفسه مع الله وهذا لا يجوز. هذه واحدة، والمسألة الأخرى: صحيح ذكرها بعض المفسرين لكن لا نقبلها من يجمع نفسه مع الله تعالى في ضمير واحد؟ فخشينا أنا والله، لا يرتضى هذا. خشينا أنا والأبوين، أنا وموسى أو تعظيم النفس لأن الفعل عظيم (القتل). هذه كلها تحتملها اللغة ومقبول فاختر ما تميل إليه وأنا أميل أنها من باب التعظيم للنفس.
سؤال: وفي سؤال آخر ورد خلال الحلقة يسأل صاحبه: أنه في التفسير يعبر بكذا عن كذا كما قال المفسرون أنه عبر عن الكفر بقوله (في قلوبهم مرض) عبّر عن المرض بالكفر، وهنا عبّر (فخشينا) بمعنى تخليص الأبوين من الإبن العاقّ. يجيب الدكتور حسام:
جائز أحياناً أن يكون فعل مقابل فعل آخر إذا كانا متقاربان. السائل قال إستعمل الخشية وهو يعني كلمة خلّصنا. لا يجوز هذا لا بد أن يكون هناك رابط. ما علاقة الخشية بالتخليص؟ ماذا يقول في (فأردنا)؟ لا يصح أنه عنى بهذا عن هذا. قوله تعالى (في قلوبهم مرض) أي قلوبهم فيها عِلّة، فيها مرض، مريضة بالنفاق، مريضة بالكفر. لا بد أن يكون هناك إرتباط وكل كلمة لها معناها. حتى عندما تكون كلمة مكان كلمة. لما قال الله عز وجل على لسان فرعون: (لأصلبنّكم في جذوع النخل) يقولون (في) بمعنى (على) فلم لم يقل على؟ ليست بمعنى على جذوع النخل ولكنه يريد أن يشعرنا أن هذا التصليب هو من القوة والربط والشدة كأنه سيدخلهم في الجذع وليس مجرد أن يضعه على جذع النخلة يوقفه ويصلبه وإنما سيشده شداً بحيث يُدخله في داخل الجذع، إذن هناك مرادة. لذلك إستعمال حرف الجر (في) مقصودة.
سؤال: وفي سؤال آخر ورد خلال الحلقة عن أن الغيب هو فقط في قصة القتل وليس في قصة السفينة أو الجدار. فأجاب الدكتور حسام:
كل ما غاب عنك فهو غيب. هم في مكان معيّن لنقل مثلاً هم في دمياط والملك ليكن في الإسكندرية أو على ساحل البحر بعيداً عنهم ليس في هذه المنطقة. الأحداث التي تكون هناك موسى لم يعلمها والمساكين لم يعلمونها والركاب جميعاً لا يعلمون وإلا لما صعد راكب في السفينة وهم يعلمون أن ملكاً يدخل قتالاً ويريد سفناً للمعركة، فهو غيب بالنسبة لهم. (ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير) لو كنت أعلم أن هناك تجارة لو فعلت كذا أربح، هذا صحيح في الدنيا ويعلمه بعض الناس. لا نعني بالغيب هذا الذي لا يعلمه أحد، قد يعلمه غيرك لكنه غيب لك، فهو غيب لموسى. المخزون تحت الجدار غيب، الغلامان لا يعلمان وأهل القرية لا يعلمون به فهو غيب مغيّب عنهم. لا نعني بالغيب هذا الذي لا يعلمه أحد. فكله غيب وهذا ينص عليه علماؤنا يقولون كل هذه الأمور كانت من علم الغيب مما غاب عن موسى u ومن حوله وعلمه هذا الرجل بعلمٍ من الله سبحانه وتعالى ولا نعني بالغيب الخاص بالله سبحانه وتعالى الذي لا يعلمه إلا الله لكن الذي علمه الآخرون لكن هو بالنسبة لهؤلاء الناس في هذا المكان فهو مغيّب عنهم فهكذا ينبغي أن نفهم الآيات.
بُثّت الحلقة بتاريخ 4/5/2006م(تتمة الإجابة في الحلقة 41 على هذا الرابط)
هل يجوز أن نستعمل نقول سيدنا الخِضر؟
مسألة السيادة هذه حتى بعضهم قال أنها لا تصح أن تقال حتى مع الرسول r لكن حُبّ رسول الله r يجعلنا نقولها دائماً فهو سيدنا لأنه r إستعملها مع سعد ابن معاذ رضي الله عنه لما جُرِح في الخندق وجيء به محمولاً ليقضي في بني قريظة فقال r: قوموا لسيّدكم أي لسعد. ثم طلب إليه أن يحكم فقال: حكمي ماضٍ على هؤلاء (أي اليهود) ؟ فقالوا نعم لأنهم كانوا حلفاء سعد في الجاهلية، ثم قال: وعلى من في هذه الناحية؟ يقصد الرسول r حتى لا ينظر إليه فيقال أوحى إليه r بالحكم. فحكم بهم. فقال r: لقد حكمت بحكم الله من فوق سبع سنوات. يقولون سيّد الأوس، سيد الخزرج، سيد الشهداء حمزة، سيّد المهاجرين والأنصار. نحن نقول دائماً إذا لم يكن هناك مانع شرعي فلا مانع من إظهار هذه المودة وهذا الحب فنحن نقول سيدنا رسول الله r قرة العين عليه الصلاة والسلام.
تتمة اللمسات البيانية في قصة موسى u والخِضر:
(فخشينا، فأردنا):
نحن ذكرنا جملة آراء في إستعمال الضمير (نا) الذي يدل على الجمع في كلمة (فخشينا) وكلمة (فأردنا) وأخشى أن يكون قد إلتبس الأمر على المشاهدين لذلك سأذكر المختار. والمختار في هذا أن الكلام للخِضر (الرجل الصالح) وأنه عظّم نفسه في موطن التعظيم، العمل كان عظيماً فعظّم نفسه ولا يمكن أن يكون أراد نفسه والله سبحانه وتعالى بضمير واحد. لأن عندنا هذا الخطيب الذي خطب (والحديث في صحيح مسلم) أنه خطب في قومه والرسول r حاضر فقال لهم: من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى. فقال الرسول r: بئس الخطيب أنت، قُل ومن يعصِ الله ورسوله فقد غوى. الخطيب أراد أو يوجز فقال (ومن يعصهما) لكن الرسول r لم يرتضِ أن يُجمع هو والله تعالى في ضمير المثنى. فمن باب أولى هنا في مجال لتعظيم نفسه. صحيح أن القسمة العقلية قد تشير أنه مرة ذكر نفسه فقال (فأردت) ومرة ذكر الله عز وجل وحده فقال (فأراد ربك) ومرة (فأردنا) الأمر ليس هكذا والمسألة ليست مسألة قسمة عقلية وإنما مسألة النظر فيما يرضي شرع الله عز وجل فلا يمكن في هذا المجال أن يجمع هذا الرجل الصالح الخضر نفسه مع الله عز وجل في ضمير واحد. ودليلنا هذا الحديث وهو في صحيح مسلم وذكرته بعض كتب الحديث الأخرى ولكن إذا ورد في أحد الصحيحين نكتفي به.
(فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (81)):
العلماء يقولون ممكن أن يقول (فخشينا، وفأردنا) من كلام الله سبحانه وتعالى وهذا رأي. والإلتفات وارد: أن يقول فأردنا ثم يلتفت فيقول فأراد ربك ولكن أنا إخترت الراجح. لأن القصة بجملتها: الخضر يتحدث فالإنتقال من (وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْن) قد يكون هذا من كلام الله عز وجل وليس على لسان الخضر فيه تكلّف. بعض المفسرين قال هذا لكن جمهور المفسرين إختاروا أن يكون إستمراراً لكلام الخِضر وأن يكون هذا في باب المعظِّم لنفسه، هو لم يعظّم نفسه في ذكر العيب، عظّم نفسه مع الفعل العظيم (فخشينا) مع عدم إلغاء الإحتمالين الآخرين أنه أشرك موسى u لأنه تابع له كما أشرك موسى فتاه لأنه تابع معه لما قال (ذلك ما كنا نبغِ) الفتى لم يكن يبغي لأنه تابع. كان يمكن لموسى أن يقول: ذلك ما كنت أبغي لكن ما دام الفتى تابعاً جعله معه. هنا الخضر يعظّم نفسه فاستعمل ضمير المعظم لنفسه. لا يمكن أن يكون يشرك نفسه مع الله تعالى في ضمير واحد. الحديث الصحيح الذي ذكرته سابقاً شاهد وحديث آخر (ما شاء الله وشئت) فقال r: أجعلتني لله ندّاً وفي رواية أخرى: أجعلتني لله عدلاً؟ يعني يعادل الله عز وجل؟ قُل ما شاء الله ثم شئت، حتى تكون هناك مسافة. التصور الإسلامي هو هكذا.
(فخشينا، فأردنا، فأردت) هذه الإرادة كلها متوقفة على إرادة الله سبحانه وتعالى وهو سيقول من بعد ذلك (وما فعلته عن أمري) هو نسب لنفسه بعض الأفعال لأنه هو قام بها، هو تصرّف واشتغل فنسب لنفسه ولا سيما مسألة العيب ولا يستحسن أن تُنسب لله سبحانه وتعالى فنسبها لنفسه كما قلنا في قصة إبراهيم u (وإذا مرضت فهو يشفين) المرض هذا ضُرٌ يتضرر منه فنسبه إلى نفسه تأدباً مع الله سبحانه وتعالى.
(وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (82))
كلمة يتيمين تدل على صِغر الغلامين لأنه لا يُتم بعد بلوغ. معناه أنهما كانا صغيرين. في قوله تعالى (في المدينة) بعض المفسرين يقول يمكن أن تسمى القرية مدينة ويردون على هذا شواهد، لكن يمكن أن تكون الألف واللام هنا للعهد يعني كأنما لمدينة مررنا بها. فإذن هما كأنهما تركا هذا البيت كأنما البيت مهجور فهما ليسا في القرية وإنما في المدينة، يمكن أن يكونا عند من يربّيهما ثم يعودان بعد ذلك إلى هذه الخرِبة المتروكة التي يريد أحد جدرانها أن ينقضّ فأقامه. يمكن أن يكون هذا لم تسمى القرية مدينة ولكن في مدينة مرّا بها في رحلتهما قريبة من القرية. الكلام ينصب على أهل القرية وعلى البيت لليتيمين في القرية. أما اليتيمان فلم يكونا في البيت وإنما لغلامين يتيمين في المدينة التي مررنا بها في مكان آخر كأن هناك من يرعاهما في تلك المدينة في مكان آخر. وليس هناك من يرعى هذا الجدار فيقيمه. لو كان تحت رعاية لكان يمكن أن يقام هذا الجدار، فكأنما هجرا هذا المنزل والمنزل صار خرِباً بحيث أحد جدرانه يريد أن ينقضّ، يمكن أن يكون عمهما، خالهما، أحد المحسنين أخذهما إلى المدينة وقد يكون فعلاً هي هذه القرية وهما في هذا البيت الخرِب.
(وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا): الجدار قطعاً هو في القرية ونحن علمنا أن أهل هذه القرية بخلاء، ما عندهم نوع من الكرم ويبدو أنه لم يكن لديهم نوع من الرعاية للأيتام لأنه الذي لا يُكرِم ضيفاً لا يعتني بيتيم أيضاً لأنه سيُخرِج مالاً لليتيم أو طعاماً، هذا الذي يجعلني أميل أن اليتيمان كانا في مدينة قريبة ثم ما من أحد من هؤلاء في القرية فكّر في أن يقيم جدار هذين اليتيمين. ويبدو أنها قرية معروفة فيما بينهم بالبخل لعل هذه مؤشرات لبخل هذه القرية سواء القرية إسمها المدينة وكان الغلامان فيها أو كان غير ذلك فالمهم أنه لم يتطوع أحد لإقامة هذا الجدار ولم يفكر إذا كانا مقيمان فيه أنه قد يسقط على اليتيمين. فهي طبيعة في أهل تلك القرية. والقرآن لم يسمّها لنا وإنما قال (أهل قرية) هي قرية ما أراد أن يسميها ولا أن يذكر لنا ما هي. ونحن منهجنا أنه ما سكت عنه القرآن لا معنى للتنقيب عنه، ما هذه القرية. وهل أحفادهم موجودون إلى الآن وهل ما زالوا على بخلهم؟ قد تكون القرية في الصحراء وما عندنا دليل على مكانها على وجه الدقة والتعيين. أما ما ورد في غير القرآن الكريم وفي غير ما صحّ عن رسول الله r فنحن غير ملزمين به أو غير ملزمين بالأخذ به لأنه كان هناك ولعٌ في تسمية الأشياء: القاصّ لما كان يقص في البصرة لما وصل إلى: فأكله الذئب فقال وكان الذئب إسمه كذا، كل شيء يسميه، فقالوا له لا يوجد ذئب أكل يوسف فقال هذا إسم الذئب الذي لم يأكل يوسف. كل الذئاب لم تأكل يوسف! فكان هناك نوع من الولع والأسئلة: ما إسم كذا؟ ما إسم اليتيمين؟ وفي بعض كتب التفسير ذكرٌ لاسميهما إتكاء على ما تورده بعض الروايات القديمة ممن سبقنا، ممن سبق الإسلام ونحن غير ملزمين بتلك الأقوال. ولو كان هناك ثمرة أو فائدة من ذكر إسم القرية ومن ذكر إسم الغلامين كان ذكرها القرآن الكريم . فما دام سكت عنها القرآن وسكت عنها رسول الله r فلا فائدة من الأسماء لأن المهم العِبرة أن هذه القرية قرية بخلاء، قرية أناس لا يعتنون بالضيف، لا يقرون ضيفاً وهذا عند العرب شيء عظيم حتى في الإسلام بعد ذلك جعل إقراء الضيف واجباً كما ورد في الحديث: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليُكرِم ضيفه". والإكرام ليس فقط الأحكام وإنما حتى البِشْر من أخلاق عرب الجاهلية يقول عروة بن الورد يقول عن ضيفه:
أحادثه إن الحديث من القِرى وتعلم نفسي أنه سوف يهجع
يعلم أنه سينام ومع هذا يحادثه لأن الحديث من القِرى والكلام مع الضيف جزء من الأحكام.
ما اللمسة البيانية في تنكير كلمة (غلامين) وتعريف (المدينة)؟
كلمة غلام نكرة (لغلامين) ثم ذكر من صفاتهما أنهما يتيمان. (لغلامين يتيمين) هذا المقدار يكفي. أما أنه لو قال للغلامين سيُقال له: أيُّ غلامين؟ هما موسى u والخضر جاءا إلى قرية وهذا الجدار يريد أن ينقض والله سبحانه وتعالى يعلم أنه لطفلين مات أبوهما،. طفلان مات أبوهما، لا يقدّم ولا يؤخّر أن نقول: لفلان وفلان حتى نقول للغلامين وهو لم يتحدث عنهما سابقاً، لم يذكرهما. لو ذكرهما سابقاً يعود بعد ذلك للتعريف وتسمى أل العهدية كأن يقال لك: سأل عنك رجل فتقول لقيت الرجل (أي الذي سأل عني). بدأ نكرة ثم يعرِّف. لطفلين صغيرين لا ينفع من هما؟ ما اسمهما؟ فلان وفلان، لا فائدة. فمن هنا جاء التنكير (لغلامين يتيمين) لأنه ليس هناك ذكرٌ سابق لهما. هذا الجدار لهذين الغلامين وقد يكون في المدينة أيتام آخرون لا ندري، لكن هذا الجدار لهذين اليتيمين. وكلمة المدينة إما يراد بها القرية التي دخلاها فلما ذكرها أولاً قرية جاء بعد ذلك فعرّفها كأنما يريد أن يشير إلى أنها قرية كبيرة فقال مدينة ثم أن فيها تنويع. المدينة عادة أوسع من القرية في المصطلح اللغوي لكن عند العرب المدينة يسمونها قرية أحياناً والقرية يسمونها مدينة بحسب نظر المتكلم. مكة أم القرى وهي مدينة واسعة (حتى يبعث في أم القرى رسولاً). والقول الآخر أن هذه الألف واللام للعهد الذهني: يعني المدينة التي مررنا بها من قبل، كأنما في ذهنها مدينة معينة مرّا بها من قبل فقال (لغلامين يتيمين في المدينة) كأنما هجرا هذا المسكن. وكما قلت سواء كانا فيه أو في خارجه فهذا البيت هو في القرية وأهل القرية من البخل وعدم العناية بهذين اليتيمين بحيث أنه ليس فيهم أحد حاول أن يقيم الجدار.
(وأما الجدار) أي الجدار الذي ذكرته من قبل هذه تسمى(أل العهدية) لأن العهد إما أن يكون ذهنياً أو ذكرياً: ذكرياً أن يذكر الشيء من قبل، ذهنياً أن يكون حاضراً في الذهن كما في قوله تعالى (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للناس) لم يذكر الكتاب من قبل لكنه حاضر في الذهن لأن الكلام عليه.
لماذا عُرّفت السفينة ونُكّر الغلام؟
السفينة معرّفة، غلاماً نكرة وغلامين نكرة. كأنما السفينة في البداية، هي كانت سفينة فلما طلب من أهل هذه السفينة أن يركبوهما لأنه هو لم يقول فجاءت سفينة وأشار إليها، إختصر فكأنما يريد أن يذكر أنهما لم يركبا في السفينة إبتداء وإنما إستأذنا. (فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة) كأن هناك كلام محذوف سابق أنه حتى إذا وجدا سفينة (نكرة في البداية) أشارا إلى من فيها أن يحملوهما فوافقوا على ذلك . فبمجرد ركوبهما فيها صارت معرّفة فقال (فلما ركبا في السفينة). إذن يريد أن يشير إلى وجود كلام محذوف فيه كلمة سفينة نكرة أولاً. فقال (ركبا في السفينة) ركبا في السفينة بعد الإتفاق. لا بد أنهما وجدا سفينة وإستأذنا أهلها أن يركبا فيها. ففي البداية وجدا سفينة فاختصر، هذا من أسلوب القرآن قد يطوي الزمان والمكان.
(وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا) ترتيب هذه الأشياء (الجدار، غلامين، كنز، أبوهما) إذا تغيّر هل سيبقى بنفس الدلالة؟
هذا كأنه نظام، كأنه بناء كأنك تبني بيتاً فالبناء هكذا. هو ذكر له جداراً قد أقامه فالآن يريد أن يفسر له ما يتعلق بهذا الجدار فالمهم أولاً الجدار فيذكر الجدار ثم يذكر لمن هذا الجدار؟ ثم يذكر بعد ذلك ما شأن هذا الجدار؟ لماذا أقمته؟ أما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة، وإذا كان لغلامين يتيمين؟ لماذا أقمته؟ قال: وكان تحته كنز لهما، وإذا تحته كنز لهما ما شغلنا بذلك؟ وكان أبوهما صالحاً. فمن أجل صلاح الأب فهو ترتيب طبيعي لا يستدعي أن يكون هناك إضطراب. ولا فائدة من تغيير الترتيب. تذكر الجدار وتذكر ما يتعلق بالجدار لا بد من ذكر رابط ولازم المعنى كأن بناء بيت تبنيه جزءاً جزءاً. أبوهما صالحاً ليبيّن لماذا حاول أن يحافظ على الكنز.الذي تحت الجدار العائد للغلامين. الكنز في اللغة هو الشيء الدفين. الشيء الدفين إذا كان مالاً سمي كنزاً أي هذا المدفون كأنما هو كنزه، خزنه، إحتفظ به. والعلماء هنا يتحدثون هل يجوز الكنز؟ هذا الاحتفاظ بالمال بهذا الشكل؟ (الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها) المفروض أن يشغلها. قسم قالوا شرعُ من قبلنا وقسم يقولون أن الأب يمكن أن يشغّل المال ولكن لما أحسّ بالوفاة أحس وهو في قرية ظالمة، قرية بخيلة، لا تضيّف أحداً وأحس أنه سيأخذون مال أولادي فدفنه وقال يا رب أنت تتولاه . وعندنا في الأثر أن أحد التجار طلب من شخص إنقطع به السبيل فقال: أقرضني وأردّه لك،قال من يكفلك؟ قال: أنا غريب في هذه البلدة، قال: إني أريد كفيلاً من يكفلك؟ قال: ترضى أن يكون الله كفيلي؟ قال أرضى، قال: متى تردّه لي؟ قال: أردّه لك في الفصل القادم تأتي سفينة من عندنا إلى بلدكم فأجيء فيها وأردّ لك المال، قال: موافق. وتمضي الأيام (لاحظ حسن التوكل على الله تعالى) ويأتي وقت الرحيل ويتهيّأ التاجر فيشغله شاغل يتأخر فتمشي السفينة. ماذا يصنع؟ جاء إلى خشبة وحفرها ووضع المال فيها ووضع فيها رسالة وغلّفها بالقير ورماها في البحر وقال: يا رب أنت الوكيل وأنت تكفلتني ورماها خلف السفينة. تصل السفينة والتاجر خرج مع غلامه ليستقبل الرجل فلم ينزل الرجل من السفينة إنتظر ولم ينزل الرجل فقال: هل بقي أحد قالوا لا الكل نزل، فقال لغلامه لعلّ له عذراً ننتظره في السفينة القادمة. إجمع لنا بعض الحطب حتى لا نعود خاويين، جمع الغلام بعض الحطب فوجد الخشبة فقال: انظر ماذا وجدت فيها ورقة: اللهم أنت الكفيل وأنا كذا. وجاء الرجل في السفينة الأخرى ومعه المال فذهب إلى الرجل فقال: وصل مالك أنت وكّلت رب العزة وصل مالك وهذه الخشبة إحتفظت لك بها.
(وكان أبوهما صالحاً) هذا درس للآباء صلاحهم خيرٌ لذريتهم أيضاً. الغلام كان أبواه مؤمنين وهو فاجر ورحمة بالأبوين قُتِل وقبِل الله تعالى دعوتهما وعوضهما خيراً منه.
(فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ): نسب الإرادة لله تعالى (فأراد ربك أن يبلغا أشدهما) لم يقل فأردت أو فأردنا لأن بلوغ الغلامين السن الكبير هذا لله سبحانه وتعالى لا يستطيع أن يُدخل الخضر نفسه فيه حتى لو عظّم نفسه. بينما هناك القتل هو كان آلة قتلت وننتظر الله تعالى يعوضهما. هنا (يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما) يبلغا أشدهما هذا لا يملكه إلا الله سبحانه وتعالى ويستخرجا: وإستخراج الكنز من تحت الجدار لا يملكه إلا الله تعالى. (ويستخرجا) معطوفة على (يبلغا) أوكل الأمر كله إلى الله. ممكن يسقط الجدار وهما بالغان فإذا سقط وظهر الكنز عند ذلك واضح ويكونان شديدين (يبلغا أشدهما). هذه قرية تخاف ولا تخجل فتحتاج إلى قوة.
(رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ) هذا الأمر رعاية هذين هو من رحمة الله سبحانه وتعالى. ويمكن أن تجعلها عامة على المحاور الثلاث. وجعلها عامة ممكن جداً لأن كله من رحمة الله: العناية بالمساكين من رحمة الله عز وجل، العناية بالأبوين من رحمة الله عز وجل والعناية بالغلامين اليتيمين من عناية الله عز وجل. ثم وضّح (وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (82)) لأن هذا غيب لا يقول أحد هذا يبدو أنه شرّير سأقتله تأسّياً بالخِضر وأدعو الله أن يهبهما خيراً منه، لا. (وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي) هذا أمرني الله تعالى به ففعلته. أما أن يأتي إنسان آخر ويزعم أنه يريد أن يفعل ما فعله الخضر هذا لا يجوز. (رحمة) مفعول لأجله: فُعِل هذا كله من أجل الرحمة.
(ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا): التأويل هنا بمعنى بيان حقيقة الشيء. حقيقة هذه الأشياء التي هي مما غاب عن موسى u وعمن حوله. وهذا سيندرج تحت قوله تعالى (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون كل من عند ربنا) الذي لا يعلمه إلا الله أو من يُعلِمه الله عز وجل به من نبي أو من معلّم يعلّم غيره لحكمة أرادها الله سبحانه وتعالى.
(ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا): إستعمال (ذلك) تدل على أنه بدأ يبعد لأنه يريد أن يفارق فلم يقل هذا تأويل. الكلام الذي تكلمته صار (ذلك).
(مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا): قبلها قال (قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (78)) كان يمكن أن يقول تستطع هنا أيضاً لكن هناك فيها شرح وإيضاح فجاء بالفعل تاماً (تستطع) أما هنا لأن فيه وقت مفارقة وإختصار وإبتعاد (هذا فراق بيني وبينك). ذلك: الكلام صار تاريخ ويريد أن يرحل (لم تسطع) فحتى الكلمة إختصرها لأن هناك مجال إختصار فقال (تسطع) أنهينا الإيضاح وإنتهى الكلام لكن في البداية قال (تستطع) كان بداية شرح (تستطع) وهنا إنتهاء شرح الكلام ومفارقة.
إجابة الدكتور حسام النعيمي على بعض أسئلة المشاهدين التي وردت خلال الحلقة:
سؤال : هل خرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار كان في عالم الأمر أم في العالم المنظور؟
لا شك أنها في العالم المنظور ومن أجل هذا كان موسى u يعترض في المرة الأولى والثانية وفي الثالثة كان نوع من الإعتراض لأنه كان نوعاً من التعليم أو الإفهام لموسى u بأن علمه منحصر في التطبيقات الشرعية، في مسائل الشريعة وفي نظام حياة الناس. وأُعلِم بأن هناك أشياء غائبة عنه فهي قطعاً في حياة الناس وليس في الغيب.
سؤال : الرد على المعتزلة القائلين بخلق القرآن.
يمكن أن تمر على الأمة أوقات أو أحيان ينشغلون فيها بأمور لم تُهيّأ لها عقولهم يعني هي من مساحة الغيب فإذا خاضت الأمة في مساحة الغيب تفرّقت. أضرب مثلاً في هذا المجال حتى لا يُخاض في مثل هذه الأمور: لو دخلت إلى مسجد ووجدت ثلاثة من الشبان كلٌ بيده القرآن الكريم ويقرأ ومندمج ومسترسل مع آيات الله سبحانه وتعالى يتلذذ بما فيها وطرحت عليهم سؤالاً: ماذا تقرأون؟ سيقولون لك كلام ربنا سبحانه وتعالى ونحبّه هذا كلام الله عز وجل حبيبٌ إلى قلوبنا، يجمعون على ذلك وما عندهم مشكل. لكن لو أثرت السؤال الآخر الذي أُثير في زمن ما آخر وجُلِد من جُلِد من أجله وانشغلت أفكار الناس. هذا الكلام الذي سأقوله قد لا يرضي بعض الدارسين: لو قلت لهم كيف تكلم الله؟ هل هذا الكلام قديم أم حادث؟ فينقسمون إبتداء إلى فريقين: إثنان في جانب وواحد في جانب، إثنان سيقولان لك: هذا كلام قديم وهو صفة لله سبحانه تعالى، خاضوا في أمر غيبي. والآخر سيقول لك كلا هذا كلام الله عز وجل كان ينزّله في وقته فهو ليس صفة لله سبحانه وتعالى وإنما هو خلق من خلق الله تعالى كما خلق الإنسان. سيتقاتلون ولكن قبل أن يتقاتلوا تسأل هذان الإثنان اللذان قالا هو صفة لله سبحلنه وتعالى، تقول لهما: هذه الصفة من داخل الذات أم من خارجها؟ فيقول أحدهما من داخل الذات والآخر من خارج الذات فيقتتلان ويقاتلان هذا. ما الثمرة؟ أنتم تخوضون في أمر لا تدركه عقولكم، لم تُهيّأ له عقولكم: كيف تكلم الله عز وجل؟ كيف خلق السموات والأرض؟ كيف تناول الطين وخلق منه؟ هذه (كيف) ليست من شغلك أنت، المهم أنت تؤمن أن هذا الكلام بيني دفتي. المصحف هو كلام الله عز وجل أنزله إلى محمد r وعلينا أن نأخذ به.
أما قوله تعالى (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20) العنكبوت) ليس معناه أن نفتش عن هيأة وإنما كيف بدأ الله سبحانه وتعالى الخلق بمقدار ما ذكره لنا، نتفكره بمقدار ما ذكره رب العزة سبحانه وتعالى. لذلك الأمة إنشغلت سنوات. انظر في القرآن وتفكّر كيف قال لك أنه خلق الإنسان من سلالة من طين، تفكر في هذا الموجود، ثم جعل نسله من ماء مهين، أما أن تجلس وتفكر في قضايا: من أين جاء الطين وغيره؟ هذا أمر يختلف فيه الناس في الهواء وليس على أسانيد لأنهم ما هُيئوا لمثل هذا فلماذا الخوض في هذا؟
(ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً) انظر في هذا الخلق دليل على من خلقه وهو الخالق سبحانه وتعالى. هكذا ينبغي أن ننظر في آيات الله. أما الأمور التي تصدّع الدماغ ولا يصل فيها الناس إلى نتيجة قطعية لأن نحن لا نشك مطلقاً أن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله كان من أهل الصلاح والتقوى والورع ولا نشك أيضاً أن الإمام الزمخشري كان من أهل الصلاح والتقوى والورع، هذا قال برأي وهذا قال برأي وكلاهما عاقل وكلاهما عالم في اللغة. فكيف تدخل هذا في الدين وتُخرِج هذا من الدين في قضية ليس وراءها نتيجة. الذي يسعك أن تقول: هذا كلام الله عز وجل أنزله على محمد r أُمرِنا بالأخذ به فأنا آخذ به. فإذا سألني سائلاً هذا كلام الله كيف كان؟ أقول هذا ليس من شغلي ولا من شغلك ولن أصل إلى نتيجة ولن تصل إلى نتيجة. وهذا ليس في الإسلام فقط وإنما في كل الديانات.
أثيرت الفتنة نتيجة الدراسة الفلسفية لأنه في الفلسفة أن الكلام جزء من المتكلم. فلاسفة وآخرون يقولون ليس الكلام جزء من المتكلم واشتعلت الدنيا بالنار. ما جاء بكم إلى هذا؟ الجيل الذي قبلكم خير الأجيال جيل الرسول r هل بحثوا في هذا الأمر؟ إشتغلوا به؟ كانوا يقولون كلام ربنا نحبه ونطبقه ننفذ ما أمر الله تعالى به وننتهي عما نهى عنه. وهذا هو القدر الذي تحتمله عقولنا، أما الخوض في صفات الله سبحانه وتعالى وكيفياتها لا تصل فيه إلى نتيجة. ما وصلوا إلى نتيجة وإلا المأمون بعلمه وبثقافته يصل به الحال أنه يأمر بجلد الإمام أحمد ثم يأتي المعتصم فيثأر للإمام أحمد من أولئك العلماء الذين ساندوا المأمون. لذا سميت فتنة وهي فتنة ولهذا نقول هذا الأمر يُثار بهذا المقدار أن كلام الله عز وجل هو كتاب الله سبحانه وتعالى علينا أن نطبقه. كيف كان الكلام؟ الله تعالى لم يخبرنا بذلك والرسول r لم يخبرنا بذلك فلِمَ نخوض فيه؟ خلق الإنسان من سلالة من طين، كيف هذا الطين؟ كيف تناولها الله عز وجل؟ ما أُخبِرنا فلا نخوض فيها وما لم يخبرنا عنه القرآن ولا الحديث الشريف الخوض فيه ما وراءه نتيجة ولو كان فيه نتيجة قد نقول ندرسه لكن قطعاً هؤلاء علماء وهؤلاء علماء، هؤلاء أهل ورع وصلاح وهؤلاء أهل ورع وصلاح لا فِرَق. لكن أن يكفّر بعضنا بعضاً ويقول هذا معتزلي وهذا من أهل السنة والجماعة وهذا أشعري والأزهريون أشاعرة، ما هذا الكلام؟ وما هذه السفسطة؟ هذا كلام ربنا على العين والرأس نطبّقه، نتفق على هذا؟ نتفق. لما نقول كيف تكلم الله؟ لا نخوض فيه، نتفق في ذلك؟ نتفق لا نخوض فيه. الغيب إن شاء الله كله سيعلمه يوم القيامة إذا كنت من أهل الجنة تستطيع أن تسأل ربك عند ذلك كيف كان هذا؟ أما إذا كان من أهل النار والعياذ بالله فسينشغل بنفسه.
بُثّت الحلقة بتاريخ 6/5/2006مسؤال 185 : ما دلالة إستخدام الجملة الإسمية المؤكدة في الآية (قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (115) المائدة) مع أنها كلام الله؟ ولماذا إستعمل (عليكم) ولم يقل إليكم؟
حتى تتبين الصورة كاملة لما سألت عنه السائلة نبدأ من قوله تعالى (وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آَمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آَمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (111) إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (112) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (113) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآَخِرِنَا وَآَيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ (114) قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (115)). (إذ) ظرف للزمان كأنه يقول واذكر إذ حدث كذا. (إذ أوحيت إلى الحواريين) الوحي هنا بمعنى إلهام الهداية فالله سبحانه وتعالى ألهم هؤلاء أن يهتدوا إلى دين عيسى u وسمّاهم الحواريين. الحواريّ: هناك كلام في كتب التفسير أنه يتعلق بمهنتهم فيقولون الحواريّ هو القصّار أي الذي يقصّر الثياب ولكن المسألة ليس لها علاقة بالمهنة فهل كانوا جميعاً يقصّرون الثياب؟ كلا. إنما الحواريّ هو المنقّى من الخطايا والذنوب. لما تقول: حوّرت الطحين بمعنى نقيّته من كل شوائبه وأعدته كأنما نقيّاً صافياً. هكذا تقول العرب، ومنه الحور والعين الحوراء. الحَوَر في العين هو نقاء البياض ونقاء السواد وفيه معنى التنقية. فهم عندما دخلوا في الإسلام في زمانهم معناه نُقّوا من كل ما قبل ذلك فمن هنا قيل الحواريون وليست المسألة مسألة تقصير الثياب وإنما هؤلاء المنقّون لأنه لما آمنوا وعندنا في الحديث: " الإسلام يجُبُّ ما قبله" يعود الفرد إذا أسلم كيوم ولدته أمه أي صافياً نقياً أبيض الصفحة. هؤلاء هكذا كانوا بعد أن دخلوا في الإيمان. فأوحى إليهم أن آمنوا بي وبرسولي فقالوا (قَالُوا آَمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ) قالوا آمنا ولم يقولوا آمنا بالله وعندنا سؤال في هذا. لو قالوا آمنا بالله معناه لم يؤمنوا برسوله لكن هنا قالوا آمنا لأن الدعوة كانت للإيمان بالله وبرسوله. فآمنا تعني آمنا بالله وبرسوله. (واشهد بأنا مسلمون) معناه جمعوا بين الأمرين: بين إيمان القلب والتطبيق, لكن هؤلاء الذين جمعول بين إيمان القلب والتطبيق في بعض الأحيان يُداخلهم شيء فيريدون أن يطمئنوا، يريدون أن يروا، يريدون أن يلمسوا. (إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ) أولاً لما قالوا: يا عيسى ابن مريم هذا دليل على إيمانهم بالمعجزة لأنه لم يُنسب إلى أبٍ ولم يقولوا يا رسولنا وإنما يا عيسى ابن مريم بمعنى نحن نعلم أنك إبن هذه المرأة بمعجزة فهذا تثبيت لإيمانهم وتذكّر للمعجزة أنه عيسى إبن مريم.
مع ذلك قالوا: (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ) أولاً كلمة يستطيع لها معنيان في اللغة وليس معنى واحداً: الإستطاعة بمعنى القدرة (هل يقدر؟) والإستطاعة بمعنى الفِعل (هل تفعل؟). نضرب مثالاً: هناك سيارة موجودة تقول لشخص:هل تستطيع شراءها؟ إذا كان الشخص فقيراً معناه هل لديك القدرة على شرائها؟ وإذا مان غنياً معناه: هل لديك الرغبة أن تفعل الشراء؟ هل تفعل؟. فلما قالوا: هل يستطيع ربك لا يعنون هل يقدر ربك وإنما هل يفعل ربك إذا دعوتَه؟. من أين فهمنا هذا المعنى؟ لماذا لا يكون شكاً في قدرته سبحانه وتعالى؟ أولاً من كونهم آمنوا فهم مؤمنون والأمر الثاني من قراءة مجموعة من العرب كانوا في الكوفة قرأوا ذلك بين يدي رسول الله r أو أقرأه جبريل u فأقرأهم. قرأ بها الكسائي، هؤلاء الأعراب أخذ عنهم الكسائي قراءة (هل تستطيع ربَّكَ) أي هل تستطيع أن تدعو ربَّكَ؟ هل تقدر أن تدعو ربك؟ (ربَّك) مفعول به لفعل محذوف تقديره تدعو. هذه قراءة سبعية قرأ بها جمهور كبير من العرب فهي قراءة متواترة تبيّن لنا معنى القراءات الأخرى. فلما قال (هل يستطيع ربك) لا يعنون أنه هل لديه القدرة؟ وإنما معناه: هل يفعل ربك إذا دعوته؟ لأنه قلنا أن يستطيع تكون إما بمعنى القدرة أو بمعنى الفعل. هل يستطيع: أي هل يفعل إذا دعوته؟ قلنا نجمع بين القراءات: لعيسى : هل تفعل وتدعو ربك؟ وهل يفعل ربك ذلك؟ هل يُنزّل؟ هكذا تُفهم الإستطاعة من هؤلاء هي ليست شكّاً في القدرة وإنما سؤال عن الفعل. أنت ستدعو فهل يستجيب لك؟ هل سيفعل؟ السؤال عن الإستجابة لدعء عيسى u وليس عن قدرة الباري عز وجل. (تستطيع ربَّك) يعني هل تستطيع أن تدعو ربك؟ (هل يستطيع ربك) يعني هل يجيبك؟ هل ينفّذ؟ هذه فائدة معرفة القراءات ومحاولة الجمع بينها.
ننظر هنا (هل يستطيع ربك) ما قالو: ربنا وإنما قالوا ربك أنت مع أنهم آمنوا به. هذا فيه فائدتان: كأنما ألقوا الأمر إليه أنه ربك كما قال بنو إسرائيل لموسى u (إذهب أنت وربك فقاتلا)، هذا الفعل أنت تقوم به. (هل يستطيع ربك) نوع من رفعة عيسى u أنه ربك قبل أن يكون رباً لنا فهو مقدّم علينا فيه إشارة إلى تقديم عيسى u. كلاهما وارد وكلاهما تحتمله اللغة. أولاً أوكلوا الأمر إليه وثانياً فيه نوع من رفعة الشأن له كما تقول لشخص: أنت كلّم فلاناً. وفي حديث الغامدية قالوا من يكلّمهغير حِبِّ رسول الله r؟ كلهم أحباب رسول الله r لكن خُصّ بذلك أسامة بن زيد في ذلك الموقع وكان الردّ بالرفض.
(أن ينزّل) ليس للتدرج هنا لأن فعّل قد تـأتي للتدرج وقد تأتي للتكثير والتوكيد. عندما نقول كسر وكسّر قد لا تعني التكسير بالتدرج شيئاً فشيئاً وإنما يعني بقوة وبكثرة، كسّره فيه معنى التأكيد والتقوية فهم يريدون أن يؤكدوا. (ينزّل) لا يريدون أن ينزلها مدرّجة لكن يريدون أن يؤكدوا التنزيل.
(علينا) استعملوها للعلو ثم أكدوا ذلك بكلمة (من السماء) يريدونها من السماء حتى لا يأتيهم عيسى u بطعام ولذلك جاء الجواب قال الله تعالى (قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُم) إستعمل اللفظ الذي إستعملوه هم يريدونها من فوق فقالوا علينا ولم يقولوا إلينا. لغوياً يستقيم لو قلنا إليكم وسبق أن أوضحنا الفرق بين نزل عليك ونزل إليك: نزل عليك فيه معنى العلو والإستعلاء أما نزل إليك ففيه معنى التقريب كأنما يقرّبه إليه. ويمكن أن يتعاور حرفا الجرّ هنا (على وإلى) لكن لكل حرف معنى وله صورته. دلالة (على) هنا إستعلاء، هم أرادوها من فوق فقال تعالى آتيكم بها من فوق كما أردتم.
مائدة: إذا قيل مائدة يعني فيها طعام وإذا لم يكن فيها طعام يقال له خِوان مثل المنضدة فإذا وضعنا عليها الطعام تكون مائدة ولا تكون مائدة من غير طعام. فلما قالوا مائدة يعني يريدون طعاماً من السماء.
(قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) إن كنتم مؤمنين ما حاجتكم إلى هذا الدليل المادي؟ هم يريدون أن يلمسوا شيئاً مادياً والإنسان في الغالب يريد هذه المادّية. هؤلاء الذين آمنوا بعيسى u قد لا يكونون من نفس بني إسرائيل لأنه عيسى u قال: جئت لهداية الخراف الضالّة من بني إسرائيل. لكن يمكن أن يدخل في الدين من غير بني إسرائيل. دعوة عيسى u كما عندنا في الحديث مخصصة لهؤلاء القوم، لبني إسرائيل هذا النص في الإنجيل " جئت لهداية الخراف الضالّة من بني إسرائيل" وموسى جاء لبني إسرائيل (أن أرسل معنا بني إسرائيل) لكن اليهود تشبثوا في عدم دخول أحد في دينهم من الخارج إلا من كان إبن امرأة يهودية فأبناء اليهوديات يهود. أما المسيحيون خرجوا على تعاليمهم لأغراض وصاروا يدعون الناس ويبشرونهم بالدخول إلى دينهم.
المائدة هي ما يكون فيها طعام. فقال عيسى u (قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) كأنه يريد أن يذكّرهم بإيمانهم أنه كونوا على جانب من خوف الله سبحانه وتعالى ولا تطالبوا بهذه القضية المادية فلم ينسحبوا وإنما قالوا (قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ) أولاً يريدون الأكل (أن نأكل منها) بعد ذلك تطمئن القلوب لأنه لما يدخل هذا في جوفهم فهذا ليس خيالاً وعند ذلك يكون علم أنه قد صدقهم أنه هو رسول من الله سبحانه وتعالى. والمائدة نزلت من السماء ونكون شاهدين أنه نزلت علينا مائدة من السماء. مقابل هذا الإلحاح لم يجد عيسى u إلا أن يتجه لله سبحانه وتعالى بالدعاء فقال: (اللهم) وقلنا أن اللهم تساوي يا الله والبعض تكلم فيها أن حرف النداء محذوف وهو من جملة كاملة (يا الله أُمّنا بخير) واختُصِرت وبقيت الميم فقط (اللهم). والإختصار وارد في اللغة كما نقول في اللغة العامّية: ليش؟ أصلها لأي شيء؟ أو أيش؟ أي أي شيء هذا؟ وهذه إستعملها الإمام أحمد بن حنبل. قد يكون هذا وقد يكون من أنواع النداء ومع ذلك ورد بعض العرب جمع بين ياء النداء (وإني إذا حدثٌ المّ أقول ياللهم ياللهم). فجمع بين الإثنين لشدة تعلّقه بالدعاء أي إذا ما صارت مصيبة أقول ياللهم ياللهم. وأداة النداء لا تدخل على لفظ الجلالة (الله). (اللهم) الميم عِوَض عن حرف النداء بدل يا الله.
(اللهم ربنا) لم يقل ربي وهذا تذكير لهم : هو ربي وربكم. (أنزِل) لا داعي للتأكيد (نزِّل). دعاء عيسى u (ربنا) حتى يُدخلهم معه أنه ربكم أيضاً. قال أنزل لأنه لا داعي للتأكيد، دعاء بالإنزال قال (أنزِل علينا مائدة من السماء) ما قال عليهم وإنما قال (علينا) جميعاً وهو معهم. (تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآَخِرِنَا وَآَيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ) هذه المائدة نُعيد ذكرها في كل عام ينقل خبرها أولنا إلى آخرنا نتناقلها يعني هؤلاء الحواريون بهذا العدد ومن دخل معهم بعد ذلك ينقلون الواقعة إلى الجيل الذي يأتي بعدهم أنه نحن أكلنا من هذه المائدة حتى تطمئن القلوب وتكون بمناسبتها يعني يعاد ذكرها. (وَآَيَةً مِنْكَ) علامة على صِدقي لأنهم طالبوني (وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا) فتكون آية منك لهؤلاء. (وارزقنا وأن خير الرازقين) لأن هذا رزق.
قال تعالى (قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (115)) هذا لأن الكلمة التي قالوها (ينزّل) فقال تعالى (إني منزّلها) من نفسصيغة الفعل. (عليكم) تحوّل الخطاب إليهم. عيسى u هو الذي طلب لكن صار إلتفات في الخطاب (عليكم) لأنه سيأخذ عليهم عهداً مباشراً وليس بواسطة عيسى u. (فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ) المقصود الحقيقة في الآية هم (الحواريون) الذين طالبوا بالآية وعيسى u غير داخل في هذا الكلام لأنه لا يُقال لعيسى u (فمن يكفر بعد منكم) الكلام توجّه إليهم أنتم سألتك نبيّكم أن يدعو الله عز وجل هكذا فنزل الخطاب موجهاً إليهم.
(إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ) لم يقل عليهم حتى لا يكونوا بعيدين، هو كأنما يريد أن يعقد صفقة معهم وهذه لا تكون مع الغائب. هذه صفقة أنتم تريدون علامة على صحة هذا الرسول وهذه العلامة صفقة.
والسؤال كان عن التأكيدات لماذا يؤكده وهو كلام الله تعالى؟ هو يؤكد لأنه يريد أن يعقد صفقة معهم (إني منزلهما عليكم) مؤكد ستنزل (أكّد بـ: إنّ والجملة الإسمية (منزلها)) لم يقل إني سأنزلها. هذا الثابت الدائم الفعل الذي يسميه الكوفيون الفعل الدائم الذي هو إسم الفاعل (منزّلها) أي هي واقعة يقيناً عليكم الصفقة (فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ) هذا شيء ستضعونه في أفواهكم وترونه بأعينكم وتلمسونه بأيديكم، طعام نازل من السماء وسترون المائدة وهي تنزل. فعلاً نزلت مائدة من السماء وعليها طعام ورأوها وهي تنزل وبعد كل هذا الأمر إذا كفر منهم كافر ماذا يكون شأنه؟ (فإني أعذبه عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين) لأنه صارت الصفقة. لذلك جاء الكلام بهذه المؤكدات: هناك (فإني منزّلها عليكم) وهنا (فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ) . لمذا العذاب لا يعذبه أحد من العالمين؟ لأنه جميع العالمين ما مروا بهذه التجربة، الكل آمن بناء على كلام الرسول أو على معجزة ظاهرة: العصى صارت أفعى، الناقة، أو القرآن عجزوا أن يأتوا بمثله. أما هذه فمعجزة مادية ملموسة تذوّقوها، أكلوا منها، فالذي يكفر بعد ذلك يعذّب عذاباً خاصاً.
سؤال 186: ما دلالة إستخدام العزيز الحكيم في الآية (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118) المائدة) وليس الغفور الرحيم ؟
واضح (وإن تغفر لهم) أن الذي يتبادر إلى الذهن أن يقول (فإنك أنت الغفور الرحيم) وكان يمكن أن يقول القرآن الغفور الرحيم وليس عسيراً أن يقول الغفور الرحيم لكن لماذا نزلت الآية هكذا؟ لا بد من التفتيش عن سرّ ذلك. فلما ننظر في الآيات نحن أولاً نتذكر عيسى u ونتذكر طبيعته، تلك الطبيعة الليّنة الهيّنة المسالمة، عيسى u لم يدخل معركة ولم يقاتل أما محمد r فدخل معارك. عيسى u ما قوتِل وما جاءه جيش وما حارب شيئاً فكان حديثه مع الناس حديثاً ليّناً فيه نوع من الرقة والليونة ولذلك نشكك في بعض النصوص. لما يأتي نصٌ يقول: من ضربك على خدك الأيمن فدر له الأيسر، هذه المسامحة المعلومة عن عيسى u. لكن لما يقول في نص آخر عن أعدائه: جيئوا بهم فاذبحوهم قُدّامي، هذا الذي أخذ به الصِرب الأرثوذوكس مع الكروات المسيحيين والمسلمين فذبحوا الكروات النصارى وذبحوا المسلمين لأنهم وجدوا هذا النص عن المسيح u وحاشاه أو يقوله. هذا ليس من شأنه u.
إذا تذكرنا هذا هؤلاء الناس إرتكبوا جُرماً عظيماً. مع هذا الجرم العظيم كأن عيسى u يريد لهم المغفرة لكن لم يشأ أن يُصرِِّّح والآيات تعطينا هذه الصورة. هو كأنما يطمع لهم بالمغفرة لكن لا يستطيع أن يصرّح وأن يقول (الغفور الرحيم) معناها كأنه يريد لهم المغفرة لأنه هو يدعوه. كما تقول لشخص: هذا فلان فقير وأنت إنسان كريم. يعني تتوسط أن يعطيه. فهو لم يشأ ذلك. لاحظ الجرم العظيم الذي إرتكبه هؤلاء. (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ) ماذا صنع هؤلاء؟ هؤلاء إتخذوا المسيح وأمه آلهة من دون الله. فقال عيسى u (قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116) (مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117)) وسبق أن قلنا (توفيتني) تكلمنا عن وفاة عيسى u وقلنا أن الوفاة المرجح فيها إستيفاء أيامه في الدنيا كاملة فرفعه الله عز وجل إليه حيّاً (فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي)
(إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118))
(تتمة في الحلقة 43 على هذا الرابط)
بُثّت الحلقة بتاريخ 11/5/2006م
وفي سؤال ورد خلال الحلقة وسبق الإجابة عنه حول آية الوضوء في سورة المائدة والإستفسار عن مسح الرأس كله أو بعضه وغسل الأرجل فأجاب الدكتور:
(فاغسلوا وجوهَكم وأيديَكم) مفعول به معطوف على مفعول به ثم عطف الأيدي على المنصوب فنُصِب ثم قال (فامسحوا برؤوسكم) الباء هنا في (برؤوسكم) للعلماء فيها كلام: هل هي الباء التي للتبعيض أي لبعض رؤوسكم أم هي باء مؤكدة أي إمسحوا رؤوسكم. بعض الفقهاء ذهب إلى هذا وأنا لا أح أن أخوض في الأمور الفقهية لأنها ليست من إختصاصنا. البعض يقول: وإن مسح رُبع الرأس لأنه يقول برؤوسكم، والبعض يقول ينبغي أن يمسح رأسه كله لأنه عندنا حديث أن الرسول r مرّ بيديه إلى الخلف ثم عاد إلى الأمام. السادة العلماء إذا إختلفوا في أمر ينظر المسلم في الأدلة إن كان من أهل النظر وإلا يتبع أئمة الدين. إذا كان من أهل النظر ينظر إلى أدلة هذا وهذا ثم يأخذ بما يراه الدليل الأقوى.
مسألة الأرجل (وأرجلَكم) عطف المنصوب على المنصوب. وذكرنا أن هناك قراءة سبعية (وأرجلِكم) وقلنا أنها من قبيل الجرّ بالجوار. الثابت في الرواية الصحيحة أن الرسول r وآل بيته وصحابته غسلوا أرجلهم. لكن علماؤنا قالوا هذا إشارة إلى الإقتصاد في الماء وعندنا الحديث: ويل للأعقاب من النار لأنه لم تُعمم فعُمّمت.
سؤال 186: ما دلالة إستخدام العزيز الحكيم في الآية (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118) المائدة) وليس الغفور الرحيم ؟
إنتهينا في المرة الماضية من الوقوف عند قوله تعالى (قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (115)). لو رجعنا إلى الآيات من أولها نجد أن هؤلاء الذين تكلم عليهم عيسى u إرتكبوا جرماً عظيماً لكن مع ذلك نجد في كلامه عليه السلام ما يشير إلى نوع من طلب الرأفة أو الرحمة هو لم يُصرِّح بذلك بشكل صريح. انظر إلى الآيات من أولها: (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ) هذا نوع من إلزام هؤلاء الحجة حتى لا يلقوا بذلك على المسيح u أنه هو الذي قال لنا ذلك. قال (قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118)) إذن الكلام على هؤلاء الذين إتخذوا عيسى u وأمه إلهين من دون الله يعني أشركوا بالله. ومع ذلك ماذا يقول عيسى u لرب العزة سبحانه وتعالى؟ (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) لأن هناك إحتمالان: إما أن يُعذّبوا وإما أن يُغفر لهم. انظر كيف يعرض القرآن ما قاله عيسى u حتى نرى صورة من صور هذا النبي الكريم. إن تعذبهم فإنهم عبادك: استعمل القرآن الكريم كلمة عبادك حتى يشير إلى أنهم عبدة الله عز وجل، هم عبدوا الله تعالى لكن أشركوا به ما لم ينزل به سلطانا، فإن وقع العذاب منك عليهم فهو عذاب على عبادك والسيّد حُرٌ فيما يفعله بعبيده أو عباده. وما استعمل كلمة عبيد (بمعنى مجرد المملوكين) وإنما عباد. من هنا نستشف نوعاً من التوسّط لكن توسط على خجل يعني شفاعة فيها نوع من التردد ليس كشفاعة محمد r. محمد r يشفع لأمته، لأولي الذنوب يقول ربي شفّعني فيهم ويقول أمتي أمتي. إلا أن يُقال له إنهم أحدثوا أشياء عند ذلك يقول بُعداً بُعداً. وحتى هؤلاء الذين قال فيهم بعداً هؤلاء كانوا في الجنة لكن حُرموا كرامة الشُرب من الحوض لأنه بإتفاق الحوض في الجنة فهؤلاء يأتون ليشربوا فيُبعدون عن الحوض فقط لكن يبقون في الجنة. هؤلاء أتباع محمد r.
(فإن تعذبهم فإنهم عبادك) أنت قادر على تعذيبهم ولا أحد يسألك لِمَ عذبتهم لأن لهم جُرم. (وإن تغفر لهم) هنا طلب المغفرة أو ذكر المغفرة ليس بالأمر السهل لأن الجُرم الذي إرتكبوه ليس أمراً سهلاً فلا يناسبه فإنك أنت الغفور الرحيم كأنما أنا أُرشحهم للغفران. لو ذكر المغفرة لكان ترشيحاً منه للغفران وتذكير بمغفرة الله سبحانه وتعالى. هو لا يستغفر لهم وهو لا يملك أن يستغفر لهم وإنما يطرح الأمر هكذا. (وإن تغفر لهم) هناك مجال للمغفرة، لكن من الذي يغفر لهؤلاء؟ يغفر لهم من يملك العزة والحكمة (فإنك أنت العزيز الحكيم). أنا لا أذكّر بغفرانك وإنما أُذكّر بعزّتك التي لا يُنقِصها أي فعل. هذا جرمٌ عظيم لكن عزّتك لا يُنقِصها هذا الجُرم. وأنت حكيم لك الحكمة فيما تفعله بهؤلاء. فإذن لو ذكر المغفرة كان نوعاً من ترشيح الغفران لهم. هو لا يستطيع ذلك لأن جرمهم عظيم وهو الإشراك بالله تعالى (إن الله لا يغفر أن يُشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء). فهم عندهم إشراك ومع ذلك عيسى u يحاول أن يقدّم شيئاً لأمّته (إن تعذبهم فإنهم عبادك) أنت قادر على تعذيبهم (وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم) المغفرة هنا تحتاج إلى عزة وحكم لأن الجرم عظيم.
ما قال فإنك أنت الغفو الرحيم لأن الغفور الرحيم يغفر الذنوب ولكن هذا شِرك. والإشراك بالله سبحانه وتعالى جُرمٌ عظيم جداً. لم ترد الغفور الرحيم في مواطن الشِرك وهنا موطن شرك فلا يناسبه كلمة الغفور الرحيم لأن الغفور صيغة مبالغة من المغفرة يعني العظيم الغفارن. فلا يناسب العظيم الغفران مع الجُرم الشديد وإنما يحتاج إلى كلام عن العزة والحكمة وإلا كان يمكن في غير القرآن أن يقول فإنك أنت الغفور الرحيم وقد قالها في مواطن أخرى ولا يعجزه أن يقول هنا فإنك أنت الغفور الرحيم لكن غيّر ما يتوقعه الإنسان حتى يبين عِظَم الجُرم وأن الذي يقضي فيه هو عزيز حكيم عزّ فحكم كقول ذلك الأعرابي في آية السارق والسارقة. لأن هذه مسألة (الإشراك) ليس من السهل الغفران فيها ومع ذلك عيسى ِ يحاول، هم فعلوا هذا وارتكبوا هذا الجُرم فإذا صدر منك عقاب لهم فهو عبيدك تفعل بهم ما تشاء. وإن غفرت لهم فأنت تغفر بعزّتك وحكمتك، بالعزة والحكمة وليس بالغفران الذي هو صفة من صفات الله سبحانه وتعالى وإنما العزة والحكمة وليس الغفران والرحمة. ومن هنا جاء التعبير بهاتين الكلمتين (فإنك أنت العزيز الحكيم). مع المقدرة على أن يقول في غير هذا الموضع : فإنك أنت الغفور الرحيم.
لمَ قدّم العذاب؟ قدّم إن تعذبهم على إن تغفر لهم لأن العذاب هو الأصل. الأصل فيهم أن يُعذبوا. الأصل في المشرك بالله سبحانه وتعالى العذاب والمغفرة إستثناء. فبدأ بالأصل (إن تعذبهم) ثم جاء إلى الإستثناء إحتمال المغفرة. فقدّم ما هو أصل ثم ثنّى بما هو إستثناء على الأصل وربطه بالعزة والحكمة وليس بالغفران.
(فإنهم عبادك) لم يقل فهم عبادك: هذا فيه معنى التأكيد أنه لا شك ولا ريب في عبوديتهم لك، هم عبيد لك تفعل بهم ما تشاء. عندما تؤكد ذلك هذا نوع من التقدّيم لله تعالى أنه لا أحد يشاركك في هذا الأمر فأنت تفعل بهم ما تشاء وهذا النوع من الإذلال فيه نوع من التقرّب إلى الله سبحانه وتعالى . الإنسان يتقرب إلى الله تعالى بذكر عبوديته كما في الحديث عنه r: "اللهم إني عبدك، إبن عبدك، إبن أمتك ناصيتي بيدك ماضٍ فيّ حكمك، عدلٌ فيّ قضاؤك" ثم يبدأ يدعو. في البداية يقدّم العبودية المطلقة لله سبحانه وتعالى ثم يدعو " أسألك بكل إسم هو لك سميت به نفسك أو علمته أحداً من خلقك أو أنزلته في كتابك أو إستأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي" هذا الربيع الذي ينمو في هذا الجفاف. نسأل الله عز وجل أن يجعله ربيع قلوبنا.
(وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم): ما اللمسة البيانية في هذه التركيبة اللغوية؟ لمَ لم يقل فأنت العزيز الحكيم؟
الضمير أنت هنا يسميه علماؤنا ضمير الفصل فيه معنى التأكيد لكن هو حقيقة المجيء به قالوا للفصل بين الخبر والصفة لأن أحياناً أنت تقول زيدٌ الكريم قادمٌ، كأن هناك زيد كريم وزيد بخيل فلو قلت زيد الكريم ووقفت لا يعلم السامع أنت تصف أم تُخبِر؟ سيكمل الكلام بعد ذلك؟ سيتم بمجيء خبر؟ فحتى يفرقوا: إذا قلت زيد هو الكريم إنتهى الكلام ولا ينتظر منك السامع أن تُكمل. (هو) فصلت بين الخبر والصفة. أن هذا خبر وليس نعتاً (لما تفصل لا ينتظر منك السامع إستكمال الكلام). زيد هو الكريم (الكريم خبر): (هو) ضمير فصل لا محل له من الإعراب أي لا يكون في موضع رفع ولا نصب ولا جرّ. (أنت) ضمير فصل للتأكيد. (فإنك أنت العزيز الحكيم) أنت: ضمير فصل فيه معنى التأكيد أي أنت وليس سواك، أنت دون غيرك.
أنت: هنا ضمير فصل فيه معنى التأكيد (فإنك أنت العزيز الحكيم) كأن فيه معنى الحصر، العزة والحكمة منحصرة في أنك سبحانك عما يصف الظالمون. (فإنك أنت العزيز الحكيم) ضمير فصل ويقال ليس له محل من الإعراب. ولا يعني لا محل له من الإعراب أي لا فائدة منه كما هو شائع بين الناس ولكن بمعنى أنه لا نقول في محل رفع أو في محل نصب أو في محل جرّ. عندما تقول (فإنك أنت) الكاف لها محل من الإعراب في محل نصب لكن كلمة (أنت) لا نقول في محل رفع أو نصب أو جر مثل الجملة الإبتدائية. لما تقول زيدٌ مجتهد: مبتدأ وخبر والجملة لا محل لها من الإعراب. يعني ما تستطيع أن تقول والجملة في محل رفع أو في محل نصب أو في محل جر. (لا محل له من الإعراب) الكثير يفهمه أنه ليس له معنى وشائع هذا الإستخدام في العاميّة : نقول: كلامك لا محل له من الإعراب بمعنى أنه لا فائدة منه. ولكن معناه أنه لا تستطيع أن تقول وهو في محل رفع أو في محل نصب أو في محل جر ولكن له فائدة في الجملة وكما رأينا هنا فيه فائدة التوكيد بل أكثر من ذلك حتى يشعر بمعنى الحصر.
لماذا لم يقل في الآية مثلاً: فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت الله أو الإله أو الرب؟
لا يستقيم عند ذلك لأن الإله بمعنى المعبود. ما علاقة كلمة المعبود بمغفرة جُرم عظيم؟ (فإنك أنت الله) ما علاقة هذا بمادة الحديث؟ فإنك أنت الله: هو لا يريد هذا فقط وإنما هو يريد أن يبين أن جُرمهم عظيم لا يقضي فيه إلا عزيز حكيم فلا يستقيم سوى كلمة العزيز الحكيم مع هذا الجُرم الذي تحدث فيه عن مغفرة. الذي يقضي بالمغفرة. لم يشأ أن يقول الغفور الرحيم لأنه عند ذلك سيقربهم إلى الغفران وهو لا يريد أن يتدخل في هذا الموضوع بهذا القدر. وإنما مجرد الإشارة أنه هناك مجال للمغفرة والذي يغفر عزيز حكيم عزّ فحكم. هذا الذي يقضي في مثل هذا الجرم العظيم لأن جرمهم ليس سهلاً . ولو قال مثلاً: إن تعذبهم فهم يستحقون هذا العذاب، يفوت معنى العبودية. (فإنهم عبادك) يريد أن يذكر ذلك أنهم عباد لك صحيح أن السيد يتصرف بشأن العبيد ومع ذلك فيه إشارة وإلماح إلى هذا الإرتباط أنهم عبادك.
سؤال 187: لماذا جاءت ثمناً وحدها (فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآَثِمِينَ (106) المائدة) مع أنها وردت في القرآن ثمناً قليلاً؟
لو رجعنا إلى الآيات الكريمة سنجد أن كلمة ثمن أوالثمن وردت في أحد عشر موضعاً في القرآن الكريم كله. في موضع واحد فقط لم يوصف وهو موضع السؤال. ووصف في المواضع الأخرى: مرة واحدة وصف بأنه بخس والأماكن الأخرى وصف بأنه قليل. لما ننظر في الآيات: الآية التي لم يوصف بها تتعلق بشهادة على وصية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آَخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآَثِمِينَ (106)) هنا فقط لم يوصف وقال :لا نشتري به ثمناً بدون وصف. هنا الأمر يتعلق بمصالح الناس لأن مصلحة هؤلاء الذين لهم وصية. لما تعلق الأمر بمصلحة الناس جاءت الآية بكلمة ثمن. والثمن هو المقابل أو العِوَض من غير بيانٍ لوصفه حتى لا يجد أحد هذين الشاهدين أي مجال للتنصّل. لوقيل في غير القرآن: لا نشتري به ثمناً قليلاً أو عظيماً يمكن أن يجدا حجة. يقول مثلاً أقسمت أن لا أشترى به ثمناً قليلاً لكن يجوز ثمن معنوي أنه سأتقرّب من هذا الذي سأشهد زوراً من أجله، سأتخلى عن قسمي.
ذُكِرت كلمة ثمن مجرّداً حتى يشمل الحقير والعظيم والمادي والمعنوي والنفيس والتافه يعني حتى يقطع عليهم الطريق لأي تأويل. (لا نشتري به ثمناً) بأي وصف كان لأن هو لم يصفه بوصف. لو وصفه بأي وصف يكون هناك مجال للتحايل والقضية تتعلق بمصلحة الناس. جاءت العبارة قانونية دقيقة في غاية الدقة. لا نشتري به ثمناً أي نحن لا نقبل بما يقابله أي شيء إسمه ثمن فكله ثمن: المادة ثمن، المعنى ثمن، كله ثمن، عِوَض لأن الثمن هو المقابل لما تعطيه.
نُكّرت كلمة ثمن حتى لا يكون هناك أي مجال للتلاعب. (لا نشتري به ثمناً) والثمن كما قلنا هو العوض. عندنا إشترى وشرى: شرى وإشترى مثل باع وابتاع يعني فعل وافتعل. باع بمعنى أعطى بضاعة وأخذ مقابلاً. إبتاع بمعنى أخذ حاجة ودفع ثمناً. كذلك لما نأتي إلى شرى بمعنى أعطى حاجة وأخذ ثمناً بمعنى باع (وشروه بثمن بخس) بمعنى باعوه. واشترى بمعنى إبتاع. (لا نشتري به ثمناً) يعني لا نعطي ونأخذ ثمناً. الشهادة هذه لا نأخذ بها أي ثمن. كأنما في هذه الحالة سيشترون الثمن ويدفعون الشهادة، كأن الشهادة صارت هي الشيء الذي سيدفعونه في مقابل أخذهم للثمن. الآية قلبت الموضوع حتى تبيّن أنه ليس هناك أي مجال لهذه المساومة (لا نشتري به ثمناً) كأن هذا الثمن هو المأخوذ، هو الذي يسعون إليه سواء كان شيئاً مادياً أو معنوياً لا نسعى إليه فنأخذه وندفع هذه الشهادة.
لما نأتي إلى المواطن الأخرى التي وصف فيها الثمن سنجد:
(وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (20) يوسف) الكلام على يوسف u ، هؤلاء أهل القافلة (وشروه بثمن بخس) بمعنى باعوه. نحن عندنا مثلاً الخوارج سموا أنفسهم الشُراة أي الذين باعوا أنفسهم لله سبحانه وتعالى باعتبار (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111) التوبة) وهنا في الآية لمسة بيانية في كلمة (بأن لهم الجنة) ما قال (بالجنة): إشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بهذا الوعد مع التأكيد بأن لهم الجنة.( بثمن بخس) أي دون قدره. ليس القليل لأنه قد يكون كثيراً لكن دون قيمته الحقيقية. البخس فيه نوع من الظلم أنت قد تشتري شيئاً يبيعه لك أحدهم بعشرة آلآف درهم ثم يقال هذا ثمن بخس لأنه يستحق مثلاً 15 ألف درهم فالعشرة آلآف ليست قليلة ولكن دون قدره. بخس أي دون قدره. يوسف u له قيمة لكن هم باعوه بأقل من قيمته الحقيقية أياً كانت وكانوا فيه من الزاهدين: هم يقولون طفل صغير يأكل ويشرب ولا ينفعنا. وهناك لمسة في تقديم (فيه) على (من الزاهدين) لأنه لو قال (وكانوا من الزاهدين فيه) لكان وصفهم بالزهد أي عدم الطمع ولكن هم فيه زاهدون فقط.
البخس دون قدر الشيء والقلة هو القليل الذي هو نذر اليسير ثمن لا قيمة له قليل في ذاته. (بثمن بخس) أي دون قدره. دراهم معدودة يمكن أن تكون عشرة دراهم أو عشرين أو ثلاثين درهماً معدودة لكن قدره كان أعلى من ذلك. ولو قال بثمن قليل قد يكون هو قدره هكذا ثمنه قليل. أما بخس أي لا يناسب قدره.
الثمن القليل جاء حيثما ورد في الكلام عن حق الله سبحانه وتعالى ومعنى ذلك أن العدوان على حق الله سبحانه وتعالى مهما بلغ فهو ثمن قليل. لما يكون الكلام عن الآيات (وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41) البقرة) أي ثمن يناسب آيات الله عز وجل؟ لا شيء. فكل ثمن هو يقل في شأن آيات الله سبحانه وتعالى. (اشْتَرَوْا بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (9) التوبة) أياً كان الثمن فهو قليل. فحيثما ورد الكلام عن آيات الله وعن عهد الله سبحانه وتعالى كله ثمن قليل لا يقابل. وليس معنى ذلك ثمن قليل أنه يمكن أن يشتروا به ثمناً كثيراً.كلا، وإنما بيان إلى أن هذا الثمن الذي أخذتموه لا يقابل آيات الله فهو قليل في حق الله سبحانه وتعالى وكل ثمن يؤخذ مقابل ذلك فهو قليل مهما عظُم لأن القرآن يفسر بعضه بعضاً. لما يقول (وَآَمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41) البقرة) أي ثمن سيكون قليلاً مقابل التضحية بآيات الله سبحانه وتعالى. لا يُفهم أن أشتري به ثمناً كثيراً لأن القرآن يفسر بعضه بعضاً: ستأتي آيات أنهم اشتروا بها ثمناً قليلاً أياً كان الثمن عظيماً سمّاه قليلاً. ً مع آيات الله سبحانه وتعالى فمهما كان الثمن فهو ثمن قليل (ليشتروا به ثمناً قليلاً) أياً كان الثمن فهو قليل.
(إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (174) البقرة) هذا الذي اشتريتموه هو قليل وإن كان في نظركم كبيراً. لما يبيع الإنسان دينه بدنياه، بدنيا عظيمة يريد أن يبيعه، فيقول القرآن له: هذا الذي بعت به هو قليل. (أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) لأنهم أكلوا ثمن شرائهم مقابل آيات الله سبحانه وتعالى فسماه قليلاً مهما كان نوعه.
(إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (77) آل عمران) هذا الثمن سماه قليلاً.
(وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (187) آل عمران) هذا ماضي صار. وصفه بالقِلة أياً كان هذا الثمن هم باعوه في نظرهم بثمن عظيم لكن وصفه القرآن بالقِلة فبئس ما يشترون.
(وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (199) آل عمران) ليس معناه يشترون ثمناً عظيماً ولكن هذا الثمن مهما كان نوعه فهو قليل في مقابل التضحية بآيات الله سبحانه وتعالى.
ثمن: هو يريد أن يبيّن خِسّته وقلته مهما كان من العِظَم ومهما استلمتم مقابل ذلك فهو قليل. الوصف هنا متقصّد.
(فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44) المائدة) ثم (كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (8) اشْتَرَوْا بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (9) التوبة) (وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (95) النحل) . فإذن حيثما ورد الكلام عن شراء هؤلاء لآيات الله سبحانه وتعالى وصفه بأن هذا الذي استلمتموه هو قليل لا يستطيع أحد أن يقابله بآيات الله سبحانه وتعالى فكان لا بد من وصفه بالقليل.
في تسع آيات وصف الثمن بأنه قليل تحقيراً لشأنه وتهويناً من قدره، تسع آيات تتحدث عن الشراء بثمن قليل: إما أن ينهاهم عن ذلك أو يثبته لهم بأنهم فعلوا ذلك وما قبضوه قليل. أما في قضية الوصية والشهادة فتركه مجملاً (ثمناً) ليشمل كل الأشياء المادية والمعنوية وحتى لا يكون هناك نوع من التحايل.
ألا يمكن أن يتعاور الوصف بالبخس والقليل مع بعضهم البعض؟ يمكن إذا أُريد بالبخس ما هو ليس من قدر الشيء الذي بيع ولا يستقيم مع آيات الله. ليس هناك شيء بقدر الآيات لذلك لا يستقيم إلا القلّة.
سؤال 188: ما الفرق بين يحرّفون الكلم عن مواضعه (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (13) المائدة) ويحرفون الكلم من بعد مواضعه (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آَمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آَخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (41) المائدة)؟
كان يمكن في غير القرآن أن يستعمل صيغة واحدة (عن مواضعه) لكن لما ننظر في الآيات التي وردت فيها (عن مواضعه) نجد أن الكلام على تحريف التوراة قديماً (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ) كان عندهم ميثاق بما استحفظوا من كتاب الله (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (13) المائدة) الكلِم له موضع وهم غيّروه وحرّفوه.
أما (من بعد مواضعه) فكان تحريفاً في زمن الرسول r بعد أن ثبتت التوراة، الكلام مثبت عندهم، التحريف قديم لكن هنا الكلام ثُبّت في مواضعه ثم جاءوا بعد ذلك وغيّروه عن مواضعه.
اليهود حرّفوا التوراة قبل الرسول r عن مواضعه، له مواضع حرفوه عنها. الآن ثبت، فمن بعد أن وضعوه في مواضعه عادوا مرة أخرى وحرّفوه. أنتم وضعتموه في مواضعه ثم تعودون مرة أخرى.
الكلام مع الرسول r الكلام الأول (فبما نقضهم ميثاقهم وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ) الكلام عام (هذا التحريف القديم). الآن الكلام مع الرسول r (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آَمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آَخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا) فهذا تحريف ثاني. (عن مواضعه) التحريف الأول، (من بعد مواضعه) بعد أن مرت ألف عام أو أكثر على هذا الموضع عادوا مرة أخرى وحرّفوا من بعد أن ثبّت في مكانه. موطن الآية الثانية يختلف فالموطن الأول الكلام فيه على التوراة عموماً. والموطن الثاني الكلام على عبارات تقدّم بين يدي الرسول r من التوراة. فلما قال (قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (93) آل عمران) غيّروا فيها تغييراً جديداً ومع ذلك بقيت إشارة إلى نبوة محمد r في التوراة. ولو قال في الآية الثانية (عن مواضعه) كان يُقصد التحريف الأول وليس شيئاً جديداً لكنه أراد أن يبيّن أنه تحريف جديد. هم دائمو التحريف، يحرّفون دائماً. أنتم ثبتموه ثم عدتم مرة ثانية وحرّفتموه.
حرّفوه عن مواضعه أي غيّروه، أزالوه. التحريف عن الشيء بمعنى المجاوزة، جعله يجاوز مكانه، غيّروه. لكن (من بعد مواضعه) أي من بعد أن ثُبّت في موضعه، من بعد أن ثبتوه بأيديهم عادوا مرة أخرى فحرّفوه. التحريف هنا المراد به التبديل بالأحرف أيضاً حتى الأحرف بُدّلت. والتحريف هو من تغيير الحروف. هذه الحروف المرسومة غيّروها. هم لم يكونوا يحفظون التوراة على قلوبهم. الأمة الوحيدة التي تحفظ هي أمة الإسلام وهم أي اليهود إلى الآن لا يحفظون التوراة. الآن موجود عندهم وصف المسلمين أن أتباع النبي الخاتم أناجيلهم في صدورهم، يحفظونه في الصدور وهذه صفة المسلمين. في كتبهم يقولون هذه الأمة أناجيلها في صدورها. أي أمة إنجيلها في صدورها غير المسلمين؟ ملايين المسلمين يحفظون القرآن في الصدور والإسلام بدأ بالحفظ على الصدور قبل أن يحفظ في السطور.
بُثّت الحلقة بتاريخ 13/5/2006م
سؤال 189: ما الفرق بين وأغرينا بينهم العداوة والبغضاء (وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (14) المائدة) وألقينا بينهم العداوة والبغضاء (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64) المائدة)؟
هما آيتان إحداهما تقول (فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) والأخرى تقول (وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ). فإذن عندنا كلمتان: كلمة أغرينا وكلمة ألقينا. ننظر فيمن استعملت هذه الكلمة وفيمن استُعملت هذه الكلمة؟ نجد أن كلمة أغرينا استعملت مع النصارى (وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى) وكلمة ألقينا استعملت مع اليهود (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ). نحن نبحث هذا الموضوع في ضوء قوله تعالى (إن الله لا يظلم مثقال ذرة) وفي ضوء قوله (وألا تزر وازرة وزر أخرى). هؤلاء الناس حينما تنزلت أوجاءت التوراة بعد مدة قصيرة أحدثوا فيها تغييراً، وحينما جاء الإنجيل بعد مدة قصيرة أحدثوا فيه تغييراً، هذه عقيدتهم. هذا التغيير أدى بهم إلى أن يتفرقوا ويختلفوا هم أنفسهم. هم أنفسهم عندما بدأوا يغيّرون اختلفوا وتفرقوا وصار عندنا الكتاب المقدس المنزل من عند الله سبحانه وتعالى دخلت فيه أيدي البشر. دخول أيدي البشر هذا جعل هذه الأمة: أمة اليهود تتفرق في وجهات نظرهم وفي آرائهم بما أدخلوه وجعل أمة النصارى يتفرقون تفرقاً مضاعفاً. لماذا تفرقاً مضاعفاً؟ لأنهم اعتمدوا التوراة المحرفة وضمّوها إلى الكتاب المقدس بحيث صار عندنا في الكتاب المقدس للمسيحيين: العهد القديم الذي هو توراة اليهود بكل تحريفاتها والعهد الجديد الذي هو أناجيل المسيحيين بما دخلها من تحريف. فهذا التحريف أدّى إلى هذه الفُرقة العظيمة بين هؤلاء وهؤلاء. هنا قد يرد سؤال وقد أُثير قديماً : أنتم أيها المسلمون تقولون التوراة من عند الله تعالى وتقولون الإنجيل من عند الله تعالى ثم تقولون حُرّفت التوراة وحُرّف الإنجيل، وتقولون القرآن من عند الله تعالى فالنتيجة النهائية أنه كما حُرّف أخواه يُحرّف، فإذن هو محرّف أيضاً؟ نقول هذا يقوله من لا علم له بتاريخ القرآن. نحن لا نستطيع أن نستدل بقوله تعالى (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) لأنهم يقولون هذا محرّف أو هذه الكلمة مزيدة أنتم زدتوها. لكن لما ننظر في تاريخ القرآن وتاريخ تلك الكتب نجد الفارق. الفارق أن القرآن الكريم حفظته أمة في صدورها وحفظته كتابة في وقت تنزّله بينما التوراة والإنجيل لم تحفظ هذا الحفظ بحيث صار فيها هذا التغيير بحيث عندنا صوراً مختلفة. وهذا الحفظ سرى على ملايين الناس في حفظ القرآن الكريم الذي هو صورة مميزة من الصور الأخرى يتميز عنها ويختلف. قد يقول قائل إذا آمن بالآية الكريمة (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) لماذا الأمم الأخرى استحفظت على كتبها بينما القرآن تعهد الله تعالى وتكفل بحفظه؟ الفارق أن تلك الكتب سبق في علم الله عز وجل أنها ستُنسخ، ستذهب، فتركها لهم. يُفترض أن اليهود عندما جاء المسيح u يتركون ما في التوراة ويتحولون إلى الإنجيل. فالله سبحانه وتعالى يقول (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) كلٌ له شرعته ومنهاجه. فاليهود لهم شرعتهم ومنهاجهم والنصارى لهم شرعتهم ومنهاجهم في زمن تنزّل كتبهم فكان ينبغي أن يتحولوا إلى المسيحية. والمسيحيون ومن معهم ممن دخل في دينهم كان ينبغي أن يتحولوا إلى الدين الخاتم. لأنه خاتم الأديان تعهد الله سبحانه وتعالى بحفظ هذا الكتاب الذي يمثل خاتم ديانات الله سبحانه وتعالى على الأرض. هذا الخاتم وجاء في أمة حافظة دخلت في تمرين قبل ذلك. التمرين الذي دخلت فيه هو حفظها للشعر العربي فكانوا يحفظونه: يسمع الشخص القصيدة مرة أو مرتين يحفظها. أمة حافظة فجاء القرآن الكريم بعد تدريب للناس على الحفظ فصار محفوظاً في الصدور. فضلاً عىن ذلك أنه كان يدوّن في وقتها وكان أكثر من 12 رجلاً من الصحابة يكتبون الوحي فهو إذن صورة مباينة مغايرة لما تقدّم. معنى ذلك أن القرآن الكريم هو الكتاب السماوي الوحيد الآن الذي حُفِظ حفظاً علمياً حتى إذا جئنا إلى تحقيق النصوص هو محقق تحقيقاً علمياً.
نعود للأيتين: نحن استقر عندنا أن اليهود حرّفوا التوراة وبسبب التحريف الذي في التوراة دخلوا في مشكلات بسبب التحريف لأنهم صاروا يجتهدون فيما هو خلاف كلام الله عز وجل ولذلك صار بينهم عداوة وهذه العداوة لا تنفصل إلى يوم القيامة. لكن هناك فارق بين عداوة اليهود فيما بينهم وعداوة النصارى فيما بينهم. عداوة اليهود فيما جرّه عليهم تحريفهم للتوراة فهي عداوة محددة بتحريف التوراة. أما عداوة المسيحيين فيما جرّه عليهم الإيمان بتحريفات اليهود فصاروا كاليهود في استحقاقهم العقوبة، أضافوا إلى ذلك تحريفهم الإنجيل فزادوا على اليهود في نزول العقوبة عليهم لأنهم أخذوا بالمحرّف وحرّفوا ما عندهم فيستحقون العقاب الأولى. هذه العقوبة الأَوْلى نحن نلمسها: نجد اليهود مختلفون لكن قد يتفقون في الظاهر لأن خلافهم في الغالب في قضايا الحياة الدنيا، في الماديات، في المصالح، أما النصارى فيختلفون في المصالح كاليهود يضاف إلى ذلك أنهم اختلفوا في طبيعة نبيّهم، أي في أصل من الأصول: هل المسيح u إنسان حلّت فيه روح الله؟ هل هو ابن الله؟ صاروا فرقاً وصاروا في هذا يعتمدون الرهبان والكُهّان بل أكثر من ذلك صار الكاهن مما هو مدوّن في التوراة يملك الغفران. ولذلك في التوراة يقول إذا فعل إنسان ذنباً يأتي إلى الكاهن فيُقدّم قرباناً فيغفر له الكاهن. ولا يقولون فيغفر له الله، وهذا نص من التوراة. وقلنا نص التوراة يؤمن به اليهودي والمسيحي على حد سواء. فلما وصلوا إلى هذا الحد عند ذلك استحقوا أن يعاقبوا. هذا الجرم من التحريف ومن إلتزام التحريف جاء فيه العقوبة. قلنا إن النصارى ينبغي أن تكون عقوبتهم مضاعفة لذا استعملت معهم كلمة (فأغرينا). هم يقولون أغرينا بمعنى هيّجنا لكن لو رجعت إلى أصل الكلمة نجدها مأخوذة من الغراء الذي هو نوع من الصمغ اللاصق. فأغرينا معناها ألقينا بينهم العداوة وألصقناها بهم فهي لاصقة بهم. (فأغرينا) للنصارى و(ألقينا) لليهود. وهذا التاريخ يشهد فأنت لا تجد بين اليهود من الحروب ما وقع بين النصارى. فالحرب العالمية الأولى والثانية كانتا بين النصارى والآن ما يجري في إقليم الباسك وإيرلندا الشمالية وغيرها خلا